الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٧٢
الحديث رقم ٤٥٧٢ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان الآية.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
سُورَةُ النِّسَاءِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَسْتَنْكِفُ﴾: يَسْتَكْبِرُ. ﴿قِوَامًا﴾: قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ. ﴿لَهُنَّ سَبِيلا﴾: يَعْنِي الرَّجْمَ لِلثَّيِّبِ، وَالْجَلْدَ لِلْبِكْرِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَثْنَى وَثُلَاثَ، يَعْنِي اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا وَلَا تُجَاوِزُ الْعَرَبُ رُبَاعَ.
٤٥٧٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٢٠ - بَاب ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ الْآيَةَ
٤٥٧٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهِيَ خَالَتُهُ - قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ - أَوْ: قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ: بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ - اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعل يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ شَيْخٍ لَهُ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ، وَسَاقَهُ أَيْضًا بِتَمَامِهِ.
٤ - سُورَةُ النِّسَاءِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَسْتَنْكِفُ: يَسْتَكْبِرُ، قِوَامًا: قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ، ﴿لَهُنَّ سَبِيلا﴾ يَعْنِي الرَّجْمَ لِلثَّيِّبِ وَالْجَلْدَ لِلْبِكْرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ يَعْنِي: اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا، وَلَا تُجَاوِزُ الْعَرَبُ رُبَاعَ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ النِّسَاءِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَسْتَنْكِفَ: يَسْتَكْبِرَ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ حَسْبُ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ قَالَ: يَسْتَكْبِرْ، وَهُوَ عَجِيبٌ؛ فَإِنَّ فِي الْآيَةِ عَطْفَ الِاسْتِكْبَارِ عَلَى الِاسْتِنْكَافِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّوْكِيدِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَى يَسْتَنْكِفُ: يَأْنَفُ، وَأَسْنَدَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَحْتَشِمُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ النَّكَفِ وَهُوَ الْأَنَفَةُ، وَالْمُرَادُ دَفْعُ ذَلِكَ عَنْهُ، وَمِنْهُ نَكَفْتُ الدَّمْعَ بِالْإِصْبَعِ إِذَا مَنَعْتَهُ مِنَ الْجَرْيِ عَلَى الْخَدِّ.
قَوْلُهُ: (قِوَامًا: قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ) هَكَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ يَعْنِي: قِوَامَكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ، يَقُولُ: لَا تَعْمِدْ إِلَى مَالِكَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَكَ مَعِيشَةً فَتُعْطِيَهُ امْرَأَتَكَ وَنَحْوَهَا، وَقَوْلُهُ: ﴿قِيَامًا﴾ الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَدَلَ الْوَاوِ، لَكِنْهُمَا بِمَعْنًى، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ: قِيَامُ أَمْرِكُمْ، وَقِوَامُ أَمْرِكُمْ، وَالْأَصْلُ بِالْوَاوِ فَأَبْدَلُوهَا يَاءً؛ لِكَسْرَةِ الْقَافِ، قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: فَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأَصْلِ. قُلْتُ: وَلَا حَاجَةَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَاقِلٌ لَهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ كِلَا الْأَمْرَيْنِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا أَيْضًا قِرَاءَةُ ابْنِ عُمَرَ أَعْنِي بِالْوَاوِ، وَقَدْ قُرِئَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيْضًا: قِيَمًا بِلَا أَلِفٍ، وَفِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٥٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البَغْلانيُّ؛ بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة، وسقط لأبي ذرٍّ «بن سعيدٍ» (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) الوالِبِيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْيَ خَالَتُهُ، قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ؛ اسْتَيْقَظَ) ولأبي ذرِّ: «ثمَّ استيقظ» (رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَجَعلَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فجلس» (١) (يَمْسَحُ النَّوْمَ) أي: أثره (عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِه) بالإفراد (ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) زاد في بعض طرق «الصَّحيح» [خ¦٦٣١٦] وهو عند ابن مردويه، ولفظ مسلمٍ: وكان في دعائه (٢): «اللهمَّ اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، وعظِّم (٣) لي نورًا»، قال كُرَيبٌ: «وسبعًا (٤) في التَّابوت، فلقيت بعض ولد العبَّاس فحدَّثني بهنَّ، فذكر: عصبي ولحمي ودمي وشعري وبشري» وزاد في أخرى: «وفي (٥) لساني نورًا» وفي أخرى: «واجعلني نورًا»، وفي أخرى: «واجعل في نفسي نورًا»، وكان باعثه على هذا وعلى الصَّلاة قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ … ﴾ إلى قوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١] لأنَّ الفاء الفصيحة تقتضي مقدَّرًا يرتبط معها؛ تقديره: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ بل خلقته للدَّلالة على معرفتك، ومن عرفك
يجب عليه أداء طاعتك واجتناب معصيتك؛ ليفوز بدخول (١) جنتك ويتوقَّى به من عذاب نارك، ونحن قد عرفناك وأدَّينا طاعتك واجتنبنا معصيتك فقنا عذاب النَّار برحمتك، وتحريره: أنَّه ﷺ لمَّا تفكَّر في عجائب المُلْك والملكوت، وعرج إلى عالم الجبروت حتَّى انتهى إلى سرادقات الجلال؛ فُتِح لسانه بالذِّكر، ثمَّ أُتبِع بدنه وروحه بالتَّأهُّب والوقوف في مقام التَّناجي والدُّعاء، ومعنى طلب النور للأعضاء عضوًا عضوًا: أن يتحلَّى بأنوار المعرفة والطَّاعة، ويتعرَّى عن ظلمة الجهالة والمعصية؛ لأنَّ الإنسان ذو سهوٍ وطغيانٍ، رأى أنَّه قد أحاطت به ظلمات الجِبِلَّة مُعْتَوِرَةً عليه من فرقه إلى قدمه، والأدخنة الثَّائرة من نيران الشَّهوات من جوانبه، ورأى الشَّيطان يأتيه من الجهات السِّتِّ بوساوسه وشبهاته، ظلماتٌ بعضها فوق بعضٍ، فلم يرَ للتَّخلُّص منها مساغًا إلَّا بأنوارٍ سادَّةٍ لتلك الجهات، فسأل الله أن يمدَّه بها ليستأصل شأفة (٢) تلك الظُّلمات؛ إرشادًا للأمَّة وتعليمًا لهم، قاله في «شرح المشكاة» (ثُمَّ قَامَ) ﵊ (إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ) وفي روايةٍ لمسلمٍ: «ثمَّ عدل إلى شَجْبٍ من ماءٍ» وهو السِّقاء الذي أخلق (فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ) وفي روايةٍ [خ¦٦٩٨]: «فقمت عن يساره فأخذني فجعلني عن يمينه» (فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ) فهي اثنتا عشرة ركعةً (ثُمَّ أَوْتَرَ) بواحدةٍ (ثُمَّ اضْطَجَعَ) زاد في «مسلمٍ»: «فنام حتَّى نفخ وكان إذا نام نفخ» (حَتَّى جَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) سنَّة الفجر من غير أن يتوضَّأ (ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى) بأصحابه (الصُّبْحَ) (٣).
(((٤))) (سورة النِّسَاءِ) مدنيَّةٌ، زاد أبو ذرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم» والمُستملي والكُشْميهَنيِّ.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ صحيحٍ من طريق ابن جريجٍ (١) عن عطاءٍ عنه: (﴿يَسْتَنكِفَ﴾) يريد: تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [النساء: ١٧٢]: معناه: (يَسْتَكْبِرُ) فالعطف للتَّفسير، أي: يأنف.
وقال ابن عبَّاسٍ أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتمٍ عن عليِّ بن أبي طلحة عنه: ((قِوَامًا): قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ) بكسر القاف وبعدها واوٌ، والتِّلاوة بالياء التَّحتيَّة؛ إذ مراده: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء: ٥] قيل: لم يقصد المؤلِّف بها التَّلاوة، بل حذف الكلمة القرآنية وأشار إلى تفسيرها، وقد قال أبو عبيدة: ﴿قِيَاماً﴾ و «قِوامًا» بمنزلةٍ واحدةٍ، تقول: هذا قِوامُ أمرك وقيامُه، أي: ما يقوم به أمرك، والأصل بالواو، فأبدلوها بكسرة القاف، ونُقِل أنَّها بالواو قراءة ابن عمر ﵄.
وقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ﴾ (﴿لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥] يَعْنِي: الرَّجْمَ لِلثَّيِّبِ، وَالجَلْدَ لِلْبِكْرِ) قاله ابن عبَّاسٍ فيما وصله عبد بن حميدٍ بإسنادٍ صحيحٍ، وكان الحكم في ابتداء الإسلام أنَّ المرأة إذا زنت، وثبت زناها حُبِسَت في بيتٍ حتَّى تموت.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ ﵄، وسقط قوله: «وقال غيره» لأبي ذرٍّ، وسقطت الجملة كلُّها من قوله: «قال ابن عبَّاسٍ … » إلى هنا من رواية الحَمُّويي (﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ﴾) ﴿وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] قال أبو عبيدة: (يَعْنِي: اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا، وَلَا تُجَاوِزُ العَرَبُ رُبَاعَ) اختُلِف في هذه الألفاظ؛
هل يجوز فيها القياس أو يُقتَصر فيها على السَّماع؟ فذهب البصريُّون إلى الثَّاني، والكوفيُّون إلى الأوَّل، والمسموع من ذلك أحد عشر لفظًا: أُحاد ومَوحَد، وثُناء ومَثنَى، وثُلاث ومَثلَث، ورُباع ومَرْبع، وخُماس (١) ومَخمَس، وعُشار ومَعشر، لكن قال ابن الحاجب: هل يقال: خُماس ومَخمَس … إلى عُشار ومَعشر؟ فيه خلافٌ، والأصحُّ: أنَّه (٢) لم (٣) يثبت، وهذا هو الذي اختاره المؤلِّف، وجمهور النُّحاة على منع صرفها، وأجاز الفرَّاء صرفها وإن كان المنع عنده أولى، ومنع الصَّرف للعدل والوصف؛ لأنَّها معدولةٌ عن صيغةٍ إلى صيغةٍ؛ وذلك أنَّها معدولةٌ عن عددٍ مكرَّرٍ (٤)، فإذا قلت: جاء القوم أُحاد أو مَوحَد، أو ثُلاث أو مَثلَث؛ كان بمنزلة قولك: جاؤوا واحدًا واحدًا وثلاثةً ثلاثةً، ولا يراد بالعدول (٥) عنه التَّوكيد، إنَّما يراد به تكرير العدد، كقوله: علَّمته الحساب بابًا بابًا، أو للعدل والتَّعريف، أو لعدلها عن عددٍ مكرَّرٍ وعدلها (٦) عن التَّأنيث، أو لتكرُّر (٧) العدل … أقوالٌ، وقول البخاريِّ: «يعني: اثنتين وثلاثًا وأربعًا» ليس معناه ذلك، بل معناه: المكرَّر؛ نحو: اثنتين اثنتين، وإنَّما تركه اعتمادًا على الشُّهرة، أو أنَّه عنده ليس بمعنى التَّكرار.
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾) ألَّا تعدلوا، من أقسط، و «لا» نافيةٌ، أي: وإن حذرتم عدم الإقساط، أي: العدل (﴿فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]) وقُرِئ: (تَقْسِطوا)، بفتح التَّاء من قَسَط، وهو بمعنى: جَارَ، على المشهور في أنَّ الرُّباعيَّ بمعنى: عدل، والثُّلاثيَّ بمعنى: جار، وكأنَّ الهمزة فيه للسَّلب؛ فمعنى أقسط: أزال القَسْط وهو الجور، و «لا»: على هذا زائدةٌ ليس إلَّا، وإلَّا يفسد المعنى، كهي في: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] وحكى الزَّجَّاج: أنَّ «قسط» الثُّلاثيَّ يُستَعمل استعمال الرُّباعيِّ، وعلى هذا: فتكون «لا» غير زائدةٍ، كهي في الأولى، وجواب
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٢٠ - بَاب ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ الْآيَةَ
٤٥٧٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهِيَ خَالَتُهُ - قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ - أَوْ: قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ: بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ - اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعل يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ شَيْخٍ لَهُ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ، وَسَاقَهُ أَيْضًا بِتَمَامِهِ.
٤ - سُورَةُ النِّسَاءِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَسْتَنْكِفُ: يَسْتَكْبِرُ، قِوَامًا: قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ، ﴿لَهُنَّ سَبِيلا﴾ يَعْنِي الرَّجْمَ لِلثَّيِّبِ وَالْجَلْدَ لِلْبِكْرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ يَعْنِي: اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا، وَلَا تُجَاوِزُ الْعَرَبُ رُبَاعَ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ النِّسَاءِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَسْتَنْكِفَ: يَسْتَكْبِرَ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ حَسْبُ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ قَالَ: يَسْتَكْبِرْ، وَهُوَ عَجِيبٌ؛ فَإِنَّ فِي الْآيَةِ عَطْفَ الِاسْتِكْبَارِ عَلَى الِاسْتِنْكَافِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّوْكِيدِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَى يَسْتَنْكِفُ: يَأْنَفُ، وَأَسْنَدَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَحْتَشِمُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ النَّكَفِ وَهُوَ الْأَنَفَةُ، وَالْمُرَادُ دَفْعُ ذَلِكَ عَنْهُ، وَمِنْهُ نَكَفْتُ الدَّمْعَ بِالْإِصْبَعِ إِذَا مَنَعْتَهُ مِنَ الْجَرْيِ عَلَى الْخَدِّ.
قَوْلُهُ: (قِوَامًا: قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ) هَكَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ يَعْنِي: قِوَامَكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ، يَقُولُ: لَا تَعْمِدْ إِلَى مَالِكَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَكَ مَعِيشَةً فَتُعْطِيَهُ امْرَأَتَكَ وَنَحْوَهَا، وَقَوْلُهُ: ﴿قِيَامًا﴾ الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَدَلَ الْوَاوِ، لَكِنْهُمَا بِمَعْنًى، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ: قِيَامُ أَمْرِكُمْ، وَقِوَامُ أَمْرِكُمْ، وَالْأَصْلُ بِالْوَاوِ فَأَبْدَلُوهَا يَاءً؛ لِكَسْرَةِ الْقَافِ، قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: فَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأَصْلِ. قُلْتُ: وَلَا حَاجَةَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَاقِلٌ لَهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ كِلَا الْأَمْرَيْنِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا أَيْضًا قِرَاءَةُ ابْنِ عُمَرَ أَعْنِي بِالْوَاوِ، وَقَدْ قُرِئَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيْضًا: قِيَمًا بِلَا أَلِفٍ، وَفِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٥٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البَغْلانيُّ؛ بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة، وسقط لأبي ذرٍّ «بن سعيدٍ» (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) الوالِبِيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْيَ خَالَتُهُ، قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ؛ اسْتَيْقَظَ) ولأبي ذرِّ: «ثمَّ استيقظ» (رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَجَعلَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فجلس» (١) (يَمْسَحُ النَّوْمَ) أي: أثره (عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِه) بالإفراد (ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) زاد في بعض طرق «الصَّحيح» [خ¦٦٣١٦] وهو عند ابن مردويه، ولفظ مسلمٍ: وكان في دعائه (٢): «اللهمَّ اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، وعظِّم (٣) لي نورًا»، قال كُرَيبٌ: «وسبعًا (٤) في التَّابوت، فلقيت بعض ولد العبَّاس فحدَّثني بهنَّ، فذكر: عصبي ولحمي ودمي وشعري وبشري» وزاد في أخرى: «وفي (٥) لساني نورًا» وفي أخرى: «واجعلني نورًا»، وفي أخرى: «واجعل في نفسي نورًا»، وكان باعثه على هذا وعلى الصَّلاة قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ … ﴾ إلى قوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١] لأنَّ الفاء الفصيحة تقتضي مقدَّرًا يرتبط معها؛ تقديره: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ بل خلقته للدَّلالة على معرفتك، ومن عرفك
يجب عليه أداء طاعتك واجتناب معصيتك؛ ليفوز بدخول (١) جنتك ويتوقَّى به من عذاب نارك، ونحن قد عرفناك وأدَّينا طاعتك واجتنبنا معصيتك فقنا عذاب النَّار برحمتك، وتحريره: أنَّه ﷺ لمَّا تفكَّر في عجائب المُلْك والملكوت، وعرج إلى عالم الجبروت حتَّى انتهى إلى سرادقات الجلال؛ فُتِح لسانه بالذِّكر، ثمَّ أُتبِع بدنه وروحه بالتَّأهُّب والوقوف في مقام التَّناجي والدُّعاء، ومعنى طلب النور للأعضاء عضوًا عضوًا: أن يتحلَّى بأنوار المعرفة والطَّاعة، ويتعرَّى عن ظلمة الجهالة والمعصية؛ لأنَّ الإنسان ذو سهوٍ وطغيانٍ، رأى أنَّه قد أحاطت به ظلمات الجِبِلَّة مُعْتَوِرَةً عليه من فرقه إلى قدمه، والأدخنة الثَّائرة من نيران الشَّهوات من جوانبه، ورأى الشَّيطان يأتيه من الجهات السِّتِّ بوساوسه وشبهاته، ظلماتٌ بعضها فوق بعضٍ، فلم يرَ للتَّخلُّص منها مساغًا إلَّا بأنوارٍ سادَّةٍ لتلك الجهات، فسأل الله أن يمدَّه بها ليستأصل شأفة (٢) تلك الظُّلمات؛ إرشادًا للأمَّة وتعليمًا لهم، قاله في «شرح المشكاة» (ثُمَّ قَامَ) ﵊ (إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ) وفي روايةٍ لمسلمٍ: «ثمَّ عدل إلى شَجْبٍ من ماءٍ» وهو السِّقاء الذي أخلق (فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ) وفي روايةٍ [خ¦٦٩٨]: «فقمت عن يساره فأخذني فجعلني عن يمينه» (فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ) فهي اثنتا عشرة ركعةً (ثُمَّ أَوْتَرَ) بواحدةٍ (ثُمَّ اضْطَجَعَ) زاد في «مسلمٍ»: «فنام حتَّى نفخ وكان إذا نام نفخ» (حَتَّى جَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) سنَّة الفجر من غير أن يتوضَّأ (ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى) بأصحابه (الصُّبْحَ) (٣).
(((٤))) (سورة النِّسَاءِ) مدنيَّةٌ، زاد أبو ذرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم» والمُستملي والكُشْميهَنيِّ.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ صحيحٍ من طريق ابن جريجٍ (١) عن عطاءٍ عنه: (﴿يَسْتَنكِفَ﴾) يريد: تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [النساء: ١٧٢]: معناه: (يَسْتَكْبِرُ) فالعطف للتَّفسير، أي: يأنف.
وقال ابن عبَّاسٍ أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتمٍ عن عليِّ بن أبي طلحة عنه: ((قِوَامًا): قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ) بكسر القاف وبعدها واوٌ، والتِّلاوة بالياء التَّحتيَّة؛ إذ مراده: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء: ٥] قيل: لم يقصد المؤلِّف بها التَّلاوة، بل حذف الكلمة القرآنية وأشار إلى تفسيرها، وقد قال أبو عبيدة: ﴿قِيَاماً﴾ و «قِوامًا» بمنزلةٍ واحدةٍ، تقول: هذا قِوامُ أمرك وقيامُه، أي: ما يقوم به أمرك، والأصل بالواو، فأبدلوها بكسرة القاف، ونُقِل أنَّها بالواو قراءة ابن عمر ﵄.
وقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ﴾ (﴿لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥] يَعْنِي: الرَّجْمَ لِلثَّيِّبِ، وَالجَلْدَ لِلْبِكْرِ) قاله ابن عبَّاسٍ فيما وصله عبد بن حميدٍ بإسنادٍ صحيحٍ، وكان الحكم في ابتداء الإسلام أنَّ المرأة إذا زنت، وثبت زناها حُبِسَت في بيتٍ حتَّى تموت.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاسٍ ﵄، وسقط قوله: «وقال غيره» لأبي ذرٍّ، وسقطت الجملة كلُّها من قوله: «قال ابن عبَّاسٍ … » إلى هنا من رواية الحَمُّويي (﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ﴾) ﴿وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] قال أبو عبيدة: (يَعْنِي: اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا، وَلَا تُجَاوِزُ العَرَبُ رُبَاعَ) اختُلِف في هذه الألفاظ؛
هل يجوز فيها القياس أو يُقتَصر فيها على السَّماع؟ فذهب البصريُّون إلى الثَّاني، والكوفيُّون إلى الأوَّل، والمسموع من ذلك أحد عشر لفظًا: أُحاد ومَوحَد، وثُناء ومَثنَى، وثُلاث ومَثلَث، ورُباع ومَرْبع، وخُماس (١) ومَخمَس، وعُشار ومَعشر، لكن قال ابن الحاجب: هل يقال: خُماس ومَخمَس … إلى عُشار ومَعشر؟ فيه خلافٌ، والأصحُّ: أنَّه (٢) لم (٣) يثبت، وهذا هو الذي اختاره المؤلِّف، وجمهور النُّحاة على منع صرفها، وأجاز الفرَّاء صرفها وإن كان المنع عنده أولى، ومنع الصَّرف للعدل والوصف؛ لأنَّها معدولةٌ عن صيغةٍ إلى صيغةٍ؛ وذلك أنَّها معدولةٌ عن عددٍ مكرَّرٍ (٤)، فإذا قلت: جاء القوم أُحاد أو مَوحَد، أو ثُلاث أو مَثلَث؛ كان بمنزلة قولك: جاؤوا واحدًا واحدًا وثلاثةً ثلاثةً، ولا يراد بالعدول (٥) عنه التَّوكيد، إنَّما يراد به تكرير العدد، كقوله: علَّمته الحساب بابًا بابًا، أو للعدل والتَّعريف، أو لعدلها عن عددٍ مكرَّرٍ وعدلها (٦) عن التَّأنيث، أو لتكرُّر (٧) العدل … أقوالٌ، وقول البخاريِّ: «يعني: اثنتين وثلاثًا وأربعًا» ليس معناه ذلك، بل معناه: المكرَّر؛ نحو: اثنتين اثنتين، وإنَّما تركه اعتمادًا على الشُّهرة، أو أنَّه عنده ليس بمعنى التَّكرار.
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾) ألَّا تعدلوا، من أقسط، و «لا» نافيةٌ، أي: وإن حذرتم عدم الإقساط، أي: العدل (﴿فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]) وقُرِئ: (تَقْسِطوا)، بفتح التَّاء من قَسَط، وهو بمعنى: جَارَ، على المشهور في أنَّ الرُّباعيَّ بمعنى: عدل، والثُّلاثيَّ بمعنى: جار، وكأنَّ الهمزة فيه للسَّلب؛ فمعنى أقسط: أزال القَسْط وهو الجور، و «لا»: على هذا زائدةٌ ليس إلَّا، وإلَّا يفسد المعنى، كهي في: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] وحكى الزَّجَّاج: أنَّ «قسط» الثُّلاثيَّ يُستَعمل استعمال الرُّباعيِّ، وعلى هذا: فتكون «لا» غير زائدةٍ، كهي في الأولى، وجواب