الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٦٢
الحديث رقم ٢٥٦٢ من كتاب «كتاب المكاتب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطا ليس في كتاب الله فيه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ اسْتِعَانَةِ الْمُكَاتَبِ وَسُؤَالِهِ النَّاسَ
٢٥٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ.
٢٥٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً لِتُعْتِقَهَا فَقَالَ أَهْلُهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا قال رسول الله ﷺ: "لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَاتَبِ، وَمَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ) جَمَعَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ، وَكَأَنَّهُ فَسَّرَ الْأَوَّلَ بِالثَّانِي، وَأَنَّ ضَابِطَ الْجَوَازِ مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَسَيَأْتِي فِي الشُّرُوطِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ بِكِتَابِ اللَّهِ هُنَا حُكْمُهُ مِنْ كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ أَوْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَيْ لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ جَوَازُهُ أَوْ وُجُوبُهُ، لَا أَنَّ كُلَّ مَنْ شَرَطَ شَرْطًا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ الْكِتَابُ يَبْطُلُ، لِأَنَّهُ قَدْ يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ الْكَفِيلُ فَلَا يَبْطُلُ الشَّرْطُ، وَيُشْتَرَطُ فِي الثَّمَنِ شُرُوطٌ مِنْ أَوْصَافِهِ أَوْ مِنْ نُجُومِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَبْطُلُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الشُّرُوطُ فِي الْبَيْعِ أَقْسَامٌ، أَحَدُهَا: يَقْتَضِيهِ إِطْلَاقُ الْعَقْدِ كَشَرْطِ تَسْلِيمِهِ، الثَّانِي: شَرْطٌ فِيهِ مَصْلَحَةٌ كَالرَّهْنِ وَهُمَا جَائِزَانِ اتِّفَاقًا، الثَّالِثُ: اشْتِرَاطُ الْعِتْقِ فِي الْعَبْدِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَقِصَّةِ بَرِيرَةَ، الرَّابِعُ: مَا يَزِيدُ عَلَى مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَلَا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْمُشْتَرِي كَاسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ: لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَيْ لَيْسَ مَشْرُوعًا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَأْصِيلًا وَلَا تَفْصِيلًا، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يُؤْخَذُ تَفْصِيلُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَالْوُضُوءِ، وَمِنْهَا مَا يُؤْخَذُ تَأْصِيلُهُ دُونً تَفْصِيلِهِ كَالصَّلَاةِ، وَمِنْهَا مَا أُصِّلَ أَصْلُهُ كَدَلَالَةِ الْكِتَابِ عَلَى أَصْلِيَّةِ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ، فَكُلُّ مَا يُقْتَبَسُ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ تَفْصِيلًا فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَأْصِيلًا.
قَوْلُهُ: (فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَدْ مَضَى بِلَفْظِ الِاشْتِرَاطِ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ النِّسَاءِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
قَوْلُهُ: (أنَّ بَرِيرَةَ) هِيَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بِوَزْنِ فَعِيلَةٍ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْبَرِيرِ وَهُوَ ثَمَرُ الْأَرَاكِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا فَعِيلَةٌ مِنَ الْبِرِّ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ كَمَبْرُورَةٍ، أَوْ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ كَرَحِيمَةٍ، هَكَذَا وَجَّهَهُ الْقُرْطُبِيُّ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ ﷺ غَيَّرَ اسْمَ جُوَيْرِيَةَ وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، وَقَالَ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فَلَوْ كَانَتْ بَرِيرَةُ مِنَ الْبِرِّ لَشَارَكَتْهَا فِي ذَلِكَ. وَكَانَتْ بَرِيرَةُ لِنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ، وَقِيلَ: لِنَاسٍ مِنْ بَنِي هِلَالٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ. وَكَانَتْ تَخْدُمُ عَائِشَةَ قَبْلَ أَنْ تَعْتِقَ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَعَاشَتْ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَتَفَرَّسَتْ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَنَّهُ يَلِي الْخِلَافَةَ فَبَشَّرَتْهُ بِذَلِكَ، وَرَوَى هُوَ ذَلِكَ عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهِيَ نَظِيرُ رِوَايَةِ مَالِكٍ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ الْآتِيَةِ فِي الشُّرُوطِ بِلَفْظِ إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ عَائِشَةَ طَلَبَتْ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهَا إِذَا بَذَلَتْ جَمِيعَ مَالِ الْمُكَاتَبَةِ. وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ إِذْ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَكَانَ اللَّوْمُ عَلَى عَائِشَةَ بِطَلَبِهَا وَلَاءَ مَنْ أَعْتَقَهَا غَيْرُهَا. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظٍ يُزِيلُ الْإِشْكَالَ، فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، فَعَرَفَ بِذَلِكَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَهَا شِرَاءً صَحِيحًا ثُمَّ تُعْتِقَهَا إِذِ الْعِتْقُ فَرْعُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ. فَقَالَ ﷺ: ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي. وَهُوَ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ خُذِيهَا، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي طَرِيقِ أَيْمَنَ الْآتِيَةِ: دَخَلْتُ عَلَى بَرِيرَةَ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ فَقَالَتْ: اشْتَرِينِي وَأَعْتِقِينِي، قَالَتْ: نَعَمْ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا وَبِهَذَا يَتَّجِهُ الْإِنْكَارُ عَلَى مَوَالِي بَرِيرَةَ؛ إِذْ وَافَقُوا عَائِشَةَ عَلَى بَيْعِهَا ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرِطُوا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَيْمَنَ الْمَذْكُورَةِ قَالَتْ: لَا تَبِيعُونِي حَتَّى تَشْتَرِطُوا وَلَائِي، وَفِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ الْآتِيَةِ فِي الْفَرَائِضِ عَنْ عَائِشَةَ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ لِأُعْتِقَهَا، فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي الْهِبَةِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ وَأَنَّهُمُ اشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا.
قَوْلُهُ: (ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ) الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ هُنَا السَّادَةُ، وَالْأَهْلُ فِي الْأَصْلِ الْآلُ، وَفِي الشَّرْعِ: مَنْ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ) هُوَ مِنَ الْحِسْبَةِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تَحْتَسِبَ الْأَجْرَ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا يَكُونَ لَهَا وَلَاءٌ.
قَوْلُهُ: (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فَقَالَتْ: إِنِّي عَرَضْتُ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ، وَفِي رِوَايَةِ أَيْمَنَ الْآتِيَةِ فَسَمِعَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ بَلَغَهُ. زَادَ فِي الشُّرُوطِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ: مَا شَأْنُ بَرِيرَةَ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ: فَجَاءَتْنِي بَرِيرَةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ فَقَالَتْ لِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهَا: مَا أَرَادَ أَهْلُهَا، فَقُلْتُ: لَاهَا اللَّهِ إِذًا، وَرَفَعْتُ صَوْتِي وَانْتَهَرْتُهَا، فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ لَفْظُ ابْنِ خُزَيْمَةَ.
قَوْلُهُ: (ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي) هُوَ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الْإِشْكَالِ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ شَرَطَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَإِنِ اشْتَرَطَ.
قَوْلُهُ: (مِائَةَ مَرَّةٍ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي مِائَةَ شَرْطٍ وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، وَأَيْمَنَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَوِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ تَوْكِيدًا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ: وإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى التَّأْكِيدِ لِأَنَّ الْعُمُومَ فِي قَوْلِهِ: كُلُّ شَرْطٍ، وَفِي قَوْلِهِ: مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا دَالٌّ عَلَى بُطْلَانِ جَمِيعِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْيِيدِهَا بِالْمِائَةِ فَإِنَّهَا لَوْ زَادَتْ عَلَيْهَا كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهَا الصِّيغَةُ. نَعَمِ الطَّرِيقُ الْأَخِيرَةُ مِنْ رِوَايَةِ أَيْمَنَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَإِنِ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطٍ، وَإِنِ احْتَمَلَ التَّأْكِيدَ لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّعَدُّدُ، وَذَكَرَ الْمِائَةَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّكْثِيرِ، يَعْنِي أَنَّ الشُّرُوطَ الْغَيْرَ الْمَشْرُوعَةِ بَاطِلَةٌ وَلَوْ كَثُرَتْ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمَشْرُوعَةَ صَحِيحَةٌ، وَسَيَأْتِي التَّنْصِيصُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَرَادَتْ عَائِشَةُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ فَصَارَ مِنْ مُسْنَدِ عَائِشَةَ، وَأَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى تَفَرُّدِهِ عَنْ مَالِكٍ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، قَالَ (١): ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟) قال ابن خزيمة: أي: ليس في حكم الله جوازها أو وجوبها (٢)، لا أنَّ كلَّ من شرط شرطًا لم ينطق به الكتاب باطلٌ؛ لأنَّه قد يشترط في البيع الكفيل، فلا يبطل الشَّرط، ويُشترَط في الثَّمن شروطٌ من أوصافه أو نجومه ونحو ذلك فلا يبطل، فالشُّروط المشروعة صحيحةٌ، وغيرها باطلٌ (مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ) ﷿ (فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ) ولأبي ذرٍّ: «وإن اشترط» (مِئَةَ مَرَّةٍ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «مئة شرطٍ» توكيدٌ؛ لأنَّ العموم في قوله: «من اشترط» دالٌّ على بطلان جميع الشُّروط المذكورة، فلا حاجة إلى تقييدها بالمئة، فلو زادت عليها (٣) كان الحكم كذلك لما دلَّت عليه الصِّيغة (شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ) ليس «أفعل» التَّفضيل فيهما على بابه، فالمراد: أنَّ شرط الله هو الحقُّ والقويُّ، وما سواه واهٍ، كما مرَّ.
٢٥٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ إمام دار الهجرة (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄) أنَّه (قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ) وسقط لأبي ذرٍّ «أمُّ المؤمنين» (أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً) هي بريرة (لِتُعْتِقَهَا) بضمِّ التَّاء والنَّصب، وفي نسخةٍ رُقِم عليها في الفرع وأصله علامة السُّقوط: «تُعتقُها» بضمِّ أوَّله مع إسقاط اللَّام والرَّفع (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (أَهْلُهَا): نبيعكها (عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) لعائشة: (لَا يَمْنَعُكِ) ولأبي ذرٍّ: «لا يمنعنَّك» بنون التَّوكيد الثَّقيلة (ذَلِكِ) الشَّرط الذي شرطوه من شرائها وعتقها (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وليس في حديثَي الباب إلَّا ذكر شرط الولاء، وجمع في التَّرجمة بين حكمين، وكأنَّه فسَّر الأوَّل بالثَّاني، وأنَّ ضابط الجواز ما كان في كتاب الله، أي: في حكمه من كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ، وقد اشتُرِط لصحَّة الكتابة شروطٌ: أن يكاتب السَّيِّد المختار المتأهِّل للتَّبرُّع جميع العبد، فلا يصحُّ كتابة بعضه؛ لأنَّه حينئذٍ لا يستقلُّ بالتَّردُّد لاكتساب النُّجوم إلَّا أن يكون باقيه حرًّا، أو يكاتبه مالكاه معًا ولو بوكالةٍ إن اتَّفقت النُّجوم جنسًا وأجلًا وعددًا فتصحُّ؛ لأنَّها حينئذٍ تفيد الاستقلال، وليس له في الثَّانية أن يدفع لأحد المالكين شيئًا لم يدفع مثله للآخر في حال دفعه إليه، فإن أذن أحدهما في دفع شيءٍ للآخر ليختصَّ به لم يصحَّ القبض، وتصحُّ كتابة بعضه أيضًا في صورٍ منها: إذا أوصى بكتابة عبدٍ فلم يخرج من الثُّلث إلَّا بعضه، ولم تجز الورثة، وأن يقول مع لفظ الكتابة: إذا أدَّيتَ النُّجومَ إليَّ فأنتَ حرٌّ، أو ينويه فلا يكفي (٤) لفظ الكتابة بلا تعليقٍ ولا نيَّةٍ؛ لأنَّه يقع على هذا العقد وعلى المخارجة، فلا بدَّ من تمييزه بذلك، وأن يقول المكاتب: قبلت، وبه تتمُّ الصِّيغة، وأن تكون عوضًا (٥) معلومًا، فلا تصحُّ بمجهولٍ، وألَّا يكون العوض أقلَّ من نجمين كما جرى عليه الصَّحابة فمَنْ بَعْدَهم، فلا تجوز بعوضٍ حالٍّ، فإن كاتبه على دينارٍ الآن وخدمة شهرٍ لم يجز؛ لعدم تنجيم الدِّينار، أو على خدمة شهرٍ من (٦) الآن ودينارٍ عند (٧) تقضِّيه أو قبله أو بعده في زمنٍ معلومٍ جاز؛ لأنَّ المنفعة مستحقَّةٌ في الحال، والمدَّة لتقديرها وللتَّوفية فيها، والدِّينار إنَّما تستحقُّ المطالبة به في وقتٍ آخر، وإذا اختلف الاستحقاق حصل التَّنجيم، ولا بأس بكون المنفعة حالَّةً؛ لأنَّ التَّأجيل إنَّما يُشترَط لحصول القدرة، وهو قادرٌ على الاشتغال بالخدمة في الحال، فالتَّنجيم إنَّما هو شرطٌ في غير المنفعة التي عليه الشُّروع فيها في الحال.
(٣) (باب) جواز (اسْتِعَانَةِ المُكَاتَبِ) أي: طلب (٨) العون من غيره ليعينه بشيءٍ يضمُّه إلى مال الكتابة (وَسُؤَالِهِ النَّاسَ).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ.
٢٥٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً لِتُعْتِقَهَا فَقَالَ أَهْلُهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا قال رسول الله ﷺ: "لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَاتَبِ، وَمَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ) جَمَعَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ، وَكَأَنَّهُ فَسَّرَ الْأَوَّلَ بِالثَّانِي، وَأَنَّ ضَابِطَ الْجَوَازِ مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَسَيَأْتِي فِي الشُّرُوطِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ بِكِتَابِ اللَّهِ هُنَا حُكْمُهُ مِنْ كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ أَوْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَيْ لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ جَوَازُهُ أَوْ وُجُوبُهُ، لَا أَنَّ كُلَّ مَنْ شَرَطَ شَرْطًا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ الْكِتَابُ يَبْطُلُ، لِأَنَّهُ قَدْ يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ الْكَفِيلُ فَلَا يَبْطُلُ الشَّرْطُ، وَيُشْتَرَطُ فِي الثَّمَنِ شُرُوطٌ مِنْ أَوْصَافِهِ أَوْ مِنْ نُجُومِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَبْطُلُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الشُّرُوطُ فِي الْبَيْعِ أَقْسَامٌ، أَحَدُهَا: يَقْتَضِيهِ إِطْلَاقُ الْعَقْدِ كَشَرْطِ تَسْلِيمِهِ، الثَّانِي: شَرْطٌ فِيهِ مَصْلَحَةٌ كَالرَّهْنِ وَهُمَا جَائِزَانِ اتِّفَاقًا، الثَّالِثُ: اشْتِرَاطُ الْعِتْقِ فِي الْعَبْدِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَقِصَّةِ بَرِيرَةَ، الرَّابِعُ: مَا يَزِيدُ عَلَى مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَلَا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْمُشْتَرِي كَاسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ: لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَيْ لَيْسَ مَشْرُوعًا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَأْصِيلًا وَلَا تَفْصِيلًا، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يُؤْخَذُ تَفْصِيلُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَالْوُضُوءِ، وَمِنْهَا مَا يُؤْخَذُ تَأْصِيلُهُ دُونً تَفْصِيلِهِ كَالصَّلَاةِ، وَمِنْهَا مَا أُصِّلَ أَصْلُهُ كَدَلَالَةِ الْكِتَابِ عَلَى أَصْلِيَّةِ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ، فَكُلُّ مَا يُقْتَبَسُ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ تَفْصِيلًا فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَأْصِيلًا.
قَوْلُهُ: (فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَدْ مَضَى بِلَفْظِ الِاشْتِرَاطِ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ النِّسَاءِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
قَوْلُهُ: (أنَّ بَرِيرَةَ) هِيَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بِوَزْنِ فَعِيلَةٍ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْبَرِيرِ وَهُوَ ثَمَرُ الْأَرَاكِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا فَعِيلَةٌ مِنَ الْبِرِّ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ كَمَبْرُورَةٍ، أَوْ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ كَرَحِيمَةٍ، هَكَذَا وَجَّهَهُ الْقُرْطُبِيُّ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ ﷺ غَيَّرَ اسْمَ جُوَيْرِيَةَ وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، وَقَالَ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فَلَوْ كَانَتْ بَرِيرَةُ مِنَ الْبِرِّ لَشَارَكَتْهَا فِي ذَلِكَ. وَكَانَتْ بَرِيرَةُ لِنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ، وَقِيلَ: لِنَاسٍ مِنْ بَنِي هِلَالٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ. وَكَانَتْ تَخْدُمُ عَائِشَةَ قَبْلَ أَنْ تَعْتِقَ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَعَاشَتْ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَتَفَرَّسَتْ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَنَّهُ يَلِي الْخِلَافَةَ فَبَشَّرَتْهُ بِذَلِكَ، وَرَوَى هُوَ ذَلِكَ عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهِيَ نَظِيرُ رِوَايَةِ مَالِكٍ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ الْآتِيَةِ فِي الشُّرُوطِ بِلَفْظِ إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ عَائِشَةَ طَلَبَتْ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهَا إِذَا بَذَلَتْ جَمِيعَ مَالِ الْمُكَاتَبَةِ. وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ إِذْ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَكَانَ اللَّوْمُ عَلَى عَائِشَةَ بِطَلَبِهَا وَلَاءَ مَنْ أَعْتَقَهَا غَيْرُهَا. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظٍ يُزِيلُ الْإِشْكَالَ، فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، فَعَرَفَ بِذَلِكَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَهَا شِرَاءً صَحِيحًا ثُمَّ تُعْتِقَهَا إِذِ الْعِتْقُ فَرْعُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ. فَقَالَ ﷺ: ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي. وَهُوَ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ خُذِيهَا، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي طَرِيقِ أَيْمَنَ الْآتِيَةِ: دَخَلْتُ عَلَى بَرِيرَةَ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ فَقَالَتْ: اشْتَرِينِي وَأَعْتِقِينِي، قَالَتْ: نَعَمْ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا وَبِهَذَا يَتَّجِهُ الْإِنْكَارُ عَلَى مَوَالِي بَرِيرَةَ؛ إِذْ وَافَقُوا عَائِشَةَ عَلَى بَيْعِهَا ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرِطُوا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَيْمَنَ الْمَذْكُورَةِ قَالَتْ: لَا تَبِيعُونِي حَتَّى تَشْتَرِطُوا وَلَائِي، وَفِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ الْآتِيَةِ فِي الْفَرَائِضِ عَنْ عَائِشَةَ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ لِأُعْتِقَهَا، فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي الْهِبَةِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ وَأَنَّهُمُ اشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا.
قَوْلُهُ: (ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ) الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ هُنَا السَّادَةُ، وَالْأَهْلُ فِي الْأَصْلِ الْآلُ، وَفِي الشَّرْعِ: مَنْ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ) هُوَ مِنَ الْحِسْبَةِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تَحْتَسِبَ الْأَجْرَ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا يَكُونَ لَهَا وَلَاءٌ.
قَوْلُهُ: (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فَقَالَتْ: إِنِّي عَرَضْتُ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ، وَفِي رِوَايَةِ أَيْمَنَ الْآتِيَةِ فَسَمِعَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ بَلَغَهُ. زَادَ فِي الشُّرُوطِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ: مَا شَأْنُ بَرِيرَةَ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ: فَجَاءَتْنِي بَرِيرَةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ فَقَالَتْ لِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهَا: مَا أَرَادَ أَهْلُهَا، فَقُلْتُ: لَاهَا اللَّهِ إِذًا، وَرَفَعْتُ صَوْتِي وَانْتَهَرْتُهَا، فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ لَفْظُ ابْنِ خُزَيْمَةَ.
قَوْلُهُ: (ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي) هُوَ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الْإِشْكَالِ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ شَرَطَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَإِنِ اشْتَرَطَ.
قَوْلُهُ: (مِائَةَ مَرَّةٍ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي مِائَةَ شَرْطٍ وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، وَأَيْمَنَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَوِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ تَوْكِيدًا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ: وإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى التَّأْكِيدِ لِأَنَّ الْعُمُومَ فِي قَوْلِهِ: كُلُّ شَرْطٍ، وَفِي قَوْلِهِ: مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا دَالٌّ عَلَى بُطْلَانِ جَمِيعِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْيِيدِهَا بِالْمِائَةِ فَإِنَّهَا لَوْ زَادَتْ عَلَيْهَا كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهَا الصِّيغَةُ. نَعَمِ الطَّرِيقُ الْأَخِيرَةُ مِنْ رِوَايَةِ أَيْمَنَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَإِنِ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطٍ، وَإِنِ احْتَمَلَ التَّأْكِيدَ لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّعَدُّدُ، وَذَكَرَ الْمِائَةَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّكْثِيرِ، يَعْنِي أَنَّ الشُّرُوطَ الْغَيْرَ الْمَشْرُوعَةِ بَاطِلَةٌ وَلَوْ كَثُرَتْ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمَشْرُوعَةَ صَحِيحَةٌ، وَسَيَأْتِي التَّنْصِيصُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَرَادَتْ عَائِشَةُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ فَصَارَ مِنْ مُسْنَدِ عَائِشَةَ، وَأَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى تَفَرُّدِهِ عَنْ مَالِكٍ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، قَالَ (١): ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟) قال ابن خزيمة: أي: ليس في حكم الله جوازها أو وجوبها (٢)، لا أنَّ كلَّ من شرط شرطًا لم ينطق به الكتاب باطلٌ؛ لأنَّه قد يشترط في البيع الكفيل، فلا يبطل الشَّرط، ويُشترَط في الثَّمن شروطٌ من أوصافه أو نجومه ونحو ذلك فلا يبطل، فالشُّروط المشروعة صحيحةٌ، وغيرها باطلٌ (مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ) ﷿ (فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ) ولأبي ذرٍّ: «وإن اشترط» (مِئَةَ مَرَّةٍ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «مئة شرطٍ» توكيدٌ؛ لأنَّ العموم في قوله: «من اشترط» دالٌّ على بطلان جميع الشُّروط المذكورة، فلا حاجة إلى تقييدها بالمئة، فلو زادت عليها (٣) كان الحكم كذلك لما دلَّت عليه الصِّيغة (شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ) ليس «أفعل» التَّفضيل فيهما على بابه، فالمراد: أنَّ شرط الله هو الحقُّ والقويُّ، وما سواه واهٍ، كما مرَّ.
٢٥٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ إمام دار الهجرة (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄) أنَّه (قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ) وسقط لأبي ذرٍّ «أمُّ المؤمنين» (أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً) هي بريرة (لِتُعْتِقَهَا) بضمِّ التَّاء والنَّصب، وفي نسخةٍ رُقِم عليها في الفرع وأصله علامة السُّقوط: «تُعتقُها» بضمِّ أوَّله مع إسقاط اللَّام والرَّفع (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (أَهْلُهَا): نبيعكها (عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) لعائشة: (لَا يَمْنَعُكِ) ولأبي ذرٍّ: «لا يمنعنَّك» بنون التَّوكيد الثَّقيلة (ذَلِكِ) الشَّرط الذي شرطوه من شرائها وعتقها (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وليس في حديثَي الباب إلَّا ذكر شرط الولاء، وجمع في التَّرجمة بين حكمين، وكأنَّه فسَّر الأوَّل بالثَّاني، وأنَّ ضابط الجواز ما كان في كتاب الله، أي: في حكمه من كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ، وقد اشتُرِط لصحَّة الكتابة شروطٌ: أن يكاتب السَّيِّد المختار المتأهِّل للتَّبرُّع جميع العبد، فلا يصحُّ كتابة بعضه؛ لأنَّه حينئذٍ لا يستقلُّ بالتَّردُّد لاكتساب النُّجوم إلَّا أن يكون باقيه حرًّا، أو يكاتبه مالكاه معًا ولو بوكالةٍ إن اتَّفقت النُّجوم جنسًا وأجلًا وعددًا فتصحُّ؛ لأنَّها حينئذٍ تفيد الاستقلال، وليس له في الثَّانية أن يدفع لأحد المالكين شيئًا لم يدفع مثله للآخر في حال دفعه إليه، فإن أذن أحدهما في دفع شيءٍ للآخر ليختصَّ به لم يصحَّ القبض، وتصحُّ كتابة بعضه أيضًا في صورٍ منها: إذا أوصى بكتابة عبدٍ فلم يخرج من الثُّلث إلَّا بعضه، ولم تجز الورثة، وأن يقول مع لفظ الكتابة: إذا أدَّيتَ النُّجومَ إليَّ فأنتَ حرٌّ، أو ينويه فلا يكفي (٤) لفظ الكتابة بلا تعليقٍ ولا نيَّةٍ؛ لأنَّه يقع على هذا العقد وعلى المخارجة، فلا بدَّ من تمييزه بذلك، وأن يقول المكاتب: قبلت، وبه تتمُّ الصِّيغة، وأن تكون عوضًا (٥) معلومًا، فلا تصحُّ بمجهولٍ، وألَّا يكون العوض أقلَّ من نجمين كما جرى عليه الصَّحابة فمَنْ بَعْدَهم، فلا تجوز بعوضٍ حالٍّ، فإن كاتبه على دينارٍ الآن وخدمة شهرٍ لم يجز؛ لعدم تنجيم الدِّينار، أو على خدمة شهرٍ من (٦) الآن ودينارٍ عند (٧) تقضِّيه أو قبله أو بعده في زمنٍ معلومٍ جاز؛ لأنَّ المنفعة مستحقَّةٌ في الحال، والمدَّة لتقديرها وللتَّوفية فيها، والدِّينار إنَّما تستحقُّ المطالبة به في وقتٍ آخر، وإذا اختلف الاستحقاق حصل التَّنجيم، ولا بأس بكون المنفعة حالَّةً؛ لأنَّ التَّأجيل إنَّما يُشترَط لحصول القدرة، وهو قادرٌ على الاشتغال بالخدمة في الحال، فالتَّنجيم إنَّما هو شرطٌ في غير المنفعة التي عليه الشُّروع فيها في الحال.
(٣) (باب) جواز (اسْتِعَانَةِ المُكَاتَبِ) أي: طلب (٨) العون من غيره ليعينه بشيءٍ يضمُّه إلى مال الكتابة (وَسُؤَالِهِ النَّاسَ).