الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٨٩
الحديث رقم ٤٥٨٩ من كتاب «سورة النساء» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾: أَفْشَوْهُ، ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾: يَسْتَخْرِجُونَهُ، ﴿حَسِيبًا﴾: كَافِيًا، ﴿إِلا إِنَاثًا﴾ : الْمَوَاتَ حَجَرًا أَوْ مَدَرًا وَمَا أَشْبَهَهُ، ﴿مَرِيدًا﴾: مُتَمَرِّدًا، ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾: بَتَّكَهُ قَطَّعَهُ، ﴿قِيلا﴾ وَقَوْلًا وَاحِدٌ، ﴿طُبِعَ﴾: خُتِمَ.
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾
٤٥٨٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْمُسْلِمَ مِنْ أَبَوَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَصِرَتْ: ضَاقَتْ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾؛ قَالَ: ضَاقَتْ. وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَرَأَ: (حَصِرَت صُدُورُهُمْ) بِالرَّفْعِ، حَكَاهُ الْفَرَّاءُ، وَهُوَ عَلَى هَذَا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ عَلَى الدُّعَاءِ، أَيْ: أَحْصَرَ اللَّهُ صُدُورَهُمْ، كَذَا قَالَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي هِلَالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيِّ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ، وَقَصَدَهُ نَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ فَكَرِهَ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَرِهَ أَنْ يُقَاتِلَ قَوْمَهُ.
قَوْلُهُ: (تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قَالَ: تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِشَهَادَةٍ، أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَنْ تُدَخِلَ فِي شَهَادَتِكِ مَا يُبْطِلُهَا أَوْ تُعْرِضَ عَنْهَا فَلَا تَشْهَدُهَا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَابْنُ عَامِرٍ: وَأَنْ تَلُوا بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ سَاكِنَةٍ، وَصَوَّبَ أَبُو عُبَيْدٍ قِرَاءَةَ الْبَاقِينَ، وَاحْتَجَّ بِتَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ، وَقَالَ: لَيْسَ لِلْوِلَايَةِ هُنَا مَعْنًى. وَأَجَابَ الْفَرَّاءُ بِأَنَّهَا بِمَعْنَى اللَّيِّ كَقِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ، إِلَّا أَنَّ الْوَاوَ الْمَضْمُومَةَ قُلِبَتْ هَمْزَةً ثُمَّ سُهِّلَتْ. وَأَجَابَ الْفَارِسِيُّ بِأَنَّهَا عَلَى بَابِهَا مِنَ الْوِلَايَةِ، وَالْمُرَادُ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ إِقَامَةَ الشَّهَادَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَاغِمُ: الْمُهَاجَرُ، رَاغَمْتُ هَاجَرْتُ قَوْمِي) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ وَالْمُرَاغَمُ: الْمُهَاجَرُ وَاحِدٌ تَقُولُ: هَاجَرْتُ قَوْمِي، وَرَاغَمْتُ قَوْمِي، قَالَ الْجَعْدِيُّ: عَزِيزُ الْمُرَاغَمِ وَالْمَهْرَبِ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُرَاغَمًا﴾ قَالَ: مُتَحَوَّلًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (مَوْقُوتًا مُوَقَّتًا وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ) لَمْ يَقَعْ هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾؛ أَيْ: مُوَقَّتًا وَقَّتَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (مَوْقُوتًا) قَالَ: مَفْرُوضًا.
١٥ - بَاب ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَدَّدَهُمْ، فِئَةٌ: جَمَاعَةٌ
٤٥٨٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أُحُدٍ، وَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ؛ فَرِيقٌ يَقُولُ: اقْتُلْهُمْ، وَفَرِيقٌ يَقُولُ: لَا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ وَقَالَ: إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ.
أَذَاعُوا بِهِ أَفْشَوْهُ. يَسْتَنْبِطُونَهُ: يَسْتَخْرِجُونَهُ. حَسِيبًا: كَافِيًا. إِلَّا إِنَاثًا: يَعْنِي الْمَوَاتَ حَجَرًا أَوْ مَدَرًا وَمَا أَشْبَهَهُ. مَرِيدًا: مُتَمَرِّدًا. فَلَيُبَتِّكُنَّ: بَتَّكَهُ: قَطَّعَهُ. قِيلًا وَقَوْلًا وَاحِدٌ. طَبَعَ: خَتَمَ
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَدَّدَهُمْ)، وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا قَالَ: بَدَّدَهُمْ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوْقَعَهُمْ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: أَهْلَكَهُمْ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ؛ لِأَنَّ الرِّكْسَ الرُّجُوعُ، فَكَأَنَّهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٥٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) هو (١) بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّدُ بن جعفرٍ (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدَّال المهملتين، ابن ثابتٍ التَّابعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) الخطميِّ الصَّحابيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]: رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أُحُدٍ) وهم عبد الله بن أُبيِّ المنافق وأتباعه، وكانوا ثلاث مئة، وبقي النَّبيُّ ﷺ في سبع مئة (وَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ؛ فَرِيقٌ يَقُولُ: اقْتُلْهُمْ) يا رسول الله، فإنَّهم منافقون (وَفَرِيقٌ يَقُولُ: لَا) تقتلهم فإنَّهم تكلَّموا بكلمة الإسلام (فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ وَقَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ، ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (إِنَّهَا) أي: المدينة (طَيْبَةُ تَنْفِي الخَبَثَ، كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «خبث الحديد» بدل: «الفضَّة»، وقيل: نزلت في قومٍ رجعوا إلى مكَّة وارتدُّوا، وقيل: في عبد الله بن أُبيٍّ المنافق لمَّا تكلَّم في حديث الإفك، وتقاولت الأوس والخزرج بسببه، قال ابن كثيرٍ: وهذا غريبٌ، وقيل غير ذلك.
(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَإِذَا جَاءهُمْ﴾) أي: ضعفاء المؤمنين أو المنافقين (﴿أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ﴾) كفتحٍ أو غنيمةٍ (﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾) كقتلٍ وهزيمةٍ عن سرايا رسول الله ﷺ وبعوثه (﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] أَيْ: أَفْشَوْهُ) بين النَّاس قبل (٢) أن يُخبَر به الرَّسول ﷺ،
فيضعُفُ بذلك قلوب المؤمنين، ولو ردُّوا ذلك الأمر إلى الرَّسول وإلى كبار الصَّحابة العارفين بمصالح الأمور ومفاسدها؛ لعَلِم تدبيرَ ما أخبروا به الذين (﴿يَسْتَنبِطُونَهُ﴾ [النساء: ٨٣]) أي: (يَسْتَخْرِجُونَهُ) وفيه إنكارٌ على من يُبَادر إلى الأمور قبل تحقُّقها، فيُخبِر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحَّةٌ، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كفى بالمرء إثمًا أن يحدّث بكلِّ ما سمع» رواه مسلمٌ، وسقط التَّبويب وقوله: «﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ﴾» لغير أبوي ذرٍّ والوقت، ولغير أبي ذرٍّ لفظة: «أي» من قوله: «أي: أفشوه».
(﴿حَسِيبًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] أي: (كَافِيًا) وسقط هذا لأبي ذرٍّ.
(﴿إِلاَّ إِنَاثًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] أي: ما يعبدون من دون الله إلَّا إناثًا؛ لأنَّ كلَّ من عبد شيئًا فقد دعاه لحاجته، و ﴿إِنَاثًا﴾ (يَعْنِي: المَوَاتَ حَجَرًا أَوْ مَدَرًا وَمَا أَشْبَهَهُ) قال الحسن: كلُّ شيءٍ لا روح فيه كالحجر والخشبة (١) هي إناثٌ، وقد كانوا يُسمُّون أصنامهم بأسماء الإناث، فيقولون: اللَّات والعزَّى ومناة، وعن الحسن: إنَّ لكلِّ قبيلةٍ صنمًا يُدعَى أنثى بني فلانٍ؛ وذلك لقولهم: إنَّهنَّ بنات الله، أو قولهم: الملائكة بنات الله، وإنَّما نعبدهم ليُقرِّبونا إلى الله زلفى، اتَّخذوا أربابًا وصوَّروهنَّ صور الجواري، وقالوا: هؤلاء يُشبِهن بنات الله الذي نعبده؛ يعنون: الملائكة. وعن كعبٍ في الآية قال: «مع كلِّ صنمٍ جنيَّةٌ» رواه ابن أبي حاتمٍ، وسقط لفظ «يعني» لغير أبي ذرٍّ.
(﴿مَّرِيدًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَإِن يَدْعُونَ﴾ أي: ما يدعون (٢) بعبادة الأصنام ﴿إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] أي: (مُتَمَرِّدًا) قال قتادة فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: متمردًا على معصية الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] وسقط قوله: «﴿مَّرِيدًا﴾: متمرِّدًا» للكُشْمِيهنِيِّ والحَمُّويي.
(﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾) هو من حكاية قول الشَّيطان في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ (٣) لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا
مَّفْرُوضًا﴾ أي: حظًّا مقدَّرًا معلومًا ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن طريق الحقِّ ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ من طول العمر وبلوغ الأمل وتوقُّع الرَّحمة للمذنب بغير توبةٍ، أو الخروج من النَّار بالشَّفاعة ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ [النساء: ١١٨ - ١١٩] (بَتَّكَهُ) أي: (قَطَّعَهُ) وقد كانوا يشقُّون أُذُنَي النَّاقة إذا ولدت خمسة أبطنٍ وجاء الخامس ذكرًا، وحرَّموا على أنفسهم الانتفاع بها، ولا يردُّونها عن ماءٍ ولا مرعًى.
(﴿قِيلاً﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] والنَّصب على التَّمييز، و ﴿قِيلاً﴾ (وَقَوْلًا: وَاحِدٌ) وقالًا الثَّلاثة مصادرٌ بمعنًى (١).
(طُبِعَ) بضمِّ الطَّاء وكسر الموحَّدة، أي: (خُتِمَ) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨].
ولم يذكر المؤلِّف حديثًا في هذا الباب، قال الحافظ ابن كثيرٍ: فَنَذكُر (٢) هنا -يعني: عند تفسير آية الباب- حديث عمر بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه المتَّفق عليه: «حين بلغه أنَّ رسول الله ﷺ طلَّق نساءه، فجاء (٣) من منزله حتَّى دخل المسجد، فوجد النَّاس يقولون ذلك، فلم يصبر حتَّى استأذن على النَّبيِّ ﷺ، فاستفهمه: أطلَّقت نساءك؟ قال: لا. فقلت: الله أكبر» وذكر الحديث بطوله [خ¦٨٩] [خ¦٥١٩١] وعند مسلمٍ: «فقلت: أطلَّقتهنَّ؟ فقال: لا، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلِّق نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فكنت أنا (٤) أستنبط (٥) ذلك الأمر» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذه القصَّة عند البخاريِّ، لكن بدون هذه الزِّيادة، فليست على شرطه، وكأنَّه (٦) أشار إليها بهذه التَّرجمة. انتهى. وظاهر قول المفسِّرين السَّابق: أنَّ سبب نزول هذه الآية الإخبار عن السَّرايا والبعوث بالأمن أو الخوف، وهو خلاف ما في حديث مسلمٍ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْمُسْلِمَ مِنْ أَبَوَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَصِرَتْ: ضَاقَتْ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾؛ قَالَ: ضَاقَتْ. وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَرَأَ: (حَصِرَت صُدُورُهُمْ) بِالرَّفْعِ، حَكَاهُ الْفَرَّاءُ، وَهُوَ عَلَى هَذَا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ عَلَى الدُّعَاءِ، أَيْ: أَحْصَرَ اللَّهُ صُدُورَهُمْ، كَذَا قَالَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي هِلَالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيِّ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ، وَقَصَدَهُ نَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ فَكَرِهَ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَرِهَ أَنْ يُقَاتِلَ قَوْمَهُ.
قَوْلُهُ: (تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قَالَ: تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِشَهَادَةٍ، أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَنْ تُدَخِلَ فِي شَهَادَتِكِ مَا يُبْطِلُهَا أَوْ تُعْرِضَ عَنْهَا فَلَا تَشْهَدُهَا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَابْنُ عَامِرٍ: وَأَنْ تَلُوا بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ سَاكِنَةٍ، وَصَوَّبَ أَبُو عُبَيْدٍ قِرَاءَةَ الْبَاقِينَ، وَاحْتَجَّ بِتَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ، وَقَالَ: لَيْسَ لِلْوِلَايَةِ هُنَا مَعْنًى. وَأَجَابَ الْفَرَّاءُ بِأَنَّهَا بِمَعْنَى اللَّيِّ كَقِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ، إِلَّا أَنَّ الْوَاوَ الْمَضْمُومَةَ قُلِبَتْ هَمْزَةً ثُمَّ سُهِّلَتْ. وَأَجَابَ الْفَارِسِيُّ بِأَنَّهَا عَلَى بَابِهَا مِنَ الْوِلَايَةِ، وَالْمُرَادُ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ إِقَامَةَ الشَّهَادَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَاغِمُ: الْمُهَاجَرُ، رَاغَمْتُ هَاجَرْتُ قَوْمِي) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ وَالْمُرَاغَمُ: الْمُهَاجَرُ وَاحِدٌ تَقُولُ: هَاجَرْتُ قَوْمِي، وَرَاغَمْتُ قَوْمِي، قَالَ الْجَعْدِيُّ: عَزِيزُ الْمُرَاغَمِ وَالْمَهْرَبِ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُرَاغَمًا﴾ قَالَ: مُتَحَوَّلًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (مَوْقُوتًا مُوَقَّتًا وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ) لَمْ يَقَعْ هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾؛ أَيْ: مُوَقَّتًا وَقَّتَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (مَوْقُوتًا) قَالَ: مَفْرُوضًا.
١٥ - بَاب ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَدَّدَهُمْ، فِئَةٌ: جَمَاعَةٌ
٤٥٨٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أُحُدٍ، وَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ؛ فَرِيقٌ يَقُولُ: اقْتُلْهُمْ، وَفَرِيقٌ يَقُولُ: لَا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ وَقَالَ: إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ.
أَذَاعُوا بِهِ أَفْشَوْهُ. يَسْتَنْبِطُونَهُ: يَسْتَخْرِجُونَهُ. حَسِيبًا: كَافِيًا. إِلَّا إِنَاثًا: يَعْنِي الْمَوَاتَ حَجَرًا أَوْ مَدَرًا وَمَا أَشْبَهَهُ. مَرِيدًا: مُتَمَرِّدًا. فَلَيُبَتِّكُنَّ: بَتَّكَهُ: قَطَّعَهُ. قِيلًا وَقَوْلًا وَاحِدٌ. طَبَعَ: خَتَمَ
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَدَّدَهُمْ)، وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا قَالَ: بَدَّدَهُمْ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوْقَعَهُمْ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: أَهْلَكَهُمْ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ؛ لِأَنَّ الرِّكْسَ الرُّجُوعُ، فَكَأَنَّهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٥٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) هو (١) بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّدُ بن جعفرٍ (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدَّال المهملتين، ابن ثابتٍ التَّابعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) الخطميِّ الصَّحابيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]: رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أُحُدٍ) وهم عبد الله بن أُبيِّ المنافق وأتباعه، وكانوا ثلاث مئة، وبقي النَّبيُّ ﷺ في سبع مئة (وَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ؛ فَرِيقٌ يَقُولُ: اقْتُلْهُمْ) يا رسول الله، فإنَّهم منافقون (وَفَرِيقٌ يَقُولُ: لَا) تقتلهم فإنَّهم تكلَّموا بكلمة الإسلام (فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ وَقَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ، ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (إِنَّهَا) أي: المدينة (طَيْبَةُ تَنْفِي الخَبَثَ، كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «خبث الحديد» بدل: «الفضَّة»، وقيل: نزلت في قومٍ رجعوا إلى مكَّة وارتدُّوا، وقيل: في عبد الله بن أُبيٍّ المنافق لمَّا تكلَّم في حديث الإفك، وتقاولت الأوس والخزرج بسببه، قال ابن كثيرٍ: وهذا غريبٌ، وقيل غير ذلك.
(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَإِذَا جَاءهُمْ﴾) أي: ضعفاء المؤمنين أو المنافقين (﴿أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ﴾) كفتحٍ أو غنيمةٍ (﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾) كقتلٍ وهزيمةٍ عن سرايا رسول الله ﷺ وبعوثه (﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] أَيْ: أَفْشَوْهُ) بين النَّاس قبل (٢) أن يُخبَر به الرَّسول ﷺ،
فيضعُفُ بذلك قلوب المؤمنين، ولو ردُّوا ذلك الأمر إلى الرَّسول وإلى كبار الصَّحابة العارفين بمصالح الأمور ومفاسدها؛ لعَلِم تدبيرَ ما أخبروا به الذين (﴿يَسْتَنبِطُونَهُ﴾ [النساء: ٨٣]) أي: (يَسْتَخْرِجُونَهُ) وفيه إنكارٌ على من يُبَادر إلى الأمور قبل تحقُّقها، فيُخبِر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحَّةٌ، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كفى بالمرء إثمًا أن يحدّث بكلِّ ما سمع» رواه مسلمٌ، وسقط التَّبويب وقوله: «﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ﴾» لغير أبوي ذرٍّ والوقت، ولغير أبي ذرٍّ لفظة: «أي» من قوله: «أي: أفشوه».
(﴿حَسِيبًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] أي: (كَافِيًا) وسقط هذا لأبي ذرٍّ.
(﴿إِلاَّ إِنَاثًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] أي: ما يعبدون من دون الله إلَّا إناثًا؛ لأنَّ كلَّ من عبد شيئًا فقد دعاه لحاجته، و ﴿إِنَاثًا﴾ (يَعْنِي: المَوَاتَ حَجَرًا أَوْ مَدَرًا وَمَا أَشْبَهَهُ) قال الحسن: كلُّ شيءٍ لا روح فيه كالحجر والخشبة (١) هي إناثٌ، وقد كانوا يُسمُّون أصنامهم بأسماء الإناث، فيقولون: اللَّات والعزَّى ومناة، وعن الحسن: إنَّ لكلِّ قبيلةٍ صنمًا يُدعَى أنثى بني فلانٍ؛ وذلك لقولهم: إنَّهنَّ بنات الله، أو قولهم: الملائكة بنات الله، وإنَّما نعبدهم ليُقرِّبونا إلى الله زلفى، اتَّخذوا أربابًا وصوَّروهنَّ صور الجواري، وقالوا: هؤلاء يُشبِهن بنات الله الذي نعبده؛ يعنون: الملائكة. وعن كعبٍ في الآية قال: «مع كلِّ صنمٍ جنيَّةٌ» رواه ابن أبي حاتمٍ، وسقط لفظ «يعني» لغير أبي ذرٍّ.
(﴿مَّرِيدًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَإِن يَدْعُونَ﴾ أي: ما يدعون (٢) بعبادة الأصنام ﴿إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] أي: (مُتَمَرِّدًا) قال قتادة فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: متمردًا على معصية الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] وسقط قوله: «﴿مَّرِيدًا﴾: متمرِّدًا» للكُشْمِيهنِيِّ والحَمُّويي.
(﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾) هو من حكاية قول الشَّيطان في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ (٣) لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا
مَّفْرُوضًا﴾ أي: حظًّا مقدَّرًا معلومًا ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن طريق الحقِّ ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ من طول العمر وبلوغ الأمل وتوقُّع الرَّحمة للمذنب بغير توبةٍ، أو الخروج من النَّار بالشَّفاعة ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ [النساء: ١١٨ - ١١٩] (بَتَّكَهُ) أي: (قَطَّعَهُ) وقد كانوا يشقُّون أُذُنَي النَّاقة إذا ولدت خمسة أبطنٍ وجاء الخامس ذكرًا، وحرَّموا على أنفسهم الانتفاع بها، ولا يردُّونها عن ماءٍ ولا مرعًى.
(﴿قِيلاً﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] والنَّصب على التَّمييز، و ﴿قِيلاً﴾ (وَقَوْلًا: وَاحِدٌ) وقالًا الثَّلاثة مصادرٌ بمعنًى (١).
(طُبِعَ) بضمِّ الطَّاء وكسر الموحَّدة، أي: (خُتِمَ) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨].
ولم يذكر المؤلِّف حديثًا في هذا الباب، قال الحافظ ابن كثيرٍ: فَنَذكُر (٢) هنا -يعني: عند تفسير آية الباب- حديث عمر بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه المتَّفق عليه: «حين بلغه أنَّ رسول الله ﷺ طلَّق نساءه، فجاء (٣) من منزله حتَّى دخل المسجد، فوجد النَّاس يقولون ذلك، فلم يصبر حتَّى استأذن على النَّبيِّ ﷺ، فاستفهمه: أطلَّقت نساءك؟ قال: لا. فقلت: الله أكبر» وذكر الحديث بطوله [خ¦٨٩] [خ¦٥١٩١] وعند مسلمٍ: «فقلت: أطلَّقتهنَّ؟ فقال: لا، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلِّق نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فكنت أنا (٤) أستنبط (٥) ذلك الأمر» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذه القصَّة عند البخاريِّ، لكن بدون هذه الزِّيادة، فليست على شرطه، وكأنَّه (٦) أشار إليها بهذه التَّرجمة. انتهى. وظاهر قول المفسِّرين السَّابق: أنَّ سبب نزول هذه الآية الإخبار عن السَّرايا والبعوث بالأمن أو الخوف، وهو خلاف ما في حديث مسلمٍ.