الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 2735
الحديث رقم 2735 من كتاب «كتاب الشروط» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المكاتب وما لا يحل من الشروط.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَعَطَاءٌ: إِذَا أَجَّلَهُ فِي الْقَرْضِ جَازَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ) ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي أُقْرِضَ الْأَلْفَ الدِّينَارِ، وَأَثَرَ ابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءٍ فِي تَأْجِيلِ الْقَرْضِ، وَقَدْ مَضَى جَمِيعُ ذَلِكَ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْقَرْضِ، وَسَقَطَ جَمِيعُ ذَلِكَ هُنَا لِلنَّسَفِيِّ، لَكِنْ زَادَ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي تَلِيهِ فَقَالَ: بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ وَالْمُكَاتَبِ إِلَخْ.
١٧ - بَاب الْمُكَاتَبِ، وَمَا لَا يَحِلُّ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي تُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ فِي الْمُكَاتَبِ: شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَوْ عُمَرُ: كُلُّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، وقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا، عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ.
٢٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابهَا فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِي. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَّرْتُهُ ذَلِكَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُكَاتَبِ، وَمَا لَا يَحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ) تَقَدَّمَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَاتَبِ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ أَعَمُّ مِنْ تِلْكَ وَإِنْ كَانَ حَدِيثُهُمَا وَاحِدًا، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ أَيْضًا مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَاتَبِ، وَمَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ قَصَدَ تَفْسِيرَ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي، وَهُنَا أَرَادَ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ: لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ، ثُمَّ اسْتَظْهَرَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ عُمَرَ أَوِ ابْنِ عُمَرَ، وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِكِتَابِ اللَّهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ حُكْمُهُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَصًّا أَوْ مُسْتَنْبَطًا، وَكُلُّ مَا كَانَ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُكَاتَبِ: شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ) وَصَلَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَابِرٍ ; وَوَقَعَ لَنَا مَرْوِيًّا مِنْ طَرِيقِ قَبِيصَةَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَوْ عُمَرُ: كُلُّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَخْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فَقَطْ وَلَمْ يَقُلْ أَوْ عُمَرُ ; لَكِنْ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - أَيِ الْمُصَنِّفُ - يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا عَنْ عُمَرَ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الْعِتْقِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
كتاب الله، وهو أعمُّ من أن يكون نصًّا أو استنباطًا (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵄) ممَّا وصله سفيان الثَّوريُّ في «كتاب الفرائض» له من طريق مجاهدٍ عن جابرٍ: (فِي المُكَاتَبِ شُرُوطُهُمْ) أي: شروط المكاتَبين وساداتهم (بَيْنَهُمْ) معتبرةٌ (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَوْ) أبوه (عُمَرُ) بن الخطَّاب كذا وقع بالشَّكِّ، ولم يقل في رواية النَّسفيِّ: «أو عمر» (﵄: كُلُّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللهِ) أي: حكم كتاب الله (فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِئَةَ شَرْطٍ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا، عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ) كذا في رواية كريمة، وسقط قوله: «وقال أبو عبد الله … » إلى آخره عند أبي ذرٍّ.
٢٧٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرَّحمن الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا) أن تعينها (فِي كِتَابَتِهَا) وفي رواية: عروة عن عائشة «تستعينها في كتابتها» [خ¦٢٥٦٠] (فَقَالَتْ) عائشة ﵂ لها: (إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ) ثمنك، وأعتقتك (١) (وَيَكُونُ الوَلَاءُ) عليك (لِي) فذكرت بريرة ذلك لأهلها، فأبَوا إلَّا أن يكون الولاء لهم (فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) لعائشة (ذكَرَتْهُ ذَلِكَ) بتخفيف كاف «ذكَرَتْه» ولأبي ذَرٍّ: «ذكَّرَتْهُ» بتشديدها وفتح الرَّاء وسكون الفوقيَّة، وفي نسخةٍ: بسكون الرَّاء وضمِّ الفوقيَّة (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ابْتَاعِيهَا) بهمزة وصلٍ (فَأَعْتِقِيهَا) بهمزة قطعٍ (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) لا لغيره (ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ) خطيبًا (فَقَالَ: مَا بَالُ) ما شأن (أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟!) أي: ليست في حكم الله الَّذي كتبه على عباده، وشرعه لهم، وليس المراد به خصوص القرآن (٢)، لأنَّ كون الولاء للمعتِق غير منصوصٍ في القرآن، ولكنَّ الكتاب أمر بطاعة الرَّسول، واتِّباع حكمه، وقد حكم بأنَّ الولاء لمن أعتق (مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ
فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِئَةَ شَرْطٍ) التَّقييد بالمئة للتَّأكيد، لأنَّ العموم في قوله: «مَنِ اشترط» دالٌّ على بطلان جميع الشُّروط المذكورة، فلو زادت الشُّروط على المئة كان الحكم كذلك؛ لما دلَّت عليه الصِّيغة. وهذا الحديث قد سبق غير مرَّة.
(١٨) (بابُ) بيان (مَا يَجُوزُ مِنَ الاِشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا) بضمِّ المثلَّثة وسكون النُّون، بعدها تحتيَّةٌ، مقصورًا؛ الاستثناءُ (فِي الإِقْرَارِ، وَ) بيان (الشُّرُوطِ الَّتِي يَتَعَارَفُهَا) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «يتعارفه» (النَّاسُ بَيْنَهُمْ) كشرط نقل المبيع (١) من مكان البائع، فإنَّه جائزٌ؛ لأنَّه تصريحٌ بمقتضى العقد، أو شرط قطع الثِّمار أو تبقيتها بعد الصَّلاح، أو شرط أن يعمل فيه البائع عملًا معلومًا، كأن باع ثوبًا بشرط أن يخيطه في أضعف الأقوال، وهو في المعنى بيعٌ وإجارةٌ يوزَّع المسمَّى عليهما باعتبار القيمة، وقيل: يبطل الشَّرط ويصحُّ البيع بما يقابل المبيع من المسمَّى، والأصحُّ بطلانهما، لاشتمال البيع على شرط عملٍ فيما لم يملكه بعد (وَإِذَا قَالَ) لفلانٍ: عليَّ (مئةٌ إِلَّا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ) بكسر المثلَّثة، وهذا (٢) استثناءُ قليلٍ من كثيرٍ، لا خلاف فيه، فيصحُّ، ويلزمه في قوله: «إلَّا واحدةً» تسعةٌ وتسعون درهمًا، وفي قوله: «إلَّا ثنتين» ثمانيةٌ وتسعون.
(وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة، وبعد الواو السَّاكنة نونٌ، عبدُ الله بن أَرْطَبان البصريُّ، ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ عن هُشَيم عنه (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمد: (قَالَ رَجُلٌ) ولأبي ذَرٍّ عن
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٧١ - (بابُ المَكاتب وَمَا لَا يحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُخَالِفُ كِتَابَ الله تعَالى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمكَاتب، وَقد تقدم فِي كتاب الشُّرُوط: بَاب مَا يجوز من شُرُوط الْمكَاتب، وَقَوله هُنَا: بَاب الْمكَاتب، أَعم من ذَلِك، وَقد تقدم أَيْضا فِي كتاب الْعتْق: بَاب مَا يجوز من شُرُوط الْمكَاتب، وَمن اشْترط شرطا لَيْسَ فِي كتاب الله. وَحَدِيث الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة وَاحِد، وتكرار التراجم لَا يدل على زِيَادَة فَائِدَة إلَاّ فِي شَيْء وَاحِد، وَهُوَ أَنه فسر قَوْله: لَيْسَ فِي كتاب الله، بقوله: (الَّتِي تخَالف كتاب الله) لِأَن المُرَاد بِكِتَاب الله حكمه، وَحكمه تَارَة يكون بطرِيق النَّص وَتارَة يكون بطرِيق الإستنباط مِنْهُ، وكل مَا لم يكن من ذَلِك فَهُوَ مُخَالف لما فِي كتاب الله.
وَقَالَ جابِرُ بنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي المُكَاتَبِ شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله سُفْيَان الثَّوْريّ فِي كتاب الْفَرَائِض لَهُ من طَرِيق مُجَاهِد عَن جَابر، وَالْمعْنَى: شُرُوط المكاتبين وساداتهم مُعْتَبرَة بَينهم.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ أوْ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما كُلُّ شَرْطٍ خالَفَ كِتابَ الله فَهْوَ باطلٌ وإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ
هَكَذَا وَقع لأكْثر الروَاة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وَقَالَ ابْن عمر، فَقَط. وَلم يقل: أَو عمر، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله يُقالُ عنْ كِلَيْهِمَا عنْ عُمَرَ وابنِ عُمَرَ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ. قَوْله: (عَن كليهمَا) أَي: عَن عمر وَعَن ابْنه عبد الله، وَقد تقدم فِيمَا مضى فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي قصَّة بَرِيرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (كل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل وَإِن كَانَ مائَة شَرط، قَضَاء الله أَحَق، وَشرط الله أوثق) . وَيَأْتِي الْآن أَيْضا فِي حَدِيث الْبَاب، وَالْمعْنَى: كل شَرط لَيْسَ فِي حكم الله وقضائه فِي كِتَابه أَو سنة رَسُوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَهُوَ بَاطِل.
٥٣٧٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ يَحْيى عنْ عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ أتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْألُهَا فِي كِتَابَتِهَا فقالَتْ إنْ شِئْتِ أعْطَيْتُ أهْلَكِ ويَكُونُ الوَلاءُ لي فلَمَّا جاءَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَكَّرْتُهُ ذلِكَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْتاعِيهَا فأعْتِقِيهَا فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ ثُمَّ قامَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علَى المِنْبَرِ فَقَالَ مَا بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فلَيْسَ لَهُ وإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ..
قد تقدم هَذَا الحَدِيث غير مرّة، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَآخر مَا ذكر فِي أَوَاخِر كتاب الْعتْق.
٨١ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الإشْتِرَاطَ والثُّنْيا فِي الإقْرَارِ والشُّرُوطِ الَّتِي يتَعَارَفها النَّاسُ بَيْنَهُمْ وإذَا قَالَ مائَةً إلَاّ واحِدَةً أوْ ثِنْتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز من الِاشْتِرَاط. وَقَالَ ابْن بطال: وَقع فِي بعض النّسخ: بَاب مَا لَا يجوز فِي الِاشْتِرَاط والثنيا، قَالَ: وَهُوَ خطأ، وَالصَّوَاب: بَاب مَا يجوز، والْحَدِيث الَّذِي ذكره البُخَارِيّ بعد يدل على صِحَّته. قَوْله: (والثنيا) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون النُّون بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف مَقْصُور أَي: الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِقْرَار سَوَاء كَانَ اسْتثِْنَاء قليلٍ من كثير، أَو بِالْعَكْسِ، فَالْأول لَا خلاف فِيهِ أَنه يجوز، وَالثَّانِي مُخْتَلف فِيهِ. وَحَدِيث الْبَاب يدل على جَوَاز اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، وَهَذَا جَائِز عِنْد أهل اللُّغَة وَالْفِقْه والْحَدِيث قَالَ الدَّاودِيّ: أَجمعُوا على من اسْتثْنى فِي إِقْرَاره مَا بَقِي بعده بَقِيَّة مَا أقرّ بِهِ أَن لَهُ ثنياه، فَإِذا
قَالَ لَهُ: عَليّ ألف إلَاّ تِسْعمائَة وَتِسْعَة وتسعية، صَحَّ وَلَزِمَه وَاحِد. قَالَ: وَكَذَلِكَ لَو قَالَ: أَنْت طَالِق ثَلَاثَة إلَاّ ثِنْتَيْنِ، لقَوْله تَعَالَى: {فَلبث فيهم ألف سنة إلَاّ خمسين عَاما} (العنكبوت: ٤١) . قَالَ ابْن التِّين: وَهَذَا الَّذِي ذكره الدَّاودِيّ أَنه إِجْمَاع لَيْسَ كَذَلِك، وَلَكِن هُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْحسن قولا ثَالِثا فِي قَوْله: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إلَاّ ثِنْتَيْنِ، أَنه يلْزمه ثَلَاث، وَذكر القَاضِي فِي معونته عَن عبد الْملك وَغَيره أَنه يَقُول: لَا يَصح اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر، واحتجاج الدَّاودِيّ بِهَذِهِ الْآيَة غير بَين، وَإِنَّمَا الْحجَّة فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى: {إلَاّ من اتبعك من الغاوين} (الْحجر: ٢٤) . وَقَوله: {إلَاّ عِبَادك مِنْهُم المخلصين} (الْحجر: ٥١، وص: ٣٨) . فَإِن جعلت: المخلصين، الْأَكْثَر فقد استثناهم، وَإِن جعلت: الغاوين الْأَكْثَر فقد استثناهم أَيْضا، وَلِأَن الِاسْتِثْنَاء إِخْرَاج، فَإِذا جَازَ إِخْرَاج الْأَقَل جَازَ إِخْرَاج الْأَكْثَر، وَمذهب الْبَصرِيين من أهل اللُّغَة وَابْن الْمَاجشون: الْمَنْع، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ حَيْثُ أَدخل هَذَا الحَدِيث هُنَا باستثناء الْقَلِيل من الْكثير. قَوْله: (والشروط) ، أَي: وَفِي بَيَان الشُّرُوط الَّتِي يتعارفها النَّاس بَينهم، نَحْو: أَن يَشْتَرِي نعلا أَو شراكاً بِشَرْط أَن يحذوه البَائِع، أَو اشْترى أديماً بِشَرْط أَن يخرز لَهُ خفاً، أَو اشْترى قلنسوة بِشَرْط أَن يبطنه البَائِع، فَإِن هَذِه الشُّرُوط كلهَا جَائِزَة، لِأَنَّهُ مُتَعَارَف متعامل بَين النَّاس، وَفِيه خلاف زفر، وَكَذَا لَو اشْترى شَيْئا وَشرط أَن يرهنه بِالثّمن رهنا، وَسَماهُ أَو يُعْطِيهِ كَفِيلا وَسَماهُ وَالْكَفِيل حَاضر وَقَبله، وَكَذَلِكَ: الْحِوَالَة، جَازَ اسْتِحْسَانًا خلافًا لزفَر، وَأما الشُّرُوط الَّتِي لَا يتعارفها النَّاس فباطلة، نَحْو مَا إِذا اشْترى حِنْطَة وَشرط على البَائِع طحنها أَو حملانها إِلَى منزله، أَو اشْترى دَارا على أَن يسكنهَا شهرا، فَإِن ذَلِك كُله لَا يَصح لعدم التعارف والتعامل. قَوْله: (وَإِذا قَالَ مائَة إلَاّ وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ) ، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن اخْتِيَاره جَوَاز اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، وَعدم جَوَاز عَكسه، وَذكر بِهَذَا صُورَة اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، نَحْو مَا إِذا قَالَ: لفُلَان عَليّ مائَة دِرْهَم، مثلا، إلَاّ وَاحِدَة أَو الإثنتين، فَإِنَّهُ يَصح، وَيلْزمهُ فِي قَوْله: إلَاّ وَاحِدَة، تِسْعَة وَتسْعُونَ درهما. وَفِي قَوْله إِلَّا اثْنَتَيْنِ: يلْزمه ثَمَانِيَة وَتسْعُونَ درهما.
وَقَالَ ابنُ عَوْنٍ عنِ ابنِ سِيرينَ قَالَ: قَالَ رجُلٌ لَكَرِيِّهِ أدْخِلْ رِكَابَكَ فإنْ لَمْ أرْحَلْ معَكَ يَوْمَ كَذَا وكَذَا فَلَكَ مائَةُ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَخْرُجْ فَقَالَ شُرَيْحٌ منْ شَرَطَ علَى نَفْسِهِ طائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهْوَ عَلَيْهِ
ابْن عون هُوَ: عبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، وَشُرَيْح هُوَ القَاضِي. قَوْله: (لكريه) بِفَتْح الْكَاف وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، على وزن فعيل هُوَ المكاري، قَوْله: (ادخل) من الإدخال وركابك مَنْصُوب بِهِ، والركاب، بِكَسْر الرَّاء: الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا والواحدة: رَاحِلَة وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا. قَوْله: (فَلم يخرج) ، أَي: لم يرحل مَعَه، يلْزمه مائَة دِرْهَم عِنْد شُرَيْح، وَهُوَ معنى قَوْله: قَالَ شُرَيْح: من شَرط على نَفسه طَائِعا، أيَّ حَال كَونه طَائِعا مُخْتَارًا غير مكره عَلَيْهِ، فَهُوَ أَي الشَّرْط الَّذِي شَرط عَلَيْهِ أَي يلْزمه، وَفِي هَذَا خَالف النَّاس شريحاً، يَعْنِي: لَا يلْزمه شَيْء، لِأَنَّهُ عدَّة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم عَن ابْن عون ... إِلَى آخِره.
وَقَالَ أيُّوبُ عنِ ابنِ سِيرينَ إنَّ رجُلاً باعَ طعَاماً وَقَالَ إنْ لَمْ آتِكَ الأرْبِعاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وبيْنَكَ بَيْعٌ فلَمْ يَجيءْ فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِي أنْتَ أخْلَفْتَ فَقضَى علَيْهِ
أَيُّوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. قَوْله: (الْأَرْبَعَاء) أَي: يَوْم الْأَرْبَعَاء، وَهَذَا الشَّرْط جَائِز أَيْضا عِنْد شُرَيْح لِأَنَّهُ قَالَ للْمُشْتَرِي عِنْد التحاكم إِلَيْهِ: أَنْت أخلفت الميعاد، فقضي عَلَيْهِ بِرَفْع البيع، وَهَذَا أَيْضا مَذْهَب أبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ: يَصح البيع وَيبْطل الشَّرْط، وَهَذَا التَّعْلِيق أَيْضا وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين فَذكره.
٦٣٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ لله تَسْعَةً وتِسْعِينَ إسْماً مائَةً إلَاّ واحِداً مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي موضِعين. أَحدهمَا: فِي قَوْله: (والثنيا) من غير قيد بِالْإِقْرَارِ، لِأَن الثنيا فِي نَفسه أَعم من أَن يكون فِي الْإِقْرَار أَو فِي غَيره، كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. وَالْآخر: فِي قَوْله: (مائَة إلَاّ وَاحِدَة) .
وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن أبي الْيَمَان أَيْضا وَقَالَ الْمُزنِيّ: وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن عمرَان بن بكار. قلت: أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة: حَدثنِي الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين إسماً، مائَة إلَاّ وَاحِدًا، إِنَّه وتر يحب الْوتر، من حفظهَا دخل الْجنَّة) فَذكرهَا مفصلة إسماً بعد إسم. وَقَالَ فِي آخِره، قَالَ زُهَيْر: فَبَلغنَا عَن غير وَاحِد من أهل الْعلم أَن أَولهَا يفْتَتح بقوله: (لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير، لَا إِلَه إلَاّ الله لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد روى هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يعلم فِي كثير شَيْء من الرِّوَايَات ذكر الْأَسْمَاء إلَاّ فِي هَذَا الحَدِيث. وَقد روى آدم بن أبي إِيَاس هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَاد غير هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَذكر فِيهِ الْأَسْمَاء، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَاد صَحِيح. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) : وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح قد خرجاه فِي الصَّحِيحَيْنِ بأسانيد صَحِيحَة، دون ذكر الْأَسَامِي فِيهِ، وَالْعلَّة فِيهِ عِنْدهمَا أَن الْوَلِيد بن مُسلم تفرد بسياقه بِطُولِهِ وَذكر الْأَسَامِي فِيهِ وَلم يطكر غَيره وَلَيْسَ هَذَا بعلة فَإِنِّي لَا أعلم خلافًا بَين أَئِمَّة الحَدِيث أَن الْوَلِيد بن مُسلم أوثق وأحفظ وَأعلم وَأجل من أبي الْيَمَان وَبشر بن شُعَيْب وَعلي بن عَيَّاش وأقرانهم من أَصْحَاب شُعَيْب. وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين إسماً) لَيْسَ فِيهِ نفي غَيرهَا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيث ابْن مَسْعُود يرفعهُ: (أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتبك أَو عَلمته أحدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك) . . الحَدِيث، وَحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (أللهم إِنِّي أَسأَلك بِجَمِيعِ أسمائك الْحسنى كلهَا، مَا علمنَا مِنْهَا وَمَا لم نعلم، وَأَسْأَلك بِاسْمِك الْعَظِيم الْأَعْظَم الْكَبِير الْأَكْبَر من دعَاك بِهِ أَجَبْته) . قَالَت: فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أصبتيه أصبتيه) . وَأما وَجه التَّخْصِيص بذكرها فَلِأَنَّهَا أشهر الْأَسْمَاء وأبينها مَعَاني. قَوْله: (مائَة إِلَّا وَاحِدًا) أَي: إلَاّ إسماً وَاحِدًا. ويروى: (وَاحِدَة) أنثها ذَهَابًا إِلَى معنى التَّسْمِيَة أَو الصّفة أَو الْكَلِمَة. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة هَذَا التَّأْكِيد. قلت: قيل: إِن معرفَة أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته توقيفية تعلم من طَرِيق الْوَحْي وَالسّنة، وَلم يكن لنا أَن نتصرف فِيهَا بِمَا لم يهتد إِلَيْهِ مبلغ علمنَا ومنتهى عقولنا، وَقد منعنَا عَن إِطْلَاق مَا لم يرد بِهِ التَّوْقِيف فِي ذَلِك، وَإِن جوزه الْعقل وَحكم بِهِ الْقيَاس كَانَ الْخَطَأ فِي ذَلِك غير هَين، والمخطيء فِيهِ غير مَعْذُور، وَالنُّقْصَان عَنهُ كالزيادة فِيهِ غير مرضِي، وَكَانَ الِاحْتِمَال فِي رسم الْخط وَاقعا باشتباه تِسْعَة وَتِسْعين فِي زلَّة الْكَاتِب وهفوة الْقَلَم بسبعة وَتِسْعين أَو سَبْعَة وَسبعين أَو تِسْعَة وَسبعين، فينشأ الِاخْتِلَاف فِي المسموع من المسطور، فأكده بِهِ حسماً لمادة الْخلاف، وإرشاداً إِلَى الِاحْتِيَاط فِي هَذَا الْبَاب. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي الِاسْتِثْنَاء؟ قلت: قيل: الْفَرد أفضل من الزَّوْج، وَلذَلِك (جَاءَ: أَن الله وتر يحب الْوتر) ، ومنتهى الْإِفْرَاد من الْمَرَاتِب من غير تكْرَار تِسْعَة وَتسْعُونَ، لِأَن مائَة وَوَاحِدَة يتَكَرَّر فِيهِ الْوَاحِد، وَقيل: الْكَمَال فِي الْعدَد من الْمِائَة، لِأَن الْأَعْدَاد كلهَا ثَلَاثَة أَجنَاس: آحَاد وعشران ومآت، لِأَن الألوف ابْتِدَاء آحَاد آخر بدل عشرات الألوف وآحادها، فأسماء الله تَعَالَى مائَة، وَقد اسْتَأْثر الله مِنْهَا بِوَاحِد، وَهُوَ الِاسْم الْأَعْظَم لم يطلع عَلَيْهِ غَيره، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مائَة، لَكِن وَاحِد مِنْهَا عِنْد الله. قَوْله: (من أحصاها) ، قَالَ الْخطابِيّ: الإحصاء يحْتَمل وُجُوهًا: أظهرها: العدّ لَهَا حَتَّى يستوفيها، أَي: لَا يقْتَصر على بَعْضهَا، بل يثني على الله تَعَالَى بجميعها. وَثَانِيها: الإطاقة، أَي: من أطَاق الْقيام بِحَقِّهَا وَالْعَمَل بمقتضاها، وَهُوَ أَن يعْتَبر مَعَانِيهَا وَيلْزم نَفسه بواجبها، فَإِذا قَالَ: الرَّزَّاق ألزم ووثق بالرزق، وهلم جراً. وَثَالِثهَا: الْعقل، أَي: من عقلهَا وأحاط علما بمعانيها من قَوْلهم: فلَان ذُو حَصَاة، أَي: ذُو عقل، وَقيل: أحصاها، أَي: عرفهَا، لِأَن الْعَارِف بهَا لَا يكون إلَاّ مُؤمنا، وَالْمُؤمن يدْخل الْجنَّة لَا محَالة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لَعَلَّه يكون المُرَاد بقوله: (من أحصاها) من قَرَأَ الْقُرْآن حَتَّى يختمه فيستوفي، أَي: من حفظ الْقُرْآن الْعَزِيز دخل الْجنَّة، لِأَن جَمِيع الْأَسْمَاء فِيهِ. وَقيل: من أحصاها، أَي: حفظهَا، هَكَذَا فسره البُخَارِيّ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَعَطَاءٌ: إِذَا أَجَّلَهُ فِي الْقَرْضِ جَازَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ) ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي أُقْرِضَ الْأَلْفَ الدِّينَارِ، وَأَثَرَ ابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءٍ فِي تَأْجِيلِ الْقَرْضِ، وَقَدْ مَضَى جَمِيعُ ذَلِكَ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْقَرْضِ، وَسَقَطَ جَمِيعُ ذَلِكَ هُنَا لِلنَّسَفِيِّ، لَكِنْ زَادَ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي تَلِيهِ فَقَالَ: بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ وَالْمُكَاتَبِ إِلَخْ.
١٧ - بَاب الْمُكَاتَبِ، وَمَا لَا يَحِلُّ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي تُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ فِي الْمُكَاتَبِ: شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَوْ عُمَرُ: كُلُّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، وقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا، عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ.
٢٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابهَا فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِي. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَّرْتُهُ ذَلِكَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُكَاتَبِ، وَمَا لَا يَحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ) تَقَدَّمَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَاتَبِ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ أَعَمُّ مِنْ تِلْكَ وَإِنْ كَانَ حَدِيثُهُمَا وَاحِدًا، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ أَيْضًا مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَاتَبِ، وَمَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ قَصَدَ تَفْسِيرَ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي، وَهُنَا أَرَادَ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ: لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ، ثُمَّ اسْتَظْهَرَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ عُمَرَ أَوِ ابْنِ عُمَرَ، وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِكِتَابِ اللَّهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ حُكْمُهُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَصًّا أَوْ مُسْتَنْبَطًا، وَكُلُّ مَا كَانَ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُكَاتَبِ: شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ) وَصَلَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَابِرٍ ; وَوَقَعَ لَنَا مَرْوِيًّا مِنْ طَرِيقِ قَبِيصَةَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَوْ عُمَرُ: كُلُّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَخْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فَقَطْ وَلَمْ يَقُلْ أَوْ عُمَرُ ; لَكِنْ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - أَيِ الْمُصَنِّفُ - يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا عَنْ عُمَرَ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الْعِتْقِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
كتاب الله، وهو أعمُّ من أن يكون نصًّا أو استنباطًا (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵄) ممَّا وصله سفيان الثَّوريُّ في «كتاب الفرائض» له من طريق مجاهدٍ عن جابرٍ: (فِي المُكَاتَبِ شُرُوطُهُمْ) أي: شروط المكاتَبين وساداتهم (بَيْنَهُمْ) معتبرةٌ (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَوْ) أبوه (عُمَرُ) بن الخطَّاب كذا وقع بالشَّكِّ، ولم يقل في رواية النَّسفيِّ: «أو عمر» (﵄: كُلُّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللهِ) أي: حكم كتاب الله (فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِئَةَ شَرْطٍ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا، عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ) كذا في رواية كريمة، وسقط قوله: «وقال أبو عبد الله … » إلى آخره عند أبي ذرٍّ.
٢٧٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرَّحمن الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا) أن تعينها (فِي كِتَابَتِهَا) وفي رواية: عروة عن عائشة «تستعينها في كتابتها» [خ¦٢٥٦٠] (فَقَالَتْ) عائشة ﵂ لها: (إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ) ثمنك، وأعتقتك (١) (وَيَكُونُ الوَلَاءُ) عليك (لِي) فذكرت بريرة ذلك لأهلها، فأبَوا إلَّا أن يكون الولاء لهم (فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) لعائشة (ذكَرَتْهُ ذَلِكَ) بتخفيف كاف «ذكَرَتْه» ولأبي ذَرٍّ: «ذكَّرَتْهُ» بتشديدها وفتح الرَّاء وسكون الفوقيَّة، وفي نسخةٍ: بسكون الرَّاء وضمِّ الفوقيَّة (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ابْتَاعِيهَا) بهمزة وصلٍ (فَأَعْتِقِيهَا) بهمزة قطعٍ (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) لا لغيره (ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ) خطيبًا (فَقَالَ: مَا بَالُ) ما شأن (أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟!) أي: ليست في حكم الله الَّذي كتبه على عباده، وشرعه لهم، وليس المراد به خصوص القرآن (٢)، لأنَّ كون الولاء للمعتِق غير منصوصٍ في القرآن، ولكنَّ الكتاب أمر بطاعة الرَّسول، واتِّباع حكمه، وقد حكم بأنَّ الولاء لمن أعتق (مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ
فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِئَةَ شَرْطٍ) التَّقييد بالمئة للتَّأكيد، لأنَّ العموم في قوله: «مَنِ اشترط» دالٌّ على بطلان جميع الشُّروط المذكورة، فلو زادت الشُّروط على المئة كان الحكم كذلك؛ لما دلَّت عليه الصِّيغة. وهذا الحديث قد سبق غير مرَّة.
(١٨) (بابُ) بيان (مَا يَجُوزُ مِنَ الاِشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا) بضمِّ المثلَّثة وسكون النُّون، بعدها تحتيَّةٌ، مقصورًا؛ الاستثناءُ (فِي الإِقْرَارِ، وَ) بيان (الشُّرُوطِ الَّتِي يَتَعَارَفُهَا) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «يتعارفه» (النَّاسُ بَيْنَهُمْ) كشرط نقل المبيع (١) من مكان البائع، فإنَّه جائزٌ؛ لأنَّه تصريحٌ بمقتضى العقد، أو شرط قطع الثِّمار أو تبقيتها بعد الصَّلاح، أو شرط أن يعمل فيه البائع عملًا معلومًا، كأن باع ثوبًا بشرط أن يخيطه في أضعف الأقوال، وهو في المعنى بيعٌ وإجارةٌ يوزَّع المسمَّى عليهما باعتبار القيمة، وقيل: يبطل الشَّرط ويصحُّ البيع بما يقابل المبيع من المسمَّى، والأصحُّ بطلانهما، لاشتمال البيع على شرط عملٍ فيما لم يملكه بعد (وَإِذَا قَالَ) لفلانٍ: عليَّ (مئةٌ إِلَّا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ) بكسر المثلَّثة، وهذا (٢) استثناءُ قليلٍ من كثيرٍ، لا خلاف فيه، فيصحُّ، ويلزمه في قوله: «إلَّا واحدةً» تسعةٌ وتسعون درهمًا، وفي قوله: «إلَّا ثنتين» ثمانيةٌ وتسعون.
(وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة، وبعد الواو السَّاكنة نونٌ، عبدُ الله بن أَرْطَبان البصريُّ، ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ عن هُشَيم عنه (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمد: (قَالَ رَجُلٌ) ولأبي ذَرٍّ عن
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٧١ - (بابُ المَكاتب وَمَا لَا يحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُخَالِفُ كِتَابَ الله تعَالى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمكَاتب، وَقد تقدم فِي كتاب الشُّرُوط: بَاب مَا يجوز من شُرُوط الْمكَاتب، وَقَوله هُنَا: بَاب الْمكَاتب، أَعم من ذَلِك، وَقد تقدم أَيْضا فِي كتاب الْعتْق: بَاب مَا يجوز من شُرُوط الْمكَاتب، وَمن اشْترط شرطا لَيْسَ فِي كتاب الله. وَحَدِيث الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة وَاحِد، وتكرار التراجم لَا يدل على زِيَادَة فَائِدَة إلَاّ فِي شَيْء وَاحِد، وَهُوَ أَنه فسر قَوْله: لَيْسَ فِي كتاب الله، بقوله: (الَّتِي تخَالف كتاب الله) لِأَن المُرَاد بِكِتَاب الله حكمه، وَحكمه تَارَة يكون بطرِيق النَّص وَتارَة يكون بطرِيق الإستنباط مِنْهُ، وكل مَا لم يكن من ذَلِك فَهُوَ مُخَالف لما فِي كتاب الله.
وَقَالَ جابِرُ بنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي المُكَاتَبِ شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله سُفْيَان الثَّوْريّ فِي كتاب الْفَرَائِض لَهُ من طَرِيق مُجَاهِد عَن جَابر، وَالْمعْنَى: شُرُوط المكاتبين وساداتهم مُعْتَبرَة بَينهم.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ أوْ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما كُلُّ شَرْطٍ خالَفَ كِتابَ الله فَهْوَ باطلٌ وإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ
هَكَذَا وَقع لأكْثر الروَاة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وَقَالَ ابْن عمر، فَقَط. وَلم يقل: أَو عمر، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله يُقالُ عنْ كِلَيْهِمَا عنْ عُمَرَ وابنِ عُمَرَ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ. قَوْله: (عَن كليهمَا) أَي: عَن عمر وَعَن ابْنه عبد الله، وَقد تقدم فِيمَا مضى فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي قصَّة بَرِيرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (كل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل وَإِن كَانَ مائَة شَرط، قَضَاء الله أَحَق، وَشرط الله أوثق) . وَيَأْتِي الْآن أَيْضا فِي حَدِيث الْبَاب، وَالْمعْنَى: كل شَرط لَيْسَ فِي حكم الله وقضائه فِي كِتَابه أَو سنة رَسُوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَهُوَ بَاطِل.
٥٣٧٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ يَحْيى عنْ عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ أتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْألُهَا فِي كِتَابَتِهَا فقالَتْ إنْ شِئْتِ أعْطَيْتُ أهْلَكِ ويَكُونُ الوَلاءُ لي فلَمَّا جاءَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَكَّرْتُهُ ذلِكَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْتاعِيهَا فأعْتِقِيهَا فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ ثُمَّ قامَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علَى المِنْبَرِ فَقَالَ مَا بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فلَيْسَ لَهُ وإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ..
قد تقدم هَذَا الحَدِيث غير مرّة، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَآخر مَا ذكر فِي أَوَاخِر كتاب الْعتْق.
٨١ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الإشْتِرَاطَ والثُّنْيا فِي الإقْرَارِ والشُّرُوطِ الَّتِي يتَعَارَفها النَّاسُ بَيْنَهُمْ وإذَا قَالَ مائَةً إلَاّ واحِدَةً أوْ ثِنْتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز من الِاشْتِرَاط. وَقَالَ ابْن بطال: وَقع فِي بعض النّسخ: بَاب مَا لَا يجوز فِي الِاشْتِرَاط والثنيا، قَالَ: وَهُوَ خطأ، وَالصَّوَاب: بَاب مَا يجوز، والْحَدِيث الَّذِي ذكره البُخَارِيّ بعد يدل على صِحَّته. قَوْله: (والثنيا) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون النُّون بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف مَقْصُور أَي: الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِقْرَار سَوَاء كَانَ اسْتثِْنَاء قليلٍ من كثير، أَو بِالْعَكْسِ، فَالْأول لَا خلاف فِيهِ أَنه يجوز، وَالثَّانِي مُخْتَلف فِيهِ. وَحَدِيث الْبَاب يدل على جَوَاز اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، وَهَذَا جَائِز عِنْد أهل اللُّغَة وَالْفِقْه والْحَدِيث قَالَ الدَّاودِيّ: أَجمعُوا على من اسْتثْنى فِي إِقْرَاره مَا بَقِي بعده بَقِيَّة مَا أقرّ بِهِ أَن لَهُ ثنياه، فَإِذا
قَالَ لَهُ: عَليّ ألف إلَاّ تِسْعمائَة وَتِسْعَة وتسعية، صَحَّ وَلَزِمَه وَاحِد. قَالَ: وَكَذَلِكَ لَو قَالَ: أَنْت طَالِق ثَلَاثَة إلَاّ ثِنْتَيْنِ، لقَوْله تَعَالَى: {فَلبث فيهم ألف سنة إلَاّ خمسين عَاما} (العنكبوت: ٤١) . قَالَ ابْن التِّين: وَهَذَا الَّذِي ذكره الدَّاودِيّ أَنه إِجْمَاع لَيْسَ كَذَلِك، وَلَكِن هُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْحسن قولا ثَالِثا فِي قَوْله: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إلَاّ ثِنْتَيْنِ، أَنه يلْزمه ثَلَاث، وَذكر القَاضِي فِي معونته عَن عبد الْملك وَغَيره أَنه يَقُول: لَا يَصح اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر، واحتجاج الدَّاودِيّ بِهَذِهِ الْآيَة غير بَين، وَإِنَّمَا الْحجَّة فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى: {إلَاّ من اتبعك من الغاوين} (الْحجر: ٢٤) . وَقَوله: {إلَاّ عِبَادك مِنْهُم المخلصين} (الْحجر: ٥١، وص: ٣٨) . فَإِن جعلت: المخلصين، الْأَكْثَر فقد استثناهم، وَإِن جعلت: الغاوين الْأَكْثَر فقد استثناهم أَيْضا، وَلِأَن الِاسْتِثْنَاء إِخْرَاج، فَإِذا جَازَ إِخْرَاج الْأَقَل جَازَ إِخْرَاج الْأَكْثَر، وَمذهب الْبَصرِيين من أهل اللُّغَة وَابْن الْمَاجشون: الْمَنْع، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ حَيْثُ أَدخل هَذَا الحَدِيث هُنَا باستثناء الْقَلِيل من الْكثير. قَوْله: (والشروط) ، أَي: وَفِي بَيَان الشُّرُوط الَّتِي يتعارفها النَّاس بَينهم، نَحْو: أَن يَشْتَرِي نعلا أَو شراكاً بِشَرْط أَن يحذوه البَائِع، أَو اشْترى أديماً بِشَرْط أَن يخرز لَهُ خفاً، أَو اشْترى قلنسوة بِشَرْط أَن يبطنه البَائِع، فَإِن هَذِه الشُّرُوط كلهَا جَائِزَة، لِأَنَّهُ مُتَعَارَف متعامل بَين النَّاس، وَفِيه خلاف زفر، وَكَذَا لَو اشْترى شَيْئا وَشرط أَن يرهنه بِالثّمن رهنا، وَسَماهُ أَو يُعْطِيهِ كَفِيلا وَسَماهُ وَالْكَفِيل حَاضر وَقَبله، وَكَذَلِكَ: الْحِوَالَة، جَازَ اسْتِحْسَانًا خلافًا لزفَر، وَأما الشُّرُوط الَّتِي لَا يتعارفها النَّاس فباطلة، نَحْو مَا إِذا اشْترى حِنْطَة وَشرط على البَائِع طحنها أَو حملانها إِلَى منزله، أَو اشْترى دَارا على أَن يسكنهَا شهرا، فَإِن ذَلِك كُله لَا يَصح لعدم التعارف والتعامل. قَوْله: (وَإِذا قَالَ مائَة إلَاّ وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ) ، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن اخْتِيَاره جَوَاز اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، وَعدم جَوَاز عَكسه، وَذكر بِهَذَا صُورَة اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، نَحْو مَا إِذا قَالَ: لفُلَان عَليّ مائَة دِرْهَم، مثلا، إلَاّ وَاحِدَة أَو الإثنتين، فَإِنَّهُ يَصح، وَيلْزمهُ فِي قَوْله: إلَاّ وَاحِدَة، تِسْعَة وَتسْعُونَ درهما. وَفِي قَوْله إِلَّا اثْنَتَيْنِ: يلْزمه ثَمَانِيَة وَتسْعُونَ درهما.
وَقَالَ ابنُ عَوْنٍ عنِ ابنِ سِيرينَ قَالَ: قَالَ رجُلٌ لَكَرِيِّهِ أدْخِلْ رِكَابَكَ فإنْ لَمْ أرْحَلْ معَكَ يَوْمَ كَذَا وكَذَا فَلَكَ مائَةُ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَخْرُجْ فَقَالَ شُرَيْحٌ منْ شَرَطَ علَى نَفْسِهِ طائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهْوَ عَلَيْهِ
ابْن عون هُوَ: عبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، وَشُرَيْح هُوَ القَاضِي. قَوْله: (لكريه) بِفَتْح الْكَاف وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، على وزن فعيل هُوَ المكاري، قَوْله: (ادخل) من الإدخال وركابك مَنْصُوب بِهِ، والركاب، بِكَسْر الرَّاء: الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا والواحدة: رَاحِلَة وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا. قَوْله: (فَلم يخرج) ، أَي: لم يرحل مَعَه، يلْزمه مائَة دِرْهَم عِنْد شُرَيْح، وَهُوَ معنى قَوْله: قَالَ شُرَيْح: من شَرط على نَفسه طَائِعا، أيَّ حَال كَونه طَائِعا مُخْتَارًا غير مكره عَلَيْهِ، فَهُوَ أَي الشَّرْط الَّذِي شَرط عَلَيْهِ أَي يلْزمه، وَفِي هَذَا خَالف النَّاس شريحاً، يَعْنِي: لَا يلْزمه شَيْء، لِأَنَّهُ عدَّة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم عَن ابْن عون ... إِلَى آخِره.
وَقَالَ أيُّوبُ عنِ ابنِ سِيرينَ إنَّ رجُلاً باعَ طعَاماً وَقَالَ إنْ لَمْ آتِكَ الأرْبِعاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وبيْنَكَ بَيْعٌ فلَمْ يَجيءْ فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِي أنْتَ أخْلَفْتَ فَقضَى علَيْهِ
أَيُّوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. قَوْله: (الْأَرْبَعَاء) أَي: يَوْم الْأَرْبَعَاء، وَهَذَا الشَّرْط جَائِز أَيْضا عِنْد شُرَيْح لِأَنَّهُ قَالَ للْمُشْتَرِي عِنْد التحاكم إِلَيْهِ: أَنْت أخلفت الميعاد، فقضي عَلَيْهِ بِرَفْع البيع، وَهَذَا أَيْضا مَذْهَب أبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ: يَصح البيع وَيبْطل الشَّرْط، وَهَذَا التَّعْلِيق أَيْضا وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين فَذكره.
٦٣٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ لله تَسْعَةً وتِسْعِينَ إسْماً مائَةً إلَاّ واحِداً مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي موضِعين. أَحدهمَا: فِي قَوْله: (والثنيا) من غير قيد بِالْإِقْرَارِ، لِأَن الثنيا فِي نَفسه أَعم من أَن يكون فِي الْإِقْرَار أَو فِي غَيره، كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. وَالْآخر: فِي قَوْله: (مائَة إلَاّ وَاحِدَة) .
وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن أبي الْيَمَان أَيْضا وَقَالَ الْمُزنِيّ: وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن عمرَان بن بكار. قلت: أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة: حَدثنِي الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين إسماً، مائَة إلَاّ وَاحِدًا، إِنَّه وتر يحب الْوتر، من حفظهَا دخل الْجنَّة) فَذكرهَا مفصلة إسماً بعد إسم. وَقَالَ فِي آخِره، قَالَ زُهَيْر: فَبَلغنَا عَن غير وَاحِد من أهل الْعلم أَن أَولهَا يفْتَتح بقوله: (لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير، لَا إِلَه إلَاّ الله لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد روى هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يعلم فِي كثير شَيْء من الرِّوَايَات ذكر الْأَسْمَاء إلَاّ فِي هَذَا الحَدِيث. وَقد روى آدم بن أبي إِيَاس هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَاد غير هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَذكر فِيهِ الْأَسْمَاء، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَاد صَحِيح. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) : وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح قد خرجاه فِي الصَّحِيحَيْنِ بأسانيد صَحِيحَة، دون ذكر الْأَسَامِي فِيهِ، وَالْعلَّة فِيهِ عِنْدهمَا أَن الْوَلِيد بن مُسلم تفرد بسياقه بِطُولِهِ وَذكر الْأَسَامِي فِيهِ وَلم يطكر غَيره وَلَيْسَ هَذَا بعلة فَإِنِّي لَا أعلم خلافًا بَين أَئِمَّة الحَدِيث أَن الْوَلِيد بن مُسلم أوثق وأحفظ وَأعلم وَأجل من أبي الْيَمَان وَبشر بن شُعَيْب وَعلي بن عَيَّاش وأقرانهم من أَصْحَاب شُعَيْب. وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين إسماً) لَيْسَ فِيهِ نفي غَيرهَا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيث ابْن مَسْعُود يرفعهُ: (أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتبك أَو عَلمته أحدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك) . . الحَدِيث، وَحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (أللهم إِنِّي أَسأَلك بِجَمِيعِ أسمائك الْحسنى كلهَا، مَا علمنَا مِنْهَا وَمَا لم نعلم، وَأَسْأَلك بِاسْمِك الْعَظِيم الْأَعْظَم الْكَبِير الْأَكْبَر من دعَاك بِهِ أَجَبْته) . قَالَت: فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أصبتيه أصبتيه) . وَأما وَجه التَّخْصِيص بذكرها فَلِأَنَّهَا أشهر الْأَسْمَاء وأبينها مَعَاني. قَوْله: (مائَة إِلَّا وَاحِدًا) أَي: إلَاّ إسماً وَاحِدًا. ويروى: (وَاحِدَة) أنثها ذَهَابًا إِلَى معنى التَّسْمِيَة أَو الصّفة أَو الْكَلِمَة. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة هَذَا التَّأْكِيد. قلت: قيل: إِن معرفَة أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته توقيفية تعلم من طَرِيق الْوَحْي وَالسّنة، وَلم يكن لنا أَن نتصرف فِيهَا بِمَا لم يهتد إِلَيْهِ مبلغ علمنَا ومنتهى عقولنا، وَقد منعنَا عَن إِطْلَاق مَا لم يرد بِهِ التَّوْقِيف فِي ذَلِك، وَإِن جوزه الْعقل وَحكم بِهِ الْقيَاس كَانَ الْخَطَأ فِي ذَلِك غير هَين، والمخطيء فِيهِ غير مَعْذُور، وَالنُّقْصَان عَنهُ كالزيادة فِيهِ غير مرضِي، وَكَانَ الِاحْتِمَال فِي رسم الْخط وَاقعا باشتباه تِسْعَة وَتِسْعين فِي زلَّة الْكَاتِب وهفوة الْقَلَم بسبعة وَتِسْعين أَو سَبْعَة وَسبعين أَو تِسْعَة وَسبعين، فينشأ الِاخْتِلَاف فِي المسموع من المسطور، فأكده بِهِ حسماً لمادة الْخلاف، وإرشاداً إِلَى الِاحْتِيَاط فِي هَذَا الْبَاب. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي الِاسْتِثْنَاء؟ قلت: قيل: الْفَرد أفضل من الزَّوْج، وَلذَلِك (جَاءَ: أَن الله وتر يحب الْوتر) ، ومنتهى الْإِفْرَاد من الْمَرَاتِب من غير تكْرَار تِسْعَة وَتسْعُونَ، لِأَن مائَة وَوَاحِدَة يتَكَرَّر فِيهِ الْوَاحِد، وَقيل: الْكَمَال فِي الْعدَد من الْمِائَة، لِأَن الْأَعْدَاد كلهَا ثَلَاثَة أَجنَاس: آحَاد وعشران ومآت، لِأَن الألوف ابْتِدَاء آحَاد آخر بدل عشرات الألوف وآحادها، فأسماء الله تَعَالَى مائَة، وَقد اسْتَأْثر الله مِنْهَا بِوَاحِد، وَهُوَ الِاسْم الْأَعْظَم لم يطلع عَلَيْهِ غَيره، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مائَة، لَكِن وَاحِد مِنْهَا عِنْد الله. قَوْله: (من أحصاها) ، قَالَ الْخطابِيّ: الإحصاء يحْتَمل وُجُوهًا: أظهرها: العدّ لَهَا حَتَّى يستوفيها، أَي: لَا يقْتَصر على بَعْضهَا، بل يثني على الله تَعَالَى بجميعها. وَثَانِيها: الإطاقة، أَي: من أطَاق الْقيام بِحَقِّهَا وَالْعَمَل بمقتضاها، وَهُوَ أَن يعْتَبر مَعَانِيهَا وَيلْزم نَفسه بواجبها، فَإِذا قَالَ: الرَّزَّاق ألزم ووثق بالرزق، وهلم جراً. وَثَالِثهَا: الْعقل، أَي: من عقلهَا وأحاط علما بمعانيها من قَوْلهم: فلَان ذُو حَصَاة، أَي: ذُو عقل، وَقيل: أحصاها، أَي: عرفهَا، لِأَن الْعَارِف بهَا لَا يكون إلَاّ مُؤمنا، وَالْمُؤمن يدْخل الْجنَّة لَا محَالة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لَعَلَّه يكون المُرَاد بقوله: (من أحصاها) من قَرَأَ الْقُرْآن حَتَّى يختمه فيستوفي، أَي: من حفظ الْقُرْآن الْعَزِيز دخل الْجنَّة، لِأَن جَمِيع الْأَسْمَاء فِيهِ. وَقيل: من أحصاها، أَي: حفظهَا، هَكَذَا فسره البُخَارِيّ
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56