«أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: عَرِّفْهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٤٣٨

الحديث رقم ٢٤٣٨ من كتاب «كتاب في اللقطة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من عرف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن اللقطة، قال…

«أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا، وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، دَعْهَا حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ.»

سند حديث: ٢٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ…

٢٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن اللقطة، قال…

سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم المال الضال عن ربه، من الذهب، و الفضة، والإبل، والغنم.
فبين له صلى الله عليه وسلم حكم هذه الأشياء لتكون مثالا لأشباهها، من الأموال الضائعة، فتأخذ حكمها.
فقال عن الذهب والفضة: اعرف الرباط الذي شدت به، والوعاء الذي جعلت فيه، لتميزها من بين مالك، ولتخبر بعلمك بها من ادعاها.
فإن طابق وصفه صفاتها، أعطيه إياها، وإلا تبين لك عدم صحة دعواه .
وأمره أن يعرفها سنة كاملة بعد التقاطه إياها.
ويكون التعريف في مجامع الناس كالأسواق ، وأبواب المساجد. والمجمعات العامة، وفي مكان التقاطها.
ثم أباح له- بعد تعريفها سنة، وعدم العثور على صاحبها أن يستنفقها، فإذا جاء صاحبها في أي يوم من أيام الدهر، أداها إليه.
وأما ضالة الإبل ونحوها، مما يمتنع بنفسه، فنهاه عن التقاطها؛ لأنها ليست بحاجة إلى الحفظ، فلها من طبيعتها حافظ، لأن فيها القوة على صيانة نفسها من صغار السباع، ولها من أخفافها ما تقطع به المفاوز، ومن عنقها ما تتناول به الشجر والماء، ومن جوفها ما تحمل به الغذاء، فهي حافظة نفسها حتى يجدها ربها الذي سيبحث عنها في مكان ضياعها.
وأما ضالة الغنم ونحوها من صغار الحيوان، فأمره أن يأخذها حفظا لها من الهلاك وافتراس السباع، وبعد أخذها يأتي صاحبها فيأخذها، أو يمضي عليها حول التعريف فتكون لواجدها .

الفوائد المستفادة من الحديث

  • لا يجوز التقاط اللقطة إلا لمن قدر على تعريفها وأمن نفسه عليها، ومن لم يقدر فعليه أن يسلمها للحاكم الشرعي.
  • أن يعرف الواجد وكاءها ووعاءها وجنسها ليميزها عن ماله وليعرف صفاتها فيختبر من ادعى ضياعها منه، فذلك من تمام حفظها وأدائها إلى ربها.
  • أن يعرفها سنة في مجامع الناس كأبواب المساجد والمحافل والأسواق، وفي مكان وجدانها، لأنه مكان بحث صاحبها، ويبلغ الجهات المسؤولة عنها، كدوائر الشرطة .وفي زمننا يكون نشدانها في الصحف والإذاعات والتلفاز، إذا كانت لقطة خطيرة.
  • إن لم تعرف في مدة العام، جاز له إنفاقها وبقى مستعدا لإعطاء صاحبها عوضها مثلها، إن كانت مثلية، أو قيمتها إن كانت متقومة.
  • إن مضى عليها الحول ولم تعرف، ملكها ملتقطها ملكًا قهريًّا من غير اختيار كالإرث وإذا جاء صاحبها بعد الحول فله عوضها، أو هي بعينها إن كانت موجودة.
  • إن جاء صاحبها ولو بعد أمد طويل ووصفها دفعت إليه، ويكفى وصفها بينة على أنها له، فلا يحتاج إلى شهود ولا إلى يمين، لأن وصفها هو بينتها، فبينة كل شيء بحسبه، فإن البينة ما أبان الحق وأظهره، ووصفها كاف في ذلك، وهذه قاعدة عامة في كل الأحوال، التي يدعيها أحد ولا يكون له فيها منازع، فيكتفي بوصفه إياها.
  • أما ضالة الإبل ونحوها مما يمتنع بقوته أو بعَدْوه أو بطيرانه، فلا يجوز التقاطها، لأن لها من طبيعتها وتركيب الله إياها، ما يحفظها ويمنعها، لكن إن وجدت في مهلكة رُدتْ بقصد الإنقاذ، لا التقاط.
  • أما الشاة فالأحسن- بعد أخذها- أن يعمل فيها الأصلح من أكلها مقدرا قيمتها، أو بيعها وحفظ ثمنها، أو إبقائها مدة التعريف، وتركها بدون أخذها، تعريض لها للهلاك، فإن جاء صاحبها، رجع بها أو بقيمتها وإن لم يأت فهي لمن وجدها.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن اللقطة، قال…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَثَالِثَةٌ بِاعْتِبَارِ التَّعْرِيفِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ أَوَّلَ أَبْوَابِ اللُّقَطَةِ ثَلَاثًا وَقَالَ فِيهَا فَلَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ رُوَاتِهِ فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ.

١١ - بَاب مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ وَلَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى السُّلْطَانِ

٢٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ : أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ اللُّقَطَةِ، قَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، دَعْهَا حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ: هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ وَلَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى السُّلْطَانِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَرْفَعْهَا بِالرَّاءِ بَدَلَ الدَّالِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى رَدِّ قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ قَلِيلًا عَرَّفَهُ وَإِنْ كَانَ مَالًا كَثِيرًا رَفَعَهُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ، نَعَمْ فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ اللُّقَطَةِ وَالضَّوَالِّ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ الْمُؤْتَمَنِ وَغَيْرِهِ فَقَالَ: يُعَرِّفُ الْمُؤْتَمَنُ ; وَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤْتَمَنِ فَيَدْفَعُهَا إِلَى السُّلْطَانِ لِيُعْطِيَهَا الْمُؤْتَمَنَ لِيُعَرِّفَهَا. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ كَانَتِ اللُّقَطَةُ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالسُّلْطَانُ جَائِرٌ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَلْتَقِطَهَا فَإِنِ الْتَقَطَهَا لَا يَدْفَعُهَا لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَادِلًا فَكَذَلِكَ وَيُخَيَّرُ فِي دَفْعِهَا لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غير مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ جَائِرٌ تَخَيَّرَ الْمُلْتَقِطُ وَعَمِلَ بِمَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ عَادِلًا فَكَذَلِكَ.

[١٢ - باب]

٢٤٣٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْبَرَاءُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ - فَسَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ - فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنْ الْغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ فَقَالَ: هَكَذَا - ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالْأُخْرَى - فَحَلَبَ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ إِدَاوَةً، عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ.

[الحديث ٢٤٣٩ - أطرافه في: ٣٦١٥، ٣٦٥٢، ٣٩٠٨، ٣٩١٧، ٥٦٠٧]

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَهُوَ إِمَّا مِنَ الْبَابِ أَوْ كَالْفَصْلِ مِنْهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا عَلَى الْحَالَيْنِ، فَإِنَّهُ سَاقَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ رِوَايَةِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ شُرْبُ النَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ مِنْ لَبَنِ الشَّاةِ الَّتِي وُجِدَتْ مَعَ الرَّاعِي، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُنَاسَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِحَدِيثِ اللُّقَطَةِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَبْوَابِ اللُّقَطَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْمُبِيحَ لِلَّبَنِ هُنَا أَنَّهُ فِي حُكْمِ الضَّائِعِ إِذْ لَيْسَ مَعَ الْغَنَمِ فِي الصَّحْرَاءِ سِوَى رَاعٍ وَاحِدٍ فَالْفَاضِلُ عَنْ شُرْبِهِ مُسْتَهْلَكٌ، فَهُوَ كَالسَّوْطِ الَّذِي اغْتُفِرَ الْتِقَاطُهُ، وَأَعْلَى أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ كَالشَّاةِ الْمُلْتَقَطَةِ فِي الضَّيْعَةِ وَقَدْ قَالَ فِيهَا: هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ اهـ.

وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ تَظْهَرْ مُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ بِخُصُوصِهَا. وَقَوْلُهُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ لِلْأَكْثَرِ وَحَكَى عِيَاضٌ رِوَايَةً بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ شَاةٍ ذَاتِ لَبَنٍ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَجَازَ أَخْذَ ذَلِكَ اللَّبَنِ لِأَنَّهُ مَالٌ حَرْبِيٌّ فَكَانَ حَلَالًا لَهُ، وَتَعَقَّبَهُ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّ الْجِهَادَ وَحِلَّ الْغَنِيمَةِ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِالْمَدِينَةِ، وَلَوْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَخَذَهُ عَلَى أَنَّهُ مَالٌ حَرْبِيٌّ لَمْ يَسْتَفْهِمِ الرَّاعِي هَلْ تُحْلَبُ أَمْ لَا، وَلَكَانَ سَاقَ الْغَنَمَ غَنِيمَةً وَقَتَلَ الرَّاعِيَ أَوْ أَسَرَهُ قَالَ: وَلَكِنَّهُ كَانَ بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى سَبِيلِ الْمَكْرُمَةِ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَدْ أَذِنَ لِلرَّاعِي أَنْ يَسْقِيَ مَنْ مَرَّ بِهِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ وَاسْتِيفَاءُ شَرْحِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ): سَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي بَكْرٍ عَالِيًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، وَنَازِلًا عَنْ إِسْحَاقَ، عَنِ النَّضْرِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، لِتَصْرِيحِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي الرِّوَايَةِ النَّازِلَةِ بِأَنَّ الْبَرَاءَ أَخْبَرَهُ، وَقَدْ أَوْرَدَ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ فِي فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ ذِكْرَ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ فِي اللُّقَطَةِ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ اللُّقَطَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا؛ الْمُعَلَّقُ مِنْهَا خَمْسَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ ثَلَاثَةٌ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ أَثَرٌ وَاحِدٌ لِزَيْدٍ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٦ - كِتَاب الْمَظَالِمِ والغصب

في المظالم وَالْغَصْبِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رَافِعِي رءوسهم، الْمُقْنِعُ وَالْمُقْمِحُ وَاحِدٌ.

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابُ الْمَظَالِمِ. فِي الْمَظَالِمِ وَالْغَصْبِ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَسَقَطَ كِتَابٌ لِغَيْرِهِ، وَلِلنَّسَفِيِّ كِتَابُ الْغَصْبِ بَابٌ فِي الْمَظَالِمِ. وَالْمَظَالِمُ جَمْعُ مَظْلِمَةٍ مَصْدَرُ ظَلَمَ يَظْلِمُ وَاسْمٌ لِمَا أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الشَّرْعِيِّ، وَالْغَصْبُ أَخْذُ حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ - إِلَى - ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ. وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رَافِعِي رُءُوسِهِمُ؛ الْمُقْنِعُ وَالْمُقْمِحُ وَاحِدٌ) سَقَطَ لِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ قَوْلَهُ: رَافِعِي رُءُوسِهِمْ وَهُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ وَكَذَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ:

أَنْهَضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وَأَقْنَعَا … كَأَنَّمَا أَبْصَرَ شَيْئًا أَطْمَعَا

وَحَكَى ثَعْلَبٌ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ، يُقَالُ أَقْنَعَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، وَأَقْنَعَ إِذَا طَأْطَأَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الْوَجْهَانِ: أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ يَنْظُرُ، ثُمَّ يُطَأْطِئُهُ ذُلًّا وَخُضُوعًا قَالَهُ ابْنُ التِّينِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: الْمُقْنِعُ وَالْمُقْمِحُ وَاحِدٌ فَذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْضًا فِي الْمَجَازِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يس، وَزَادَ: مَعْنَاهُ أَنْ يَجْذِبَ الذَّقَنَ حَتَّى تَصِيرَ فِي الصَّدْرِ ثُمَّ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَهَذَا يُسَاعِدُ قَوْلَ ابْنِ التِّينِ لَكِنَّهُ بِغَيْرِ تَرْتِيبٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مُدِيمِي النَّظَرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مُسْرِعِينَ) ثَبَتَ هَذَا هُنَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَوَقَعَ لَهُ هُوَ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا، وَأَمَّا تَفْسِيرُ غَيْرِهِ فَالْمُرَادُ بِهِ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْضًا فَكَذَا قَالَهُ وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَالْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كُلًّا مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الْمُهْطِعُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي ذُلٍّ وَخُشُوعٍ لَا يَقْطَعُ بَصَرَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ يَعْنِي جُوفًا لَا عُقُولَ لَهُمْ) وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا فِي الْمَجَازِ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ حَسَّانَ:

أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي … فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَوَاءُ

وَالْهَوَاءُ: الْخَلَاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ الْأَجْرَامُ، أَيْ لَا قُوَّةَ فِي قُلُوبِهِمْ وَلَا جَرَاءَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَعْنَاهُ نُزِعَتْ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ أَجْوَافِهِمْ.

١ - بَاب قِصَاصِ الْمَظَالِمِ

قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مُدِيمِي النَّظَرِ، وَقَالَ غيره: مُسْرِعِينَ ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ يَعْنِي جُوفًا لَا عُقُولَ لَهُمْ، ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١١) (باب: مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ، وَلَمْ يَدْفَعْهَا) بالدَّال المهملة (١)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولم يرفعها» -بالرَّاء- (إِلَى السُّلْطَانِ).

٢٤٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ -بكسر الفاء- قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ رَبِيعَةَ) الرَّأي (عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ (: أَنَّ أَعْرَابِيًّا) مرَّ الخلاف في اسمه [خ¦٢٤٢٧] (سَأَلَ النَّبِيَّ عَنِ اللُّقَطَةِ) ما حكمها؟ (قَالَ) : (عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا) وعائِها (وَوِكَائِهَا) فادفعها إليه (وَإِلَّا) بأن لم يجئ أحدٌ أو جاء، ولم يخبر بعلاماتها (فَاسْتَنْفِقْ بِهَا) فإن جاء صاحبها فَرُدَّ بدلها (وَسَأَلَهُ) الأعرابيُّ (عَنْ) حكم (ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَتَمَعَّرَ) بتشديد العين المهملة، أي: تغيَّر (وَجْهُهُ) من الغضب (وَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟! مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا) بالذَّال المعجمة (تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ) فهي مستغنيةٌ بذلك عن الحفظ (دَعْهَا) اتركها (حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا) مالكها، نعم إذا وجد الإبل أو نحوها في العمارة (٢) فيجوز له التقاطها للتَّملُّك -كما مرَّ- مع غيره في ضالَّة الإبل (وَسَأَلَهُ) الأعرابيُّ أيضًا (عَنْ) حكم (ضَالَّةِ الغَنَمِ، فَقَالَ) : (هِيَ لَكَ) إن أخذتها (أَوْ لأَخِيكَ) ملتقطٍ آخر (أَوْ لِلذِّئْبِ) يأكلها إن تركتها ولم يأخذها غيرك لأنَّها لا تحمي نفسها.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَثَالِثَةٌ بِاعْتِبَارِ التَّعْرِيفِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ أَوَّلَ أَبْوَابِ اللُّقَطَةِ ثَلَاثًا وَقَالَ فِيهَا فَلَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ رُوَاتِهِ فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ.

١١ - بَاب مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ وَلَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى السُّلْطَانِ

٢٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ : أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ اللُّقَطَةِ، قَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، دَعْهَا حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ: هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ وَلَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى السُّلْطَانِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَرْفَعْهَا بِالرَّاءِ بَدَلَ الدَّالِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى رَدِّ قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ قَلِيلًا عَرَّفَهُ وَإِنْ كَانَ مَالًا كَثِيرًا رَفَعَهُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ، نَعَمْ فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ اللُّقَطَةِ وَالضَّوَالِّ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ الْمُؤْتَمَنِ وَغَيْرِهِ فَقَالَ: يُعَرِّفُ الْمُؤْتَمَنُ ; وَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤْتَمَنِ فَيَدْفَعُهَا إِلَى السُّلْطَانِ لِيُعْطِيَهَا الْمُؤْتَمَنَ لِيُعَرِّفَهَا. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ كَانَتِ اللُّقَطَةُ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالسُّلْطَانُ جَائِرٌ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَلْتَقِطَهَا فَإِنِ الْتَقَطَهَا لَا يَدْفَعُهَا لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَادِلًا فَكَذَلِكَ وَيُخَيَّرُ فِي دَفْعِهَا لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غير مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ جَائِرٌ تَخَيَّرَ الْمُلْتَقِطُ وَعَمِلَ بِمَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ عَادِلًا فَكَذَلِكَ.

[١٢ - باب]

٢٤٣٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْبَرَاءُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ - فَسَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ - فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنْ الْغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ فَقَالَ: هَكَذَا - ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالْأُخْرَى - فَحَلَبَ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ إِدَاوَةً، عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ.

[الحديث ٢٤٣٩ - أطرافه في: ٣٦١٥، ٣٦٥٢، ٣٩٠٨، ٣٩١٧، ٥٦٠٧]

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَهُوَ إِمَّا مِنَ الْبَابِ أَوْ كَالْفَصْلِ مِنْهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا عَلَى الْحَالَيْنِ، فَإِنَّهُ سَاقَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ رِوَايَةِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ شُرْبُ النَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ مِنْ لَبَنِ الشَّاةِ الَّتِي وُجِدَتْ مَعَ الرَّاعِي، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُنَاسَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِحَدِيثِ اللُّقَطَةِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَبْوَابِ اللُّقَطَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْمُبِيحَ لِلَّبَنِ هُنَا أَنَّهُ فِي حُكْمِ الضَّائِعِ إِذْ لَيْسَ مَعَ الْغَنَمِ فِي الصَّحْرَاءِ سِوَى رَاعٍ وَاحِدٍ فَالْفَاضِلُ عَنْ شُرْبِهِ مُسْتَهْلَكٌ، فَهُوَ كَالسَّوْطِ الَّذِي اغْتُفِرَ الْتِقَاطُهُ، وَأَعْلَى أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ كَالشَّاةِ الْمُلْتَقَطَةِ فِي الضَّيْعَةِ وَقَدْ قَالَ فِيهَا: هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ اهـ.

وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ تَظْهَرْ مُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ بِخُصُوصِهَا. وَقَوْلُهُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ لِلْأَكْثَرِ وَحَكَى عِيَاضٌ رِوَايَةً بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ شَاةٍ ذَاتِ لَبَنٍ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَجَازَ أَخْذَ ذَلِكَ اللَّبَنِ لِأَنَّهُ مَالٌ حَرْبِيٌّ فَكَانَ حَلَالًا لَهُ، وَتَعَقَّبَهُ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّ الْجِهَادَ وَحِلَّ الْغَنِيمَةِ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِالْمَدِينَةِ، وَلَوْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَخَذَهُ عَلَى أَنَّهُ مَالٌ حَرْبِيٌّ لَمْ يَسْتَفْهِمِ الرَّاعِي هَلْ تُحْلَبُ أَمْ لَا، وَلَكَانَ سَاقَ الْغَنَمَ غَنِيمَةً وَقَتَلَ الرَّاعِيَ أَوْ أَسَرَهُ قَالَ: وَلَكِنَّهُ كَانَ بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى سَبِيلِ الْمَكْرُمَةِ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَدْ أَذِنَ لِلرَّاعِي أَنْ يَسْقِيَ مَنْ مَرَّ بِهِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ وَاسْتِيفَاءُ شَرْحِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ): سَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي بَكْرٍ عَالِيًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، وَنَازِلًا عَنْ إِسْحَاقَ، عَنِ النَّضْرِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، لِتَصْرِيحِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي الرِّوَايَةِ النَّازِلَةِ بِأَنَّ الْبَرَاءَ أَخْبَرَهُ، وَقَدْ أَوْرَدَ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ فِي فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ ذِكْرَ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ فِي اللُّقَطَةِ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ اللُّقَطَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا؛ الْمُعَلَّقُ مِنْهَا خَمْسَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ ثَلَاثَةٌ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ أَثَرٌ وَاحِدٌ لِزَيْدٍ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٦ - كِتَاب الْمَظَالِمِ والغصب

في المظالم وَالْغَصْبِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رَافِعِي رءوسهم، الْمُقْنِعُ وَالْمُقْمِحُ وَاحِدٌ.

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابُ الْمَظَالِمِ. فِي الْمَظَالِمِ وَالْغَصْبِ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَسَقَطَ كِتَابٌ لِغَيْرِهِ، وَلِلنَّسَفِيِّ كِتَابُ الْغَصْبِ بَابٌ فِي الْمَظَالِمِ. وَالْمَظَالِمُ جَمْعُ مَظْلِمَةٍ مَصْدَرُ ظَلَمَ يَظْلِمُ وَاسْمٌ لِمَا أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الشَّرْعِيِّ، وَالْغَصْبُ أَخْذُ حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ - إِلَى - ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ. وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رَافِعِي رُءُوسِهِمُ؛ الْمُقْنِعُ وَالْمُقْمِحُ وَاحِدٌ) سَقَطَ لِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ قَوْلَهُ: رَافِعِي رُءُوسِهِمْ وَهُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ وَكَذَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ:

أَنْهَضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وَأَقْنَعَا … كَأَنَّمَا أَبْصَرَ شَيْئًا أَطْمَعَا

وَحَكَى ثَعْلَبٌ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ، يُقَالُ أَقْنَعَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، وَأَقْنَعَ إِذَا طَأْطَأَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الْوَجْهَانِ: أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ يَنْظُرُ، ثُمَّ يُطَأْطِئُهُ ذُلًّا وَخُضُوعًا قَالَهُ ابْنُ التِّينِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: الْمُقْنِعُ وَالْمُقْمِحُ وَاحِدٌ فَذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْضًا فِي الْمَجَازِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يس، وَزَادَ: مَعْنَاهُ أَنْ يَجْذِبَ الذَّقَنَ حَتَّى تَصِيرَ فِي الصَّدْرِ ثُمَّ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَهَذَا يُسَاعِدُ قَوْلَ ابْنِ التِّينِ لَكِنَّهُ بِغَيْرِ تَرْتِيبٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مُدِيمِي النَّظَرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مُسْرِعِينَ) ثَبَتَ هَذَا هُنَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَوَقَعَ لَهُ هُوَ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا، وَأَمَّا تَفْسِيرُ غَيْرِهِ فَالْمُرَادُ بِهِ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْضًا فَكَذَا قَالَهُ وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَالْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كُلًّا مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الْمُهْطِعُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي ذُلٍّ وَخُشُوعٍ لَا يَقْطَعُ بَصَرَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ يَعْنِي جُوفًا لَا عُقُولَ لَهُمْ) وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا فِي الْمَجَازِ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ حَسَّانَ:

أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي … فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَوَاءُ

وَالْهَوَاءُ: الْخَلَاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ الْأَجْرَامُ، أَيْ لَا قُوَّةَ فِي قُلُوبِهِمْ وَلَا جَرَاءَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَعْنَاهُ نُزِعَتْ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ أَجْوَافِهِمْ.

١ - بَاب قِصَاصِ الْمَظَالِمِ

قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مُدِيمِي النَّظَرِ، وَقَالَ غيره: مُسْرِعِينَ ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ يَعْنِي جُوفًا لَا عُقُولَ لَهُمْ، ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١١) (باب: مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ، وَلَمْ يَدْفَعْهَا) بالدَّال المهملة (١)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولم يرفعها» -بالرَّاء- (إِلَى السُّلْطَانِ).

٢٤٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ -بكسر الفاء- قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ رَبِيعَةَ) الرَّأي (عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ (: أَنَّ أَعْرَابِيًّا) مرَّ الخلاف في اسمه [خ¦٢٤٢٧] (سَأَلَ النَّبِيَّ عَنِ اللُّقَطَةِ) ما حكمها؟ (قَالَ) : (عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا) وعائِها (وَوِكَائِهَا) فادفعها إليه (وَإِلَّا) بأن لم يجئ أحدٌ أو جاء، ولم يخبر بعلاماتها (فَاسْتَنْفِقْ بِهَا) فإن جاء صاحبها فَرُدَّ بدلها (وَسَأَلَهُ) الأعرابيُّ (عَنْ) حكم (ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَتَمَعَّرَ) بتشديد العين المهملة، أي: تغيَّر (وَجْهُهُ) من الغضب (وَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟! مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا) بالذَّال المعجمة (تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ) فهي مستغنيةٌ بذلك عن الحفظ (دَعْهَا) اتركها (حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا) مالكها، نعم إذا وجد الإبل أو نحوها في العمارة (٢) فيجوز له التقاطها للتَّملُّك -كما مرَّ- مع غيره في ضالَّة الإبل (وَسَأَلَهُ) الأعرابيُّ أيضًا (عَنْ) حكم (ضَالَّةِ الغَنَمِ، فَقَالَ) : (هِيَ لَكَ) إن أخذتها (أَوْ لأَخِيكَ) ملتقطٍ آخر (أَوْ لِلذِّئْبِ) يأكلها إن تركتها ولم يأخذها غيرك لأنَّها لا تحمي نفسها.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.1 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا إله إلا الله