الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٨٢
الحديث رقم ٢٨٢ من كتاب «كتاب الغسل» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا احتلمت المرأة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ عَرَقِ الْجُنُبِ وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ
٢٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابِنَْتِ أَبِي سَلَمَةَ،
⦗٦٥⦘
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَالِيًا إِلَى الثَّوْرِيِّ، وَنَزَلَ فِيهِ هُنَا دَرَجَةً. وَكَذَلِكَ نَزَلَ فِيهِ شَيْخُهُ عَبْدَانُ دَرَجَةً ; لِأَنَّهُ سَبَقَ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ. وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ اعْتِنَاؤُهُ بِمُغَايَرَةِ الطُّرُقِ عِنْدَ تَغَايُرِ الْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ) أَيْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ هَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمُتَابَعَةُ مَوْصُولَةً عِنْدَهُ فِي بَابِ: مَنْ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: (وَابْنُ فُضَيْلٍ) أَيِ عن الْأَعْمَشُ أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَرِوَايَتُهُ مَوْصُولَةٌ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ الْأسْفِرَايِنِيِّ نَحْوُ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ الْبَصْرِيِّ، وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُ السَّتْرِ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَمِنْ رِوَايَةِ زَائِدَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَسَبَقَتْ مَبَاحِثُ الْحَدِيثِ فِي أَوَّلِ الْغُسْلِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
٢٢ - بَاب إِذَا احْتَلَمَتْ الْمَرْأَةُ
٢٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا احْتَلَمَتِ الْمَرْأَةُ) إِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالْمَرْأَةِ مَعَ أَنَّ حُكْمَ الرَّجُلِ كَذَلِكَ لِمُوَافَقَةِ صُورَةِ السُّؤَالِ، وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ مَنَعَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيُّ، وَاسْتَبْعَدَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ صِحَّتَهُ عَنْهُ، لَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَفِيهِ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ، فَنُسِبَتْ هُنَاكَ إِلَى أُمِّهَا وَهُنَا إِلَى أَبِيهَا، وَقَدِ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاجِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ لَكِنْ قَالَ عَنْ عَائِشَةَ وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ أُمِّ سُلَيْمٍ وَعَائِشةَ.
وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأُمِّ سَلَمَةَ لَا لِعَائِشَةَ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ هِشَامٍ وَهُوَ ظَاهِرُ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنِ الذُّهْلِيِّ أَنَّهُ صَحَّحَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَشَارَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى تَقْوِيَةِ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ; لِأَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ تَابَعَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا رِوَايَةَ نَافِعٍ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ وَعَائِشَةُ عِنْدَهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ سُلَيْمٍ وَكَانَتْ مُجَاوِرَةً لِأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ هِيَ الَّتِي رَاجَعَتْهَا، وَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَةَ هِشَامٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ جَمِيعًا أَنْكَرَتَا عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ حُضُورُ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ أَنَسًا، وَعَائِشَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ حَضَرُوا الْقِصَّةَ. انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَحْضُرِ الْقِصَّةَ وَإِنَّمَا تَلَقَّى ذَلِكَ مِنْ أُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَإِنَّمَا تَلَقَّى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَقَدْ سَأَلَتْ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ وَفِي آخِرِهِ كَمَا لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ غُسْلٌ إِذَا رَأَى ذَلِكَ فَلَمْ يُنْزِلْ وَسَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَبُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) قَدَّمَتْ هَذَا الْقَوْلَ تَمْهِيدًا لِعُذْرِهَا فِي ذِكْرِ مَا يُسْتَحْيى مِنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالْحَيَاءِ هُنَا مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ،
إِذِ الْحَيَاءُ الشَّرْعِيُّ خَيْرٌ كُلُّهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَنَّ الْحَيَاءَ لُغَةً: تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُحْمَلُ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْحَيَاءِ فِي الْحَقِّ، أَوْ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذِكْرِ الْحَقِّ. وَقَدْ يُقَالُ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ فِي الْإِثْبَاتِ (١). وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّفْيِ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَفْهُومُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْتَحْيِي مِنْ غَيْرِ الْحَقِّ عَادَ إِلَى جَانِبِ الْإِثْبَاتِ فَاحْتِيجَ إِلَى تَأْوِيلِهِ. قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.
قَوْلُهُ: (هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلِ) مِنْ زَائِدَةٌ وَقَدْ سَقَطَتْ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ.
قَوْلُهُ: (احْتَلَمَتْ) الِاحْتِلَامُ افْتِعَالٌ مِنَ الْحُلْمِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ يُقَالُ مِنْهُ حَلَمَ بِالْفَتْحِ وَاحْتَلَمَ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا أَمْرٌ خَاصٌّ مِنْهُ وَهُوَ الْجِمَاعُ. وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا يُجَامِعُهَا فِي الْمَنَامِ أَتَغْتَسِلُ؟.
قَوْلُهُ: (إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ) أَيِ الْمَنِيَّ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ إِذَا رَأَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ، وَزَادَ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَهَلْ تَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ وَكَذَلِكَ رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَصْحَابُ هِشَامٍ عَنْهُ غَيْرَ مَالِكٍ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ فِي بَابِ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ، وَفِيهِ أَوَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ يَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ أَيْ أَتَرَى الْمَرْأَةُ الْمَاءَ وَتَحْتَلِمُ؟ وَفِيهِ فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَجْهَهَا وَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامٍ فَضَحِكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا تَبَسَّمَتْ تَعَجُّبًا، وَغَطَّتْ وَجْهَهَا حَيَاءً، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنْ هِشَامٍ فَقَالَتْ لَهَا: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَضَحْتِ النِّسَاءَ وَكَذَا لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كِتْمَانَ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِنَّ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ شَهْوَتِهِنَّ لِلرِّجَالِ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ النِّسَاءِ يَحْتَلِمْنَ، وَعَكَسَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ النِّسَاءِ لَا يَحْتَلِمْنَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ بَطَّالٍ الْجَوَازُ لَا الْوُقُوعُ أَيْ فِيهِنَّ قَابِلِيَّةُ ذَلِكَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْإِنْزَالِ، وَنَفَى ابْنُ بَطَّالٍ الْخِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ عَنِ النَّخَعِيِّ. وَكَأَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ لَمْ تَسْمَعْ حَدِيثَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ أَوْ سَمِعَتْهُ، وَقَامَ عِنْدَهَا مَا يُوهِمُ خُرُوجَ الْمَرْأَةِ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ نُدُورُ بُرُوزِ الْمَاءِ مِنْهَا.
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ مَاءٌ؟ فَقَالَ: هُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِذَا رَأَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَاءَ كَمَا يَرَاهُ الرَّجُلُ وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ حَتَّى تُنْزِلَ كَمَا يُنْزِلُ الرَّجُلُ
وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَاءَ الْمَرْأَةِ لَا يَبْرُزُ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ إِنْزَالُهَا بِشَهْوَتِهَا وَحُمِلَ قَوْلُهُ إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ أَيْ عَلِمَتْ بِهِ ; لِأَنَّ وُجُودَ الْعِلْمِ هُنَا مُتَعَذِّرٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ بِهِ عِلْمَهَا بِذَلِكَ وَهِيَ نَائِمَةٌ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ لَوْ رَأَى أَنَّهُ جَامَعَ وَعَلِمَ أَنَّهُ أَنْزَلَ فِي النَّوْمِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَلَمْ يَرَ بَلَلًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا، فَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ عِلْمَهَا بِذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَيْقَظَتْ فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ فِي الْيَقَظَةِ مَا كَانَ فِي النَّوْمِ إِنْ كَانَ مُشَاهَدًا، فَحَمْلُ الرُّؤْيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا هُوَ الصَّوَابُ، وَفِيهِ اسْتِفْتَاءُ الْمَرْأَةِ بِنَفْسِهَا وَسِيَاقُ صُوَرِ الْأَحْوَالِ فِي الْوَقَائِعِ الشَّرْعِيَّةِ لِمَا يُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَسُّمِ فِي التَّعَجُّبِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(تَابَعَهُ) أي: تابع سفيان (أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ في الرِّواية عن الأعمش، وسبقت (١) هذه المُتابَعة موصولةً عند المؤلِّف في «باب من أفرغ بيمينه» [خ¦٢٦٦] (وَ) تابع سفيان أيضًا (ابْنُ فُضَيْلٍ) محمَّدٌ في الرِّواية عنِ الأعمش فيما وصله أبو عَوانة الإسفراينيُّ في «صحيحه» كلاهما (فِي السَّتْرِ) المذكور، لا في بقيَّة الحديث، وللأَصيليِّ: «في التَّستُّر» وسبقت مباحث الحديث.
(٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا احْتَلَمَتِ المَرْأَةُ) قيَّد بها ردًّا على من مَنَعَ منه في حقِّها، وتنبيهًا على أنَّ حكمها كحكم الرَّجل، قال ﵊ في جواب سؤال (٢) أمِّ سليمٍ: المرأة ترى (٣) ذلك أعليها الغسل؟: «نعم، النِّساء شقائق الرِّجال» رواه أبو داود، أي: نظائر الرِّجال وأمثالهم في الأخلاق والطِّباع، كأنَّهنَّ (٤) شُقِقْنَ منهم.
٢٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أي: عروة بن (٥) الزُّبير بن العوام (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد المخزوميِّ، ونسبها المؤلِّف في «باب الحياء في العلم» [خ¦١٣٠] إلى أمِّها أمِّ سلمة، وهي: هند بنت أبي أميَّة (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، سهلة أو رُمَيْلة أو رميثة بنت ملحان الخزرجية والدة أنس بن مالكٍ، وكانت
أسلمت مع السَّابقين إلى الإسلام من الأنصار، وكان النَّبيُّ ﷺ يزورها فتتحفه بالشِّيء تصنعه (١) له، ولها في «البخاريِّ» حديثان، وهي (امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حرامٍ الأنصاريِّ البدريِّ (٢) (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللَّهَ) ﷿ (لَا يَسْتَحْيِي (٣) مِنَ الحَقِّ) أي: لا يأمر بالحياء فيه، أو (٤) لا يمنع من ذكره، وقالت ذلك قبل اللَّاحق تمهيدًا لعذرها في ذكر ما يُستحيَا منه (هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ) أي: هل على المرأة غسلٌ، فحرف الجرِّ زائدٌ، وقد سقط عند المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦٠٩١] (إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟) ولأحمد من حديث أُمِّ سلمة ﵂: «أنَّها قالت: يا رسول الله، إذا رأتِ المرأة أنَّ زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ) يجب عليها الغسل (إِذَا رَأَتِ المَاءَ) أي: المنيَّ بعد استيقاظها مِنَ النَّوم، فالرُّؤية بصريَّةٌ فتتعدَّى لواحدٍ، ويحتمل أن تكون علميَّةً فتتعدَّى إلى مفعولين (٥) الثَّاني مُقَدَّرٌ، أي: إذا رأت الماء موجودًا أو غير ذلك، قال أبو حيَّان ﵀: وحذفُ أحدِ مفعولي رأى (٦) وأخواتها عزيزٌ، وقد قِيلَ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] أي: البخلَ خيرًا لهم، وأمَّا
حذفهما جميعًا فجائزٌ اختصارًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم: ٣٥] والظَّاهر أنَّها هنا بصريَّةٌ، وينبني على ذلك أنَّ المرأة إذا علمت أنَّها أنزلت ولم ترَه أنَّه لا غسل عليها، ولمسلمٍ من حديث أنسٍ: «أنَّ أمَّ سليمٍ حدَّثت أنَّها سألت النَّبيَّ ﷺ وعائشة عنده فقالت: يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرَّجل في المنام، فترى من (١) نفسها ما يرى الرَّجل من نفسه، فقالت عائشة: يا أمَّ سُليمٍ فضحتِ النِّساء»، وعند ابن أبي شيبة: فقال: «هل تجد شهوةً؟» قالت: لعلَّه، قال: «هل تجد بللًا؟» قالت: لعلَّه، فقال: «فلتغتسل»، فلقيتها النِّسوة فقلن: فضحتِنَا عند رسول الله ﷺ، فقالت: واللهِ ما كنتُ لأنتهيَ حتَّى أعلم في حلٍّ أنا أم في حرامٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ كتمان ذلك من عادتهنَّ لأنَّه يدلُّ على شدَّة شهوتهنَّ، وإنَّما أنكرت أمُّ سلمة (٢) على أمِّ سليمٍ لكونها واجهت به النَّبيَّ ﷺ، واستدلَّ به ابن بطَّالٍ: على أنَّ كلَّ النِّساء يحتلمن، وعَكَسه غيره، وقال: فيه دليلٌ على أنَّ بعض النِّساء لا يحتلمن، قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: والظَّاهر أنَّ مُراد ابن بطَّالٍ الجواز لا الوقوع، أي: فيهنَّ قابليَّةُ ذلك.
ورواة حديث الباب السِّتَّة مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وثلاث صحابيَّاتٍ، وأخرجه السِّتَّة واتَّفق الشَّيخان على إخراجه من طرقٍ (٣) عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة (٤) عن أمِّ سلمة، وقد جاء عن جماعةٍ من الصَّحابيَّات: أنَّهنَّ سألن كسؤال (٥) أمِّ سلمة، منهنَّ: خولة بنت حكيمٍ كما عند النَّسائيِّ وأحمد وابن ماجه، وسهلة بنت سهيلٍ كما عند الطَّبرانيِّ، وبُسْرَة بنت صفوان كما عند ابن أبي شيبة.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَالِيًا إِلَى الثَّوْرِيِّ، وَنَزَلَ فِيهِ هُنَا دَرَجَةً. وَكَذَلِكَ نَزَلَ فِيهِ شَيْخُهُ عَبْدَانُ دَرَجَةً ; لِأَنَّهُ سَبَقَ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ. وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ اعْتِنَاؤُهُ بِمُغَايَرَةِ الطُّرُقِ عِنْدَ تَغَايُرِ الْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ) أَيْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ هَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمُتَابَعَةُ مَوْصُولَةً عِنْدَهُ فِي بَابِ: مَنْ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: (وَابْنُ فُضَيْلٍ) أَيِ عن الْأَعْمَشُ أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَرِوَايَتُهُ مَوْصُولَةٌ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ الْأسْفِرَايِنِيِّ نَحْوُ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ الْبَصْرِيِّ، وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُ السَّتْرِ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَمِنْ رِوَايَةِ زَائِدَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَسَبَقَتْ مَبَاحِثُ الْحَدِيثِ فِي أَوَّلِ الْغُسْلِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
٢٢ - بَاب إِذَا احْتَلَمَتْ الْمَرْأَةُ
٢٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا احْتَلَمَتِ الْمَرْأَةُ) إِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالْمَرْأَةِ مَعَ أَنَّ حُكْمَ الرَّجُلِ كَذَلِكَ لِمُوَافَقَةِ صُورَةِ السُّؤَالِ، وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ مَنَعَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيُّ، وَاسْتَبْعَدَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ صِحَّتَهُ عَنْهُ، لَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَفِيهِ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ، فَنُسِبَتْ هُنَاكَ إِلَى أُمِّهَا وَهُنَا إِلَى أَبِيهَا، وَقَدِ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاجِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ لَكِنْ قَالَ عَنْ عَائِشَةَ وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ أُمِّ سُلَيْمٍ وَعَائِشةَ.
وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأُمِّ سَلَمَةَ لَا لِعَائِشَةَ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ هِشَامٍ وَهُوَ ظَاهِرُ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنِ الذُّهْلِيِّ أَنَّهُ صَحَّحَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَشَارَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى تَقْوِيَةِ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ; لِأَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ تَابَعَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا رِوَايَةَ نَافِعٍ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ وَعَائِشَةُ عِنْدَهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ سُلَيْمٍ وَكَانَتْ مُجَاوِرَةً لِأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ هِيَ الَّتِي رَاجَعَتْهَا، وَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَةَ هِشَامٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ جَمِيعًا أَنْكَرَتَا عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ حُضُورُ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ أَنَسًا، وَعَائِشَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ حَضَرُوا الْقِصَّةَ. انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَحْضُرِ الْقِصَّةَ وَإِنَّمَا تَلَقَّى ذَلِكَ مِنْ أُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَإِنَّمَا تَلَقَّى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَقَدْ سَأَلَتْ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ وَفِي آخِرِهِ كَمَا لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ غُسْلٌ إِذَا رَأَى ذَلِكَ فَلَمْ يُنْزِلْ وَسَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَبُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) قَدَّمَتْ هَذَا الْقَوْلَ تَمْهِيدًا لِعُذْرِهَا فِي ذِكْرِ مَا يُسْتَحْيى مِنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالْحَيَاءِ هُنَا مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ،
إِذِ الْحَيَاءُ الشَّرْعِيُّ خَيْرٌ كُلُّهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَنَّ الْحَيَاءَ لُغَةً: تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُحْمَلُ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْحَيَاءِ فِي الْحَقِّ، أَوْ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذِكْرِ الْحَقِّ. وَقَدْ يُقَالُ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ فِي الْإِثْبَاتِ (١). وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّفْيِ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَفْهُومُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْتَحْيِي مِنْ غَيْرِ الْحَقِّ عَادَ إِلَى جَانِبِ الْإِثْبَاتِ فَاحْتِيجَ إِلَى تَأْوِيلِهِ. قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.
قَوْلُهُ: (هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلِ) مِنْ زَائِدَةٌ وَقَدْ سَقَطَتْ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ.
قَوْلُهُ: (احْتَلَمَتْ) الِاحْتِلَامُ افْتِعَالٌ مِنَ الْحُلْمِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ يُقَالُ مِنْهُ حَلَمَ بِالْفَتْحِ وَاحْتَلَمَ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا أَمْرٌ خَاصٌّ مِنْهُ وَهُوَ الْجِمَاعُ. وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا يُجَامِعُهَا فِي الْمَنَامِ أَتَغْتَسِلُ؟.
قَوْلُهُ: (إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ) أَيِ الْمَنِيَّ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ إِذَا رَأَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ، وَزَادَ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَهَلْ تَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ وَكَذَلِكَ رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَصْحَابُ هِشَامٍ عَنْهُ غَيْرَ مَالِكٍ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ فِي بَابِ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ، وَفِيهِ أَوَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ يَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ أَيْ أَتَرَى الْمَرْأَةُ الْمَاءَ وَتَحْتَلِمُ؟ وَفِيهِ فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَجْهَهَا وَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامٍ فَضَحِكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا تَبَسَّمَتْ تَعَجُّبًا، وَغَطَّتْ وَجْهَهَا حَيَاءً، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنْ هِشَامٍ فَقَالَتْ لَهَا: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَضَحْتِ النِّسَاءَ وَكَذَا لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كِتْمَانَ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِنَّ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ شَهْوَتِهِنَّ لِلرِّجَالِ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ النِّسَاءِ يَحْتَلِمْنَ، وَعَكَسَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ النِّسَاءِ لَا يَحْتَلِمْنَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ بَطَّالٍ الْجَوَازُ لَا الْوُقُوعُ أَيْ فِيهِنَّ قَابِلِيَّةُ ذَلِكَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْإِنْزَالِ، وَنَفَى ابْنُ بَطَّالٍ الْخِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ عَنِ النَّخَعِيِّ. وَكَأَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ لَمْ تَسْمَعْ حَدِيثَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ أَوْ سَمِعَتْهُ، وَقَامَ عِنْدَهَا مَا يُوهِمُ خُرُوجَ الْمَرْأَةِ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ نُدُورُ بُرُوزِ الْمَاءِ مِنْهَا.
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ مَاءٌ؟ فَقَالَ: هُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِذَا رَأَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَاءَ كَمَا يَرَاهُ الرَّجُلُ وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ حَتَّى تُنْزِلَ كَمَا يُنْزِلُ الرَّجُلُ
وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَاءَ الْمَرْأَةِ لَا يَبْرُزُ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ إِنْزَالُهَا بِشَهْوَتِهَا وَحُمِلَ قَوْلُهُ إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ أَيْ عَلِمَتْ بِهِ ; لِأَنَّ وُجُودَ الْعِلْمِ هُنَا مُتَعَذِّرٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ بِهِ عِلْمَهَا بِذَلِكَ وَهِيَ نَائِمَةٌ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ لَوْ رَأَى أَنَّهُ جَامَعَ وَعَلِمَ أَنَّهُ أَنْزَلَ فِي النَّوْمِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَلَمْ يَرَ بَلَلًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا، فَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ عِلْمَهَا بِذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَيْقَظَتْ فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ فِي الْيَقَظَةِ مَا كَانَ فِي النَّوْمِ إِنْ كَانَ مُشَاهَدًا، فَحَمْلُ الرُّؤْيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا هُوَ الصَّوَابُ، وَفِيهِ اسْتِفْتَاءُ الْمَرْأَةِ بِنَفْسِهَا وَسِيَاقُ صُوَرِ الْأَحْوَالِ فِي الْوَقَائِعِ الشَّرْعِيَّةِ لِمَا يُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَسُّمِ فِي التَّعَجُّبِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(تَابَعَهُ) أي: تابع سفيان (أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ في الرِّواية عن الأعمش، وسبقت (١) هذه المُتابَعة موصولةً عند المؤلِّف في «باب من أفرغ بيمينه» [خ¦٢٦٦] (وَ) تابع سفيان أيضًا (ابْنُ فُضَيْلٍ) محمَّدٌ في الرِّواية عنِ الأعمش فيما وصله أبو عَوانة الإسفراينيُّ في «صحيحه» كلاهما (فِي السَّتْرِ) المذكور، لا في بقيَّة الحديث، وللأَصيليِّ: «في التَّستُّر» وسبقت مباحث الحديث.
(٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا احْتَلَمَتِ المَرْأَةُ) قيَّد بها ردًّا على من مَنَعَ منه في حقِّها، وتنبيهًا على أنَّ حكمها كحكم الرَّجل، قال ﵊ في جواب سؤال (٢) أمِّ سليمٍ: المرأة ترى (٣) ذلك أعليها الغسل؟: «نعم، النِّساء شقائق الرِّجال» رواه أبو داود، أي: نظائر الرِّجال وأمثالهم في الأخلاق والطِّباع، كأنَّهنَّ (٤) شُقِقْنَ منهم.
٢٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أي: عروة بن (٥) الزُّبير بن العوام (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد المخزوميِّ، ونسبها المؤلِّف في «باب الحياء في العلم» [خ¦١٣٠] إلى أمِّها أمِّ سلمة، وهي: هند بنت أبي أميَّة (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، سهلة أو رُمَيْلة أو رميثة بنت ملحان الخزرجية والدة أنس بن مالكٍ، وكانت
أسلمت مع السَّابقين إلى الإسلام من الأنصار، وكان النَّبيُّ ﷺ يزورها فتتحفه بالشِّيء تصنعه (١) له، ولها في «البخاريِّ» حديثان، وهي (امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حرامٍ الأنصاريِّ البدريِّ (٢) (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللَّهَ) ﷿ (لَا يَسْتَحْيِي (٣) مِنَ الحَقِّ) أي: لا يأمر بالحياء فيه، أو (٤) لا يمنع من ذكره، وقالت ذلك قبل اللَّاحق تمهيدًا لعذرها في ذكر ما يُستحيَا منه (هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ) أي: هل على المرأة غسلٌ، فحرف الجرِّ زائدٌ، وقد سقط عند المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦٠٩١] (إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟) ولأحمد من حديث أُمِّ سلمة ﵂: «أنَّها قالت: يا رسول الله، إذا رأتِ المرأة أنَّ زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ) يجب عليها الغسل (إِذَا رَأَتِ المَاءَ) أي: المنيَّ بعد استيقاظها مِنَ النَّوم، فالرُّؤية بصريَّةٌ فتتعدَّى لواحدٍ، ويحتمل أن تكون علميَّةً فتتعدَّى إلى مفعولين (٥) الثَّاني مُقَدَّرٌ، أي: إذا رأت الماء موجودًا أو غير ذلك، قال أبو حيَّان ﵀: وحذفُ أحدِ مفعولي رأى (٦) وأخواتها عزيزٌ، وقد قِيلَ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] أي: البخلَ خيرًا لهم، وأمَّا
حذفهما جميعًا فجائزٌ اختصارًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم: ٣٥] والظَّاهر أنَّها هنا بصريَّةٌ، وينبني على ذلك أنَّ المرأة إذا علمت أنَّها أنزلت ولم ترَه أنَّه لا غسل عليها، ولمسلمٍ من حديث أنسٍ: «أنَّ أمَّ سليمٍ حدَّثت أنَّها سألت النَّبيَّ ﷺ وعائشة عنده فقالت: يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرَّجل في المنام، فترى من (١) نفسها ما يرى الرَّجل من نفسه، فقالت عائشة: يا أمَّ سُليمٍ فضحتِ النِّساء»، وعند ابن أبي شيبة: فقال: «هل تجد شهوةً؟» قالت: لعلَّه، قال: «هل تجد بللًا؟» قالت: لعلَّه، فقال: «فلتغتسل»، فلقيتها النِّسوة فقلن: فضحتِنَا عند رسول الله ﷺ، فقالت: واللهِ ما كنتُ لأنتهيَ حتَّى أعلم في حلٍّ أنا أم في حرامٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ كتمان ذلك من عادتهنَّ لأنَّه يدلُّ على شدَّة شهوتهنَّ، وإنَّما أنكرت أمُّ سلمة (٢) على أمِّ سليمٍ لكونها واجهت به النَّبيَّ ﷺ، واستدلَّ به ابن بطَّالٍ: على أنَّ كلَّ النِّساء يحتلمن، وعَكَسه غيره، وقال: فيه دليلٌ على أنَّ بعض النِّساء لا يحتلمن، قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: والظَّاهر أنَّ مُراد ابن بطَّالٍ الجواز لا الوقوع، أي: فيهنَّ قابليَّةُ ذلك.
ورواة حديث الباب السِّتَّة مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وثلاث صحابيَّاتٍ، وأخرجه السِّتَّة واتَّفق الشَّيخان على إخراجه من طرقٍ (٣) عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة (٤) عن أمِّ سلمة، وقد جاء عن جماعةٍ من الصَّحابيَّات: أنَّهنَّ سألن كسؤال (٥) أمِّ سلمة، منهنَّ: خولة بنت حكيمٍ كما عند النَّسائيِّ وأحمد وابن ماجه، وسهلة بنت سهيلٍ كما عند الطَّبرانيِّ، وبُسْرَة بنت صفوان كما عند ابن أبي شيبة.