الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٨٥
الحديث رقم ٤٥٨٥ من كتاب «سورة النساء» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾
٤٥٨٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى تَدْلِيسِ التَّسْوِيَةِ، وَعَابَهُ بِذَلِكَ وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبَ فِي تَضْعِيفِ مَنْ ضَعَّفَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ) كَذَا ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وَالْمَعْنَى نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، أَيِ: الْمَقْصُودُ مِنْهَا فِي قِصَّتِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ غَفَلَ الدَّاوُدِيُّ عَنْ هَذَا الْمُرَادِ فَقَالَ: هَذَا وَهَمٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ خَرَجَ عَلَى جَيْشٍ فَغَضِبَ فَأَوْقَدُوا نَارًا، وَقَالَ: اقْتَحِمُوهَا فَامْتَنَعَ بَعْضٌ، وَهَمَّ بَعْضٌ أَنْ يَفْعَلَ. قَالَ: فَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلُ فَكَيْفَ يُخَصُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ بِالطَّاعَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بَعْدُ فَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ: إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ، وَمَا قِيلَ لَهُمْ: لِمَ لَمْ تُطِيعُوا؟ انْتَهَى. وَبِالْحَمْلِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ يَظْهَرُ الْمُرَادُ، وَيَنْتَفِي الْإِشْكَالُ الَّذِي أَبْدَاهُ؛ لِأَنَّهُمْ تَنَازَعُوا فِي امْتِثَالِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يُطِيعُوهُ وَقَفُوا عِنْدَ امْتِثَالِ الْأَمْرِ بِالطَّاعَةِ، وَالَّذِينَ امْتَنَعُوا عَارَضَهُ عِنْدَهُمُ الْفِرَارُ مِنَ النَّارِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَنْزِلَ فِي ذَلِكَ مَا يُرْشِدُهُمْ إِلَى مَا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَهُوَ الرَّدُّ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، أَيْ: إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي جَوَازِ الشَّيْءِ وَعَدَمِ جَوَازِهِ فَارْجِعُوا إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي قِصَّةٍ جَرَتْ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَانَ خَالِدٌ أَمِيرًا، فَأَجَارَ عَمَّارٌ رَجُلًا بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَتَخَاص مَا فَنَزَلَتْ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَالِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ وَالِاخْتِلَافُ فِي اسْمِ أَمِيرِهَا فِي الْمَغَازِي بَعْدَ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ بِقَلِيلٍ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِأُولِي الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: هُمُ الْأُمَرَاءُ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَخْرَجَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ وَغَيْرِهِ نَحْوَهُ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ: هُمُ الْعُلَمَاءُ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَصَحَّ مِنْهُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُمُ الصَّحَابَةُ، وَهَذَا أَخَصُّ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْإِمَارَةَ وَلَا يَنْقَادُونَ إِلَى أَمِيرٍ، فَأُمِرُوا بِالطَّاعَةِ لِمَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ: مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ حَمْلَهَا عَلَى الْعُمُومِ وَإِنْ نَزَلَتْ فِي سَبَبٍ خَاصٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٢ - بَاب ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾
٤٥٨٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فِي شَرِيجٍ مِنْ الْحَرَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟! فَتَلَوَّنَ وَجْهُه، ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، وَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا بِأَمْرٍ لَهُمَا فِيهِ سَعَةٌ. قَالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَاتِ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
قَوْلُهُ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ سَقَطَ (بَابُ) لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ الزُّبَيْرِ مَعَ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي خَاصَمَهُ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الشِّرْبِ، بَيَّنْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ عَلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بها كلا إعظام؛ إذ هي تستوجب فوق ذلك، وإنَّما يُذكَر هذا لتوهُّم وقوع عدم تعظيمها، فيؤكِّد بذلك وبفعل القسم ظاهرًا، وفي القسم بالله الوهمُ زائلٌ، فلا يحتاج إلى تأكيد، فتعيَّن حملها على التَّوطئة، ولا تكاد تجدها في غير الكتاب العزيز داخلة على قَسَمٍ مُثبتٍ، أمَّا في النَّفي فكثيرٌ. انتهى. وقيل: إنَّ «لا» الثَّانية زائدةٌ، والقَسَم (١) معترضٌ بين حرف النَّفي والمنفيِّ، وكأنَّ (٢) التَّقدير: فلا لا يؤمنون وربِّك (﴿حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) أي: فيما اختُلِف بينهم واختُلِط، و ﴿حَتَّىَ﴾: غايةٌ متعلِّقةٌ بقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: ينتفي عنهم الإيمان إلى هذه الغاية، وهي تحكيمك وعدم وجدانهم الحرج وتسليمهم لأمرك.
٤٥٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو غندرٌ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير أنَّه (قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ) بن العوَّام (رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ، وقيل: حميدٌ، وقيل: حاطب بن أبي بلتعة (٣) (فِي شَرِيجٍ) بفتح الشِّين المعجمة وكسر الرَّاء آخره جيمٌ: مسيل الماء يكون في الجبل وينزل إلى السَّهل (مِنَ الحَرَّةِ) بفتح الحاء وتشديد الرَّاء المهملتين، خارج المدينة، زاد في «باب سَكْرِ الأنهار» من «الشّرب» [خ¦٢٣٥٩]: «فقال الأنصاريُّ: سرِّح الماء، فأبى عليه، فاختصما عند النَّبيِّ ﷺ» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ في
«أرسل» (١) (إِلَى جَارِكَ) الأنصاريِّ (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ كَانَ) بفتح الهمزة، أي: حكمتَ له بالتَّقديم والتَّرجيح؛ لأنْ كان (ابْنَ عَمَّتِكَ) صفيَّة بنت عبد المطَّلب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «آن كان» بهمزةٍ مفتوحةٍ ممدودةٍ، استفهامٌ إنكاريٌّ، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «وأنْ كان»؛ بواو وفتح (٢) الهمزة، ووقع عند الطَّبريِّ: «فقال: اعدل يا رسول الله، وإنْ كان ابن عمَّتك» أي: من أجل هذا حكمت له عليَّ (فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ) ﵊، أي: تغيَّر من الغضب لانتهاك حرمة النُّبوَّة، ولأبوي ذرٍّ والوقت (٣): «فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ» (٤) (ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ) بهمزة وصلٍ فيهما (حَتَّى يَرْجِعَ) يصير الماء (إِلَى الجَدْرِ) بفتح الجيم وسكون المهملة، ما وُضِعَ بين شربات النَّخل كالجدار، والمراد به: جدران الشَّربات؛ وهي الحفر التي تُحفَر في أصول النَّخل (ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إِلَى جَارِكَ) بهمزة قطع في «أرسل» (وَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ) أي: استوفاه كلَّه كاملًا حتَّى كأنَّه جمعه في وعاء بحيث لم يترك منه شيئًا (فِي صَرِيحِ الحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ (٥)) بالحاء المهملة والفاء والظَّاء المعجمة، أي: أغضبه (الأَنْصَارِيُّ، كَانَ) (٦) ﷺ (أَشَارَ عَلَيْهِمَا) في أوَّل الأمر (بِأَمْرٍ لَهُمَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «له»، أي: للأنصاريِّ (فِيهِ سَعَةٌ) وهو الصُّلح على ترك بعض حقِّ الزُّبير، فلمَّا لم يرضَ الأنصاريُّ؛ استقصى ﵊ للزُّبير حقَّه، وحكم له به على الأنصاريِّ (قَالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسِبُ هَذِهِ الآيَاتِ إِلَّا نَزَلَتْ) وفي «باب شرب الأعلى من الأسفل» [خ¦٢٣٦٢] من «كتاب الشُّرب»: «فقال الزُّبير: والله إنَّ هذه الآية أُنزِلت» (فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) قيل: وكان هذا الرَّجل يهوديًّا، وعُورِض: بأنَّه وُصِف بكونه أنصاريًّا، ولو كان يهوديًّا لم يُوصَف بذلك؛ إذ هو وصف مدحٍ، ولا يبعد أن يُبتَلى غير المعصوم بمثل ذلك عند الغضب ممَّا هو من الصِّفات البشريَّة، وفي «المفاتح» -كالبغويِّ في «معالم التَّنزيل» -: ورُوي أنَّه لمَّا خرجا مرَّا على المقداد،
فقال: لمن كان القضاء؟ قال الأنصاريُّ: لابن عمَّته، ولَوَى شِدْقيه، ففطن له يهوديٌّ كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء، يشهدون أنَّه رسول الله ثمَّ يتَّهمونه في قضاء يُقضَى بينهم، وايم الله لقد أذنبنا ذنبًا مرَّةً في حياة موسى ﵊، فدعانا إلى التَّوبة فقال: اقتلوا أنفسكم، فبلغ قتلانا سبعين ألفًا في طاعة ربِّنا حتَّى رضي عنَّا (١)، فقال ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ: إنَّ الله ليعلم منِّي الصِّدق، ولو أمرني محمَّدٌ أن أقتل نفسي لفعلتُ.
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿فَأُوْلَئِكَ﴾) أي: مَنْ أطاع الله والرَّسول (﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ (٢)﴾ [النساء: ٦٩]) في الجنَّة بحيث يتمكَّن كلُّ واحدٍ منهم من رؤية الآخر؛ لأنَّ الحجاب إذا زال شاهدَ بعضُهم بعضًا، وليس المراد كون الكلِّ في درجةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ ذلك يقتضي التَّسوية في الدَّرجة بين الفاضل والمفضول، وهو غير جائزٍ، والأظهر أنَّ قوله: ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ بيانٌ لـ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم﴾ وجُوِّز تعلُّق: ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ بـ ﴿يُطِعِ﴾ أي: وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ من النَّبيِّين ومن بعدهم، ويكون قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم﴾ إشارةً إلى الملأ الأعلى، ثمَّ قال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] ويبيِّن ذلك قوله ﵊ عند الموت: «اللهمَّ ألحقني بالرَّفيق الأعلى» قاله الرَّاغب، وتعقَّبه أبو حيَّان فأفسده معنًى وصناعةً، أمَّا المعنى؛ فلأنَّ الرَّسول هنا: هو محمَّدٌ ﷺ، وقد أخبر تعالى أنَّه: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ﴾ فهو مع من ذُكِر، ولو جُعِل ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ متعلِّق بـ ﴿يُطِعِ﴾ لكان ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ تفسيرًا لـ ﴿مِّنَ﴾ الشَّرطيَّة، فيلزم أن يكون في زمانه ﵊ أو بعده أنبياءُ يطيعونه، وهذا غير ممكنٍ لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ولقوله ﵊: «لا نبيَّ بعدي». وأمَّا الصِّناعة؛ فلأنَّ ما قبل الفاء الواقعة جوابًا للشرط لا يعمل فيما بعدها، لو قلت: إن تَضرِبْ يَقُمْ عمرٌو زيدًا؛ لم يجز، وسقط قوله: «بابٌ» لغير أبي ذرٍّ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى تَدْلِيسِ التَّسْوِيَةِ، وَعَابَهُ بِذَلِكَ وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبَ فِي تَضْعِيفِ مَنْ ضَعَّفَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ) كَذَا ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وَالْمَعْنَى نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، أَيِ: الْمَقْصُودُ مِنْهَا فِي قِصَّتِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ غَفَلَ الدَّاوُدِيُّ عَنْ هَذَا الْمُرَادِ فَقَالَ: هَذَا وَهَمٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ خَرَجَ عَلَى جَيْشٍ فَغَضِبَ فَأَوْقَدُوا نَارًا، وَقَالَ: اقْتَحِمُوهَا فَامْتَنَعَ بَعْضٌ، وَهَمَّ بَعْضٌ أَنْ يَفْعَلَ. قَالَ: فَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلُ فَكَيْفَ يُخَصُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ بِالطَّاعَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بَعْدُ فَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ: إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ، وَمَا قِيلَ لَهُمْ: لِمَ لَمْ تُطِيعُوا؟ انْتَهَى. وَبِالْحَمْلِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ يَظْهَرُ الْمُرَادُ، وَيَنْتَفِي الْإِشْكَالُ الَّذِي أَبْدَاهُ؛ لِأَنَّهُمْ تَنَازَعُوا فِي امْتِثَالِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يُطِيعُوهُ وَقَفُوا عِنْدَ امْتِثَالِ الْأَمْرِ بِالطَّاعَةِ، وَالَّذِينَ امْتَنَعُوا عَارَضَهُ عِنْدَهُمُ الْفِرَارُ مِنَ النَّارِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَنْزِلَ فِي ذَلِكَ مَا يُرْشِدُهُمْ إِلَى مَا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَهُوَ الرَّدُّ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، أَيْ: إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي جَوَازِ الشَّيْءِ وَعَدَمِ جَوَازِهِ فَارْجِعُوا إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي قِصَّةٍ جَرَتْ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَانَ خَالِدٌ أَمِيرًا، فَأَجَارَ عَمَّارٌ رَجُلًا بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَتَخَاص مَا فَنَزَلَتْ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَالِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ وَالِاخْتِلَافُ فِي اسْمِ أَمِيرِهَا فِي الْمَغَازِي بَعْدَ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ بِقَلِيلٍ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِأُولِي الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: هُمُ الْأُمَرَاءُ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَخْرَجَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ وَغَيْرِهِ نَحْوَهُ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ: هُمُ الْعُلَمَاءُ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَصَحَّ مِنْهُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُمُ الصَّحَابَةُ، وَهَذَا أَخَصُّ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْإِمَارَةَ وَلَا يَنْقَادُونَ إِلَى أَمِيرٍ، فَأُمِرُوا بِالطَّاعَةِ لِمَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ: مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ حَمْلَهَا عَلَى الْعُمُومِ وَإِنْ نَزَلَتْ فِي سَبَبٍ خَاصٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٢ - بَاب ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾
٤٥٨٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فِي شَرِيجٍ مِنْ الْحَرَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟! فَتَلَوَّنَ وَجْهُه، ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، وَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا بِأَمْرٍ لَهُمَا فِيهِ سَعَةٌ. قَالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَاتِ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
قَوْلُهُ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ سَقَطَ (بَابُ) لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ الزُّبَيْرِ مَعَ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي خَاصَمَهُ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الشِّرْبِ، بَيَّنْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ عَلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بها كلا إعظام؛ إذ هي تستوجب فوق ذلك، وإنَّما يُذكَر هذا لتوهُّم وقوع عدم تعظيمها، فيؤكِّد بذلك وبفعل القسم ظاهرًا، وفي القسم بالله الوهمُ زائلٌ، فلا يحتاج إلى تأكيد، فتعيَّن حملها على التَّوطئة، ولا تكاد تجدها في غير الكتاب العزيز داخلة على قَسَمٍ مُثبتٍ، أمَّا في النَّفي فكثيرٌ. انتهى. وقيل: إنَّ «لا» الثَّانية زائدةٌ، والقَسَم (١) معترضٌ بين حرف النَّفي والمنفيِّ، وكأنَّ (٢) التَّقدير: فلا لا يؤمنون وربِّك (﴿حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) أي: فيما اختُلِف بينهم واختُلِط، و ﴿حَتَّىَ﴾: غايةٌ متعلِّقةٌ بقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: ينتفي عنهم الإيمان إلى هذه الغاية، وهي تحكيمك وعدم وجدانهم الحرج وتسليمهم لأمرك.
٤٥٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو غندرٌ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير أنَّه (قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ) بن العوَّام (رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ، وقيل: حميدٌ، وقيل: حاطب بن أبي بلتعة (٣) (فِي شَرِيجٍ) بفتح الشِّين المعجمة وكسر الرَّاء آخره جيمٌ: مسيل الماء يكون في الجبل وينزل إلى السَّهل (مِنَ الحَرَّةِ) بفتح الحاء وتشديد الرَّاء المهملتين، خارج المدينة، زاد في «باب سَكْرِ الأنهار» من «الشّرب» [خ¦٢٣٥٩]: «فقال الأنصاريُّ: سرِّح الماء، فأبى عليه، فاختصما عند النَّبيِّ ﷺ» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ في
«أرسل» (١) (إِلَى جَارِكَ) الأنصاريِّ (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ كَانَ) بفتح الهمزة، أي: حكمتَ له بالتَّقديم والتَّرجيح؛ لأنْ كان (ابْنَ عَمَّتِكَ) صفيَّة بنت عبد المطَّلب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «آن كان» بهمزةٍ مفتوحةٍ ممدودةٍ، استفهامٌ إنكاريٌّ، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «وأنْ كان»؛ بواو وفتح (٢) الهمزة، ووقع عند الطَّبريِّ: «فقال: اعدل يا رسول الله، وإنْ كان ابن عمَّتك» أي: من أجل هذا حكمت له عليَّ (فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ) ﵊، أي: تغيَّر من الغضب لانتهاك حرمة النُّبوَّة، ولأبوي ذرٍّ والوقت (٣): «فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ» (٤) (ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ) بهمزة وصلٍ فيهما (حَتَّى يَرْجِعَ) يصير الماء (إِلَى الجَدْرِ) بفتح الجيم وسكون المهملة، ما وُضِعَ بين شربات النَّخل كالجدار، والمراد به: جدران الشَّربات؛ وهي الحفر التي تُحفَر في أصول النَّخل (ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إِلَى جَارِكَ) بهمزة قطع في «أرسل» (وَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ) أي: استوفاه كلَّه كاملًا حتَّى كأنَّه جمعه في وعاء بحيث لم يترك منه شيئًا (فِي صَرِيحِ الحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ (٥)) بالحاء المهملة والفاء والظَّاء المعجمة، أي: أغضبه (الأَنْصَارِيُّ، كَانَ) (٦) ﷺ (أَشَارَ عَلَيْهِمَا) في أوَّل الأمر (بِأَمْرٍ لَهُمَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «له»، أي: للأنصاريِّ (فِيهِ سَعَةٌ) وهو الصُّلح على ترك بعض حقِّ الزُّبير، فلمَّا لم يرضَ الأنصاريُّ؛ استقصى ﵊ للزُّبير حقَّه، وحكم له به على الأنصاريِّ (قَالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسِبُ هَذِهِ الآيَاتِ إِلَّا نَزَلَتْ) وفي «باب شرب الأعلى من الأسفل» [خ¦٢٣٦٢] من «كتاب الشُّرب»: «فقال الزُّبير: والله إنَّ هذه الآية أُنزِلت» (فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) قيل: وكان هذا الرَّجل يهوديًّا، وعُورِض: بأنَّه وُصِف بكونه أنصاريًّا، ولو كان يهوديًّا لم يُوصَف بذلك؛ إذ هو وصف مدحٍ، ولا يبعد أن يُبتَلى غير المعصوم بمثل ذلك عند الغضب ممَّا هو من الصِّفات البشريَّة، وفي «المفاتح» -كالبغويِّ في «معالم التَّنزيل» -: ورُوي أنَّه لمَّا خرجا مرَّا على المقداد،
فقال: لمن كان القضاء؟ قال الأنصاريُّ: لابن عمَّته، ولَوَى شِدْقيه، ففطن له يهوديٌّ كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء، يشهدون أنَّه رسول الله ثمَّ يتَّهمونه في قضاء يُقضَى بينهم، وايم الله لقد أذنبنا ذنبًا مرَّةً في حياة موسى ﵊، فدعانا إلى التَّوبة فقال: اقتلوا أنفسكم، فبلغ قتلانا سبعين ألفًا في طاعة ربِّنا حتَّى رضي عنَّا (١)، فقال ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ: إنَّ الله ليعلم منِّي الصِّدق، ولو أمرني محمَّدٌ أن أقتل نفسي لفعلتُ.
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿فَأُوْلَئِكَ﴾) أي: مَنْ أطاع الله والرَّسول (﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ (٢)﴾ [النساء: ٦٩]) في الجنَّة بحيث يتمكَّن كلُّ واحدٍ منهم من رؤية الآخر؛ لأنَّ الحجاب إذا زال شاهدَ بعضُهم بعضًا، وليس المراد كون الكلِّ في درجةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ ذلك يقتضي التَّسوية في الدَّرجة بين الفاضل والمفضول، وهو غير جائزٍ، والأظهر أنَّ قوله: ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ بيانٌ لـ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم﴾ وجُوِّز تعلُّق: ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ بـ ﴿يُطِعِ﴾ أي: وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ من النَّبيِّين ومن بعدهم، ويكون قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم﴾ إشارةً إلى الملأ الأعلى، ثمَّ قال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] ويبيِّن ذلك قوله ﵊ عند الموت: «اللهمَّ ألحقني بالرَّفيق الأعلى» قاله الرَّاغب، وتعقَّبه أبو حيَّان فأفسده معنًى وصناعةً، أمَّا المعنى؛ فلأنَّ الرَّسول هنا: هو محمَّدٌ ﷺ، وقد أخبر تعالى أنَّه: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ﴾ فهو مع من ذُكِر، ولو جُعِل ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ متعلِّق بـ ﴿يُطِعِ﴾ لكان ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ تفسيرًا لـ ﴿مِّنَ﴾ الشَّرطيَّة، فيلزم أن يكون في زمانه ﵊ أو بعده أنبياءُ يطيعونه، وهذا غير ممكنٍ لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ولقوله ﵊: «لا نبيَّ بعدي». وأمَّا الصِّناعة؛ فلأنَّ ما قبل الفاء الواقعة جوابًا للشرط لا يعمل فيما بعدها، لو قلت: إن تَضرِبْ يَقُمْ عمرٌو زيدًا؛ لم يجز، وسقط قوله: «بابٌ» لغير أبي ذرٍّ.