الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٠١
الحديث رقم ٤٦٠١ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَسْفَلَ النَّارِ، نَفَقًا: سَرَبًا.
٤٦٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أخبرت عائشة رضي الله عنها عن سبب نزول هذه الآية، وهي قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} فقالت: تكون المرأة عند الرجل، لا يريد كثرة الصحبة منها، ويريد مفارقتها إما لكبرها أو لدمامتها أو لسوء خلقها أو لكثرة شرها أو غير ذلك، فتقول المرأة: أتركك من شأني في حِل، أي من حقوق الزوجية وتتركني بغير طلاق، فأنزل الله تعالى في أمر هذه المرأة: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا} أي: وإن خافت امرأة من زوجها تجافيا عنها وترفعا عن صحبتها كراهة لها ومنعا لحقوقها، {أو إعراضا} بأن يقل مجالستها ومحادثتها، فإذا كان كذلك: {فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا} وهو أن يقبل منها ما تسقطه من حقها من نفقة أو كسوة أو مبيت عندها أو غير ذلك من حقوقها عليه، فلا جناح عليها في بذلها له ذلك، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال: {فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا} ثم قال: {والصلح خير} أي: من الفراق.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
اعتراضًا، وتعقَّبه بعضهم فقال: فيه نظرٌ؛ فإنَّ بعدهما (١) جملًا أُخَر، فكان ينبغي أن يقول الزَّمخشريُّ في الجميع: إنَّها اعتراضٌ، ولا يخصَّ ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ (٢) بذلك، وإنَّما أراد الزَّمخشريُّ بذلك (٣) الاعتراض بين قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ (٤)﴾ وقوله: ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ﴾ فإنَّهما شرطان متعاطفان (٥)، ويدلُّ عليه تفسيره بما يفيد هذا المعنى؛ فليُنظَر من موضعه، وقد فسَّر المؤلِّف ﴿الشُّحَّ﴾ بما فسَّره به ابن عبَّاسٍ ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ حيث قال: (هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ) وقيل: ﴿الشُّحَّ﴾: البخل مع الحِرْص، وقيل: الإفراط في الحِرْص.
(﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾) يريد: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: (لَا هِيَ أَيِّمٌ) بهمزةٍ مفتوحةٍ وتحتيَّةٍ مشدَّدةٍ مكسورةٍ، أي: لا زوج لها (وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ).
وقال ابن عبَّاسٍ أيضًا (٦) ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ أيضًا من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله: (﴿نُشُوزًا﴾) أي: (بُغْضًا).
٤٦٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) أبو الحسن المجاور بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) في قوله
تعالى: (﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا) أي: في المحبَّة والمعاشرة والملازمة (يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي) (١) من نفقةٍ أو كسوةٍ أو مبيتٍ أو غير ذلك من حقوقي (فِي حِلٍّ) أي: وتتركني بغير طلاقٍ (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) زاد أبوا الوقت وذرٍّ عن الحَمُّويي: «﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية» (فِي ذَلِكَ) فإذا تصالح الزَّوجان على أن تطيب له نفسًا في القسمة أو عن بعضها؛ فلا جناح عليهما، كما فعلت سودة بنت زمعة فيما رواه التِّرمذيُّ عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: «خَشِيَتْ سودة أن يطلِّقها رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، لا تطلِّقني واجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية» وقال: حسنٌ غريبٌ، وكان رسول الله (٢) ﷺ يقسم لعائشة يومين؛ يومها ويوم سودة، وترك سودة في جملة نسائه، وفعل (٣) ذلك لتتأسَّى به أمَّته في مشروعية ذلك وجوازه.
(٢٥) (﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾) وفي نسخةٍ: «بابٌ» -بالتَّنوين- أي: في (٤) قوله تعالى: «﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾» (﴿فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥]) زاد أبوا ذرٍّ والوقت: «﴿مِنَ النَّارِ﴾» (وَقَالَ): بالواو، ولأبي ذرٍّ: «قال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ أي: (أَسْفَلَ النَّارِ) وللنَّار سبع دركاتٍ، والمنافق في أسفلها، وقال أبو هريرة فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: «﴿الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾ بيوتٌ لها أبوابٌ تُطبَق عليها، فتوقد من فوقهم ومن تحتهم» ولعلَّ ذلك لأنه (٥) في أسفل السَّافلين من درجات الإنسانية، وكيف لا وقد ضَمَّ إلى الكفر السُّخرية بالإسلام وأهله، والمنافق: هو المظهر للإسلام المبطن للكفر؛ فلذا كان عذابه أشدَّ من الكفَّار، وتسمية غيره بالمنافق في الحديث
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَهُوَ الشَّاب الْقوي، فالمفتي يُقَوي كَلَامه فِيمَا أشكل فِيهِ فَيصير فتيا قَوِيا. قَوْله: {قل الله يفتيكم فِيهِنَّ} (النِّسَاء: ١٢٧) ، أَي: فِي توريثهن، وَكَانَت الْعَرَب لَا تورث النِّسَاء وَالصبيان. قَوْله: (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب) ، أُرِيد بِهِ مَا ذكر قبل هَذِه الْآيَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فأنكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء} (النِّسَاء: ٣) الْآيَة. وَالَّذِي كتب فِي النِّسَاء هُوَ قَوْله تَعَالَى: {فِي يتامى النِّسَاء الرتي لَا تؤتونهن مَا كتب لَهُنَّ} الْآيَة.
٢٤ - (بَاب: {وَإنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلَها نُشُوزا أوْ إعْراضا} (النِّسَاء: ١٢٨)
كَذَا وَقع عِنْد جَمِيع الروَاة بِغَيْر ذكر لفظ: بَاب، وَوَقع فِي بعض النّسخ، فَالظَّاهِر أَنه من بعض النّسخ. قَوْله: (وَإِن امْرَأَة خَافت) أَي: إِن خَافت امْرَأَة من بَعْلهَا أَي: من زَوجهَا. قَوْله: (نُشُوزًا) وَهُوَ الترفع عَنْهَا وَمنع النَّفَقَة وَترك الْمَوَدَّة الَّتِي بَين الرجل وَالْمَرْأَة وإيذاؤها بسب أَو ضرب أَو نَحْو ذَلِك، قَوْله: (وإعراضا) أَي: وخافت إعْرَاضًا، وَهُوَ أَن يعرض عَنْهَا بِأَن يقل محادثتها ومؤانستها وَذَلِكَ لبَعض الْأَسْبَاب من طعن فِي سنّ أَو سيء فِي خلق أَو خلق أَو دمامة أَو ملال أَو طموح عين إِلَى أُخْرَى أَو غير ذَلِك، وَجَوَابه قَوْله: (فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصالحا بَينهمَا صلحا) وَالصُّلْح بَينهمَا أَن يتصالحا على أَن تطيب لَهُ نفسا عَن الْقِسْمَة أَو عَن بَعْضهَا كَمَا فعلت سَوْدَة بنت زَمعَة حِين كرهت أَن يفارقها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعرفت مَكَان عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عِنْده، فَوهبت لَهَا يَوْمهَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وقرىء: (تصالحا) وتصالحا، بِمَعْنى يتصالحا ويصطلحا. ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى: {وَالصُّلْح خير} أَي: من الْفِرَاق.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ شِقاقٌ تَفَاسُدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن خِفْتُمْ شقَاق بَينهمَا} (النِّسَاء: ٣٥) أَي: بَين الزَّوْجَيْنِ، وَذكر عَن ابْن عَبَّاس بِالتَّعْلِيقِ أَنه فسر الشقاق الْمَذْكُور فِي الْآيَة بالمفاسد، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الشقاق الْعَدَاوَة لِأَن كلاًّ من المتعاديين فِي شقّ خلاف صَاحبه، وَكَانَ مَوضِع ذكر هَذَا فِيمَا قبل، على مَا لَا يخفى.
وَأَحْضِرَتِ الأَنْفَسُ الشُحِّ هَوَاهُ فِي الشَيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ كَالمُعَلَقَةِ لَا هِيَ أيْمٌ وَلا ذَاتَ زَوْجٍ.
أَشَارَ بقوله: (وأحضرت الْأَنْفس الشُّح) إِلَى أَنه هُوَ الْمَذْكُور بعد قَوْله تَعَالَى: {الصُّلْح خبر} ثمَّ فسره بقوله: هَوَاهُ، فِي الشَّيْء يحرص عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَرْوِيّ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة وَيُقَال: الشُّح الْبُخْل مَعَ الْحِرْص، وَقيل: الإفراط فِي الْحِرْص. قَوْله: (كالمعلقة) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فنذروها كالمعلقة} (النِّسَاء: ٢٩) أَي: كَالْمَرْأَةِ الْمُعَلقَة
ثمَّ فسره بقوله: (لَا هِيَ أيم) الأيم، بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة. وَهِي امْرَأَة لَا زوج لَهَا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا وَيُقَال أَيْضا رجل أيم، وَوصل هَذَا ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق يزِيد النَّحْوِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {فتذروها كالمعلقة} (النِّسَاء: ١٢٩) قَالَ: لَا هِيَ أيم وَلَا ذَات زوج.
نُشُوزا بُغْضا
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا} وَفَسرهُ بقوله: (بغضا) وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم، من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ فِيهِ: يَعْنِي بغضا. وَقَالَ الْفراء: النُّشُوز يكون من قبل الْمَرْأَة وَالرجل، وَهُوَ هُنَا من قبل الرجل.
٤٦٠١ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ أخْبَرنا عَبْدُ الله أخبرنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا وَإن امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا قَالَتِ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْها يُرِيدُ أنْ يُفَارِقَها فَتَقُولُ أجْعَلُكَ مِنْ شأنِي فِي حِلت فَنَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِك.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَعُرْوَة وَابْن الزبير بن الْعَوام.
والْحَدِيث مضى فِي الصُّلْح عَن مُحَمَّد وَلم ينْسبهُ عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ، وَفِيه أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ.
قَوْله: (لَيْسَ بمستكثر مِنْهَا) أَي: من الْمَرْأَة فِي الْمحبَّة والمعاشرة والملازمة. قَوْله: (يُرِيد) أَي: الرجل. قَوْله: (فَتَقول) أَي: الْمَرْأَة. قَوْله: (من شأني) أَي: مِمَّا يتَعَلَّق بأَمْري من النَّفَقَة وَالْكِسْوَة وَالصَّدَاق تَجْعَلهُ فِي حل ليفارقها. قَوْله: (فَنزلت الْآيَة) أَي: الْمَذْكُورَة، وَزَاد أَبُو ذَر عَن غير الْمُسْتَمْلِي: (وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعْرَاضًا) الْآيَة. وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نزلت فِي الْمَرْأَة تكون عِنْد الرجل تكره مُفَارقَته فيصطلحان على أَن يجيئها كل ثَلَاثَة أَيَّام أَو أَرْبَعَة، وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بأطول مِنْهُ، وروى الْحَاكِم من طَرِيق ابْن الْمسيب عَن رَافع بن خديج أَنه كَانَت تَحْتَهُ امْرَأَة فَتزَوج عَلَيْهَا شَابة فآثر الْبكر عَلَيْهَا فنازعته وَطَلقهَا، ثمَّ قَالَ لَهَا: إِن شِئْت رَاجَعتك وَصَبَرت. فَقَالَت: راجعني، فَرَاجعهَا ثمَّ لم تصبر فَطلقهَا. قَالَ: فَذَلِك الصُّلْح الَّذِي بلغنَا أَن الله تَعَالَى أنزل فِيهِ هَذِه الْآيَة، وروى التِّرْمِذِيّ من طَرِيق سماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: خشيت سَوْدَة أَن يطلقهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَت: يَا رَسُول الله: لَا تُطَلِّقنِي وَاجعَل يومي لعَائِشَة، فَفعل وَنزلت هَذِه الْآيَة. وَقَالَ: حسن غَرِيب. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الدغولي فِي أول مُعْجَمه، حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا الدستوَائي حَدثنَا الْقَاسِم بن أبي بردة. قَالَ: بعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى سَوْدَة بنت زَمعَة بِطَلَاقِهَا، فَلَمَّا أَتَاهَا جَلَست لَهُ على طَرِيق عَائِشَة، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَت لَهُ: أنْشدك بِالَّذِي أنزل عَلَيْك كِتَابه واصطفاك على خلقه لما راجعتني، فَإِنِّي قد كَبرت وَلَا حَاجَة لي فِي الرِّجَال، ابْعَثْ مَعَ نِسَائِك يَوْم الْقِيَامَة، فَرَاجعهَا، فَقَالَت: إِنِّي قد جعلت يومي وليلتي لحبة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قلت: هَذَا غَرِيب ومرسل.
٢٥ - (بابٌ: {إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ} (النِّسَاء: ١٤٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار} وَلَيْسَ لغير أبي ذَر لَفْظَة: بَاب. قَوْله: {إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار} يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة جَزَاء على كفرهم الغليظ. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَاصِم عَن ذكوات أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة {إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار} قَالَ: فِي توابيت ترتج عَلَيْهِم كَذَا رَوَاهُ ابْن جرير عَن وَكِيع عَن يحيى ابْن يمَان عَن سُفْيَان بِهِ، وَيُقَال: النَّار دركات كَمَا أَن الْجنَّة دَرَجَات، والدرك بِفَتْح الرَّاء وإسكانها لُغَتَانِ، وَقَرَأَ حَمْزَة بِالسُّكُونِ. وَاخْتَارَ الزّجاج الْفَتْح، قَالَ: وَعَلِيهِ المحدثون، والدركات للنار والدرجات للجنة، وَالنَّار سَبْعَة أطباق فَوق طبق، وَيُقَال معنى: فِي الدَّرك الْأَسْفَل، أَسْفَل درج جَهَنَّم، وَعبارَة مقَاتل يَعْنِي: الهاوية.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ أسْفَلِ النَّارِ
هَذَا تَعْلِيق وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: الدَّرك الْأَسْفَل النَّار، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يجْعَلُونَ فِي توابيت من حَدِيد تغلق عَلَيْهِم، وَرُوِيَ من نَار تطبق عَلَيْهِم، وَعَن إِسْرَائِيل: الدَّرك الْأَسْفَل بيُوت لَهَا أَبْوَاب تطبق عَلَيْهَا فتوقد من تَحْتهم وَمن فَوْقهم.
نَفَقَا سَرَبا
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله عز وَجل: {إِن اسْتَطَعْت أَن تبتغي نفقا} (الْأَنْعَام: ٣٥) وَهَذَا فِي سُورَة الْأَنْعَام وَلَا مُنَاسبَة لذكره هُنَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: غَرَضه بَيَان اشتقاق الْمُنَافِقين، وَفِيه نظر لَا يخفى. قَوْله: (سربا) أَي: فِي الأَرْض، وَهُوَ صفة نفقا، ونفقا مَنْصُوب بقوله: أَن تبتغي، وَفِي (الْمغرب) السرب بِالْفَتْح الطَّرِيق، وَيُقَال: السرب الْبَيْت فِي الأَرْض، وَيُقَال للْمَاء الَّذِي يسيل من الْقرْبَة: سرب، والسرب المسلك وَلَا يُقَال: نفق إلَاّ إِذا كَانَ لَهُ منفذ.
٤٦٠٢ - ح دَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ عَنْ الأسْوَدِ قَالَ كُنّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ الله فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفاقُ عَلَى قَومٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ قَالَ الأسوَدُ سُبْحَانَ الله إنَّ الله يَقُولُ: {إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ} (النِّسَاء: ١٤٥) فَتَبَسَّمَ عَبْدُ الله وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ فَقَامَ عَبْدُ الله فَتَفَرَّقَ أصْحابُهُ فَرَمَانِي بالحَصا فَجِئْتُهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ الله عَلَيْهِمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث النَّخعِيّ الْكُوفِي قاضيها عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن خَاله الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، وَحُذَيْفَة هُوَ ابْن الْيَمَان.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن عَليّ وَغَيره.
قَوْله: (لقد أنزل النِّفَاق على قوم خير مِنْكُم) ، أَي: ابتلوا بِهِ، وَأما الْخَيْرِيَّة فلأنهم كَانُوا طبقَة الصَّحَابَة فهم خير منطبقة التَّابِعين، لَكِن الله ابْتَلَاهُم فَارْتَدُّوا ونافقوا فَذَهَبت الْخَيْرِيَّة عَنْهُم، وَمِنْهُم من تَابَ فَعَادَت إِلَيْهِ الْخَيْرِيَّة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: مَقْصُود حُذَيْفَة أَن جمَاعَة من الْمُنَافِقين صلحوا واستقاموا فَكَانُوا خيرا من أُولَئِكَ التَّابِعين لمَكَان الصُّحْبَة وَالصَّلَاح كمجمع وَيزِيد بن حَارِثَة بن عَامر كَانَا منافقين فصلحت حَالهمَا واستقامت، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْحَدِيثِ إِلَى تقلب الْقُلُوب، وَقَالَ ابْن التِّين: كَانَ حُذَيْفَة حذرهم أَن ينْزع مِنْهُم الْإِيمَان لِأَن الْأَعْمَال بالخواتيم. قَوْله: (قَالَ الْأسود) ، هُوَ الرَّاوِي (سُبْحَانَ الله تَعَجبا) من كَلَام حُذَيْفَة. قَوْله: (فَتَبَسَّمَ عبد الله) ، أَي: ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. إِنَّمَا كَانَ تبسمه تَعَجبا بحذيفة وَبِمَا قَامَ بِهِ من قَول الْحق وَمَا حذر مِنْهُ. قَوْله: (فَرَمَانِي) ، أَي: قَالَ الْأسود رماني حُذَيْفَة بن الْيَمَان يستدعيه إِلَيْهِ. قَوْله: (قَالَ فَجِئْته) ، أَي: فَجئْت إِلَى حُذَيْفَة. فَقَالَ: (عجبت من ضحكه) أَي: من ضحك عبد الله بن مَسْعُود، يَعْنِي من اقْتِصَاره على الضحك، وَالْحَال أَنه قد عرف مَا قلته من الْحق. قَوْله: (لقد أنزل النِّفَاق) ، أَي: لقد أنزل الله النِّفَاق على قوم: هَذَا يدل على أَن النِّفَاق وَالْكفْر وَالْإِيمَان وَالْإِخْلَاص بِخلق الله تَعَالَى وَتَقْدِيره وإرادته وَلَا يخرج شَيْء من إِرَادَته، وَالْمُنَافِق من أبطن الْكفْر وَأظْهر الْإِسْلَام، وَيُقَال: النِّفَاق إِظْهَار خلاف مَا بطن، مَأْخُوذ من النافقاء وَهُوَ الْموضع الَّذِي يدْخل مِنْهُ اليربوع، فَإِذا طلبه الصياد مِنْهُ خرج من القاصعاء، فَيُشبه الْمُنَافِق بِهِ لِخُرُوجِهِ من الْإِيمَان، وَسمي الْفَاسِق منافقا تَغْلِيظًا، كَمَا يُسمى كَافِرًا فِي قَوْله: من ترك الصَّلَاة فقد كفر، قَوْله: (ثمَّ تَابُوا فَتَابَ الله عَلَيْهِم) أَي: ثمَّ رجعُوا عَن النِّفَاق فتابوا فَتَابَ الله عَلَيْهِم.
(وَيُسْتَفَاد مِنْهُ) قبُول تَوْبَة الزنديق وصحتها على مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وَمن هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا أتيت بزنديق فاستتبه. فَإِن تَابَ قبلت تَوْبَته، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {إلَاّ الَّذين تَابُوا أصلحوا واعتصموا بِاللَّه وأخلصو دينهم لله فَأُولَئِك مَعَ الْمُؤمنِينَ} (النِّسَاء: ١٤٦) الْآيَة تدل على صِحَة تَوْبَة الزنديق وقبولها. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَوْله: {فَأُولَئِك مَعَ الْمُؤمنِينَ} وَلم يقل: فَأُولَئِك هم الْمُؤْمِنُونَ، حاد عَن كَلَامهم تَغْلِيظًا عَلَيْهِم.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
اعتراضًا، وتعقَّبه بعضهم فقال: فيه نظرٌ؛ فإنَّ بعدهما (١) جملًا أُخَر، فكان ينبغي أن يقول الزَّمخشريُّ في الجميع: إنَّها اعتراضٌ، ولا يخصَّ ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ (٢) بذلك، وإنَّما أراد الزَّمخشريُّ بذلك (٣) الاعتراض بين قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ (٤)﴾ وقوله: ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ﴾ فإنَّهما شرطان متعاطفان (٥)، ويدلُّ عليه تفسيره بما يفيد هذا المعنى؛ فليُنظَر من موضعه، وقد فسَّر المؤلِّف ﴿الشُّحَّ﴾ بما فسَّره به ابن عبَّاسٍ ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ حيث قال: (هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ) وقيل: ﴿الشُّحَّ﴾: البخل مع الحِرْص، وقيل: الإفراط في الحِرْص.
(﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾) يريد: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: (لَا هِيَ أَيِّمٌ) بهمزةٍ مفتوحةٍ وتحتيَّةٍ مشدَّدةٍ مكسورةٍ، أي: لا زوج لها (وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ).
وقال ابن عبَّاسٍ أيضًا (٦) ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ أيضًا من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله: (﴿نُشُوزًا﴾) أي: (بُغْضًا).
٤٦٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) أبو الحسن المجاور بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) في قوله
تعالى: (﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا) أي: في المحبَّة والمعاشرة والملازمة (يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي) (١) من نفقةٍ أو كسوةٍ أو مبيتٍ أو غير ذلك من حقوقي (فِي حِلٍّ) أي: وتتركني بغير طلاقٍ (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) زاد أبوا الوقت وذرٍّ عن الحَمُّويي: «﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية» (فِي ذَلِكَ) فإذا تصالح الزَّوجان على أن تطيب له نفسًا في القسمة أو عن بعضها؛ فلا جناح عليهما، كما فعلت سودة بنت زمعة فيما رواه التِّرمذيُّ عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: «خَشِيَتْ سودة أن يطلِّقها رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، لا تطلِّقني واجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية» وقال: حسنٌ غريبٌ، وكان رسول الله (٢) ﷺ يقسم لعائشة يومين؛ يومها ويوم سودة، وترك سودة في جملة نسائه، وفعل (٣) ذلك لتتأسَّى به أمَّته في مشروعية ذلك وجوازه.
(٢٥) (﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾) وفي نسخةٍ: «بابٌ» -بالتَّنوين- أي: في (٤) قوله تعالى: «﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾» (﴿فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥]) زاد أبوا ذرٍّ والوقت: «﴿مِنَ النَّارِ﴾» (وَقَالَ): بالواو، ولأبي ذرٍّ: «قال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ أي: (أَسْفَلَ النَّارِ) وللنَّار سبع دركاتٍ، والمنافق في أسفلها، وقال أبو هريرة فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: «﴿الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾ بيوتٌ لها أبوابٌ تُطبَق عليها، فتوقد من فوقهم ومن تحتهم» ولعلَّ ذلك لأنه (٥) في أسفل السَّافلين من درجات الإنسانية، وكيف لا وقد ضَمَّ إلى الكفر السُّخرية بالإسلام وأهله، والمنافق: هو المظهر للإسلام المبطن للكفر؛ فلذا كان عذابه أشدَّ من الكفَّار، وتسمية غيره بالمنافق في الحديث
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَهُوَ الشَّاب الْقوي، فالمفتي يُقَوي كَلَامه فِيمَا أشكل فِيهِ فَيصير فتيا قَوِيا. قَوْله: {قل الله يفتيكم فِيهِنَّ} (النِّسَاء: ١٢٧) ، أَي: فِي توريثهن، وَكَانَت الْعَرَب لَا تورث النِّسَاء وَالصبيان. قَوْله: (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب) ، أُرِيد بِهِ مَا ذكر قبل هَذِه الْآيَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فأنكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء} (النِّسَاء: ٣) الْآيَة. وَالَّذِي كتب فِي النِّسَاء هُوَ قَوْله تَعَالَى: {فِي يتامى النِّسَاء الرتي لَا تؤتونهن مَا كتب لَهُنَّ} الْآيَة.
٢٤ - (بَاب: {وَإنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلَها نُشُوزا أوْ إعْراضا} (النِّسَاء: ١٢٨)
كَذَا وَقع عِنْد جَمِيع الروَاة بِغَيْر ذكر لفظ: بَاب، وَوَقع فِي بعض النّسخ، فَالظَّاهِر أَنه من بعض النّسخ. قَوْله: (وَإِن امْرَأَة خَافت) أَي: إِن خَافت امْرَأَة من بَعْلهَا أَي: من زَوجهَا. قَوْله: (نُشُوزًا) وَهُوَ الترفع عَنْهَا وَمنع النَّفَقَة وَترك الْمَوَدَّة الَّتِي بَين الرجل وَالْمَرْأَة وإيذاؤها بسب أَو ضرب أَو نَحْو ذَلِك، قَوْله: (وإعراضا) أَي: وخافت إعْرَاضًا، وَهُوَ أَن يعرض عَنْهَا بِأَن يقل محادثتها ومؤانستها وَذَلِكَ لبَعض الْأَسْبَاب من طعن فِي سنّ أَو سيء فِي خلق أَو خلق أَو دمامة أَو ملال أَو طموح عين إِلَى أُخْرَى أَو غير ذَلِك، وَجَوَابه قَوْله: (فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصالحا بَينهمَا صلحا) وَالصُّلْح بَينهمَا أَن يتصالحا على أَن تطيب لَهُ نفسا عَن الْقِسْمَة أَو عَن بَعْضهَا كَمَا فعلت سَوْدَة بنت زَمعَة حِين كرهت أَن يفارقها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعرفت مَكَان عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عِنْده، فَوهبت لَهَا يَوْمهَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وقرىء: (تصالحا) وتصالحا، بِمَعْنى يتصالحا ويصطلحا. ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى: {وَالصُّلْح خير} أَي: من الْفِرَاق.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ شِقاقٌ تَفَاسُدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن خِفْتُمْ شقَاق بَينهمَا} (النِّسَاء: ٣٥) أَي: بَين الزَّوْجَيْنِ، وَذكر عَن ابْن عَبَّاس بِالتَّعْلِيقِ أَنه فسر الشقاق الْمَذْكُور فِي الْآيَة بالمفاسد، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الشقاق الْعَدَاوَة لِأَن كلاًّ من المتعاديين فِي شقّ خلاف صَاحبه، وَكَانَ مَوضِع ذكر هَذَا فِيمَا قبل، على مَا لَا يخفى.
وَأَحْضِرَتِ الأَنْفَسُ الشُحِّ هَوَاهُ فِي الشَيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ كَالمُعَلَقَةِ لَا هِيَ أيْمٌ وَلا ذَاتَ زَوْجٍ.
أَشَارَ بقوله: (وأحضرت الْأَنْفس الشُّح) إِلَى أَنه هُوَ الْمَذْكُور بعد قَوْله تَعَالَى: {الصُّلْح خبر} ثمَّ فسره بقوله: هَوَاهُ، فِي الشَّيْء يحرص عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَرْوِيّ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة وَيُقَال: الشُّح الْبُخْل مَعَ الْحِرْص، وَقيل: الإفراط فِي الْحِرْص. قَوْله: (كالمعلقة) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فنذروها كالمعلقة} (النِّسَاء: ٢٩) أَي: كَالْمَرْأَةِ الْمُعَلقَة
ثمَّ فسره بقوله: (لَا هِيَ أيم) الأيم، بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة. وَهِي امْرَأَة لَا زوج لَهَا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا وَيُقَال أَيْضا رجل أيم، وَوصل هَذَا ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق يزِيد النَّحْوِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {فتذروها كالمعلقة} (النِّسَاء: ١٢٩) قَالَ: لَا هِيَ أيم وَلَا ذَات زوج.
نُشُوزا بُغْضا
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا} وَفَسرهُ بقوله: (بغضا) وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم، من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ فِيهِ: يَعْنِي بغضا. وَقَالَ الْفراء: النُّشُوز يكون من قبل الْمَرْأَة وَالرجل، وَهُوَ هُنَا من قبل الرجل.
٤٦٠١ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ أخْبَرنا عَبْدُ الله أخبرنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا وَإن امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا قَالَتِ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْها يُرِيدُ أنْ يُفَارِقَها فَتَقُولُ أجْعَلُكَ مِنْ شأنِي فِي حِلت فَنَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِك.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَعُرْوَة وَابْن الزبير بن الْعَوام.
والْحَدِيث مضى فِي الصُّلْح عَن مُحَمَّد وَلم ينْسبهُ عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ، وَفِيه أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ.
قَوْله: (لَيْسَ بمستكثر مِنْهَا) أَي: من الْمَرْأَة فِي الْمحبَّة والمعاشرة والملازمة. قَوْله: (يُرِيد) أَي: الرجل. قَوْله: (فَتَقول) أَي: الْمَرْأَة. قَوْله: (من شأني) أَي: مِمَّا يتَعَلَّق بأَمْري من النَّفَقَة وَالْكِسْوَة وَالصَّدَاق تَجْعَلهُ فِي حل ليفارقها. قَوْله: (فَنزلت الْآيَة) أَي: الْمَذْكُورَة، وَزَاد أَبُو ذَر عَن غير الْمُسْتَمْلِي: (وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعْرَاضًا) الْآيَة. وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نزلت فِي الْمَرْأَة تكون عِنْد الرجل تكره مُفَارقَته فيصطلحان على أَن يجيئها كل ثَلَاثَة أَيَّام أَو أَرْبَعَة، وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بأطول مِنْهُ، وروى الْحَاكِم من طَرِيق ابْن الْمسيب عَن رَافع بن خديج أَنه كَانَت تَحْتَهُ امْرَأَة فَتزَوج عَلَيْهَا شَابة فآثر الْبكر عَلَيْهَا فنازعته وَطَلقهَا، ثمَّ قَالَ لَهَا: إِن شِئْت رَاجَعتك وَصَبَرت. فَقَالَت: راجعني، فَرَاجعهَا ثمَّ لم تصبر فَطلقهَا. قَالَ: فَذَلِك الصُّلْح الَّذِي بلغنَا أَن الله تَعَالَى أنزل فِيهِ هَذِه الْآيَة، وروى التِّرْمِذِيّ من طَرِيق سماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: خشيت سَوْدَة أَن يطلقهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَت: يَا رَسُول الله: لَا تُطَلِّقنِي وَاجعَل يومي لعَائِشَة، فَفعل وَنزلت هَذِه الْآيَة. وَقَالَ: حسن غَرِيب. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الدغولي فِي أول مُعْجَمه، حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا الدستوَائي حَدثنَا الْقَاسِم بن أبي بردة. قَالَ: بعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى سَوْدَة بنت زَمعَة بِطَلَاقِهَا، فَلَمَّا أَتَاهَا جَلَست لَهُ على طَرِيق عَائِشَة، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَت لَهُ: أنْشدك بِالَّذِي أنزل عَلَيْك كِتَابه واصطفاك على خلقه لما راجعتني، فَإِنِّي قد كَبرت وَلَا حَاجَة لي فِي الرِّجَال، ابْعَثْ مَعَ نِسَائِك يَوْم الْقِيَامَة، فَرَاجعهَا، فَقَالَت: إِنِّي قد جعلت يومي وليلتي لحبة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قلت: هَذَا غَرِيب ومرسل.
٢٥ - (بابٌ: {إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ} (النِّسَاء: ١٤٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار} وَلَيْسَ لغير أبي ذَر لَفْظَة: بَاب. قَوْله: {إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار} يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة جَزَاء على كفرهم الغليظ. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَاصِم عَن ذكوات أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة {إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار} قَالَ: فِي توابيت ترتج عَلَيْهِم كَذَا رَوَاهُ ابْن جرير عَن وَكِيع عَن يحيى ابْن يمَان عَن سُفْيَان بِهِ، وَيُقَال: النَّار دركات كَمَا أَن الْجنَّة دَرَجَات، والدرك بِفَتْح الرَّاء وإسكانها لُغَتَانِ، وَقَرَأَ حَمْزَة بِالسُّكُونِ. وَاخْتَارَ الزّجاج الْفَتْح، قَالَ: وَعَلِيهِ المحدثون، والدركات للنار والدرجات للجنة، وَالنَّار سَبْعَة أطباق فَوق طبق، وَيُقَال معنى: فِي الدَّرك الْأَسْفَل، أَسْفَل درج جَهَنَّم، وَعبارَة مقَاتل يَعْنِي: الهاوية.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ أسْفَلِ النَّارِ
هَذَا تَعْلِيق وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: الدَّرك الْأَسْفَل النَّار، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يجْعَلُونَ فِي توابيت من حَدِيد تغلق عَلَيْهِم، وَرُوِيَ من نَار تطبق عَلَيْهِم، وَعَن إِسْرَائِيل: الدَّرك الْأَسْفَل بيُوت لَهَا أَبْوَاب تطبق عَلَيْهَا فتوقد من تَحْتهم وَمن فَوْقهم.
نَفَقَا سَرَبا
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله عز وَجل: {إِن اسْتَطَعْت أَن تبتغي نفقا} (الْأَنْعَام: ٣٥) وَهَذَا فِي سُورَة الْأَنْعَام وَلَا مُنَاسبَة لذكره هُنَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: غَرَضه بَيَان اشتقاق الْمُنَافِقين، وَفِيه نظر لَا يخفى. قَوْله: (سربا) أَي: فِي الأَرْض، وَهُوَ صفة نفقا، ونفقا مَنْصُوب بقوله: أَن تبتغي، وَفِي (الْمغرب) السرب بِالْفَتْح الطَّرِيق، وَيُقَال: السرب الْبَيْت فِي الأَرْض، وَيُقَال للْمَاء الَّذِي يسيل من الْقرْبَة: سرب، والسرب المسلك وَلَا يُقَال: نفق إلَاّ إِذا كَانَ لَهُ منفذ.
٤٦٠٢ - ح دَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ عَنْ الأسْوَدِ قَالَ كُنّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ الله فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفاقُ عَلَى قَومٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ قَالَ الأسوَدُ سُبْحَانَ الله إنَّ الله يَقُولُ: {إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ} (النِّسَاء: ١٤٥) فَتَبَسَّمَ عَبْدُ الله وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ فَقَامَ عَبْدُ الله فَتَفَرَّقَ أصْحابُهُ فَرَمَانِي بالحَصا فَجِئْتُهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ الله عَلَيْهِمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث النَّخعِيّ الْكُوفِي قاضيها عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن خَاله الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، وَحُذَيْفَة هُوَ ابْن الْيَمَان.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن عَليّ وَغَيره.
قَوْله: (لقد أنزل النِّفَاق على قوم خير مِنْكُم) ، أَي: ابتلوا بِهِ، وَأما الْخَيْرِيَّة فلأنهم كَانُوا طبقَة الصَّحَابَة فهم خير منطبقة التَّابِعين، لَكِن الله ابْتَلَاهُم فَارْتَدُّوا ونافقوا فَذَهَبت الْخَيْرِيَّة عَنْهُم، وَمِنْهُم من تَابَ فَعَادَت إِلَيْهِ الْخَيْرِيَّة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: مَقْصُود حُذَيْفَة أَن جمَاعَة من الْمُنَافِقين صلحوا واستقاموا فَكَانُوا خيرا من أُولَئِكَ التَّابِعين لمَكَان الصُّحْبَة وَالصَّلَاح كمجمع وَيزِيد بن حَارِثَة بن عَامر كَانَا منافقين فصلحت حَالهمَا واستقامت، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْحَدِيثِ إِلَى تقلب الْقُلُوب، وَقَالَ ابْن التِّين: كَانَ حُذَيْفَة حذرهم أَن ينْزع مِنْهُم الْإِيمَان لِأَن الْأَعْمَال بالخواتيم. قَوْله: (قَالَ الْأسود) ، هُوَ الرَّاوِي (سُبْحَانَ الله تَعَجبا) من كَلَام حُذَيْفَة. قَوْله: (فَتَبَسَّمَ عبد الله) ، أَي: ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. إِنَّمَا كَانَ تبسمه تَعَجبا بحذيفة وَبِمَا قَامَ بِهِ من قَول الْحق وَمَا حذر مِنْهُ. قَوْله: (فَرَمَانِي) ، أَي: قَالَ الْأسود رماني حُذَيْفَة بن الْيَمَان يستدعيه إِلَيْهِ. قَوْله: (قَالَ فَجِئْته) ، أَي: فَجئْت إِلَى حُذَيْفَة. فَقَالَ: (عجبت من ضحكه) أَي: من ضحك عبد الله بن مَسْعُود، يَعْنِي من اقْتِصَاره على الضحك، وَالْحَال أَنه قد عرف مَا قلته من الْحق. قَوْله: (لقد أنزل النِّفَاق) ، أَي: لقد أنزل الله النِّفَاق على قوم: هَذَا يدل على أَن النِّفَاق وَالْكفْر وَالْإِيمَان وَالْإِخْلَاص بِخلق الله تَعَالَى وَتَقْدِيره وإرادته وَلَا يخرج شَيْء من إِرَادَته، وَالْمُنَافِق من أبطن الْكفْر وَأظْهر الْإِسْلَام، وَيُقَال: النِّفَاق إِظْهَار خلاف مَا بطن، مَأْخُوذ من النافقاء وَهُوَ الْموضع الَّذِي يدْخل مِنْهُ اليربوع، فَإِذا طلبه الصياد مِنْهُ خرج من القاصعاء، فَيُشبه الْمُنَافِق بِهِ لِخُرُوجِهِ من الْإِيمَان، وَسمي الْفَاسِق منافقا تَغْلِيظًا، كَمَا يُسمى كَافِرًا فِي قَوْله: من ترك الصَّلَاة فقد كفر، قَوْله: (ثمَّ تَابُوا فَتَابَ الله عَلَيْهِم) أَي: ثمَّ رجعُوا عَن النِّفَاق فتابوا فَتَابَ الله عَلَيْهِم.
(وَيُسْتَفَاد مِنْهُ) قبُول تَوْبَة الزنديق وصحتها على مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وَمن هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا أتيت بزنديق فاستتبه. فَإِن تَابَ قبلت تَوْبَته، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {إلَاّ الَّذين تَابُوا أصلحوا واعتصموا بِاللَّه وأخلصو دينهم لله فَأُولَئِك مَعَ الْمُؤمنِينَ} (النِّسَاء: ١٤٦) الْآيَة تدل على صِحَة تَوْبَة الزنديق وقبولها. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَوْله: {فَأُولَئِك مَعَ الْمُؤمنِينَ} وَلم يقل: فَأُولَئِك هم الْمُؤْمِنُونَ، حاد عَن كَلَامهم تَغْلِيظًا عَلَيْهِم.