«﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٨٤

الحديث رقم ٤٥٨٤ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ذوي الأمر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر…

«﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ فِي سَرِيَّةٍ».

﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾

سند حديث: ٤٥٨٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ…

٤٥٨٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر…

أخبر عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن رجلًا من الأنصار تشاجر مع أبيه الزبير بن العوام عند النبي صلى الله عليه وسلم في مسايل وسواقي الماء التي يَسْقُون بها النخل، فقال الأنصاري للزبير رضي الله عنه: أطلق الماء ليمر ولا تحبسه في أرضك، فرفض الزبير، فترافعا عند النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام للزبير: اسق نخلك يا زبير بشيء يسير دون حقك، ثم أرسل الماء إلى جارك الأنصاري، فغضب الأنصاري فقال: لكون الزبير ابن عمتك حكمت له بالتقديم عليّ؟ فتغير وجه النبي عليه الصلاة والسلام وظهر فيه آثار الغضب؛ لانتهاك حرمات النبوة وقبيح كلام هذا الرجل، ولكنه غضبٌ لا يُخرج عن الاعتدال، ثم قال: اسق نخلك يا زبير، ثم احبس الماء تحت الشجر حتى يصل إلى ارتفاع قَدَمٍ، أو حتى يصل إلى أصول النخل، فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65]، وفي لفظ للبخاري: فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير: اسق نخلك يا زبير، ثم احبس الماء، فاستوفى صلى الله عليه وسلم بهذا الحق للزبير كاملًا، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قبل ذلك أخبر الزبير برأي فيه توسيع ومسامحة له وللأنصاري، فلما أغضب الأنصاري النبي عليه الصلاة والسلام، أمر الزبير باستيفاء تمام حقه، فإنه أصلح له، وأبلغ في الزجر.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم في سائر أقواله وأحكامه، مع المحبة والتسليم والتعظيم.
  • جواز الحكم في حالة الغضب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، أو في مبادئ الغضب وقبل استحكامه.
  • من سبق إلى شيء من مياه الأودية والسيول التي لا تملك إلا بالحيازة، فهو أحق به، لكن ليس له إذا استغنى أن يحبس الماء عن الذي يليه.
  • الأولى بالماء الجاري الأول فالأول، حتى يستوفي حاجته، وهذا ما لم يكن أصله مملوكًا للأسفل مختصًا به، فليس للأعلى أن يشرب منه شيئًا، وإن كان يمر عليه.
  • للحاكم أن يشير بالصلح بين الخصمين، ويأمر به ويرشد إليه، ولا يُلْزِمه به، إلا إذا رضي.
  • على الحاكم أن يستوفي لصاحب الحق حقه إذا لم يتراضيا وأن يحكم بالحق لمن توجه له، ولو لم يسأله صاحب الحق.
  • مشروعية توبيخ من بغى على الحاكم ومعاقبته.
  • أن للإمام أن يعفو عن التعزير المتعلق به، لكن محل ذلك ما لم يؤد إلى هتك حرمة الشرع والاستهانة بأحكامه، فإن أدى إلى ذلك أُدِّبَ المرتكب.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنَ الْمُعَرَّبِ عَدَّ التَّاجُ (كَزَّ) وَقَدْ … أَلْحَقْتُ (كَدَّ) وَضَمَّتْهَا الْأَسَاطِيرُ

السَّلْسَبِيلُ وَطَهَ كُوِّرَتْ بِيَعٌ … رُومٌ وَطُوبَى وَسِجِّيلٌ وَكَافُورُ

وَالزَّنْجَبِيلُ وَمِشْكَاةٌ سُرَادِقُ مَعْ … اسْتَبْرَقٍ صَلَوَاتٌ سُنْدُسٌ طُورُ

كَذَا قَرَاطِيسُ رَبَّانِيِّهِمْ وَغَسَّا … قُ ثُمَّ دِينَارُ الْقِسْطَاسِ مَشْهُورُ

كَذَاكَ قَسْوَرَةٌ وَالْيَمُّ نَاشِئَةٌ … وَيُؤْتِ كِفْلَيْنِ مَذْكُورٌ وَمَسْطُورُ

لَهُ مَقَالِيدُ فِرْدَوْسٍ يُعَدُّ كَذَا … فِيمَا حَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ مِنْهُ تَنُّورُ

وَزِدْتُ حِرْمَ وَمُهْلَ وَالسِّجِلَّ كَذَا … السَّرِيُّ وَالْأَبُّ ثُمَّ الْجِبْتُ مَذْكُورُ

وَقِطَّنَا وَأَنَاهُ ثُمَّ مُتَّكَأً … دَارَسْتَ يُصْهَرُ مِنْهُ فَهْوَ مَصْهُورُ

وَهَيْتَ وَالسَّكْرَ الْأَوَّاهُ مَعْ حَصَبٍ … وَأَوِّبِي مَعْهُ وَالطَّاغُوتُ مَنْظُورُ

صُرُّهُنَّ اصْرِي وَغِيضَ الْمَاءُ مَعْ وَزَرَ … ثُمَّ الرَّقِيمُ مَنَاصٌ وَالسَّنَا النُّورُ

وَالْمُرَادُ بِقَوْلِي: (كَزَّ) أَنَّ عِدَّةَ مَا ذَكَرَهُ التَّاجُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَبِقَوْلِي: (كَدَّ) أَنَّ عِدَّةَ مَا ذَكَرْتُهُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَأَنَا مُعْتَرِفٌ أَنَّنِي لَمْ أَسْتَوْعِبْ مَا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ، فَقَدْ ظَفِرْتُ بَعْدَ نَظْمِي هَذَا بِأَشْيَاءَ تَقَدَّمَ مِنْهَا فِي هَذَا الشَّرْحِ الرَّحْمَنُ وَرَاعِنَا، وَقَدْ عَزَمْتُ أَنِّي إِذَا أَتَيْتُ عَلَى آخِرِ شَرْحِ هَذَا التَّفْسِيرِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أُلْحِقُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ زِيَادَةٍ فِي ذَلِكَ مَنْظُومًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي سُقُوطِ عِقْدِهَا، وَنُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ.

١١ - بَاب ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ذَوِي الْأَمْرِ

٤٥٨٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ فِي سَرِيَّةٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ذَوِي الْأَمْرِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ: أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، ذَوِي الْأَمْرِ وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَزَادَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ وَاحِدَهَا ذُو أَيْ: وَاحِدٌ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَحْدَهُ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا سُنَيْدٌ وَهُوَ ابْنُ دَاوُدَ الْمِصِّيصِيُّ وَاسْمُهُ الْحُسَيْنُ، وَسُنَيْدٌ لَقَبٌ، وَهُوَ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَلَهُ تَفْسِيرٌ مَشْهُورٌ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِنْ كَانَ ابْنُ السَّكَنِ حَفِظَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَاقْتَصَرَ الْأَكْثَرُ عَلَى صَدَقَةَ لِإِتْقَانِهِ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ السَّكَنِ عَلَى سُنَيْدٍ بِقَرِينَةِ التَّفْسِيرِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّ سُنَيْدًا أَلْزَمَ حَجَّاجًا - يَعْنِي حَجَّاجَ بْنَ مُحَمَّدٍ شَيْخَهُ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ، وَلَمْ (١) يَجِدُوا مَاءً، فَصَلَّوْا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى (يَعْنِي: آيَةَ التَّيَمُّمِ) وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «يعني آية» وحينئذٍ فـ «التَّيمُّم» نصب على المفعوليَّة. وهذا الحديث سبق تامًّا في «كتاب التَّيمُّم» [خ¦٣٣٤].

(١١) (﴿أُوْلِي (٢) الأَمْرِ﴾) ولغير (٣) أبي ذرٍّ: «باب قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾» (﴿مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]) أي: (ذَوِي الأَمْرِ) وهم الخلفاء الرَّاشدون ومن سلك طريقهم في رعاية العدل، ويُدرَج فيهم القضاة وأمراء السَّرية؛ أمر الله تعالى النَّاس بطاعتهم بعد ما أمرهم بالعدل؛ تنبيهًا على أنَّ وجوب طاعتهم ما داموا على الحقِّ، وقيل: علماء الشَّرع لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].

٤٥٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ، ولابن السَّكن فيما ذكره في «الفتح»: «حدَّثنا سُنَيْدٌ» بضمِّ المهملة وفتح النُّون وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة (٤) دالٌ مهملةٌ بدل «صدقةٌ»، واسم والد سُنَيدٍ داود المصِّيصيُّ، ضعَّف أبو حاتمٍ سُنَيدًا، قال: (أَخْبَرَنَا (٥) حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المصِّيصيُّ الأعور (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ) بفتح التَّحتيَّة وسكون العين وفتح اللَّام، و «مسلم» بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة، ابن هرمز (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسديِّ مولاهم الكوفيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) في قوله تعالى: (﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ) القرشيِّ السَّهميِّ، من قدماء المهاجرين، توفِّي

بمصر في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهما (إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ فِي سَرِيَّةٍ) وكانت فيه دعابةٌ -أي: لعبٌ (١) - فنزلوا ببعض الطَّريق، وأوقدوا نارًا يصطلون عليها، فقال: عزمت عليكم إلَّا تواثبتم في هذه النَّار، فلما همَّ بعضهم بذلك؛ قال: اجلسوا، إنَّما كنت أمزح، فذكروا ذلك للنَّبيِّ فقال: «من أمركم بمعصيةٍ فلا تطيعوه» رواه ابن سعدٍ، وبوَّب عليه البخاريُّ فقال: «سريَّة عبد الله بن حذافة السَّهميِّ وعلقمة بن مُجزِّزٍ المُدْلِجِيِّ، ويقال: إنَّها سريَّة الأنصاريِّ (٢)» [خ¦٦٤/ ٥٩ - ٦٢٦٨] ثمَّ رَوَى عن عليٍّ قال: بعث النَّبيُّ سريَّةً، واستعمل رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب فقال: أليس قد أمركم النَّبيُّ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي (٣) حطبًا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارًا (٤). فأوقدوها، فقال (٥): ادخلوا، فهمُّوا وجعل بعضهم يُمْسِك بعضًا، ويقولون: فررنا إلى النَّبيِّ من النَّار، فما زالوا حتَّى خمدت النَّار، فسكن غضبه، فبلغ ذلك النَّبيِّ فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطَّاعة في المعروف» [خ¦٤٣٤٠] واختلاف (٦) السِّياقَين يدلُّ على التَّعدُّد، لا سيَّما وعبد الله بن حذافة مهاجريٌّ قرشيٌّ (٧)، والذي في حديث عليٍّ أنصاريٌّ، وقد اعترض الدَّاودي على القول بأنَّ الآية نزلت في عبد الله بن حذافة بأنَّه وهمٌ من غير ابن عبَّاسٍ؛ لأنَّ الآية إن كانت نزلت قبل هذه القصَّة؛ فكيف يَخصُّ عبد الله بن حذافة بالطَّاعة دون غيره؟ وإن كانت بَعْدُ فإنَّما قيل لهم: «إنَّما الطَّاعة في المعروف» وما قيل لهم: لِمَ (٨) لم تطيعوه؟ وأجاب في «الفتح»: بأنَّ المراد من قصَّة ابن حذافة قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] لأنَّ أهل

السَّريَّة تنازعوا في امتثال ما أمرهم (١) به، فالذين همُّوا أن يطيعوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطَّاعة، والذين امتنعوا عارض عندهم الفرار من النَّار، فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التَّنازع، وهو الردُّ إلى الله وإلى رسوله.

(١٢) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾) أي: فوربِّك، و «لا»: مزيدةٌ لتأكيد القسم، لا لتُظَاهر ﴿لَا﴾ في قوله: (﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾) لأنَّها تُزَاد أيضًا في الإثبات، كقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] قاله في «الأنوار» كـ «الكشَّاف»، وعبارته بعد ذكره نحو ما سبق: فإن قلت: هلَّا زعمت أنَّها زيدت لتُظَاهر «لا» في قوله (٣): ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾؟ قلت: يأبى ذلك استواء النَّفي فيه والإثبات (٤)، وذلك (٥) قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ. وَمَا لَا تُبْصِرُونَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠]. انتهى. قال في «الانتصاف»: أراد الزَّمخشريُّ أنَّها لمَّا زيدت حيث لا يكون القسم نفيًا؛ دلَّت على أنَّها إنَّما تُزاد لتأكيد القسم، فجُعِلَت كذلك في النَّفي، والظَّاهر عندي: أنَّها هنا لتوطئة القسم، وهو لم يذكر مانعًا منه، إنَّما ذكر مَحْمَلًا لغير هذا، وذلك لا يأبى مجيئها في النَّفي على الوجه الآخر من التَّوطئة، على (٦) أنَّ دخولها على المثبَتِ فيه نظرٌ، فلم تأتِ في الكتاب العزيز إلا مع القسم بالفعل ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (٧) [الواقعة: ٧٥] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ولم يأتِ إلَّا في القسم بغير الله، وله سرٌّ يأبى أن يكون ههنا لتأكيد القسم، وذلك أنَّ المراد بها تعظيم المقسَم به في الآيات المذكورة، فكأنَّه بدخولها يقول: إعظامي لهذه الأشياء المقسَم

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مَعَ قصَّته فِي الْمَغَازِي وَاعْترض الدَّاودِيّ فَقَالَ قَول ابْن عَبَّاس: (نزلت فِي عبد الله بن حذافة) وهم من غَيره لِأَن فِيهِ حمل الشَّيْء على ضِدّه لِأَن الَّذِي هُنَا خلاف مَا قَالَه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُنَاكَ، وَهُوَ قَوْله إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف، وَكَانَ قد خرج على جَيش فَغَضب وَلَو قدنا نَارا. وَقَالَ: اقتحمونا فَامْتنعَ بَعضهم وهمَّ بعض أَن يفعل. قَالَ: فَإِن كَانَت الْآيَة نزلت قبل فَكيف يخْتَص عبد الله بن حذافة بِالطَّاعَةِ دون غَيره؟ وَإِن كَانَت نزلت بعد فَإِنَّمَا قيل لَهُم: إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف، وَمَا قيل لَهُم لمَ لَمْ تطيعوه؟ وَأجِيب عَن هَذَا بِأَن المُرَاد من قصَّة عبد الله بن حذافة قَوْله تَعَالَى: {فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول} وَذَلِكَ لِأَن السّريَّة الَّتِي عَلَيْهَا عبد الله بن حذافة لما تنازعوا فِي امْتِثَال أَمرهم بِهِ من دُخُول النَّار وَتَركه كَانَ عَلَيْهِم أَن يردوه فِي ذَلِك إِلَى الله وَرَسُوله لقَوْله تَعَالَى: {فَإِن تنازعتم فِي شَيْء} أَي: فِي جَوَاز شَيْء وَعَدَمه. (فَردُّوهُ إِلَى الله وَرَسُوله) أَي: فَارْجِعُوا إِلَى الْكتاب وَالسّنة، قَالَه مُجَاهِد وَغَيره من السّلف، وَهَذَا أَمر من الله عز وَجل بِأَن كل شَيْء تنَازع النَّاس فِيهِ من أصُول الدّين وفروعه أَن يردوا الْمُتَنَازع فِي ذَلِك إِلَى الْكتاب وَالسّنة. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله} (الشورى: ١٠) فَمَا حكم بِهِ كتاب الله وَسنة رَسُول وَشهد لَهُ بِالصِّحَّةِ فَهُوَ الْحق فَمَاذَا بعد الْحق إلَاّ الضلال؟ .

١٢ - (بابٌ: {فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (النِّسَاء: ٦٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ} وَلم يُوجد لفظ بَاب إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَلَقَد أقسم الله تَعَالَى بِنَفسِهِ الْكَرِيمَة المقدسة أَنه لَا يُؤمن من أحد حَتَّى يحكم الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي جَمِيع الْأُمُور فَمَا حكم بِهِ فَهُوَ الْحق الَّذِي يجب الانقياد لَهُ ظَاهرا وَبَاطنا.

٤٥٨٥ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرَنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ قَالَ خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فَي شَرِيجٍ مِنَ الحَرَّةِ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إِلَى جَارِكَ فَقَالَ الأنْصَارِيُّ يَا رَسُولَ اللهأنْ كَانَ ابنَ عَمَتِّكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الجَدْرِ ثُمَّ أرْسِلِ المَاءَ إلَى جَارِكَ وَاسْتَوْعَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِلزُّبَيْرِ حَقَهُ فِي صَرِيحِ الحُكْمِ حِينَ أحْفَظَهُ الأنْصارِيُّ وَكَانَ أشَارَ عَلَيْهِمَا بأمْرٍ لَهُمَا فَيهِ سَعَةٌ قَالَ الزُّبَيْرُ فَمَا أحْسِبُ هاذِهِ الآيَاتِ إلَاّ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ {فَلا وَرَبّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنُهُمْ} .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الشّرْب فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب مُتَوَالِيَة: أَولهَا: بَاب كرى الْأَنْهَار. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفِي.

قَوْله: (فِي شريج) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وبالجيم، وَهُوَ مسيل المَاء. قَوْله: (إِن كَانَ ابْن عَمَّتك) ، بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا. وَالْجَزَاء مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: لَئِن كَانَ ابْن عَمَّتك حكمت لَهُ، وَكَانَ الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ابْن صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فتلَّون وَجهه) ، أَي: تغير وَجه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَلَام الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (إِلَى الْجدر) ، بِفَتْح الْجِيم، وَهُوَ أصل الْحَائِط. قَوْله: (واستوعى) ، أَي: استوعب وَاسْتوْفى، وَهَذَا الْكَلَام لِلزهْرِيِّ ذكره إدراجا قَوْله: (حِين أحفظه) أَي: حِين أغضبهُ. وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة. قَوْله: (وَكَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا) أَي: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَشَارَ على الزبير والأنصاري فِي أول الْأَمر بِأَمْر لَهما فِيهِ سَعَة. أَي: توسع على سَبِيل الْمُصَالحَة. فَلَمَّا لم يقبل الْأنْصَارِيّ الصُّلْح حكم للزبير بِمَا هُوَ حَقه فِيهِ.

١٣ - (بابٌ: {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} (النِّسَاء: ٦٩)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {فَأُولَئِك} وأوله: (وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك) الْآيَة. أَي: من عمل بِمَا أمره الله وَرَسُوله وَترك

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنَ الْمُعَرَّبِ عَدَّ التَّاجُ (كَزَّ) وَقَدْ … أَلْحَقْتُ (كَدَّ) وَضَمَّتْهَا الْأَسَاطِيرُ

السَّلْسَبِيلُ وَطَهَ كُوِّرَتْ بِيَعٌ … رُومٌ وَطُوبَى وَسِجِّيلٌ وَكَافُورُ

وَالزَّنْجَبِيلُ وَمِشْكَاةٌ سُرَادِقُ مَعْ … اسْتَبْرَقٍ صَلَوَاتٌ سُنْدُسٌ طُورُ

كَذَا قَرَاطِيسُ رَبَّانِيِّهِمْ وَغَسَّا … قُ ثُمَّ دِينَارُ الْقِسْطَاسِ مَشْهُورُ

كَذَاكَ قَسْوَرَةٌ وَالْيَمُّ نَاشِئَةٌ … وَيُؤْتِ كِفْلَيْنِ مَذْكُورٌ وَمَسْطُورُ

لَهُ مَقَالِيدُ فِرْدَوْسٍ يُعَدُّ كَذَا … فِيمَا حَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ مِنْهُ تَنُّورُ

وَزِدْتُ حِرْمَ وَمُهْلَ وَالسِّجِلَّ كَذَا … السَّرِيُّ وَالْأَبُّ ثُمَّ الْجِبْتُ مَذْكُورُ

وَقِطَّنَا وَأَنَاهُ ثُمَّ مُتَّكَأً … دَارَسْتَ يُصْهَرُ مِنْهُ فَهْوَ مَصْهُورُ

وَهَيْتَ وَالسَّكْرَ الْأَوَّاهُ مَعْ حَصَبٍ … وَأَوِّبِي مَعْهُ وَالطَّاغُوتُ مَنْظُورُ

صُرُّهُنَّ اصْرِي وَغِيضَ الْمَاءُ مَعْ وَزَرَ … ثُمَّ الرَّقِيمُ مَنَاصٌ وَالسَّنَا النُّورُ

وَالْمُرَادُ بِقَوْلِي: (كَزَّ) أَنَّ عِدَّةَ مَا ذَكَرَهُ التَّاجُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَبِقَوْلِي: (كَدَّ) أَنَّ عِدَّةَ مَا ذَكَرْتُهُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَأَنَا مُعْتَرِفٌ أَنَّنِي لَمْ أَسْتَوْعِبْ مَا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ، فَقَدْ ظَفِرْتُ بَعْدَ نَظْمِي هَذَا بِأَشْيَاءَ تَقَدَّمَ مِنْهَا فِي هَذَا الشَّرْحِ الرَّحْمَنُ وَرَاعِنَا، وَقَدْ عَزَمْتُ أَنِّي إِذَا أَتَيْتُ عَلَى آخِرِ شَرْحِ هَذَا التَّفْسِيرِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أُلْحِقُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ زِيَادَةٍ فِي ذَلِكَ مَنْظُومًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي سُقُوطِ عِقْدِهَا، وَنُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ.

١١ - بَاب ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ذَوِي الْأَمْرِ

٤٥٨٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ فِي سَرِيَّةٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ذَوِي الْأَمْرِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ: أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، ذَوِي الْأَمْرِ وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَزَادَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ وَاحِدَهَا ذُو أَيْ: وَاحِدٌ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَحْدَهُ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا سُنَيْدٌ وَهُوَ ابْنُ دَاوُدَ الْمِصِّيصِيُّ وَاسْمُهُ الْحُسَيْنُ، وَسُنَيْدٌ لَقَبٌ، وَهُوَ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَلَهُ تَفْسِيرٌ مَشْهُورٌ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِنْ كَانَ ابْنُ السَّكَنِ حَفِظَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَاقْتَصَرَ الْأَكْثَرُ عَلَى صَدَقَةَ لِإِتْقَانِهِ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ السَّكَنِ عَلَى سُنَيْدٍ بِقَرِينَةِ التَّفْسِيرِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّ سُنَيْدًا أَلْزَمَ حَجَّاجًا - يَعْنِي حَجَّاجَ بْنَ مُحَمَّدٍ شَيْخَهُ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ، وَلَمْ (١) يَجِدُوا مَاءً، فَصَلَّوْا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى (يَعْنِي: آيَةَ التَّيَمُّمِ) وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «يعني آية» وحينئذٍ فـ «التَّيمُّم» نصب على المفعوليَّة. وهذا الحديث سبق تامًّا في «كتاب التَّيمُّم» [خ¦٣٣٤].

(١١) (﴿أُوْلِي (٢) الأَمْرِ﴾) ولغير (٣) أبي ذرٍّ: «باب قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾» (﴿مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]) أي: (ذَوِي الأَمْرِ) وهم الخلفاء الرَّاشدون ومن سلك طريقهم في رعاية العدل، ويُدرَج فيهم القضاة وأمراء السَّرية؛ أمر الله تعالى النَّاس بطاعتهم بعد ما أمرهم بالعدل؛ تنبيهًا على أنَّ وجوب طاعتهم ما داموا على الحقِّ، وقيل: علماء الشَّرع لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].

٤٥٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ، ولابن السَّكن فيما ذكره في «الفتح»: «حدَّثنا سُنَيْدٌ» بضمِّ المهملة وفتح النُّون وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة (٤) دالٌ مهملةٌ بدل «صدقةٌ»، واسم والد سُنَيدٍ داود المصِّيصيُّ، ضعَّف أبو حاتمٍ سُنَيدًا، قال: (أَخْبَرَنَا (٥) حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المصِّيصيُّ الأعور (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ) بفتح التَّحتيَّة وسكون العين وفتح اللَّام، و «مسلم» بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة، ابن هرمز (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسديِّ مولاهم الكوفيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) في قوله تعالى: (﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ) القرشيِّ السَّهميِّ، من قدماء المهاجرين، توفِّي

بمصر في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهما (إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ فِي سَرِيَّةٍ) وكانت فيه دعابةٌ -أي: لعبٌ (١) - فنزلوا ببعض الطَّريق، وأوقدوا نارًا يصطلون عليها، فقال: عزمت عليكم إلَّا تواثبتم في هذه النَّار، فلما همَّ بعضهم بذلك؛ قال: اجلسوا، إنَّما كنت أمزح، فذكروا ذلك للنَّبيِّ فقال: «من أمركم بمعصيةٍ فلا تطيعوه» رواه ابن سعدٍ، وبوَّب عليه البخاريُّ فقال: «سريَّة عبد الله بن حذافة السَّهميِّ وعلقمة بن مُجزِّزٍ المُدْلِجِيِّ، ويقال: إنَّها سريَّة الأنصاريِّ (٢)» [خ¦٦٤/ ٥٩ - ٦٢٦٨] ثمَّ رَوَى عن عليٍّ قال: بعث النَّبيُّ سريَّةً، واستعمل رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب فقال: أليس قد أمركم النَّبيُّ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي (٣) حطبًا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارًا (٤). فأوقدوها، فقال (٥): ادخلوا، فهمُّوا وجعل بعضهم يُمْسِك بعضًا، ويقولون: فررنا إلى النَّبيِّ من النَّار، فما زالوا حتَّى خمدت النَّار، فسكن غضبه، فبلغ ذلك النَّبيِّ فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطَّاعة في المعروف» [خ¦٤٣٤٠] واختلاف (٦) السِّياقَين يدلُّ على التَّعدُّد، لا سيَّما وعبد الله بن حذافة مهاجريٌّ قرشيٌّ (٧)، والذي في حديث عليٍّ أنصاريٌّ، وقد اعترض الدَّاودي على القول بأنَّ الآية نزلت في عبد الله بن حذافة بأنَّه وهمٌ من غير ابن عبَّاسٍ؛ لأنَّ الآية إن كانت نزلت قبل هذه القصَّة؛ فكيف يَخصُّ عبد الله بن حذافة بالطَّاعة دون غيره؟ وإن كانت بَعْدُ فإنَّما قيل لهم: «إنَّما الطَّاعة في المعروف» وما قيل لهم: لِمَ (٨) لم تطيعوه؟ وأجاب في «الفتح»: بأنَّ المراد من قصَّة ابن حذافة قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] لأنَّ أهل

السَّريَّة تنازعوا في امتثال ما أمرهم (١) به، فالذين همُّوا أن يطيعوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطَّاعة، والذين امتنعوا عارض عندهم الفرار من النَّار، فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التَّنازع، وهو الردُّ إلى الله وإلى رسوله.

(١٢) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾) أي: فوربِّك، و «لا»: مزيدةٌ لتأكيد القسم، لا لتُظَاهر ﴿لَا﴾ في قوله: (﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾) لأنَّها تُزَاد أيضًا في الإثبات، كقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] قاله في «الأنوار» كـ «الكشَّاف»، وعبارته بعد ذكره نحو ما سبق: فإن قلت: هلَّا زعمت أنَّها زيدت لتُظَاهر «لا» في قوله (٣): ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾؟ قلت: يأبى ذلك استواء النَّفي فيه والإثبات (٤)، وذلك (٥) قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ. وَمَا لَا تُبْصِرُونَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠]. انتهى. قال في «الانتصاف»: أراد الزَّمخشريُّ أنَّها لمَّا زيدت حيث لا يكون القسم نفيًا؛ دلَّت على أنَّها إنَّما تُزاد لتأكيد القسم، فجُعِلَت كذلك في النَّفي، والظَّاهر عندي: أنَّها هنا لتوطئة القسم، وهو لم يذكر مانعًا منه، إنَّما ذكر مَحْمَلًا لغير هذا، وذلك لا يأبى مجيئها في النَّفي على الوجه الآخر من التَّوطئة، على (٦) أنَّ دخولها على المثبَتِ فيه نظرٌ، فلم تأتِ في الكتاب العزيز إلا مع القسم بالفعل ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (٧) [الواقعة: ٧٥] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ولم يأتِ إلَّا في القسم بغير الله، وله سرٌّ يأبى أن يكون ههنا لتأكيد القسم، وذلك أنَّ المراد بها تعظيم المقسَم به في الآيات المذكورة، فكأنَّه بدخولها يقول: إعظامي لهذه الأشياء المقسَم

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مَعَ قصَّته فِي الْمَغَازِي وَاعْترض الدَّاودِيّ فَقَالَ قَول ابْن عَبَّاس: (نزلت فِي عبد الله بن حذافة) وهم من غَيره لِأَن فِيهِ حمل الشَّيْء على ضِدّه لِأَن الَّذِي هُنَا خلاف مَا قَالَه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُنَاكَ، وَهُوَ قَوْله إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف، وَكَانَ قد خرج على جَيش فَغَضب وَلَو قدنا نَارا. وَقَالَ: اقتحمونا فَامْتنعَ بَعضهم وهمَّ بعض أَن يفعل. قَالَ: فَإِن كَانَت الْآيَة نزلت قبل فَكيف يخْتَص عبد الله بن حذافة بِالطَّاعَةِ دون غَيره؟ وَإِن كَانَت نزلت بعد فَإِنَّمَا قيل لَهُم: إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف، وَمَا قيل لَهُم لمَ لَمْ تطيعوه؟ وَأجِيب عَن هَذَا بِأَن المُرَاد من قصَّة عبد الله بن حذافة قَوْله تَعَالَى: {فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول} وَذَلِكَ لِأَن السّريَّة الَّتِي عَلَيْهَا عبد الله بن حذافة لما تنازعوا فِي امْتِثَال أَمرهم بِهِ من دُخُول النَّار وَتَركه كَانَ عَلَيْهِم أَن يردوه فِي ذَلِك إِلَى الله وَرَسُوله لقَوْله تَعَالَى: {فَإِن تنازعتم فِي شَيْء} أَي: فِي جَوَاز شَيْء وَعَدَمه. (فَردُّوهُ إِلَى الله وَرَسُوله) أَي: فَارْجِعُوا إِلَى الْكتاب وَالسّنة، قَالَه مُجَاهِد وَغَيره من السّلف، وَهَذَا أَمر من الله عز وَجل بِأَن كل شَيْء تنَازع النَّاس فِيهِ من أصُول الدّين وفروعه أَن يردوا الْمُتَنَازع فِي ذَلِك إِلَى الْكتاب وَالسّنة. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله} (الشورى: ١٠) فَمَا حكم بِهِ كتاب الله وَسنة رَسُول وَشهد لَهُ بِالصِّحَّةِ فَهُوَ الْحق فَمَاذَا بعد الْحق إلَاّ الضلال؟ .

١٢ - (بابٌ: {فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (النِّسَاء: ٦٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ} وَلم يُوجد لفظ بَاب إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَلَقَد أقسم الله تَعَالَى بِنَفسِهِ الْكَرِيمَة المقدسة أَنه لَا يُؤمن من أحد حَتَّى يحكم الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي جَمِيع الْأُمُور فَمَا حكم بِهِ فَهُوَ الْحق الَّذِي يجب الانقياد لَهُ ظَاهرا وَبَاطنا.

٤٥٨٥ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرَنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ قَالَ خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فَي شَرِيجٍ مِنَ الحَرَّةِ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إِلَى جَارِكَ فَقَالَ الأنْصَارِيُّ يَا رَسُولَ اللهأنْ كَانَ ابنَ عَمَتِّكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الجَدْرِ ثُمَّ أرْسِلِ المَاءَ إلَى جَارِكَ وَاسْتَوْعَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِلزُّبَيْرِ حَقَهُ فِي صَرِيحِ الحُكْمِ حِينَ أحْفَظَهُ الأنْصارِيُّ وَكَانَ أشَارَ عَلَيْهِمَا بأمْرٍ لَهُمَا فَيهِ سَعَةٌ قَالَ الزُّبَيْرُ فَمَا أحْسِبُ هاذِهِ الآيَاتِ إلَاّ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ {فَلا وَرَبّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنُهُمْ} .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الشّرْب فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب مُتَوَالِيَة: أَولهَا: بَاب كرى الْأَنْهَار. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفِي.

قَوْله: (فِي شريج) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وبالجيم، وَهُوَ مسيل المَاء. قَوْله: (إِن كَانَ ابْن عَمَّتك) ، بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا. وَالْجَزَاء مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: لَئِن كَانَ ابْن عَمَّتك حكمت لَهُ، وَكَانَ الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ابْن صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فتلَّون وَجهه) ، أَي: تغير وَجه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَلَام الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (إِلَى الْجدر) ، بِفَتْح الْجِيم، وَهُوَ أصل الْحَائِط. قَوْله: (واستوعى) ، أَي: استوعب وَاسْتوْفى، وَهَذَا الْكَلَام لِلزهْرِيِّ ذكره إدراجا قَوْله: (حِين أحفظه) أَي: حِين أغضبهُ. وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة. قَوْله: (وَكَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا) أَي: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَشَارَ على الزبير والأنصاري فِي أول الْأَمر بِأَمْر لَهما فِيهِ سَعَة. أَي: توسع على سَبِيل الْمُصَالحَة. فَلَمَّا لم يقبل الْأنْصَارِيّ الصُّلْح حكم للزبير بِمَا هُوَ حَقه فِيهِ.

١٣ - (بابٌ: {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} (النِّسَاء: ٦٩)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {فَأُولَئِك} وأوله: (وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك) الْآيَة. أَي: من عمل بِمَا أمره الله وَرَسُوله وَترك

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.1 / 29.5
الإضاءة 61%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
لا إله إلا الله