«أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: عَرِّفْهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٤٣٦

الحديث رقم ٢٤٣٦ من كتاب «كتاب في اللقطة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة، قال…

«أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا.»

سند حديث: ٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ…

٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ، مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ :

رواة الحديث

شرح حديث: «أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة، قال…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَصْرُورَةٍ مُحَرَّزَةٍ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا تَأْوِيلٍ مَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ صَاحِبُهَا تَعْيِينًا أَوْ إِجْمَالًا، لِأَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ أَفْصَحَ بِأَنَّ ضُرُوعَ الْأَنْعَامِ خَزَائِنُ الطَّعَامِ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ وُجُوبَ الْقَطْعِ وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْغَنَمُ فِي حِرْزٍ اكْتِفَاءً بِحِرْزِ الضَّرْعِ لِلَّبَنِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.

٩ - بَاب إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ

٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ اللُّقَطَةِ قَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ - أَوْ احْمَرَّ وَجْهُهُ - ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ زَيْدِ ابْنِ خَالِدٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْوَدِيعَةِ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى رُجْحَانِ رَفْعِ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اسْتَرَابَ الْبُخَارِيُّ بِالشَّكِّ الْمَذْكُورِ فَتَرْجَمَهُ بِالْمَعْنَى، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَسْقَطَهَا لَفْظًا وَضَمَّنَهَا مَعْنًى لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ مِلْكِ صَاحِبِهَا خِلَافًا لِمَنْ أَبَاحَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ بِلَا ضَمَانٍ.

قَوْلُهُ: وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَعْدَ الِاسْتِنْفَاقِ وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ، فَتَجُوزُ بِذِكْرِ الْوَدِيعَةِ عَنْ وُجُوبِ رَدِّ بَدَلِهَا، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْوَدِيعَةِ أَنْ تَبْقَى عَيْنُهَا، وَالْجَامِعُ وُجُوبُ رَدِّ مَا يَجِدُ الْمَرْءُ لِغَيْرِهِ وَإِلَّا فَالْمَأْذُونُ فِي اسْتِنْفَاقِهِ لَا تَبْقَى عَيْنُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَلْتَكُنْ بِمَعْنَى أَوْ، أَيْ إِمَّا أَنْ تَسْتَنْفِقَهَا وَتَغْرَمَ بَدَلَهَا وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكَهَا عِنْدَكَ عَلَى سَبِيلِ الْوَدِيعَةِ حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا فَتُعْطِيَهَا لَهُ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ تَسْمِيَتِهَا وَدِيعَةً أَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُسْتَدَلُّ بِهِ لِأَحَدِ الْأَقْوَالِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَتْلَفَهَا الْمُلْتَقِطُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَانْقِضَاءِ زَمَنِهِ ثُمَّ أَخْرَجَ بَدَلَهَا ثُمَّ هَلَكَتْ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَكَلَهَا ثُمَّ غَرِمَهَا ثُمَّ ضَاعَتْ قُبِلَ قَوْلُهُ أَيْضًا وَهُوَ الرَّاجِحُ مِنَ الْأَقْوَالِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ.

وَقَوْلُهُ هُنَا: حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْوَجْنَةُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْخَدَّيْنِ، وَفِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ: بِالْوَاوِ وَالْهَمْزَةِ، وَالْفَتْحِ فِيهِمَا، وَالْكَسْرِ.

١٠ - بَاب هَلْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ وَلَا يَدَعُهَا تَضِيعُ حَتَّى لَا يَأْخُذَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ

٢٤٣٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ فِي غَزَاةٍ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا، فَقَالَا لِي: أَلْقِهِ، قُلْتُ: لَا، وَلَكِنِّي إِنْ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ وَإِلَّا اسْتَمْتَعْتُ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعْنَا حَجَجْنَا، فَمَرَرْتُ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ

فَقَالَ: وَجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا.

حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بِهَذَا قَالَ: فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ وَلَا يَدَعُهَا تَضِيعُ حَتَّى لَا يَأْخُذَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَتْ لَا بَعْدَ حَتَّى عِنْدَ ابْنِ شَبَّوَيْهِ، وَأَظُنُّ الْوَاوَ سَقَطَتْ مِنْ قَبْلِ حَتَّى، وَالْمَعْنَى لَا يَدَعْهَا فَتَضِيعَ وَلَا يَدَعْهَا حَتَّى يَأْخُذَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ اللُّقَطَةَ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ الْجَارُودِ مَرْفُوعًا: ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَا يُعَرِّفُهَا، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَنْ آوَى الضَّالَّةَ فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا، وَأَمَّا مَا أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى أُبَيٍّ أَخْذَهُ الصُّرَّةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ شَرْعًا، وَيَسْتَلْزِمُ اشْتِمَالَهُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ وَإِلَّا كَانَ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَتِلْكَ الْمَصْلَحَةُ تَحْصُلُ بِحِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا عَنِ الْخَوَنَةِ وَتَعْرِيفِهَا لِتَصِلَ إِلَى صَاحِبِهَا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْأَرْجَحُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، فَمَتَى رَجَحَ أَخْذُهَا وَجَبَ أَوِ اسْتُحِبَّ، وَمَتَى رَجَحَ تَرْكُهَا حَرُمَ أَوْ كُرِهَ، وَإِلَّا فَهُوَ جَائِزٌ.

قَوْلُهُ: (سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ أَبُو أُمَيَّةَ الْجُعْفِيُّ، تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مُخَضْرَمٌ أَدْرَكَ النَّبِيَّ وَكَانَ فِي زَمَنِهِ رَجُلًا وَأَعْطَى الصَّدَقَةَ فِي زَمَنِهِ وَلَمْ يَرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ صَلَّى خَلْفَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ، وَإِنَّمَا قَدِمَ المَدِينَةَ حِينَ نَفَضُوا أَيْدِيَهُمْ مِنْ دَفْنِهِ ثُمَّ شَهِدَ الْفُتُوحَ وَنَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَمَانِينَ أَوْ بَعْدَهَا وَلَهُ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرُ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَنَا لِدَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَأَنَا أَصْغَرُ مِنْهُ بِسَنَتَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ عَنْ عَلِيٍّ فِي ذِكْرِ الْخَوَارِجِ.

قَوْلُهُ: (مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ) هُوَ الْبَاهِلِيُّ يُقَالُ: لَهُ صُحْبَةٌ، وَيُقَالُ لَهُ: سَلْمَانُ الْخَيْلِ لِخِبْرَتِهِ بِهَا، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى بَعْضِ الْمَغَازِي فِي فُتُوحِ الْعِرَاقِ فِي عَهْدِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ وَلِيَ قَضَاءُ الْكُوفَةِ، وَاسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَتِهِ فِي فُتُوحِ الْعِرَاقِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ.

قَوْلُهُ: (وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ أَيْضًا الْعَبْدِيُّ، تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مُخَضْرَمٌ أَيْضًا، وَزَعَمَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً. وَرَوَى أَبُو يُعْلَى مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْ سَبَقَهُ بَعْضُ أَعْضَائِهِ إِلَى الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ، وَكَانَ قُدُومُ زَيْدٍ فِي عَهْدِ عُمَرَ وَشَهِدَ الْفُتُوحَ، وَرَوَى ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَاقَ النَّبِيُّ لَيْلَةً فَقَالَ: زَيْدٌ زَيْدُ الْخَيْرِ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: رَجُلٌ تَسْبِقُهُ يَدُهُ إِلَى الْجَنَّةِ، فَقُطِعَتْ يَدُ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ فِي بَعْضِ الْفُتُوحِ، وَقُتِلَ مَعَ عَلِيِّ يَوْمَ الْجَمَلِ.

قَوْلُهُ (فِي غَزَاةٍ) زَادَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعُذَيْبِ وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ: مَوْضِعٌ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ شُعْبَةَ فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزَاتِنَا حَجَجْتُ.

قَوْلُهُ: (مِائَةُ دِينَارٍ) اسْتُدِلَّ بِهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي تَفْرِقَتِهِ بَيْنَ قَلِيلِ اللُّقَطَةِ وَكَثِيرِهَا فَيُعَرَّفُ الْكَثِيرُ سَنَةً وَالْقَلِيلُ أَيَّامًا، وَحَدُّ الْقَلِيلِ عِنْدَهُ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ وَهُوَ مَا دُونُ الْعَشَرَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ، وَالْخِلَافَ فِي الْقَدْرِ الْمُلْتَقَطِ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ اعْرِفْ عِدَّتَهَا) هِيَ رَابِعَةٌ بِاعْتِبَارِ مَجِيئِهِ إِلَى النَّبِيِّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٤٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء الثَّقفيُّ مولاهم البغلانيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي (١) عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التَّيميُّ (٢) مولاهم المدنيُّ المعروف بربيعة الرَّأي (عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ : أَنَّ رَجُلًا) وفي السَّابقة [خ¦٢٤٢٧]: أنَّه أعرابيٌّ، وهو يردُّ على ابن بشكوال حيث فسَّره ببلالٍ، وفسَّره الحافظ ابن حجرٍ بسُوَيدٍ والد عقبة بن سُوَيدٍ الجهنيِّ؛ لحديثٍ أخرجه الحميديُّ وابن السَّكن وغيرهما -كما مرَّ- (سَأَلَ رَسُولَ اللهِ عَنِ اللُّقَطَةِ) ما حكمها؟ (قَالَ) : (عَرِّفْهَا سَنَةً) وجوبًا، ولا يجب الاستيعاب للسَّنة، بل تُعرَّف (٣) على العادة (ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا) بكسر الواو: الخيط الذي يُربَط به وعاؤها (وَعِفَاصَهَا) بكسر العين: وعاءها، وهذا يقتضي أنَّ التَّعريف يكون قبل معرفة علاماتها، وفي «باب ضالَّة الغنم» [خ¦٢٤٢٨]: «اعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عرِّفها سنةً»، وهي رواية الأكثر، وهي تقتضي أن يكون التَّعريف متأخِّرًا عن العلامات، فجمع بينهما النَّوويُّ بأن يكون مأمورًا بمعرفة العلامات أوَّل ما يَلْتَقِط حتَّى يعلم صِدْقَ واصفها إذا وصفها كما مرَّ، ثمَّ بعد تعريفها سنةً إذا أراد أن يتملَّكها يعرِّفها (٤) مرَّةً أخرى تعرُّفًا وافيًا مُحقَّقًا، لِيَعْلَم قَدْرَها وصفتها قبل التَّصرُّف فيها (ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا) أي: مالكها (فَأَدِّهَا إِلَيْهِ) إن كانت موجودةً، وإلَّا فردَّ مثلها إن كانت مثليَّةً، أو قيمتها يوم التَّملُّك إن كانت متقوَّمةً؛ لأنَّه يوم دخولها في ضمانه، وضمانها ثابتٌ في ذمَّته من يوم التَّلف، ولا ريب أنَّ المأذون في استنفاقه إذا أُنفِق لا تبقى عينه، وإن جاء المالك وقد بيعت اللُّقطة فله الفسخ في زمن الخيار لاستحقاقه الرُّجوع بعين (٥) ماله مع بقائه، وقيل: ليس له الفسخ؛ لأنَّ خيار العقد إنَّما يستحقُّه العاقد دون غيره؛ لأنَّ (٦) شرط

الخيار للمشتري وحده، فليس للمالك الخيار، ولو كانت موجودةً، لكنَّها نقصت بعد التَّملُّك لزم الملتقط ردُّها مع غرم الأرش؛ لأنَّ جميعها مضمونٌ عليه، فكذا بعضها، وزاد المؤلِّف في الحديث المسوق في «ضالَّة الغنم» [خ¦٢٤٢٨]: «وكانت وديعةً عنده» (قَالُوا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقال» أي: الرَّجل: (يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الغَنَمِ) ما حكمها؟ (قَالَ) : (خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ) أي: إن تركتها ولم يأخذها غيرك يأكلها الذِّئب غالبًا، فنبَّه على جواز التقاطها وتملُّكها وعلى ما هو العلَّة، وهو (١) كونها مُعرَّضةً للضَّياع ليدلَّ على اطِّراد هذا الحكم في كلِّ حيوانٍ يعجز عن الرِّعْيَةِ بغير راعٍ، والتَّحفُّظ عن صغار السِّباع (قَالَ) السَّائل: (يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الإِبِلِ) ما حكمها؟ (قَالَ) زيد بن خالدٍ: (فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ) ما ارتفع من وجهه الكريم (أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ) شكَّ الرَّاوي (ثُمَّ قَالَ) : (مَا لَكَ وَلَهَا؟! مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا) خفُّها وجوفها، زاد في الرِّواية الأخرى [خ¦٢٤٢٩]: «ترد الماء وتأكل الشَّجر» (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) وأشار بالتَّقييد بقوله: «معها سقاؤها» إلى أنَّ المانعَ والفارقَ بينها وبين الغنم ونحوها (٢) استقلالُها بالتَّعيُّش.

(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَأْخُذُ) الشَّخص (اللُّقَطَةَ وَلَا يَدَعُهَا) حال كونها (تَضِيعُ) بتركه إيَّاها (حَتَّى لَا يَأْخُذَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ) قال الحافظ ابن حجرٍ: سقطت «لا» بعد «حتَّى» في رواية ابن شبُّويه، وأظنَّ الواو سقطت من قبل «حتَّى»، والمعنى: لا يدعها تضيع ولا يدعها حتَّى يأخذها من لا يستحقُّ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا يحتاج إلى هذا الظَّنِّ ولا إلى تقدير الواو؛ لأنَّ المعنى صحيحٌ، والمعنى: لا يتركها ضائعةً ينتهي إلى أخذها من لا يستحقُّ، وأشار بهذه التَّرجمة إلى الرَّدِّ على من كره اللُّقطة مستدلًّا بحديث الجارود مرفوعًا عند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ: «ضالَّة المسلم حَرَْق النَّار» بفتح الحاء المهملة (٣) والرَّاء، وقد تُسكَّن الرَّاء، والمعنى: أنَّ ضالَّة المسلم إذا أخذها إنسانٌ ليتملَّكها أدَّته إلى النَّار، وهو تشبيهٌ بليغٌ حُذِف منه حرف التَّشبيه للمبالغة، وهو من تشبيه المحسوس بالمحسوس، ومذهب الشَّافعيَّة استحبابها لأمينٍ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْمَذْكُورَة من وُجُوه الأول أَن التَّمَسُّك بالقاعدة الْمَعْلُومَة أولى قَالَه الْقُرْطُبِيّ وَالثَّانِي أَن حَدِيث النَّهْي أصح وَالثَّالِث أَن ذَلِك مَحْمُول على مَا إِذا علم طيب نفوس أَرْبَاب الْأَمْوَال بِالْعَادَةِ أَو بغَيْرهَا وَالرَّابِع أَن ذَلِك مَحْمُول على أَوْقَات الضرورات كَمَا كَانَ فِي أول الْإِسْلَام وَأجَاب الطَّحَاوِيّ بِأَن هَذِه الْأَحَادِيث كَانَت فِي حَال وجوب الضِّيَافَة حِين أَمر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بهَا وأوجبها للمسافرين على من حلوا بِهِ فَلَمَّا نسخ وجوب ذَلِك وارتفع حكمه ارْتَفع أَيْضا حكم الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَشرب أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حِين الْهِجْرَة من غنم الرَّاعِي وإعطائه للشارع كَانَ إدلالا على صَاحب الْغنم لمعرفته إِيَّاه وَأَنه كَانَ يعلم أَنه أذن لِلرَّاعِي أَن يسْقِي من مر بِهِ أَو أَنه كَانَ عرفه أَنه أَبَاحَ بذلك أَو أَنه مَال حَرْبِيّ لَا أَمَان لَهُ وَقَالَ ابْن أبي صفرَة حَدِيث الْهِجْرَة فِي زمن المكارمة وَهَذَا فِي زمن التشاح لما علم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من تغير الْأَحْوَال بعده وَقَالَ الدَّاودِيّ إِنَّمَا شرب الشَّارِع وَالصديق لِأَنَّهُمَا ابْنا سَبِيل وَلَهُمَا شرب ذَلِك إِذا احتاجا وَفِي الحَدِيث اسْتِعْمَال الْقيَاس لتشبيه النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اللَّبن فِي الضَّرع بِالطَّعَامِ المخزون وَهَذَا هُوَ قِيَاس الْأَشْيَاء على نظائرها وأشباهها وَفِيه إِبَاحَة خزن الطَّعَام واحتكاره خلافًا لغلاة المتزهدة حَيْثُ يَقُولُونَ لَا يجوز الادخار مُطلقًا وَفِيه أَن اللَّبن يُسمى طَعَاما فَيحنث بِهِ من حلف لَا يتَنَاوَل طَعَاما إِلَّا أَن يكون لَهُ نِيَّة تخرج اللَّبن وَقَالَ ابْن عمر فِيهِ مَا يدل على أَن من حلب من ضرع شَاة أَو بقرة أَو نَاقَة بعد أَن يكون فِي حرزها مَا يبلغ قِيمَته مَا يجب فِيهِ الْقطع إِن عَلَيْهِ الْقطع إِلَّا على قَول من لَا يرى الْقطع فِي الْأَطْعِمَة الرّطبَة من الْفَوَاكِه وَفِيه بيع الشَّاة اللَّبُون بِالطَّعَامِ لقَوْله فَإِنَّمَا يخزن لَهُم ضروع مَوَاشِيهمْ أطعماتهم فَجعل اللَّبن طَعَاما وَقد اخْتلف الْفُقَهَاء فِي بيع الشَّاة اللَّبُون بِاللَّبنِ وَسَائِر الطَّعَام نَقْدا أَو إِلَى أجل فَذهب مَالك وَأَصْحَابه إِلَى أَنه لَا بَأْس بِبيع الشَّاة اللَّبُون بِاللَّبنِ يدا بيد مَا لم يكن فِي ضرْعهَا لبن فَإِن كَانَ فِي ضرْعهَا لبن لم يجز يدا بيد بِاللَّبنِ من أجل الْمُزَابَنَة فَإِن كَانَت الشَّاة غير لبون جَازَ فِي ذَلِك الْأَجَل وَغير الْأَجَل وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه لَا يجوز بيع الشَّاة اللَّبُون بِالطَّعَامِ إِلَى أجل وَلَا يجوز عِنْد الشَّافِعِي بيع شَاة فِي ضرْعهَا لبن بِشَيْء من اللَّبن يدا بيد وَلَا إِلَى أجل وَفِيه ذكر الحكم بعلته وإعادته بعد ذكر الْعلَّة تَأْكِيدًا وتقريرا وَفِيه أَن الْقيَاس لَا يشْتَرط فِي صِحَّته مُسَاوَاة الْفَرْع للْأَصْل بِكُل اعْتِبَار بل رُبمَا كَانَت للْأَصْل مزية لَا يضر سُقُوطهَا فِي الْفَرْع إِذا تشاركا فِي أصل الصّفة لِأَن الضَّرع لَا يُسَاوِي الخزانة فِي الخزن لما أَن الصر لَا يُسَاوِي القفل فِيهِ وَمَعَ ذَلِك فقد ألحق الشَّارِع الضَّرع المصرور بالحكم بالخزانة المقفلة فِي تَحْرِيم تنَاول كل مِنْهُمَا بِغَيْر إِذن صَاحبه وَفِيه ضرب الْأَمْثَال للتقريب للإفهام وتمثيل مَا يخفى بِمَا هُوَ وَاضح مِنْهُ -

٩ - (بابٌ إذَا جاءَ صاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ ردَّهَا علَيْهِ لِأَنَّها ودِيعَةٌ عِنْدَهُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا جَاءَ صَاحب اللّقطَة ... إِلَى آخِره. قَوْله: (بعد سنة) أَي: بعد مُضِيّ سنة التَّعْرِيف. قَوْله: (لِأَنَّهَا) أَي: لِأَن اللّقطَة وَدِيعَة عِنْد الْمُلْتَقط، فَيجب ردهَا إِلَى صَاحبهَا.

٦٣٤٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ يَزيدَ مَولاى الْمُنْبَعِثِ عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ الْجُهنيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رجُلاً سَأَلَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ اللُّقَطَةِ قَالَ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وعِفَاصَها ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِها فإنْ جاءَ رَبُّهَا فأدَّهَا إلَيْهِ قَالُوا يَا رسولَ الله فَضالَّةُ الغَنَمِ قَالَ خُذْهَا فإنَّمَا هِيَ لَكَ أوْ لِأَخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ قَالَ يَا رسولَ الله فَضالَّةُ الإبلِ قَالَ فَغَضِبَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حتَّى احْمَرَّتْ وجْنَتَاهُ إوِ احْمَرَّ وجْهُهُ ثُمَّ قَالَ مالَكَ ولَها مَعها حِذَاؤُهَا وسِقَاؤُها حتَّى يَلْقاها ربُّهَا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن جَاءَ رَبهَا فأدها إِلَيْهِ) . فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث لفظ: لِأَنَّهَا وَدِيعَة عِنْده؟ قلت: أُجِيب بجوابين: أَحدهمَا: أَنه ذكر هَذِه اللَّفْظَة فِي: بَاب ضَالَّة الْغنم، قبل هَذَا الْبَاب بِخَمْسَة أَبْوَاب، وَلكنه ذكره بِالشَّكِّ هُنَاكَ

وَذكره هُنَا مترجماً بِالْمَعْنَى، لِأَن قَوْله: (أدها إِلَيْهِ) بعد الاستنفاق، يدل على وجوب الرَّد وعَلى أَنه لَا يملكهَا، فَيكون كَالْوَدِيعَةِ عِنْده، وَالْجَوَاب الآخر: أَنه أسقط هَذَا اللَّفْظ من حَيْثُ اللَّفْظ، وَذكره ضمنا من حَيْثُ الْمَعْنى، لِأَن قَوْله: (فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فأدها إِلَيْهِ) ، يدل على بَقَاء ملك صَاحبهَا، خلافًا لمن أَبَاحَهَا بعد الْحول بِلَا ضَمَان، والجوابان متقاربان، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصًى. ثمَّ إِنَّه يسْتَدلّ من قَوْله: (لِأَنَّهَا وَدِيعَة عِنْده) على أَنَّهَا إِذا تلفت من غير تَقْصِير مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَيدل على هَذَا اخْتِيَاره، كَمَا هُوَ قَول جمَاعَة من السّلف. فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر الْأَدَاء بعد الأْستنفاق؟ قلت: بدلهَا يقوم مقَامهَا، وَكَيْفِيَّة ذَلِك مَعَ مَا قَالُوا فِيهِ قد مَضَت محررة. قَوْله: (حَتَّى احْمَرَّتْ وجنتاه أَو احمر وَجهه) ، شكّ من الرَّاوِي، والوجنتان تَثْنِيَة: وجنة، وَهِي مَا ارْتَفع من الْخَدين، وفيهَا أَربع لُغَات: بِالْوَاو وبالهمزة وبالفتح فيهمَا وبالكسر أَيْضا. وَالله أعلم.

٠١ - (بابٌ هَلْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ وَلَا يَدَعُهَا تَضِيعُ حتَّى لَا يأخُذُها مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يَأْخُذ الْمُلْتَقط اللّقطَة وَلَا يَدعهَا حَال كَونهَا تضيع بِتَرْكِهِ إِيَّاهَا؟ قَوْله: (حَتَّى لَا يَأْخُذهَا) ، كَذَا هُوَ بِحرف: لَا، بعد: حَتَّى، فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن شبويه: حَتَّى يَأْخُذهَا، بِدُونِ حرف: لَا. وَقَالَ بَعضهم: وأظن الْوَاو سَقَطت من قبل: حَتَّى، وَالْمعْنَى: لَا يَدعهَا تضيع وَلَا يَدعهَا يَأْخُذهَا من لَا يسْتَحق. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الظَّن، وَلَا إِلَى تَقْدِير الْوَاو، لِأَن الْمَعْنى صَحِيح وَالتَّقْدِير لَا يَتْرُكهَا ضائعة، يَنْتَهِي إِلَى أَخذهَا من لَا يسْتَحق، وَكلمَة: هَل، هُنَا لَيست على معنى الِاسْتِفْهَام، بل هِيَ بِمَعْنى: قد، للتحقيق، وَالْمعْنَى: بَاب يذكر فِيهِ قد يَأْخُذ اللّقطَة ... إِلَى آخِره، وَلِهَذَا لَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب. وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى الرَّد على من كره أَخذ اللّقطَة. روى ذَلِك عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح، وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَنه كره أَخذهَا، والآبق فَإِن أَخذ ذَلِك وضاعت وأبق من غير تضييعه لم يضمن، وَكره أَحْمد أَخذهَا أَيْضا، وَمن حجتهم فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن أبي الْعَلَاء يزِيد بن عبد الله بن الشخير عَن أبي مُسلم الجذمي عَن الْجَارُود، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار) . وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن أبي دَاوُد عَن الْمثنى بن سعيد عَن قَتَادَة عَن يزِيد بن عبد الله عَن أبي مُسلم الجذمي عَن الْجَارُود نَحوه. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا. قلت: سُلَيْمَان بن حَرْب شيخ البُخَارِيّ وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. وَأَبُو مُسلم الجذمي، بِفَتْح الْجِيم والذال الْمُعْجَمَة: نِسْبَة إِلَى جذيمة عبد الْقَيْس، لَا يعرف اسْمه، والجارود هُوَ ابْن الْمُعَلَّى الْعَبْدي، واسْمه: بشر، والجارود: لقب بِهِ لِأَنَّهُ أغار فِي الْجَاهِلِيَّة على بكر بن وَائِل فَأَصَابَهُمْ وجردهم، وَفد على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنة عشر فِي وَفد عبد الْقَيْس، فَأسلم وَكَانَ نَصْرَانِيّا، ففرح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِسْلَامِهِ وأكرمه وقربه. والضالة: هِيَ الضائعة من كل مَا يقتنى من الْحَيَوَان وَغَيره، يُقَال: ضل الصَّبِي، إِذا ضَاعَ، وضل عَن الطَّرِيق إِذا حَار وَقد: مر الْكَلَام فِيهِ مرّة. قَوْله: (حرق النَّار) ، بِفتْحَتَيْنِ وَقد تسكن الرَّاء، وَحرق النَّار لهيبها، وَالْمعْنَى: أَن ضَالَّة الْمُسلم إِذا أَخذهَا إِنْسَان ليتملكها إدته إِلَى النَّار، وَهَذَا تَشْبِيه بليغ. وحرف التَّشْبِيه مَحْذُوف لأجل الْمُبَالغَة، وَهُوَ من تَشْبِيه المحسوس بالمحسوس. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَأحمد فِي رِوَايَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا يحرم أَخذ الضوال، وَعَن الشَّافِعِي فِي قَول وَأحمد فِي رِوَايَة: ندب تَركهَا، وَعَن الشَّافِعِي فِي قَول: يجب رَفعهَا، وَقَالَ ابْن حزم: قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: كلا الْأَمريْنِ، مُبَاح، وَالْأَفْضَل أَخذهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي مرّة: أَخذهَا أفضل، وَمرَّة قَالَ: الْوَرع تَركهَا. وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَن الحَدِيث الْمَذْكُور أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرَادَ أَخذهَا لغير التَّعْرِيف، وَقد بَين ذَلِك مَا رُوِيَ عَن الْجَارُود أَيْضا أَنه قَالَ: قد كُنَّا أَتَيْنَا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنحن على إبل عجاف، فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله إِنَّا قد نمر بالحرف فنجد إبِلا فنركبها؟ فَقَالَ: إِن ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار، وَكَانَ سُؤَالهمْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أَخذهَا لِأَن يركبوها، لَا لِأَن يعرفوها، فأجابهم: بِأَن قَالَ: ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار، أَي: إِن ضَالَّة الْمُسلم حكمهَا أَن تحفظ على صَاحبهَا حَتَّى تُؤَدّى إِلَى صَاحبهَا، لَا لِأَن ينْتَفع بهَا لركوب، وَلَا لغير ذَلِك، فَبَان بذلك معنى الحَدِيث.

٧٣٤٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَلَمةَ بنِ كُهَيْلٍ قَالَ سَمِعْتُ سُوَيْدَ بنَ غَفَلَةَ قَالَ كُنْتُ معَ سَلْمانَ بنِ رَبِيعَةَ وزيْدِ بنِ صُوحَانَ فَي غَزاةٍ فوَجَدْتُ سَوْطاً فَقَالَ لي ألْقِهِ قلتُ لَا ولاكِنْ إنْ وجَدْتُ صاحِبَهُ وإلَاّ اسْتَمْتَعْتُ بِهِ فلَمَّا رَجَعْنا حَجَجْنا فمَرَرْتُ بالْمَدِينَةِ فسألْتُ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَقَالَ وجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيها مِائَةُ دِينارٍ فأَتَيْتُ بِها النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عَرِّفْهَا حَوْلاً فعَرَّفْتُها حَوْلاً ثُمَّ أتَيْتُ فَقَالَ عرِّفْها حَوْلاً فعرَّفْتُها حَوْلاً ثُمَّ أتَيْتُهُ قَالَ عَرِّفْهَا حَوْلاً فعرَّفْتُها حَوْلاً ثُمَّ أتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِكَاءَها وَوِعَاءَها فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلَاّ اسْتَمْتِعْ بِهَا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أمره، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِيَّاه بالتعريف، يدل على أَن أَخذ اللّقطَة مَشْرُوع لِئَلَّا تضيع إِذا تَركهَا وَتَقَع فِي يَد غير مستحقها. والْحَدِيث مضى فِي أول كتاب اللّقطَة، وَلكنه أخرجه هَهُنَا من طَرِيق آخر مَعَ زِيَادَة فِيهِ.

وَرِجَاله قد ذكرُوا مَعَ تَرْجَمَة سُوَيْد بن غَفلَة هُنَاكَ، وسلمان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ، يُقَال: لَهُ صُحْبَة، وَيُقَال لَهُ: سلمَان الْخَيل، لخبرته بهَا، وَكَانَ أَمِيرا على بعض الْمَغَازِي فِي فتوح الْعرَاق سنة ثَلَاثِينَ، فِي عهد عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ أول من تولى قَضَاء الْكُوفَة، وَاسْتشْهدَ فِي خِلَافَته فِي فتوح الْعرَاق، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، وَزيد بن صوحان، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا حاء مُهْملَة وَبعد الْألف نون: الْعَبْدي، تَابِعِيّ كَبِير مخضرم أَيْضا، وَزعم ابْن الْكَلْبِيّ: أَن لَهُ صُحْبَة. وروى أَبُو يعلى من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا: من سره أَن ينظر إِلَى من سبقه بعض أَعْضَائِهِ إِلَى الْجنَّة فَلْينْظر إِلَى زيد بن صوحان، وَكَانَ قدوم زيد فِي عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَشهد الْفتُوح، وروى ابْن مَنْدَه من حَدِيث بُرَيْدَة، قَالَ: سَاق النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَيْلَة فَقَالَ زيد: زيد الْخَيْر: فَسئلَ عَن ذَلِك، فَقَالَ رجل سبقه يَده إِلَى الْجنَّة فَقطعت يَد زيد بن صوحان فِي بعض الْفتُوح، وَقتل مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْم الْجمل.

قَوْله: (فِي غزَاة) ، زَاد أَحْمد من طَرِيق سُفْيَان عَن سَلمَة: حَتَّى إِذا كُنَّا بالعذيب، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الدَّال الْمُعْجَمَة: وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة مصغر عذب: وَهُوَ مَوضِع، قَالَه بعض الشُّرَّاح وَسكت. قلت: عذيب وادٍ بِظَاهِر الْكُوفَة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد فِي (شَرحه لشعر أبي الطّيب) عِنْد قَوْله:

(تذكرت مَا بَين العذيب وبارق)

العذيب: مَاء لبني تَمِيم، وَكَذَلِكَ: بارق. قَالَ الرشاطي والبكري: ديار بني تَمِيم بِالْيَمَامَةِ، وعذيبة تَأْنِيث الَّذِي قبله مَوضِع فِي طَرِيق مَكَّة بَين الْجَار وينبع. قَوْله: (ألقه) ، أَمر من الْإِلْقَاء، وَهُوَ الرَّمْي. قَوْله: (قلت: لَا) ، أَي: لَا ألقيه. قَوْله: (الرَّابِعَة) ، هِيَ رَابِعَة بِاعْتِبَار مَجِيئه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وثالثة بِاعْتِبَار التَّعْرِيف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: تقدم أول اللّقطَة أَنَّهَا الثَّالِثَة؟ قلت: التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على نفي الزَّائِد. انْتهى. والأصوب مَا قُلْنَاهُ. قَوْله: (عدتهَا) ، أَي: عَددهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا يدل على تَأْخِير الْمعرفَة عَن التَّعْرِيف، يَعْنِي. قَوْله: (أعرف عدتهَا) ، وَالرِّوَايَات السَّابِقَة بِالْعَكْسِ. قلت: مضى الْجَواب عَن هَذَا عَن قريب، وَهُوَ أَنه مَأْمُور بمعرفتين، يعرف أَولا ليعلم صدق وصفهَا، وَيعرف ثَانِيًا معرفَة زَائِدَة على الأولى، من قدرهَا وجودتها على سَبِيل التَّحْقِيق، ليردها على صَاحبهَا بِلَا تفَاوت.

حدَّثنا عبْدَانُ قَالَ أَخْبرنِي أبي عنْ شُعْبَةَ عنْ سلَمَةَ بِهاذَا قَالَ فَلَقَيْته بَعْدُ بِمَكَّةَ فَقَالَ لَا أدْرِي أثَلاثَةَ أحْوَالٍ أوْ حَوْلاً واحِداً

عَبْدَانِ: اسْمه عبد الله، وعبدان لقب عَلَيْهِ، وَأَبُو عُثْمَان بن جبلة، بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة المفتوحتين: الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَسَلَمَة هُوَ ابْن كهيل.

قَوْله: (بِهَذَا) ، أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. قَوْله: (قَالَ: فَلَقِيته) ، أَي: قَالَ سُوَيْد بن غَفلَة: فَلَقِيت أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (بِمَكَّة فَقَالَ لَا أَدْرِي) أَي: لَا أعلم ... إِلَى آخِره، وَرَوَاهُ مُسلم، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة. وحَدثني أَبُو بكر بن نَافِع، وَاللَّفْظ لَهُ، حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة عَن سَلمَة بن كهيل، قَالَ: سَمِعت سُوَيْد بن غَفلَة،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَصْرُورَةٍ مُحَرَّزَةٍ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا تَأْوِيلٍ مَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ صَاحِبُهَا تَعْيِينًا أَوْ إِجْمَالًا، لِأَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ أَفْصَحَ بِأَنَّ ضُرُوعَ الْأَنْعَامِ خَزَائِنُ الطَّعَامِ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ وُجُوبَ الْقَطْعِ وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْغَنَمُ فِي حِرْزٍ اكْتِفَاءً بِحِرْزِ الضَّرْعِ لِلَّبَنِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.

٩ - بَاب إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ

٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ اللُّقَطَةِ قَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ - أَوْ احْمَرَّ وَجْهُهُ - ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ زَيْدِ ابْنِ خَالِدٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْوَدِيعَةِ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى رُجْحَانِ رَفْعِ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اسْتَرَابَ الْبُخَارِيُّ بِالشَّكِّ الْمَذْكُورِ فَتَرْجَمَهُ بِالْمَعْنَى، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَسْقَطَهَا لَفْظًا وَضَمَّنَهَا مَعْنًى لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ مِلْكِ صَاحِبِهَا خِلَافًا لِمَنْ أَبَاحَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ بِلَا ضَمَانٍ.

قَوْلُهُ: وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَعْدَ الِاسْتِنْفَاقِ وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ، فَتَجُوزُ بِذِكْرِ الْوَدِيعَةِ عَنْ وُجُوبِ رَدِّ بَدَلِهَا، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْوَدِيعَةِ أَنْ تَبْقَى عَيْنُهَا، وَالْجَامِعُ وُجُوبُ رَدِّ مَا يَجِدُ الْمَرْءُ لِغَيْرِهِ وَإِلَّا فَالْمَأْذُونُ فِي اسْتِنْفَاقِهِ لَا تَبْقَى عَيْنُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَلْتَكُنْ بِمَعْنَى أَوْ، أَيْ إِمَّا أَنْ تَسْتَنْفِقَهَا وَتَغْرَمَ بَدَلَهَا وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكَهَا عِنْدَكَ عَلَى سَبِيلِ الْوَدِيعَةِ حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا فَتُعْطِيَهَا لَهُ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ تَسْمِيَتِهَا وَدِيعَةً أَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُسْتَدَلُّ بِهِ لِأَحَدِ الْأَقْوَالِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَتْلَفَهَا الْمُلْتَقِطُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَانْقِضَاءِ زَمَنِهِ ثُمَّ أَخْرَجَ بَدَلَهَا ثُمَّ هَلَكَتْ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَكَلَهَا ثُمَّ غَرِمَهَا ثُمَّ ضَاعَتْ قُبِلَ قَوْلُهُ أَيْضًا وَهُوَ الرَّاجِحُ مِنَ الْأَقْوَالِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ.

وَقَوْلُهُ هُنَا: حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْوَجْنَةُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْخَدَّيْنِ، وَفِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ: بِالْوَاوِ وَالْهَمْزَةِ، وَالْفَتْحِ فِيهِمَا، وَالْكَسْرِ.

١٠ - بَاب هَلْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ وَلَا يَدَعُهَا تَضِيعُ حَتَّى لَا يَأْخُذَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ

٢٤٣٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ فِي غَزَاةٍ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا، فَقَالَا لِي: أَلْقِهِ، قُلْتُ: لَا، وَلَكِنِّي إِنْ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ وَإِلَّا اسْتَمْتَعْتُ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعْنَا حَجَجْنَا، فَمَرَرْتُ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ

فَقَالَ: وَجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا.

حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بِهَذَا قَالَ: فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ وَلَا يَدَعُهَا تَضِيعُ حَتَّى لَا يَأْخُذَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَتْ لَا بَعْدَ حَتَّى عِنْدَ ابْنِ شَبَّوَيْهِ، وَأَظُنُّ الْوَاوَ سَقَطَتْ مِنْ قَبْلِ حَتَّى، وَالْمَعْنَى لَا يَدَعْهَا فَتَضِيعَ وَلَا يَدَعْهَا حَتَّى يَأْخُذَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ اللُّقَطَةَ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ الْجَارُودِ مَرْفُوعًا: ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَا يُعَرِّفُهَا، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَنْ آوَى الضَّالَّةَ فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا، وَأَمَّا مَا أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى أُبَيٍّ أَخْذَهُ الصُّرَّةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ شَرْعًا، وَيَسْتَلْزِمُ اشْتِمَالَهُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ وَإِلَّا كَانَ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَتِلْكَ الْمَصْلَحَةُ تَحْصُلُ بِحِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا عَنِ الْخَوَنَةِ وَتَعْرِيفِهَا لِتَصِلَ إِلَى صَاحِبِهَا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْأَرْجَحُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، فَمَتَى رَجَحَ أَخْذُهَا وَجَبَ أَوِ اسْتُحِبَّ، وَمَتَى رَجَحَ تَرْكُهَا حَرُمَ أَوْ كُرِهَ، وَإِلَّا فَهُوَ جَائِزٌ.

قَوْلُهُ: (سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ أَبُو أُمَيَّةَ الْجُعْفِيُّ، تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مُخَضْرَمٌ أَدْرَكَ النَّبِيَّ وَكَانَ فِي زَمَنِهِ رَجُلًا وَأَعْطَى الصَّدَقَةَ فِي زَمَنِهِ وَلَمْ يَرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ صَلَّى خَلْفَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ، وَإِنَّمَا قَدِمَ المَدِينَةَ حِينَ نَفَضُوا أَيْدِيَهُمْ مِنْ دَفْنِهِ ثُمَّ شَهِدَ الْفُتُوحَ وَنَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَمَانِينَ أَوْ بَعْدَهَا وَلَهُ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرُ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَنَا لِدَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَأَنَا أَصْغَرُ مِنْهُ بِسَنَتَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ عَنْ عَلِيٍّ فِي ذِكْرِ الْخَوَارِجِ.

قَوْلُهُ: (مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ) هُوَ الْبَاهِلِيُّ يُقَالُ: لَهُ صُحْبَةٌ، وَيُقَالُ لَهُ: سَلْمَانُ الْخَيْلِ لِخِبْرَتِهِ بِهَا، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى بَعْضِ الْمَغَازِي فِي فُتُوحِ الْعِرَاقِ فِي عَهْدِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ وَلِيَ قَضَاءُ الْكُوفَةِ، وَاسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَتِهِ فِي فُتُوحِ الْعِرَاقِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ.

قَوْلُهُ: (وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ أَيْضًا الْعَبْدِيُّ، تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مُخَضْرَمٌ أَيْضًا، وَزَعَمَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً. وَرَوَى أَبُو يُعْلَى مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْ سَبَقَهُ بَعْضُ أَعْضَائِهِ إِلَى الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ، وَكَانَ قُدُومُ زَيْدٍ فِي عَهْدِ عُمَرَ وَشَهِدَ الْفُتُوحَ، وَرَوَى ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَاقَ النَّبِيُّ لَيْلَةً فَقَالَ: زَيْدٌ زَيْدُ الْخَيْرِ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: رَجُلٌ تَسْبِقُهُ يَدُهُ إِلَى الْجَنَّةِ، فَقُطِعَتْ يَدُ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ فِي بَعْضِ الْفُتُوحِ، وَقُتِلَ مَعَ عَلِيِّ يَوْمَ الْجَمَلِ.

قَوْلُهُ (فِي غَزَاةٍ) زَادَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعُذَيْبِ وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ: مَوْضِعٌ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ شُعْبَةَ فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزَاتِنَا حَجَجْتُ.

قَوْلُهُ: (مِائَةُ دِينَارٍ) اسْتُدِلَّ بِهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي تَفْرِقَتِهِ بَيْنَ قَلِيلِ اللُّقَطَةِ وَكَثِيرِهَا فَيُعَرَّفُ الْكَثِيرُ سَنَةً وَالْقَلِيلُ أَيَّامًا، وَحَدُّ الْقَلِيلِ عِنْدَهُ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ وَهُوَ مَا دُونُ الْعَشَرَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ، وَالْخِلَافَ فِي الْقَدْرِ الْمُلْتَقَطِ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ اعْرِفْ عِدَّتَهَا) هِيَ رَابِعَةٌ بِاعْتِبَارِ مَجِيئِهِ إِلَى النَّبِيِّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٤٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء الثَّقفيُّ مولاهم البغلانيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي (١) عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التَّيميُّ (٢) مولاهم المدنيُّ المعروف بربيعة الرَّأي (عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ : أَنَّ رَجُلًا) وفي السَّابقة [خ¦٢٤٢٧]: أنَّه أعرابيٌّ، وهو يردُّ على ابن بشكوال حيث فسَّره ببلالٍ، وفسَّره الحافظ ابن حجرٍ بسُوَيدٍ والد عقبة بن سُوَيدٍ الجهنيِّ؛ لحديثٍ أخرجه الحميديُّ وابن السَّكن وغيرهما -كما مرَّ- (سَأَلَ رَسُولَ اللهِ عَنِ اللُّقَطَةِ) ما حكمها؟ (قَالَ) : (عَرِّفْهَا سَنَةً) وجوبًا، ولا يجب الاستيعاب للسَّنة، بل تُعرَّف (٣) على العادة (ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا) بكسر الواو: الخيط الذي يُربَط به وعاؤها (وَعِفَاصَهَا) بكسر العين: وعاءها، وهذا يقتضي أنَّ التَّعريف يكون قبل معرفة علاماتها، وفي «باب ضالَّة الغنم» [خ¦٢٤٢٨]: «اعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عرِّفها سنةً»، وهي رواية الأكثر، وهي تقتضي أن يكون التَّعريف متأخِّرًا عن العلامات، فجمع بينهما النَّوويُّ بأن يكون مأمورًا بمعرفة العلامات أوَّل ما يَلْتَقِط حتَّى يعلم صِدْقَ واصفها إذا وصفها كما مرَّ، ثمَّ بعد تعريفها سنةً إذا أراد أن يتملَّكها يعرِّفها (٤) مرَّةً أخرى تعرُّفًا وافيًا مُحقَّقًا، لِيَعْلَم قَدْرَها وصفتها قبل التَّصرُّف فيها (ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا) أي: مالكها (فَأَدِّهَا إِلَيْهِ) إن كانت موجودةً، وإلَّا فردَّ مثلها إن كانت مثليَّةً، أو قيمتها يوم التَّملُّك إن كانت متقوَّمةً؛ لأنَّه يوم دخولها في ضمانه، وضمانها ثابتٌ في ذمَّته من يوم التَّلف، ولا ريب أنَّ المأذون في استنفاقه إذا أُنفِق لا تبقى عينه، وإن جاء المالك وقد بيعت اللُّقطة فله الفسخ في زمن الخيار لاستحقاقه الرُّجوع بعين (٥) ماله مع بقائه، وقيل: ليس له الفسخ؛ لأنَّ خيار العقد إنَّما يستحقُّه العاقد دون غيره؛ لأنَّ (٦) شرط

الخيار للمشتري وحده، فليس للمالك الخيار، ولو كانت موجودةً، لكنَّها نقصت بعد التَّملُّك لزم الملتقط ردُّها مع غرم الأرش؛ لأنَّ جميعها مضمونٌ عليه، فكذا بعضها، وزاد المؤلِّف في الحديث المسوق في «ضالَّة الغنم» [خ¦٢٤٢٨]: «وكانت وديعةً عنده» (قَالُوا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقال» أي: الرَّجل: (يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الغَنَمِ) ما حكمها؟ (قَالَ) : (خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ) أي: إن تركتها ولم يأخذها غيرك يأكلها الذِّئب غالبًا، فنبَّه على جواز التقاطها وتملُّكها وعلى ما هو العلَّة، وهو (١) كونها مُعرَّضةً للضَّياع ليدلَّ على اطِّراد هذا الحكم في كلِّ حيوانٍ يعجز عن الرِّعْيَةِ بغير راعٍ، والتَّحفُّظ عن صغار السِّباع (قَالَ) السَّائل: (يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الإِبِلِ) ما حكمها؟ (قَالَ) زيد بن خالدٍ: (فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ) ما ارتفع من وجهه الكريم (أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ) شكَّ الرَّاوي (ثُمَّ قَالَ) : (مَا لَكَ وَلَهَا؟! مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا) خفُّها وجوفها، زاد في الرِّواية الأخرى [خ¦٢٤٢٩]: «ترد الماء وتأكل الشَّجر» (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) وأشار بالتَّقييد بقوله: «معها سقاؤها» إلى أنَّ المانعَ والفارقَ بينها وبين الغنم ونحوها (٢) استقلالُها بالتَّعيُّش.

(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَأْخُذُ) الشَّخص (اللُّقَطَةَ وَلَا يَدَعُهَا) حال كونها (تَضِيعُ) بتركه إيَّاها (حَتَّى لَا يَأْخُذَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ) قال الحافظ ابن حجرٍ: سقطت «لا» بعد «حتَّى» في رواية ابن شبُّويه، وأظنَّ الواو سقطت من قبل «حتَّى»، والمعنى: لا يدعها تضيع ولا يدعها حتَّى يأخذها من لا يستحقُّ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا يحتاج إلى هذا الظَّنِّ ولا إلى تقدير الواو؛ لأنَّ المعنى صحيحٌ، والمعنى: لا يتركها ضائعةً ينتهي إلى أخذها من لا يستحقُّ، وأشار بهذه التَّرجمة إلى الرَّدِّ على من كره اللُّقطة مستدلًّا بحديث الجارود مرفوعًا عند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ: «ضالَّة المسلم حَرَْق النَّار» بفتح الحاء المهملة (٣) والرَّاء، وقد تُسكَّن الرَّاء، والمعنى: أنَّ ضالَّة المسلم إذا أخذها إنسانٌ ليتملَّكها أدَّته إلى النَّار، وهو تشبيهٌ بليغٌ حُذِف منه حرف التَّشبيه للمبالغة، وهو من تشبيه المحسوس بالمحسوس، ومذهب الشَّافعيَّة استحبابها لأمينٍ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْمَذْكُورَة من وُجُوه الأول أَن التَّمَسُّك بالقاعدة الْمَعْلُومَة أولى قَالَه الْقُرْطُبِيّ وَالثَّانِي أَن حَدِيث النَّهْي أصح وَالثَّالِث أَن ذَلِك مَحْمُول على مَا إِذا علم طيب نفوس أَرْبَاب الْأَمْوَال بِالْعَادَةِ أَو بغَيْرهَا وَالرَّابِع أَن ذَلِك مَحْمُول على أَوْقَات الضرورات كَمَا كَانَ فِي أول الْإِسْلَام وَأجَاب الطَّحَاوِيّ بِأَن هَذِه الْأَحَادِيث كَانَت فِي حَال وجوب الضِّيَافَة حِين أَمر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بهَا وأوجبها للمسافرين على من حلوا بِهِ فَلَمَّا نسخ وجوب ذَلِك وارتفع حكمه ارْتَفع أَيْضا حكم الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَشرب أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حِين الْهِجْرَة من غنم الرَّاعِي وإعطائه للشارع كَانَ إدلالا على صَاحب الْغنم لمعرفته إِيَّاه وَأَنه كَانَ يعلم أَنه أذن لِلرَّاعِي أَن يسْقِي من مر بِهِ أَو أَنه كَانَ عرفه أَنه أَبَاحَ بذلك أَو أَنه مَال حَرْبِيّ لَا أَمَان لَهُ وَقَالَ ابْن أبي صفرَة حَدِيث الْهِجْرَة فِي زمن المكارمة وَهَذَا فِي زمن التشاح لما علم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من تغير الْأَحْوَال بعده وَقَالَ الدَّاودِيّ إِنَّمَا شرب الشَّارِع وَالصديق لِأَنَّهُمَا ابْنا سَبِيل وَلَهُمَا شرب ذَلِك إِذا احتاجا وَفِي الحَدِيث اسْتِعْمَال الْقيَاس لتشبيه النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اللَّبن فِي الضَّرع بِالطَّعَامِ المخزون وَهَذَا هُوَ قِيَاس الْأَشْيَاء على نظائرها وأشباهها وَفِيه إِبَاحَة خزن الطَّعَام واحتكاره خلافًا لغلاة المتزهدة حَيْثُ يَقُولُونَ لَا يجوز الادخار مُطلقًا وَفِيه أَن اللَّبن يُسمى طَعَاما فَيحنث بِهِ من حلف لَا يتَنَاوَل طَعَاما إِلَّا أَن يكون لَهُ نِيَّة تخرج اللَّبن وَقَالَ ابْن عمر فِيهِ مَا يدل على أَن من حلب من ضرع شَاة أَو بقرة أَو نَاقَة بعد أَن يكون فِي حرزها مَا يبلغ قِيمَته مَا يجب فِيهِ الْقطع إِن عَلَيْهِ الْقطع إِلَّا على قَول من لَا يرى الْقطع فِي الْأَطْعِمَة الرّطبَة من الْفَوَاكِه وَفِيه بيع الشَّاة اللَّبُون بِالطَّعَامِ لقَوْله فَإِنَّمَا يخزن لَهُم ضروع مَوَاشِيهمْ أطعماتهم فَجعل اللَّبن طَعَاما وَقد اخْتلف الْفُقَهَاء فِي بيع الشَّاة اللَّبُون بِاللَّبنِ وَسَائِر الطَّعَام نَقْدا أَو إِلَى أجل فَذهب مَالك وَأَصْحَابه إِلَى أَنه لَا بَأْس بِبيع الشَّاة اللَّبُون بِاللَّبنِ يدا بيد مَا لم يكن فِي ضرْعهَا لبن فَإِن كَانَ فِي ضرْعهَا لبن لم يجز يدا بيد بِاللَّبنِ من أجل الْمُزَابَنَة فَإِن كَانَت الشَّاة غير لبون جَازَ فِي ذَلِك الْأَجَل وَغير الْأَجَل وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه لَا يجوز بيع الشَّاة اللَّبُون بِالطَّعَامِ إِلَى أجل وَلَا يجوز عِنْد الشَّافِعِي بيع شَاة فِي ضرْعهَا لبن بِشَيْء من اللَّبن يدا بيد وَلَا إِلَى أجل وَفِيه ذكر الحكم بعلته وإعادته بعد ذكر الْعلَّة تَأْكِيدًا وتقريرا وَفِيه أَن الْقيَاس لَا يشْتَرط فِي صِحَّته مُسَاوَاة الْفَرْع للْأَصْل بِكُل اعْتِبَار بل رُبمَا كَانَت للْأَصْل مزية لَا يضر سُقُوطهَا فِي الْفَرْع إِذا تشاركا فِي أصل الصّفة لِأَن الضَّرع لَا يُسَاوِي الخزانة فِي الخزن لما أَن الصر لَا يُسَاوِي القفل فِيهِ وَمَعَ ذَلِك فقد ألحق الشَّارِع الضَّرع المصرور بالحكم بالخزانة المقفلة فِي تَحْرِيم تنَاول كل مِنْهُمَا بِغَيْر إِذن صَاحبه وَفِيه ضرب الْأَمْثَال للتقريب للإفهام وتمثيل مَا يخفى بِمَا هُوَ وَاضح مِنْهُ -

٩ - (بابٌ إذَا جاءَ صاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ ردَّهَا علَيْهِ لِأَنَّها ودِيعَةٌ عِنْدَهُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا جَاءَ صَاحب اللّقطَة ... إِلَى آخِره. قَوْله: (بعد سنة) أَي: بعد مُضِيّ سنة التَّعْرِيف. قَوْله: (لِأَنَّهَا) أَي: لِأَن اللّقطَة وَدِيعَة عِنْد الْمُلْتَقط، فَيجب ردهَا إِلَى صَاحبهَا.

٦٣٤٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ يَزيدَ مَولاى الْمُنْبَعِثِ عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ الْجُهنيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رجُلاً سَأَلَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ اللُّقَطَةِ قَالَ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وعِفَاصَها ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِها فإنْ جاءَ رَبُّهَا فأدَّهَا إلَيْهِ قَالُوا يَا رسولَ الله فَضالَّةُ الغَنَمِ قَالَ خُذْهَا فإنَّمَا هِيَ لَكَ أوْ لِأَخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ قَالَ يَا رسولَ الله فَضالَّةُ الإبلِ قَالَ فَغَضِبَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حتَّى احْمَرَّتْ وجْنَتَاهُ إوِ احْمَرَّ وجْهُهُ ثُمَّ قَالَ مالَكَ ولَها مَعها حِذَاؤُهَا وسِقَاؤُها حتَّى يَلْقاها ربُّهَا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن جَاءَ رَبهَا فأدها إِلَيْهِ) . فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث لفظ: لِأَنَّهَا وَدِيعَة عِنْده؟ قلت: أُجِيب بجوابين: أَحدهمَا: أَنه ذكر هَذِه اللَّفْظَة فِي: بَاب ضَالَّة الْغنم، قبل هَذَا الْبَاب بِخَمْسَة أَبْوَاب، وَلكنه ذكره بِالشَّكِّ هُنَاكَ

وَذكره هُنَا مترجماً بِالْمَعْنَى، لِأَن قَوْله: (أدها إِلَيْهِ) بعد الاستنفاق، يدل على وجوب الرَّد وعَلى أَنه لَا يملكهَا، فَيكون كَالْوَدِيعَةِ عِنْده، وَالْجَوَاب الآخر: أَنه أسقط هَذَا اللَّفْظ من حَيْثُ اللَّفْظ، وَذكره ضمنا من حَيْثُ الْمَعْنى، لِأَن قَوْله: (فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فأدها إِلَيْهِ) ، يدل على بَقَاء ملك صَاحبهَا، خلافًا لمن أَبَاحَهَا بعد الْحول بِلَا ضَمَان، والجوابان متقاربان، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصًى. ثمَّ إِنَّه يسْتَدلّ من قَوْله: (لِأَنَّهَا وَدِيعَة عِنْده) على أَنَّهَا إِذا تلفت من غير تَقْصِير مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَيدل على هَذَا اخْتِيَاره، كَمَا هُوَ قَول جمَاعَة من السّلف. فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر الْأَدَاء بعد الأْستنفاق؟ قلت: بدلهَا يقوم مقَامهَا، وَكَيْفِيَّة ذَلِك مَعَ مَا قَالُوا فِيهِ قد مَضَت محررة. قَوْله: (حَتَّى احْمَرَّتْ وجنتاه أَو احمر وَجهه) ، شكّ من الرَّاوِي، والوجنتان تَثْنِيَة: وجنة، وَهِي مَا ارْتَفع من الْخَدين، وفيهَا أَربع لُغَات: بِالْوَاو وبالهمزة وبالفتح فيهمَا وبالكسر أَيْضا. وَالله أعلم.

٠١ - (بابٌ هَلْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ وَلَا يَدَعُهَا تَضِيعُ حتَّى لَا يأخُذُها مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يَأْخُذ الْمُلْتَقط اللّقطَة وَلَا يَدعهَا حَال كَونهَا تضيع بِتَرْكِهِ إِيَّاهَا؟ قَوْله: (حَتَّى لَا يَأْخُذهَا) ، كَذَا هُوَ بِحرف: لَا، بعد: حَتَّى، فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن شبويه: حَتَّى يَأْخُذهَا، بِدُونِ حرف: لَا. وَقَالَ بَعضهم: وأظن الْوَاو سَقَطت من قبل: حَتَّى، وَالْمعْنَى: لَا يَدعهَا تضيع وَلَا يَدعهَا يَأْخُذهَا من لَا يسْتَحق. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الظَّن، وَلَا إِلَى تَقْدِير الْوَاو، لِأَن الْمَعْنى صَحِيح وَالتَّقْدِير لَا يَتْرُكهَا ضائعة، يَنْتَهِي إِلَى أَخذهَا من لَا يسْتَحق، وَكلمَة: هَل، هُنَا لَيست على معنى الِاسْتِفْهَام، بل هِيَ بِمَعْنى: قد، للتحقيق، وَالْمعْنَى: بَاب يذكر فِيهِ قد يَأْخُذ اللّقطَة ... إِلَى آخِره، وَلِهَذَا لَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب. وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى الرَّد على من كره أَخذ اللّقطَة. روى ذَلِك عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح، وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَنه كره أَخذهَا، والآبق فَإِن أَخذ ذَلِك وضاعت وأبق من غير تضييعه لم يضمن، وَكره أَحْمد أَخذهَا أَيْضا، وَمن حجتهم فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن أبي الْعَلَاء يزِيد بن عبد الله بن الشخير عَن أبي مُسلم الجذمي عَن الْجَارُود، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار) . وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن أبي دَاوُد عَن الْمثنى بن سعيد عَن قَتَادَة عَن يزِيد بن عبد الله عَن أبي مُسلم الجذمي عَن الْجَارُود نَحوه. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا. قلت: سُلَيْمَان بن حَرْب شيخ البُخَارِيّ وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. وَأَبُو مُسلم الجذمي، بِفَتْح الْجِيم والذال الْمُعْجَمَة: نِسْبَة إِلَى جذيمة عبد الْقَيْس، لَا يعرف اسْمه، والجارود هُوَ ابْن الْمُعَلَّى الْعَبْدي، واسْمه: بشر، والجارود: لقب بِهِ لِأَنَّهُ أغار فِي الْجَاهِلِيَّة على بكر بن وَائِل فَأَصَابَهُمْ وجردهم، وَفد على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنة عشر فِي وَفد عبد الْقَيْس، فَأسلم وَكَانَ نَصْرَانِيّا، ففرح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِسْلَامِهِ وأكرمه وقربه. والضالة: هِيَ الضائعة من كل مَا يقتنى من الْحَيَوَان وَغَيره، يُقَال: ضل الصَّبِي، إِذا ضَاعَ، وضل عَن الطَّرِيق إِذا حَار وَقد: مر الْكَلَام فِيهِ مرّة. قَوْله: (حرق النَّار) ، بِفتْحَتَيْنِ وَقد تسكن الرَّاء، وَحرق النَّار لهيبها، وَالْمعْنَى: أَن ضَالَّة الْمُسلم إِذا أَخذهَا إِنْسَان ليتملكها إدته إِلَى النَّار، وَهَذَا تَشْبِيه بليغ. وحرف التَّشْبِيه مَحْذُوف لأجل الْمُبَالغَة، وَهُوَ من تَشْبِيه المحسوس بالمحسوس. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَأحمد فِي رِوَايَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا يحرم أَخذ الضوال، وَعَن الشَّافِعِي فِي قَول وَأحمد فِي رِوَايَة: ندب تَركهَا، وَعَن الشَّافِعِي فِي قَول: يجب رَفعهَا، وَقَالَ ابْن حزم: قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: كلا الْأَمريْنِ، مُبَاح، وَالْأَفْضَل أَخذهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي مرّة: أَخذهَا أفضل، وَمرَّة قَالَ: الْوَرع تَركهَا. وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَن الحَدِيث الْمَذْكُور أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرَادَ أَخذهَا لغير التَّعْرِيف، وَقد بَين ذَلِك مَا رُوِيَ عَن الْجَارُود أَيْضا أَنه قَالَ: قد كُنَّا أَتَيْنَا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنحن على إبل عجاف، فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله إِنَّا قد نمر بالحرف فنجد إبِلا فنركبها؟ فَقَالَ: إِن ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار، وَكَانَ سُؤَالهمْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أَخذهَا لِأَن يركبوها، لَا لِأَن يعرفوها، فأجابهم: بِأَن قَالَ: ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار، أَي: إِن ضَالَّة الْمُسلم حكمهَا أَن تحفظ على صَاحبهَا حَتَّى تُؤَدّى إِلَى صَاحبهَا، لَا لِأَن ينْتَفع بهَا لركوب، وَلَا لغير ذَلِك، فَبَان بذلك معنى الحَدِيث.

٧٣٤٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَلَمةَ بنِ كُهَيْلٍ قَالَ سَمِعْتُ سُوَيْدَ بنَ غَفَلَةَ قَالَ كُنْتُ معَ سَلْمانَ بنِ رَبِيعَةَ وزيْدِ بنِ صُوحَانَ فَي غَزاةٍ فوَجَدْتُ سَوْطاً فَقَالَ لي ألْقِهِ قلتُ لَا ولاكِنْ إنْ وجَدْتُ صاحِبَهُ وإلَاّ اسْتَمْتَعْتُ بِهِ فلَمَّا رَجَعْنا حَجَجْنا فمَرَرْتُ بالْمَدِينَةِ فسألْتُ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَقَالَ وجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيها مِائَةُ دِينارٍ فأَتَيْتُ بِها النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عَرِّفْهَا حَوْلاً فعَرَّفْتُها حَوْلاً ثُمَّ أتَيْتُ فَقَالَ عرِّفْها حَوْلاً فعرَّفْتُها حَوْلاً ثُمَّ أتَيْتُهُ قَالَ عَرِّفْهَا حَوْلاً فعرَّفْتُها حَوْلاً ثُمَّ أتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِكَاءَها وَوِعَاءَها فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلَاّ اسْتَمْتِعْ بِهَا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أمره، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِيَّاه بالتعريف، يدل على أَن أَخذ اللّقطَة مَشْرُوع لِئَلَّا تضيع إِذا تَركهَا وَتَقَع فِي يَد غير مستحقها. والْحَدِيث مضى فِي أول كتاب اللّقطَة، وَلكنه أخرجه هَهُنَا من طَرِيق آخر مَعَ زِيَادَة فِيهِ.

وَرِجَاله قد ذكرُوا مَعَ تَرْجَمَة سُوَيْد بن غَفلَة هُنَاكَ، وسلمان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ، يُقَال: لَهُ صُحْبَة، وَيُقَال لَهُ: سلمَان الْخَيل، لخبرته بهَا، وَكَانَ أَمِيرا على بعض الْمَغَازِي فِي فتوح الْعرَاق سنة ثَلَاثِينَ، فِي عهد عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ أول من تولى قَضَاء الْكُوفَة، وَاسْتشْهدَ فِي خِلَافَته فِي فتوح الْعرَاق، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، وَزيد بن صوحان، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا حاء مُهْملَة وَبعد الْألف نون: الْعَبْدي، تَابِعِيّ كَبِير مخضرم أَيْضا، وَزعم ابْن الْكَلْبِيّ: أَن لَهُ صُحْبَة. وروى أَبُو يعلى من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا: من سره أَن ينظر إِلَى من سبقه بعض أَعْضَائِهِ إِلَى الْجنَّة فَلْينْظر إِلَى زيد بن صوحان، وَكَانَ قدوم زيد فِي عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَشهد الْفتُوح، وروى ابْن مَنْدَه من حَدِيث بُرَيْدَة، قَالَ: سَاق النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَيْلَة فَقَالَ زيد: زيد الْخَيْر: فَسئلَ عَن ذَلِك، فَقَالَ رجل سبقه يَده إِلَى الْجنَّة فَقطعت يَد زيد بن صوحان فِي بعض الْفتُوح، وَقتل مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْم الْجمل.

قَوْله: (فِي غزَاة) ، زَاد أَحْمد من طَرِيق سُفْيَان عَن سَلمَة: حَتَّى إِذا كُنَّا بالعذيب، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الدَّال الْمُعْجَمَة: وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة مصغر عذب: وَهُوَ مَوضِع، قَالَه بعض الشُّرَّاح وَسكت. قلت: عذيب وادٍ بِظَاهِر الْكُوفَة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد فِي (شَرحه لشعر أبي الطّيب) عِنْد قَوْله:

(تذكرت مَا بَين العذيب وبارق)

العذيب: مَاء لبني تَمِيم، وَكَذَلِكَ: بارق. قَالَ الرشاطي والبكري: ديار بني تَمِيم بِالْيَمَامَةِ، وعذيبة تَأْنِيث الَّذِي قبله مَوضِع فِي طَرِيق مَكَّة بَين الْجَار وينبع. قَوْله: (ألقه) ، أَمر من الْإِلْقَاء، وَهُوَ الرَّمْي. قَوْله: (قلت: لَا) ، أَي: لَا ألقيه. قَوْله: (الرَّابِعَة) ، هِيَ رَابِعَة بِاعْتِبَار مَجِيئه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وثالثة بِاعْتِبَار التَّعْرِيف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: تقدم أول اللّقطَة أَنَّهَا الثَّالِثَة؟ قلت: التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على نفي الزَّائِد. انْتهى. والأصوب مَا قُلْنَاهُ. قَوْله: (عدتهَا) ، أَي: عَددهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا يدل على تَأْخِير الْمعرفَة عَن التَّعْرِيف، يَعْنِي. قَوْله: (أعرف عدتهَا) ، وَالرِّوَايَات السَّابِقَة بِالْعَكْسِ. قلت: مضى الْجَواب عَن هَذَا عَن قريب، وَهُوَ أَنه مَأْمُور بمعرفتين، يعرف أَولا ليعلم صدق وصفهَا، وَيعرف ثَانِيًا معرفَة زَائِدَة على الأولى، من قدرهَا وجودتها على سَبِيل التَّحْقِيق، ليردها على صَاحبهَا بِلَا تفَاوت.

حدَّثنا عبْدَانُ قَالَ أَخْبرنِي أبي عنْ شُعْبَةَ عنْ سلَمَةَ بِهاذَا قَالَ فَلَقَيْته بَعْدُ بِمَكَّةَ فَقَالَ لَا أدْرِي أثَلاثَةَ أحْوَالٍ أوْ حَوْلاً واحِداً

عَبْدَانِ: اسْمه عبد الله، وعبدان لقب عَلَيْهِ، وَأَبُو عُثْمَان بن جبلة، بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة المفتوحتين: الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَسَلَمَة هُوَ ابْن كهيل.

قَوْله: (بِهَذَا) ، أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. قَوْله: (قَالَ: فَلَقِيته) ، أَي: قَالَ سُوَيْد بن غَفلَة: فَلَقِيت أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (بِمَكَّة فَقَالَ لَا أَدْرِي) أَي: لَا أعلم ... إِلَى آخِره، وَرَوَاهُ مُسلم، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة. وحَدثني أَبُو بكر بن نَافِع، وَاللَّفْظ لَهُ، حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة عَن سَلمَة بن كهيل، قَالَ: سَمِعت سُوَيْد بن غَفلَة،

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.1 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا إله إلا الله