الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٤٣٩
الحديث رقم ٢٤٣٩ من كتاب «كتاب في اللقطة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب حدثنا إسحاق بن إبراهيم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﷽
فِي المظالمُِ والغَصبُِ وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْسِبَنَّ اللهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رَافِعِي الْمُقْنِعُ وَالْمُقْمِحُ وَاحِدٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مُدِيمِي النَّظَرِ وَيُقَالُ مُسْرِعِينَ ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ يَعْنِي جُوفًا لَا عُقُولَ لَهُمْ ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسِبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.
بَابُ قِصَاصِ الْمَظَالِمِ
٢٤٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْبَرَاءُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵄. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵄. قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ، وسقط لأبي ذرٍّ، فهو كالفصل من سابقه.
٢٤٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بسكون الضَّاد المعجمة، ابن شُمَيلٍ -مُصغَّرًا- قال: (أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (البَرَاءُ) بن عازبٍ (عَنْ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (﵄).
وبه (١) قال: «ح» (٢): (وحَدَّثَنَا (٣) عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) الغُدَانيُّ -بضمِّ الغين المعجمة والتَّخفيف- البصريُّ، وثَّقه غير واحدٍ، قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله (٤) السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (عَنْ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (﵄) أنَّه (قَالَ: انْطَلَقْتُ) وفي «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦١٥] من طريق زهير بن معاوية: أَسْرَينا ليلتَنا ومن الغد حتَّى قام قائم الظَّهيرة، وخلا الطَّريق لا يمرُّ فيه أحدٌ، فرُفِعتْ لنا صخرةٌ طويلةٌ لها ظلٌّ لم تأتِ عليه الشَّمس، فنَزَلْنا عنده، وسَوَّيتُ للنَّبيِّ ﷺ مكانًا بيدي ينام عليه، وبسطتُ فيه فروةً وقلت: نَمْ يا رسول، وأنا أنفض لك ما حولك، فنام وخرجتُ أنفض ما حوله (فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ، فَقُلْتُ) وسقطت «الفاء» لغير أبي ذرٍّ، وثبتت له في نسخةٍ (لِمَنْ) ولأبي ذرٍّ: «ممَّن» -بالميم بدل اللَّام- (أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ) ولم يُعرَف اسم الرَّاعي، ولا صاحب الغنم، وذكر الحاكم في «الإكليل» ما يدلُّ على أنَّه ابن مسعودٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو وهمٌ.
(فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟) بفتح اللَّام والمُوحَّدة، وحكى عياضٌ: أنَّ في روايةٍ (١): «لُبَّنٍ» بضمِّ اللَّام (٢) وتشديد المُوحَّدة، جمع لابنٍ، أي: ذوات لبنٍ (فَقَالَ: نَعَمْ) فيها (فَقُلْتُ: هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي؟) قال في «الفتح»: الظَّاهر أنَّ مرادَه بهذا الاستفهام، أي: أمعك إذنٌ في الحلب لمن يمرُّ بك على سبيل الضِّيافة؟ وبهذا يندفع الإشكال، وهو كيف استجاز أبو بكرٍ أخذ اللَّبن من الرَّاعي بغير إذن مالك الغنم، ويحتمل أن يكون أبو بكرٍ لمَّا عرفه عرف رضاه بذلك؛ لصداقته له أو إذنه العامِّ بذلك.
(قَالَ) الرَّاعي: (نَعَمْ) أحلب لك، قال أبو بكرٍ ﵁: (فَأَمَرْتُهُ، فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ) أي: حبسها، والاعتقال أن يضع رجله بين فخذي الشَّاة ويحلبها (ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا) أي: ثديها (مِنَ الغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ) من الغبار أيضًا (فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال» (هَكَذَا، -ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى- فَحَلَبَ كُثْبَةً) بضمِّ الكاف وسكون المُثلَّثة وفتح المُوحَّدة، أي: قَدْرَ قَدْحٍ، أو شيئًا قليلًا، أو قَدْرَ حَلْبَةٍ (مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِدَاوَةً) ركوةً (عَلَى فَمِهَا) بالميم، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «على فيها» (خِرْقَةٌ) بالرَّفع (فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ) من الماء الذي في الإداوة (حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ) بفتح (٣) الموحَّدة والرَّاء (فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ) زاد في «العلامات»: فوافقته حين استيقظ [خ¦٣٦١٥] (فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ) الحديث في شأن «الهجرة» [خ¦٣٩٠٨] وقد ساقه بأتمَّ من هذا السِّياق في «العلامات» [خ¦٣٦١٥] قال ابن المنيِّر: أدخل البخاريُّ هذا الحديث في أبواب «اللُّقطة»؛ لأنَّ اللَّبن إذ ذاك في حكم الضَّائع المُستهلَك، فهو كالسَّوط الذي اغتُفِر التقاطه، وأعلى أحواله أن يكون كالشَّاة المُلتقَطة في المضيعة، وقد قال فيها: «هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب»، وكذا هذا اللَّبن إن لم يُحلَب ضاع، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه قد يُمنَع ضياعُه مع وجود الرَّاعي بحفظه، وهذا يقدح في تشبيهه بالشَّاة؛ لأنَّها بمحل مضيعةٍ بخلاف هذا اللَّبن. والله الموفِّق والمعين على إتمام هذا الكتاب والنَّفع به والإخلاص فيه (٤).
((٤٦)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابٌ فِي (١) المَظَالِمِ) جمع مَظْلَِمةٍ -بكسر اللَّام وفتحها- حكاه الجوهريُّ وغيره، والكسر أكثر، ولم يضبطها ابن سيده في سائر تصرُّفها إلَّا بالكسر، وفي «القاموس»: والمظلِمة -بكسر اللَّام- وكَثُمامةٍ: ما تُظُلِّمَهُ الرَّجل (٢)، فلم يذكر فيه غير (٣) الكسر، ونقل أبو عبيدٍ عن أبي بكر بن القوطيَّة: لا تقول العرب: مظلَمةٌ -بفتح اللَّام- إنَّما هي (٤) مظلِمةٌ، بكسرها، وهي اسمٌ لما (٥) أُخِذَ بغير حقٍّ، والظُّلْم -بالضَّمِّ- قال صاحب «القاموس» وغيره: وضعُ الشَّيء في غير موضعه (٦). (وَالغَصْبِ) وهو لغةً: أخذ الشَّيء ظلمًا، وقيل: أخذه جهرًا بغلبةٍ، وشرعًا: الاستيلاء
على حقِّ الغير عدوانًا، وسقط حرف الجرِّ لأبي ذرٍّ وابن عساكر، و «المظالمُ» بالرَّفع، و «الغصبُ» عطفٌ عليه، وسقط لفظ «كتاب» لغير المُستملي، وللنَّسفيِّ: «كتابُ الغصب بابٌ في المظالم» (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾) يا محمَّد (﴿اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾) أي: لا تحسبه إذا أنظرهم وأجَّلهم أنَّه (١) غافلٌ عنهم، مهملٌ لهم، لا يعاقبهم على صنيعهم، بل هو يحصي ذلك عليهم ويعدُّه عدًّا، فالمراد تثبيته ﷺ، أو هو خطابٌ لغيره ممَّن يجوز أن يحسبه غافلًا لجهله بصفاته تعالى، وعن ابن عيينة: تسليةً للمظلوم وتهديدًا للظَّالم (﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾) يؤخِّر عذابهم (﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾) أي: تشخص فيه أبصارهم، فلا تقرُّ في أماكنها من شدَّة الأهوال، ثمَّ ذكر تعالى كيفيَّة قيامهم من قبورهم ومجيئهم إلى المحشر، فقال: (﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾) [إبراهيم: ٤٣] أي: (رَافِعِي) رؤوسهم (المُقْنِعُ) بالنُّون والعين (وَالمُقْمِحُ) بالميم والحاء المهملة، معناهما (وَاحِدٌ) وهو رفع الرَّأس فيما أخرجه الفريابيُّ عن مجاهدٍ، وهو تفسير أكثر أهل اللُّغة، وسقط قوله «المقنع … » إلى آخره في رواية غير المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وزاد أبو ذرٍّ هنا: «باب قصاص المظالم» (٢).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ أيضًا: (﴿مُهْطِعِينَ﴾) أي: (مُدِيمِي النَّظَرِ) أي (٣): لا يطرفون، هيبةً وخوفًا، وسقطت واو «وقال» لأبي ذرٍّ، ولأبوي ذر والوقت: «مدمني النَّظر» (وَيُقَالُ: مُسْرِعِينَ) أي: إلى الدَّاعي، كما قال تعالى: ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ (٤) [القمر: ٨] وهذا تفسير أبي عبيدة في «المجاز» (﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾) بل تثبت عيونهم شاخصةً لا تطرف لكثرة
ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لِما يحلُّ بهم (﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ يَعْنِي: جُوْفًا) بضمِّ الجيم وسكون الواو: خاويةً خاليةً (لَا عُقُولَ لَهُمْ) لفرط الحيرة والدَّهشة، وهو تشبيهٌ محضٌ؛ لأنَّها ليست بهواءٍ حقيقةً، وجهة التَّشبيه يحتمل أن تكون في فراغ الأفئدة من الخير والرَّجاء والطَّمع في الرَّحمة (﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ﴾) يا محمَّد (﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾) يعني: يوم القيامة، أو يوم الموت، فإنَّه أوَّل يوم عذابهم، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿أذةآر﴾ ولا يجوز أن يكون ظرفًا؛ لأنَّ القيامة ليست بموطن الإنذار (﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾) بالشِّرك والتَّكذيب (﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾) أخِّر العذاب عنَّا ورُدَّنا إلى الدُّنيا، وأمهلنا إلى أمدٍ وحدٍّ من الزَّمان قريبٍ نتدارك ما فرَّطنا فيه (﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾) جوابٌ للأمر، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠] (﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾) على إرادة القول، وفيه وجهان: أن يقولوا ذلك بطرًا وأشرًا ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسَّفه، وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديدًا وأمَّلوا بعيدًا، وقوله: ﴿مَا لَكُم﴾ جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب لقوله: ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾ ولو حُكِي لفظ المقسمين لقِيل: ما لنا من زوالٍ، والمعنى: أقسمتم أنَّكم باقون في الدُّنيا لا تزالون بالموت والفناء، وقيل: لا تنتقلون إلى دارٍ أخرى -يعني: كفرهم بالبعث- كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] قاله الزَّمخشريُّ.
(﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾) بالكفر والمعاصي، كعادٍ وثمود (﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾) بما تشاهدون في منازلهم من آثار ما نزل بهم، وما تواتر عندكم من أخبارهم (﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾) من أحوالهم، أي: بيَّنا لكم أنَّكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو صفات ما فعلوا وفُعِل بهم التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة (﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾) أي: مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم، لإبطال الحقِّ وتقرير الباطل (﴿وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ﴾) ومكتوبٌ عنده فعلُهم، فهو مُجازيهم عليه بمكرٍ هو أعظم منه، أو عنده ما يمكرهم به، وهو عذابهم الذي يستحقُّونه (﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ﴾) في العِظَم والشِّدَّة (﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾) مُسوًّى لإزالة الجبال، مُعَدًّا لذلك،
وقيل: (١) «إنْ» نافيةٌ، واللَّام مؤكِّدَةٌ لها، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] والمعنى: ومُحالٌ أن تزول الجبال بمكرهم على أنَّ الجبال مَثَلٌ لآيات الله وشرائعه، لأنَّها بمنزلة الجبال الرَّاسية ثباتًا وتمكُّنًا، وتنصره قراءة ابن مسعودٍ: (وما كان مكرهم)، وقُرِئ: ﴿لَتَزُولُ﴾ بلام الابتداء على معنى: وإن كان مكرهم من الشِّدَّة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع (٢) عن أماكنها (﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧]) يعني قوله: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١] ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وأصله: مُخْلِفَ رُسُلِه وعدَه، فقدَّم المفعول الثَّاني على الأوَّل إيذانًا بأنَّه لا يخلف الوعد (٣) أصلًا، كقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩] وإذا لم يخلف وعده أحدًا، فكيف يخلف رسله؟ (﴿إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ﴾) غالبٌ لا يمُاكَر، قادرٌ لا يُدافَع (﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾) لأوليائه من أعدائه -كما مرَّ- ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾»، وعنده بعد قوله: ﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ﴾ … «الآية».
(١) (باب: قصاص المَظَالِمِ) (٤) أي: يوم القيامة (٥)، وسقط التَّبويب والتَّرجمة هنا لأبي ذرٍّ، وثبتا عنده بعد قوله: «المقنع والمقمح واحدٌ»، وسقطت الواو من قوله «وقال مجاهدٌ».
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ، وسقط لأبي ذرٍّ، فهو كالفصل من سابقه.
٢٤٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بسكون الضَّاد المعجمة، ابن شُمَيلٍ -مُصغَّرًا- قال: (أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (البَرَاءُ) بن عازبٍ (عَنْ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (﵄).
وبه (١) قال: «ح» (٢): (وحَدَّثَنَا (٣) عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) الغُدَانيُّ -بضمِّ الغين المعجمة والتَّخفيف- البصريُّ، وثَّقه غير واحدٍ، قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله (٤) السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (عَنْ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (﵄) أنَّه (قَالَ: انْطَلَقْتُ) وفي «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦١٥] من طريق زهير بن معاوية: أَسْرَينا ليلتَنا ومن الغد حتَّى قام قائم الظَّهيرة، وخلا الطَّريق لا يمرُّ فيه أحدٌ، فرُفِعتْ لنا صخرةٌ طويلةٌ لها ظلٌّ لم تأتِ عليه الشَّمس، فنَزَلْنا عنده، وسَوَّيتُ للنَّبيِّ ﷺ مكانًا بيدي ينام عليه، وبسطتُ فيه فروةً وقلت: نَمْ يا رسول، وأنا أنفض لك ما حولك، فنام وخرجتُ أنفض ما حوله (فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ، فَقُلْتُ) وسقطت «الفاء» لغير أبي ذرٍّ، وثبتت له في نسخةٍ (لِمَنْ) ولأبي ذرٍّ: «ممَّن» -بالميم بدل اللَّام- (أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ) ولم يُعرَف اسم الرَّاعي، ولا صاحب الغنم، وذكر الحاكم في «الإكليل» ما يدلُّ على أنَّه ابن مسعودٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو وهمٌ.
(فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟) بفتح اللَّام والمُوحَّدة، وحكى عياضٌ: أنَّ في روايةٍ (١): «لُبَّنٍ» بضمِّ اللَّام (٢) وتشديد المُوحَّدة، جمع لابنٍ، أي: ذوات لبنٍ (فَقَالَ: نَعَمْ) فيها (فَقُلْتُ: هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي؟) قال في «الفتح»: الظَّاهر أنَّ مرادَه بهذا الاستفهام، أي: أمعك إذنٌ في الحلب لمن يمرُّ بك على سبيل الضِّيافة؟ وبهذا يندفع الإشكال، وهو كيف استجاز أبو بكرٍ أخذ اللَّبن من الرَّاعي بغير إذن مالك الغنم، ويحتمل أن يكون أبو بكرٍ لمَّا عرفه عرف رضاه بذلك؛ لصداقته له أو إذنه العامِّ بذلك.
(قَالَ) الرَّاعي: (نَعَمْ) أحلب لك، قال أبو بكرٍ ﵁: (فَأَمَرْتُهُ، فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ) أي: حبسها، والاعتقال أن يضع رجله بين فخذي الشَّاة ويحلبها (ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا) أي: ثديها (مِنَ الغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ) من الغبار أيضًا (فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال» (هَكَذَا، -ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى- فَحَلَبَ كُثْبَةً) بضمِّ الكاف وسكون المُثلَّثة وفتح المُوحَّدة، أي: قَدْرَ قَدْحٍ، أو شيئًا قليلًا، أو قَدْرَ حَلْبَةٍ (مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِدَاوَةً) ركوةً (عَلَى فَمِهَا) بالميم، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «على فيها» (خِرْقَةٌ) بالرَّفع (فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ) من الماء الذي في الإداوة (حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ) بفتح (٣) الموحَّدة والرَّاء (فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ) زاد في «العلامات»: فوافقته حين استيقظ [خ¦٣٦١٥] (فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ) الحديث في شأن «الهجرة» [خ¦٣٩٠٨] وقد ساقه بأتمَّ من هذا السِّياق في «العلامات» [خ¦٣٦١٥] قال ابن المنيِّر: أدخل البخاريُّ هذا الحديث في أبواب «اللُّقطة»؛ لأنَّ اللَّبن إذ ذاك في حكم الضَّائع المُستهلَك، فهو كالسَّوط الذي اغتُفِر التقاطه، وأعلى أحواله أن يكون كالشَّاة المُلتقَطة في المضيعة، وقد قال فيها: «هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب»، وكذا هذا اللَّبن إن لم يُحلَب ضاع، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه قد يُمنَع ضياعُه مع وجود الرَّاعي بحفظه، وهذا يقدح في تشبيهه بالشَّاة؛ لأنَّها بمحل مضيعةٍ بخلاف هذا اللَّبن. والله الموفِّق والمعين على إتمام هذا الكتاب والنَّفع به والإخلاص فيه (٤).
((٤٦)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابٌ فِي (١) المَظَالِمِ) جمع مَظْلَِمةٍ -بكسر اللَّام وفتحها- حكاه الجوهريُّ وغيره، والكسر أكثر، ولم يضبطها ابن سيده في سائر تصرُّفها إلَّا بالكسر، وفي «القاموس»: والمظلِمة -بكسر اللَّام- وكَثُمامةٍ: ما تُظُلِّمَهُ الرَّجل (٢)، فلم يذكر فيه غير (٣) الكسر، ونقل أبو عبيدٍ عن أبي بكر بن القوطيَّة: لا تقول العرب: مظلَمةٌ -بفتح اللَّام- إنَّما هي (٤) مظلِمةٌ، بكسرها، وهي اسمٌ لما (٥) أُخِذَ بغير حقٍّ، والظُّلْم -بالضَّمِّ- قال صاحب «القاموس» وغيره: وضعُ الشَّيء في غير موضعه (٦). (وَالغَصْبِ) وهو لغةً: أخذ الشَّيء ظلمًا، وقيل: أخذه جهرًا بغلبةٍ، وشرعًا: الاستيلاء
على حقِّ الغير عدوانًا، وسقط حرف الجرِّ لأبي ذرٍّ وابن عساكر، و «المظالمُ» بالرَّفع، و «الغصبُ» عطفٌ عليه، وسقط لفظ «كتاب» لغير المُستملي، وللنَّسفيِّ: «كتابُ الغصب بابٌ في المظالم» (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾) يا محمَّد (﴿اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾) أي: لا تحسبه إذا أنظرهم وأجَّلهم أنَّه (١) غافلٌ عنهم، مهملٌ لهم، لا يعاقبهم على صنيعهم، بل هو يحصي ذلك عليهم ويعدُّه عدًّا، فالمراد تثبيته ﷺ، أو هو خطابٌ لغيره ممَّن يجوز أن يحسبه غافلًا لجهله بصفاته تعالى، وعن ابن عيينة: تسليةً للمظلوم وتهديدًا للظَّالم (﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾) يؤخِّر عذابهم (﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾) أي: تشخص فيه أبصارهم، فلا تقرُّ في أماكنها من شدَّة الأهوال، ثمَّ ذكر تعالى كيفيَّة قيامهم من قبورهم ومجيئهم إلى المحشر، فقال: (﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾) [إبراهيم: ٤٣] أي: (رَافِعِي) رؤوسهم (المُقْنِعُ) بالنُّون والعين (وَالمُقْمِحُ) بالميم والحاء المهملة، معناهما (وَاحِدٌ) وهو رفع الرَّأس فيما أخرجه الفريابيُّ عن مجاهدٍ، وهو تفسير أكثر أهل اللُّغة، وسقط قوله «المقنع … » إلى آخره في رواية غير المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وزاد أبو ذرٍّ هنا: «باب قصاص المظالم» (٢).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ أيضًا: (﴿مُهْطِعِينَ﴾) أي: (مُدِيمِي النَّظَرِ) أي (٣): لا يطرفون، هيبةً وخوفًا، وسقطت واو «وقال» لأبي ذرٍّ، ولأبوي ذر والوقت: «مدمني النَّظر» (وَيُقَالُ: مُسْرِعِينَ) أي: إلى الدَّاعي، كما قال تعالى: ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ (٤) [القمر: ٨] وهذا تفسير أبي عبيدة في «المجاز» (﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾) بل تثبت عيونهم شاخصةً لا تطرف لكثرة
ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لِما يحلُّ بهم (﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ يَعْنِي: جُوْفًا) بضمِّ الجيم وسكون الواو: خاويةً خاليةً (لَا عُقُولَ لَهُمْ) لفرط الحيرة والدَّهشة، وهو تشبيهٌ محضٌ؛ لأنَّها ليست بهواءٍ حقيقةً، وجهة التَّشبيه يحتمل أن تكون في فراغ الأفئدة من الخير والرَّجاء والطَّمع في الرَّحمة (﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ﴾) يا محمَّد (﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾) يعني: يوم القيامة، أو يوم الموت، فإنَّه أوَّل يوم عذابهم، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿أذةآر﴾ ولا يجوز أن يكون ظرفًا؛ لأنَّ القيامة ليست بموطن الإنذار (﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾) بالشِّرك والتَّكذيب (﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾) أخِّر العذاب عنَّا ورُدَّنا إلى الدُّنيا، وأمهلنا إلى أمدٍ وحدٍّ من الزَّمان قريبٍ نتدارك ما فرَّطنا فيه (﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾) جوابٌ للأمر، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠] (﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾) على إرادة القول، وفيه وجهان: أن يقولوا ذلك بطرًا وأشرًا ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسَّفه، وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديدًا وأمَّلوا بعيدًا، وقوله: ﴿مَا لَكُم﴾ جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب لقوله: ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾ ولو حُكِي لفظ المقسمين لقِيل: ما لنا من زوالٍ، والمعنى: أقسمتم أنَّكم باقون في الدُّنيا لا تزالون بالموت والفناء، وقيل: لا تنتقلون إلى دارٍ أخرى -يعني: كفرهم بالبعث- كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] قاله الزَّمخشريُّ.
(﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾) بالكفر والمعاصي، كعادٍ وثمود (﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾) بما تشاهدون في منازلهم من آثار ما نزل بهم، وما تواتر عندكم من أخبارهم (﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾) من أحوالهم، أي: بيَّنا لكم أنَّكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو صفات ما فعلوا وفُعِل بهم التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة (﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾) أي: مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم، لإبطال الحقِّ وتقرير الباطل (﴿وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ﴾) ومكتوبٌ عنده فعلُهم، فهو مُجازيهم عليه بمكرٍ هو أعظم منه، أو عنده ما يمكرهم به، وهو عذابهم الذي يستحقُّونه (﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ﴾) في العِظَم والشِّدَّة (﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾) مُسوًّى لإزالة الجبال، مُعَدًّا لذلك،
وقيل: (١) «إنْ» نافيةٌ، واللَّام مؤكِّدَةٌ لها، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] والمعنى: ومُحالٌ أن تزول الجبال بمكرهم على أنَّ الجبال مَثَلٌ لآيات الله وشرائعه، لأنَّها بمنزلة الجبال الرَّاسية ثباتًا وتمكُّنًا، وتنصره قراءة ابن مسعودٍ: (وما كان مكرهم)، وقُرِئ: ﴿لَتَزُولُ﴾ بلام الابتداء على معنى: وإن كان مكرهم من الشِّدَّة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع (٢) عن أماكنها (﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧]) يعني قوله: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١] ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وأصله: مُخْلِفَ رُسُلِه وعدَه، فقدَّم المفعول الثَّاني على الأوَّل إيذانًا بأنَّه لا يخلف الوعد (٣) أصلًا، كقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩] وإذا لم يخلف وعده أحدًا، فكيف يخلف رسله؟ (﴿إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ﴾) غالبٌ لا يمُاكَر، قادرٌ لا يُدافَع (﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾) لأوليائه من أعدائه -كما مرَّ- ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾»، وعنده بعد قوله: ﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ﴾ … «الآية».
(١) (باب: قصاص المَظَالِمِ) (٤) أي: يوم القيامة (٥)، وسقط التَّبويب والتَّرجمة هنا لأبي ذرٍّ، وثبتا عنده بعد قوله: «المقنع والمقمح واحدٌ»، وسقطت الواو من قوله «وقال مجاهدٌ».