«فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٧٥

الحديث رقم ٤٥٧٥ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «في قوله تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن…

«فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَالِ الْيَتِيمِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا: أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ».

﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ الْآيَةَ.

سند حديث: ٤٥٧٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا…

٤٥٧٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «في قوله تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن…

أخبر ابن عباس رضي الله عنهما في معنى قوله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولو القربى، واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} قال: إن بعض الناس ظن أن هذه الآية نسخت بآية المواريث، وإنها لم تنسخ، بل هي محكمة فيعطى الحاضر ممن ذُكر من التركة، ولكنه مما تهاون الناس فيها، ولم يعملوا بما فيها، والمتصرف في التركة والمتولي أمرها قسمان: أحدهما: والٍ وارث، كالعصبة مثلًا، وهو الذي يرضخ للحاضرين من أولي القربى واليتامى والمساكين، مما طابت نفسه، ولم يعين فيه شيئا مقدرا، والآخر وال له التصرف ولا يرث، كولي اليتيم، وهو الذي خوطب بقوله: {وقولوا لهم قولا معروفا} يقول: لا أملك لك أن أعطيك شيئًا منه، إنما هو لليتيم، ولو كان لي منه شيء لأعطيتك، وقيل: الخطاب للورثة وحدهم بأن يجمعوا بين الأمرين: الإعطاء والاعتذار عنهم عن القلة، ونحوها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب إعطاء شيء من التركة للحاضرين.
  • علم ابن عباس رضي الله عنهما وتفقهه في الدين.
  • بيان أقسام المتصرفين في التركة، وما الذي يقولونه لمن يحضر القسمة.
  • بيان إحكام الآية، وعدم نسخها.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «في قوله تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ نِكَاحِ الْمَرْغُوبِ فِيهَا لِجَمَالِهَا وَمَالِهَا؛ لِأَجْلِ زُهْدِهِمْ فِيهَا إِذَا كَانَتْ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نِكَاحُ الْيَتِيمَتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ فِي الْعَدْلِ، وَفِي الْحَدِيثِ اعْتِبَارُ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الْمَحْجُورَاتِ، وَأَنَّ غَيْرَهُنَّ يَجُوزُ نِكَاحُهَا بِدُونِ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ هِيَ تَحْتَ حِجْرِهِ، لَكِنْ يَكُونُ الْعَاقِدُ غَيْرَهُ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي النِّكَاحِ، وَفِيهِ جَوَازُ تَزْوِيجِ الْيَتَامَى قَبْلَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّهُنَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا يُقَالُ لَهُنَّ يَتِيمَاتٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أُطْلِقَ اسْتِصْحَابًا لِحَالِهِنَّ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ.

٢ - بَاب ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية

﴿وَبِدَارًا﴾ مُبَادَرَةً، ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أَعْدَدْنَا؛ أَفْعَلْنَا مِنْ الْعَتَادِ

٤٥٧٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مال الْيَتِيمِ، إِذَا كَانَ فَقِيرًا أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ سَاقَ إِلَى قَوْلِهِ: (حَسِيبًا).

قَوْلُهُ: (وَبِدَارًا: مُبَادَرَةً) هُوَ تَفْسِيرُ أَوَّلِ الْآيَةِ الْمُتَرْجَمِ بِهَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ الْإِسْرَافُ: الْإِفْرَاطُ، وَبِدَارًا: مُبَادَرَةً، وَكَأَنَّهُ فَسَّرَ الْمَصْدَرَ بِأَشْهَرَ مِنْهُ، يُقَالُ: بَادَرْتُ بِدَارًا وَمُبَادَرَةً. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَعْنِي يَأْكُلُ مَالَ الْيَتِيمِ، وَيُبَادِرُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ، فَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ.

قَوْلُهُ: (أَعْتَدْنَا: أَعْدَدْنَا، أَفَعَلْنَا مِنَ الْعَتَادِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: اعْتَدَدْنَا: افْتَعَلْنَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَعْتَدْنَا وَأَعْدَدْنَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْعَتِيدَ هُوَ الشَّيْءُ الْمُعَدُّ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ سَهْوًا مِنْ بَعْضِ نُسَّاخِ الْكِتَابِ، وَمَحَلُّهَا بَعْدَ هَذَا قَبْلَ بَابِ ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ، وَأَمَّا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ رَاهْوَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ.

قَوْلُهُ: (فِي مَالِ الْيَتِيمِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فِي وَالِي الْيَتِيمِ، وَالْمُرَادُ بِوَالِي الْيَتِيمِ الْمُتَصَرِّفُ فِي مَالِهِ بِالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَالضَّمِيرُ فِي كَانَ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى يَنْصَرِفُ إِلَى مَصْرِفِ الْمَالِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، وَوَقَعَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِلَفْظِ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُ مَالَهُ، إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ وَفِي الْبَابِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُكْتِبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ، أَفَآكُلُ مِنْ مَالِهِ؟ قَالَ: بِالْمَعْرُوفِ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ.

قَوْلُهُ: (إِذَا كَانَ فَقِيرًا) مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ الْأُجْرَةُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ مَنِ اتَّصَفَ بِالْفَقْرِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْبَحْثَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ: بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ: يَأْكُلُ وَلَا يَكْتَسِي، وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: يَأْكُلُ مَا سَدَّ الْجَوْعَةَ وَوَارَى الْعَوْرَةَ، وَقَدْ مَضَى بَقِيَّةُ نَقْلِ الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْوَصَايَا. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيِّ: يَأْكُلُ وَصِيُّ الْأَب بِالْمَعْرُوفِ، وَأَمَّا قَيِّمُ الْحَاكِمِ فَلَهُ أُجْرَةٌ فَلَا يَأْكُلُ شَيْئًا، وَأَغْرَبَ رَبِيعَةُ فَقَالَ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ، كما جزم به المزِّيُّ كخَلَفٍ، وقيل: هو ابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ (١) بْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن كَانَ﴾) من الأولياء (﴿غَنِيًّا﴾) عن مال اليتيم (﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾) عنه ولا يأكل منه شيئًا (﴿وَمَن كَانَ﴾) منهم (﴿فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]: أَنَّهَا (٢) نَزَلَتْ فِي مَالِ اليَتِيمِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «في والي اليتيم» (إِذَا كَانَ فَقِيرًا أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ) بقدر حاجته؛ بحيث لا يتجاوز أجرة المثل، ولا يَردُّ (٣) إذا أيسر على الصَّحيح عند الشَّافعيَّة، وقيل: يأخذ بالقرض؛ لِمَا رُوِي عن ابن عبَّاسٍ (٤) وغيره نظيره، وعن ابن عبَّاسٍ: يأكل من ماله بالمعروف حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، وقيل: لا يأكل وإن كان فقيرًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] وأجيب بأنَّه عامٌّ، والخاصُّ مقدَّمٌ عليه، لا سيَّما وفي قيد الظُّلم إشعارٌ به، ولفظ الاستعفاف والأكل بالمعروف مشعرٌ أيضًا به، وفي حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه: أنَّ رجلًا سأل رسول الله فقال: ليس لي مالٌ ولي يتيمٌ، فقال: «كُلْ من مال يتيمك غير مسرفٍ ولا مبذِّرٍ ولا متأثِّل مالًا» رواه أحمد وغيره، وقوله: «غير متأثِّلٍ» أي: غير جامعٍ، يقال: مالٌ مؤثَّلٌ، أي: مجموعٌ ذو أصلٍ، وأَثْلَةُ الشَّيءِ: أصلُه.

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه قوله تعالى: (﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾) للتَّركات (﴿أُوْلُواْ الْقُرْبَى

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فِي اليَتَامى} (النِّسَاء: ٣) فَقَالَتْ يَا ابنَ أخْتِي هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حجْرِ وَلِيَّها تُشْرِكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُها وَجَمَالُها فَيُزِيدِ وَلِيُّها أنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقَها فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ فَنُهُوا عنْ أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلَاّ أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أعْلَى سُنتِهنَّ فِي الصِّداقِ فَأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَإنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْدَ هاذِهِ الآيَةَ فَأُنْزِلَ الله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَوْلُ الله تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى {وَترْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ} رَغْبَةُ أحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ قَالَتْ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا عَمَّنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إلَاّ بِالقِسْطِ مِنْ أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذا كُنَّ قَلِيلاتِ المالِ وَالجَمَالِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الأويسي الْمدنِي، وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الشّركَة فِي: بَاب شركَة الْيَتِيم وَأهل الْمِيرَاث فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز الْمَذْكُور. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (تكون فِي حجر وَليهَا) ، أَي: الَّذِي يَلِي مَالهَا. قَوْله: (بِغَيْر أَن يقسط) ، أَي: بِغَيْر أَن يجْبر عَلَيْهَا فِي صَدَاقهَا. وَقد مر أَن معنى: أقسط أعدل، وقسط جَار. قَوْله: (فيعطيها) بِالنّصب لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: (أَن يقسط) قَوْله: (مثل مَا يُعْطِيهَا غَيره) أَي: مِمَّن يرغب فِي نِكَاحهَا سواهُ. قَوْله: (مثل مَا يُعْطِيهَا غَيره) أَي: مِمَّن يرغب فِي نِكَاحهَا سواهُ. قَوْله: (عَن ذَلِك) أَي: عَن ترك الإقساط. قَوْله: (ويبلغوا لَهُنَّ) ويروى: (ويبلغوا بِهن) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (أَعلَى سنتهن) أَي: أَعلَى طريقتهن فِي الصَدَاق وعادتهن فِي ذَلِك. قَوْله: (مَا طَابَ لَهُم) أَي: مَا حل لكم. من قبيل قَوْله تَعَالَى: {انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٢٦٧) وَقيل: طَابَ بِمَعْنى الْمحبَّة والاشتهاء أَي: مَا كُنْتُم تحبون وتشتهون، وَكلمَة مَا فِي الأَصْل لما لَا يعقل، وَقد يُطلق على من يعقل كَمَا فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة. قَوْله: (سواهن) أَي: سوى الْيَتَامَى من النِّسَاء. قَوْله: (قَالَ عُرْوَة. قَالَت عَائِشَة) ، هَذَا مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَترك حرف الْعَطف فِيهِ قَوْله: (بعد هَذِه الْآيَة) أَي: بعد نزُول هَذِه الْآيَة بِهَذِهِ الْقِصَّة، وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْآيَة قَوْله تَعَالَى: {وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا} فَأنْزل الله تَعَالَى {ويستفتونك فِي النِّسَاء قل الله يفتيكم فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب فِي يتامى النِّسَاء} الْآيَة. قَالَت عَائِشَة: وَالَّتِي ذكر الله أَنه يُتْلَى عَلَيْهِم فِي الْكتاب الْآيَة الأولى الَّتِي هِيَ: {وَأَن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا} الْآيَة. قَوْله: (وَقَول الله تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى: وترغبون) . هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة صَالح بن كيسَان الْمَذْكُورَة فِي آيَة أُخْرَى، وَهُوَ خطأ. لِأَن قَوْله تَعَالَى: {وترغبون أَن تنكحوهن} الْآيَة فِي نفس الْآيَة الَّتِي هِيَ: {ويستفتونك فِي النِّسَاء} . قَوْله: (رَغْبَة أحدكُم عَن يتيمته) أَي: كرغبة أحدكُم، وَمعنى الرَّغْبَة هُنَا عدم الْإِرَادَة لِأَن لفظ رغب يسْتَعْمل بصلتين يُقَال: رغب عَنهُ إِذا لم يُرِدْهُ وَرغب فِيهِ إِذا أَرَادَهُ. قَوْله: (حِين تكون) أَي: الْيَتِيمَة قَليلَة المَال وَحَاصِل الْمَعْنى أَن الْيَتِيمَة اذا كَانَت فقيرة وذميمة يعرضون عَن نِكَاحهَا قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فنهوا أَي: نهوا عَن نِكَاح المرغوب فِيهَا لمالها وجمالها لأجل زهدهم فِيهَا إِذا كَانَت قَليلَة المَال وَالْجمال فَيَنْبَغِي أَن يكون نِكَاح الغنية الجميلة وَنِكَاح الفقيرة الذميمة، على السوَاء فِي الْعدْل، وَكَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة تكون عِنْده الْيَتِيمَة فيلقي عَلَيْهَا ثَوْبه فَإِذا فعل ذَلِك لم يقدر أحد أَن يَتَزَوَّجهَا أبدا فَإِن كَانَت جميلَة وهواها تزَوجهَا وَأكل مَالهَا، وَإِن كَانَت ذميمة منعهَا الرِّجَال حَتَّى تَمُوت فَإِذا مَاتَت ورثهَا فَحرم الله ذَلِك وَنهى عَنهُ. وَفِي الحَدِيث اعْتِبَار مهر الْمثل فِي المحجورات وَأَن غَيْرهنَّ يجوز نِكَاحهَا بِدُونِ ذَلِك. وَفِيه أَن للْوَلِيّ أَن يتَزَوَّج من هِيَ تَحت حجره. لَكِن يكون الْعَاقِد غَيره، وَفِيه خلاف مَذْكُور فِي الْفُرُوع: وَفِيه جَوَاز تَزْوِيج الْيَتَامَى قبل الْبلُوغ، لِأَن بعد الْبلُوغ لَا يتم على الْحَقِيقَة.

٢ - (بابٌ: {وَمَنْ كَانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلُ بِالمَعْرُوفِ فَإذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوَالِهِمْ فَأَشْهَدُوا عَلَيْهِمْ} (النِّسَاء: ٦)

لَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ بَاب وَقبل قَوْله: {وَمن كَانَ فَقِيرا وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فَاشْهَدُوا عَلَيْهِم وَكفى بِاللَّه حسيبا} (النِّسَاء: ٦) . وَفِي بعض النّسخ سَاقهَا بِتَمَامِهَا، وَفِي بَعْضهَا اقْتصر على قَوْله الْآيَة يجوز فِيهَا الرّفْع على تَقْدِير: الْآيَة بِتَمَامِهَا، وَيجوز النصب على تَقْدِير: اقْرَأ الْآيَة بِتَمَامِهَا. قَوْله: (وَمن كَانَ غَنِيا) أَي: وَمن كَانَ فِي غنية عَن مَال الْيَتِيم فليستعفف عَنهُ وَلَا يَأْكُل مِنْهُ شَيْئا. قَالَ الشّعبِيّ: هُوَ عَلَيْهِ كالميتة وَالدَّم، وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ، يَعْنِي: بِقدر قِيَامه عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس، منع جمَاعَة من أهل الْعلم الْوَصِيّ من أَخذ شَيْء من مَال الْيَتِيم، قَالَ أَبُو يُوسُف القَاضِي، لَا أَدْرِي: لَعَلَّ هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة. بقوله عز وَجل: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ} (النِّسَاء: ٢٩) فَلَا يحل لأحد أَن يَأْخُذ من مَال الْيَتِيم شَيْئا إِذا كَانَ مَعَه مُقيما فِي الْمصر، فَإِن احْتَاجَ أَن يُسَافر من أَجله فَلهُ أَن يَأْخُذ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا يقتني شَيْئا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَمُحَمّد، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: (وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ: نسخ الظُّلم والاعتداء، ونسخهما. (إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما) . ثمَّ افترق الَّذين قَالُوا بِأَن الْآيَة محكمَة فرقا، فَقَالَ بَعضهم: إِن احْتَاجَ الْوَصِيّ فَلهُ أَن يقترض من مَال الْيَتِيم، فَإِن أيسر قَضَاهُ، وَهَذَا قَول عمر بن الْخطاب وَعبيدَة وَأبي الْعَالِيَة وَسَعِيد بن جُبَير، قَالَ أَبُو جَعْفَر: وَهُوَ قَول جمَاعَة من التَّابِعين وَغَيرهم، وفقهاء الْكُوفِيّين عَلَيْهِ أَيْضا. وَقَالَ أَبُو قلَابَة: (فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ) مِمَّا يجبي من الْغلَّة، فَأَما المَال الناض فَلَيْسَ لَهُ أَن يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا قرضا وَلَا غَيره، وَذهب قوم إِلَى ظَاهر الْآيَة، مِنْهُم: الْحسن الْبَصْرِيّ، فَقَالُوا: لَهُ أَن يَأْكُل مِنْهُ مِقْدَار قوته. وَقَالَ الْحسن: إِذا احْتَاجَ ولي الْيَتِيم أكل بِالْمَعْرُوفِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِذا أيسر قَضَاؤُهُ، وَالْمَعْرُوف قوته، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَقَتَادَة. قَوْله: {فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فَاشْهَدُوا عَلَيْهِم} اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْأَمر. فَقَالَ قوم: هُوَ ندب، فَإِن القَوْل قَول الْوَصِيّ لِأَنَّهُ أَمِين. وَقَالَ آخَرُونَ: وَفرض على ظَاهر الْآيَة لِأَنَّهُ أَمِين الْأَب فَلَا يقبل قَوْله على غَيره أَلا يرى أَن الْوَكِيل إِذا ادّعى أَنه دفع إِلَى زيد مَا أَمر بِهِ لم يقبل قَوْله: إِلَّا بِبَيِّنَة فَكَذَلِك الْوَصِيّ. وَقَالَ عمر بن الْخطاب وَسَعِيد بن جُبَير: هَذَا الْإِشْهَاد إِنَّمَا هُوَ على دفع الْوَصِيّ مَا استقرضه من مَال الْيَتِيم حَال فقره.

وَفِي الْإِشْهَاد مصَالح مِنْهَا: السَّلامَة من الضَّمَان وَالْغُرْم على تَقْدِير إِنْكَار الْيَتِيم. (وَمِنْهَا) : حسم مَادَّة تطرق سوء الظَّن بالولي. (وَمِنْهَا) : امْتِثَال أوَامِر الله عز وَجل فِي الْأَمر بِالْإِشْهَادِ. (وَمِنْهَا) : طيب قلب الْيَتِيم بِزَوَال مَا كَانَ يخشاه من فَوَات مَاله ودوامه تَحت الْحجر.

وَبِدَارا مُبَادَرَةً

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِيهِ أول الْآيَة المترجم بهَا. وَهُوَ قَوْله: {وَلَا تَأْكُلُوهَا إسرافا بدارا أَن يكبروا} وَفسّر: بدارا بقوله مبادرة، يَعْنِي: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَال الْيَتَامَى من غير حَاجَة إسرافا ومبادرة قبل بلوغهم، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إسرافا وبدارا مسرفين ومبادرين كبرهم.

أعْتَدْنَا أعْدَدنا أفْعَلْنَا مِنَ العَتادِ

هَذَا مَحَله فِيمَا سَيَأْتِي قبل قَوْله: {لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها} (النِّسَاء: ١٩) وَقَالَ بَعضهم: وَقعت هَذِه الْكَلِمَة فِي هَذَا الْموضع سَهوا من بعض نساخ الْكتاب. (قلت) : فِيهِ بعد لَا يخفى، وَالظَّاهِر أَنه وَقع من المُصَنّف وَأَشَارَ بقوله: (أَعْتَدْنَا) إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُم عذَابا أَلِيمًا} وَفَسرهُ بقوله: أعددنا، وَأَرَادَ أَن مَعْنَاهُمَا وَاحِد، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة فِي كِتَابه (الْمجَاز) (قلت) : اعتدنا من بَاب الافتعال، وأعددنا من بَاب الْأَفْعَال، وَلِهَذَا قَالَ: فعلنَا من العتاد، بِفَتْح الْعين، وَهُوَ مَا يصلح لكل مَا يَقع من الْأُمُور وَهَذَا الْمَذْكُور هُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: اعتددنا افتعلنا، وَقَالَ بعهم: الأول هُوَ الصَّوَاب. (قلت) : يفهم مِنْهُ أَن رِوَايَة أبي ذَر غير صَوَاب، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الصَّوَاب رِوَايَة أبي ذَر، يعرفهُ من لَهُ يَد فِي علم الصّرْف.

٩٧ - ح دَّثني إسْحَاقُ أخْبَرَنَا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ حدَّثنا هِشَامٌ عَنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْها فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ كَانَ غَنِيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ أنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَالِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ نِكَاحِ الْمَرْغُوبِ فِيهَا لِجَمَالِهَا وَمَالِهَا؛ لِأَجْلِ زُهْدِهِمْ فِيهَا إِذَا كَانَتْ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نِكَاحُ الْيَتِيمَتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ فِي الْعَدْلِ، وَفِي الْحَدِيثِ اعْتِبَارُ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الْمَحْجُورَاتِ، وَأَنَّ غَيْرَهُنَّ يَجُوزُ نِكَاحُهَا بِدُونِ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ هِيَ تَحْتَ حِجْرِهِ، لَكِنْ يَكُونُ الْعَاقِدُ غَيْرَهُ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي النِّكَاحِ، وَفِيهِ جَوَازُ تَزْوِيجِ الْيَتَامَى قَبْلَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّهُنَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا يُقَالُ لَهُنَّ يَتِيمَاتٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أُطْلِقَ اسْتِصْحَابًا لِحَالِهِنَّ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ.

٢ - بَاب ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية

﴿وَبِدَارًا﴾ مُبَادَرَةً، ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أَعْدَدْنَا؛ أَفْعَلْنَا مِنْ الْعَتَادِ

٤٥٧٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مال الْيَتِيمِ، إِذَا كَانَ فَقِيرًا أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ سَاقَ إِلَى قَوْلِهِ: (حَسِيبًا).

قَوْلُهُ: (وَبِدَارًا: مُبَادَرَةً) هُوَ تَفْسِيرُ أَوَّلِ الْآيَةِ الْمُتَرْجَمِ بِهَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ الْإِسْرَافُ: الْإِفْرَاطُ، وَبِدَارًا: مُبَادَرَةً، وَكَأَنَّهُ فَسَّرَ الْمَصْدَرَ بِأَشْهَرَ مِنْهُ، يُقَالُ: بَادَرْتُ بِدَارًا وَمُبَادَرَةً. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَعْنِي يَأْكُلُ مَالَ الْيَتِيمِ، وَيُبَادِرُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ، فَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ.

قَوْلُهُ: (أَعْتَدْنَا: أَعْدَدْنَا، أَفَعَلْنَا مِنَ الْعَتَادِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: اعْتَدَدْنَا: افْتَعَلْنَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَعْتَدْنَا وَأَعْدَدْنَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْعَتِيدَ هُوَ الشَّيْءُ الْمُعَدُّ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ سَهْوًا مِنْ بَعْضِ نُسَّاخِ الْكِتَابِ، وَمَحَلُّهَا بَعْدَ هَذَا قَبْلَ بَابِ ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ، وَأَمَّا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ رَاهْوَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ.

قَوْلُهُ: (فِي مَالِ الْيَتِيمِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فِي وَالِي الْيَتِيمِ، وَالْمُرَادُ بِوَالِي الْيَتِيمِ الْمُتَصَرِّفُ فِي مَالِهِ بِالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَالضَّمِيرُ فِي كَانَ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى يَنْصَرِفُ إِلَى مَصْرِفِ الْمَالِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، وَوَقَعَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِلَفْظِ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُ مَالَهُ، إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ وَفِي الْبَابِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُكْتِبِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ، أَفَآكُلُ مِنْ مَالِهِ؟ قَالَ: بِالْمَعْرُوفِ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ.

قَوْلُهُ: (إِذَا كَانَ فَقِيرًا) مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ الْأُجْرَةُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ مَنِ اتَّصَفَ بِالْفَقْرِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْبَحْثَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ: بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ: يَأْكُلُ وَلَا يَكْتَسِي، وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: يَأْكُلُ مَا سَدَّ الْجَوْعَةَ وَوَارَى الْعَوْرَةَ، وَقَدْ مَضَى بَقِيَّةُ نَقْلِ الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْوَصَايَا. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيِّ: يَأْكُلُ وَصِيُّ الْأَب بِالْمَعْرُوفِ، وَأَمَّا قَيِّمُ الْحَاكِمِ فَلَهُ أُجْرَةٌ فَلَا يَأْكُلُ شَيْئًا، وَأَغْرَبَ رَبِيعَةُ فَقَالَ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ، كما جزم به المزِّيُّ كخَلَفٍ، وقيل: هو ابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ (١) بْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن كَانَ﴾) من الأولياء (﴿غَنِيًّا﴾) عن مال اليتيم (﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾) عنه ولا يأكل منه شيئًا (﴿وَمَن كَانَ﴾) منهم (﴿فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]: أَنَّهَا (٢) نَزَلَتْ فِي مَالِ اليَتِيمِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «في والي اليتيم» (إِذَا كَانَ فَقِيرًا أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ) بقدر حاجته؛ بحيث لا يتجاوز أجرة المثل، ولا يَردُّ (٣) إذا أيسر على الصَّحيح عند الشَّافعيَّة، وقيل: يأخذ بالقرض؛ لِمَا رُوِي عن ابن عبَّاسٍ (٤) وغيره نظيره، وعن ابن عبَّاسٍ: يأكل من ماله بالمعروف حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، وقيل: لا يأكل وإن كان فقيرًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] وأجيب بأنَّه عامٌّ، والخاصُّ مقدَّمٌ عليه، لا سيَّما وفي قيد الظُّلم إشعارٌ به، ولفظ الاستعفاف والأكل بالمعروف مشعرٌ أيضًا به، وفي حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه: أنَّ رجلًا سأل رسول الله فقال: ليس لي مالٌ ولي يتيمٌ، فقال: «كُلْ من مال يتيمك غير مسرفٍ ولا مبذِّرٍ ولا متأثِّل مالًا» رواه أحمد وغيره، وقوله: «غير متأثِّلٍ» أي: غير جامعٍ، يقال: مالٌ مؤثَّلٌ، أي: مجموعٌ ذو أصلٍ، وأَثْلَةُ الشَّيءِ: أصلُه.

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه قوله تعالى: (﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾) للتَّركات (﴿أُوْلُواْ الْقُرْبَى

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فِي اليَتَامى} (النِّسَاء: ٣) فَقَالَتْ يَا ابنَ أخْتِي هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حجْرِ وَلِيَّها تُشْرِكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُها وَجَمَالُها فَيُزِيدِ وَلِيُّها أنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقَها فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ فَنُهُوا عنْ أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلَاّ أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أعْلَى سُنتِهنَّ فِي الصِّداقِ فَأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَإنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْدَ هاذِهِ الآيَةَ فَأُنْزِلَ الله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَوْلُ الله تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى {وَترْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ} رَغْبَةُ أحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ قَالَتْ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا عَمَّنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إلَاّ بِالقِسْطِ مِنْ أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذا كُنَّ قَلِيلاتِ المالِ وَالجَمَالِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الأويسي الْمدنِي، وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الشّركَة فِي: بَاب شركَة الْيَتِيم وَأهل الْمِيرَاث فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز الْمَذْكُور. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (تكون فِي حجر وَليهَا) ، أَي: الَّذِي يَلِي مَالهَا. قَوْله: (بِغَيْر أَن يقسط) ، أَي: بِغَيْر أَن يجْبر عَلَيْهَا فِي صَدَاقهَا. وَقد مر أَن معنى: أقسط أعدل، وقسط جَار. قَوْله: (فيعطيها) بِالنّصب لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: (أَن يقسط) قَوْله: (مثل مَا يُعْطِيهَا غَيره) أَي: مِمَّن يرغب فِي نِكَاحهَا سواهُ. قَوْله: (مثل مَا يُعْطِيهَا غَيره) أَي: مِمَّن يرغب فِي نِكَاحهَا سواهُ. قَوْله: (عَن ذَلِك) أَي: عَن ترك الإقساط. قَوْله: (ويبلغوا لَهُنَّ) ويروى: (ويبلغوا بِهن) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (أَعلَى سنتهن) أَي: أَعلَى طريقتهن فِي الصَدَاق وعادتهن فِي ذَلِك. قَوْله: (مَا طَابَ لَهُم) أَي: مَا حل لكم. من قبيل قَوْله تَعَالَى: {انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٢٦٧) وَقيل: طَابَ بِمَعْنى الْمحبَّة والاشتهاء أَي: مَا كُنْتُم تحبون وتشتهون، وَكلمَة مَا فِي الأَصْل لما لَا يعقل، وَقد يُطلق على من يعقل كَمَا فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة. قَوْله: (سواهن) أَي: سوى الْيَتَامَى من النِّسَاء. قَوْله: (قَالَ عُرْوَة. قَالَت عَائِشَة) ، هَذَا مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَترك حرف الْعَطف فِيهِ قَوْله: (بعد هَذِه الْآيَة) أَي: بعد نزُول هَذِه الْآيَة بِهَذِهِ الْقِصَّة، وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْآيَة قَوْله تَعَالَى: {وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا} فَأنْزل الله تَعَالَى {ويستفتونك فِي النِّسَاء قل الله يفتيكم فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب فِي يتامى النِّسَاء} الْآيَة. قَالَت عَائِشَة: وَالَّتِي ذكر الله أَنه يُتْلَى عَلَيْهِم فِي الْكتاب الْآيَة الأولى الَّتِي هِيَ: {وَأَن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا} الْآيَة. قَوْله: (وَقَول الله تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى: وترغبون) . هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة صَالح بن كيسَان الْمَذْكُورَة فِي آيَة أُخْرَى، وَهُوَ خطأ. لِأَن قَوْله تَعَالَى: {وترغبون أَن تنكحوهن} الْآيَة فِي نفس الْآيَة الَّتِي هِيَ: {ويستفتونك فِي النِّسَاء} . قَوْله: (رَغْبَة أحدكُم عَن يتيمته) أَي: كرغبة أحدكُم، وَمعنى الرَّغْبَة هُنَا عدم الْإِرَادَة لِأَن لفظ رغب يسْتَعْمل بصلتين يُقَال: رغب عَنهُ إِذا لم يُرِدْهُ وَرغب فِيهِ إِذا أَرَادَهُ. قَوْله: (حِين تكون) أَي: الْيَتِيمَة قَليلَة المَال وَحَاصِل الْمَعْنى أَن الْيَتِيمَة اذا كَانَت فقيرة وذميمة يعرضون عَن نِكَاحهَا قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فنهوا أَي: نهوا عَن نِكَاح المرغوب فِيهَا لمالها وجمالها لأجل زهدهم فِيهَا إِذا كَانَت قَليلَة المَال وَالْجمال فَيَنْبَغِي أَن يكون نِكَاح الغنية الجميلة وَنِكَاح الفقيرة الذميمة، على السوَاء فِي الْعدْل، وَكَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة تكون عِنْده الْيَتِيمَة فيلقي عَلَيْهَا ثَوْبه فَإِذا فعل ذَلِك لم يقدر أحد أَن يَتَزَوَّجهَا أبدا فَإِن كَانَت جميلَة وهواها تزَوجهَا وَأكل مَالهَا، وَإِن كَانَت ذميمة منعهَا الرِّجَال حَتَّى تَمُوت فَإِذا مَاتَت ورثهَا فَحرم الله ذَلِك وَنهى عَنهُ. وَفِي الحَدِيث اعْتِبَار مهر الْمثل فِي المحجورات وَأَن غَيْرهنَّ يجوز نِكَاحهَا بِدُونِ ذَلِك. وَفِيه أَن للْوَلِيّ أَن يتَزَوَّج من هِيَ تَحت حجره. لَكِن يكون الْعَاقِد غَيره، وَفِيه خلاف مَذْكُور فِي الْفُرُوع: وَفِيه جَوَاز تَزْوِيج الْيَتَامَى قبل الْبلُوغ، لِأَن بعد الْبلُوغ لَا يتم على الْحَقِيقَة.

٢ - (بابٌ: {وَمَنْ كَانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلُ بِالمَعْرُوفِ فَإذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوَالِهِمْ فَأَشْهَدُوا عَلَيْهِمْ} (النِّسَاء: ٦)

لَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ بَاب وَقبل قَوْله: {وَمن كَانَ فَقِيرا وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فَاشْهَدُوا عَلَيْهِم وَكفى بِاللَّه حسيبا} (النِّسَاء: ٦) . وَفِي بعض النّسخ سَاقهَا بِتَمَامِهَا، وَفِي بَعْضهَا اقْتصر على قَوْله الْآيَة يجوز فِيهَا الرّفْع على تَقْدِير: الْآيَة بِتَمَامِهَا، وَيجوز النصب على تَقْدِير: اقْرَأ الْآيَة بِتَمَامِهَا. قَوْله: (وَمن كَانَ غَنِيا) أَي: وَمن كَانَ فِي غنية عَن مَال الْيَتِيم فليستعفف عَنهُ وَلَا يَأْكُل مِنْهُ شَيْئا. قَالَ الشّعبِيّ: هُوَ عَلَيْهِ كالميتة وَالدَّم، وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ، يَعْنِي: بِقدر قِيَامه عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس، منع جمَاعَة من أهل الْعلم الْوَصِيّ من أَخذ شَيْء من مَال الْيَتِيم، قَالَ أَبُو يُوسُف القَاضِي، لَا أَدْرِي: لَعَلَّ هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة. بقوله عز وَجل: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ} (النِّسَاء: ٢٩) فَلَا يحل لأحد أَن يَأْخُذ من مَال الْيَتِيم شَيْئا إِذا كَانَ مَعَه مُقيما فِي الْمصر، فَإِن احْتَاجَ أَن يُسَافر من أَجله فَلهُ أَن يَأْخُذ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا يقتني شَيْئا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَمُحَمّد، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: (وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ: نسخ الظُّلم والاعتداء، ونسخهما. (إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما) . ثمَّ افترق الَّذين قَالُوا بِأَن الْآيَة محكمَة فرقا، فَقَالَ بَعضهم: إِن احْتَاجَ الْوَصِيّ فَلهُ أَن يقترض من مَال الْيَتِيم، فَإِن أيسر قَضَاهُ، وَهَذَا قَول عمر بن الْخطاب وَعبيدَة وَأبي الْعَالِيَة وَسَعِيد بن جُبَير، قَالَ أَبُو جَعْفَر: وَهُوَ قَول جمَاعَة من التَّابِعين وَغَيرهم، وفقهاء الْكُوفِيّين عَلَيْهِ أَيْضا. وَقَالَ أَبُو قلَابَة: (فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ) مِمَّا يجبي من الْغلَّة، فَأَما المَال الناض فَلَيْسَ لَهُ أَن يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا قرضا وَلَا غَيره، وَذهب قوم إِلَى ظَاهر الْآيَة، مِنْهُم: الْحسن الْبَصْرِيّ، فَقَالُوا: لَهُ أَن يَأْكُل مِنْهُ مِقْدَار قوته. وَقَالَ الْحسن: إِذا احْتَاجَ ولي الْيَتِيم أكل بِالْمَعْرُوفِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِذا أيسر قَضَاؤُهُ، وَالْمَعْرُوف قوته، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَقَتَادَة. قَوْله: {فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فَاشْهَدُوا عَلَيْهِم} اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْأَمر. فَقَالَ قوم: هُوَ ندب، فَإِن القَوْل قَول الْوَصِيّ لِأَنَّهُ أَمِين. وَقَالَ آخَرُونَ: وَفرض على ظَاهر الْآيَة لِأَنَّهُ أَمِين الْأَب فَلَا يقبل قَوْله على غَيره أَلا يرى أَن الْوَكِيل إِذا ادّعى أَنه دفع إِلَى زيد مَا أَمر بِهِ لم يقبل قَوْله: إِلَّا بِبَيِّنَة فَكَذَلِك الْوَصِيّ. وَقَالَ عمر بن الْخطاب وَسَعِيد بن جُبَير: هَذَا الْإِشْهَاد إِنَّمَا هُوَ على دفع الْوَصِيّ مَا استقرضه من مَال الْيَتِيم حَال فقره.

وَفِي الْإِشْهَاد مصَالح مِنْهَا: السَّلامَة من الضَّمَان وَالْغُرْم على تَقْدِير إِنْكَار الْيَتِيم. (وَمِنْهَا) : حسم مَادَّة تطرق سوء الظَّن بالولي. (وَمِنْهَا) : امْتِثَال أوَامِر الله عز وَجل فِي الْأَمر بِالْإِشْهَادِ. (وَمِنْهَا) : طيب قلب الْيَتِيم بِزَوَال مَا كَانَ يخشاه من فَوَات مَاله ودوامه تَحت الْحجر.

وَبِدَارا مُبَادَرَةً

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِيهِ أول الْآيَة المترجم بهَا. وَهُوَ قَوْله: {وَلَا تَأْكُلُوهَا إسرافا بدارا أَن يكبروا} وَفسّر: بدارا بقوله مبادرة، يَعْنِي: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَال الْيَتَامَى من غير حَاجَة إسرافا ومبادرة قبل بلوغهم، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إسرافا وبدارا مسرفين ومبادرين كبرهم.

أعْتَدْنَا أعْدَدنا أفْعَلْنَا مِنَ العَتادِ

هَذَا مَحَله فِيمَا سَيَأْتِي قبل قَوْله: {لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها} (النِّسَاء: ١٩) وَقَالَ بَعضهم: وَقعت هَذِه الْكَلِمَة فِي هَذَا الْموضع سَهوا من بعض نساخ الْكتاب. (قلت) : فِيهِ بعد لَا يخفى، وَالظَّاهِر أَنه وَقع من المُصَنّف وَأَشَارَ بقوله: (أَعْتَدْنَا) إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُم عذَابا أَلِيمًا} وَفَسرهُ بقوله: أعددنا، وَأَرَادَ أَن مَعْنَاهُمَا وَاحِد، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة فِي كِتَابه (الْمجَاز) (قلت) : اعتدنا من بَاب الافتعال، وأعددنا من بَاب الْأَفْعَال، وَلِهَذَا قَالَ: فعلنَا من العتاد، بِفَتْح الْعين، وَهُوَ مَا يصلح لكل مَا يَقع من الْأُمُور وَهَذَا الْمَذْكُور هُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: اعتددنا افتعلنا، وَقَالَ بعهم: الأول هُوَ الصَّوَاب. (قلت) : يفهم مِنْهُ أَن رِوَايَة أبي ذَر غير صَوَاب، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الصَّوَاب رِوَايَة أبي ذَر، يعرفهُ من لَهُ يَد فِي علم الصّرْف.

٩٧ - ح دَّثني إسْحَاقُ أخْبَرَنَا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ حدَّثنا هِشَامٌ عَنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْها فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ كَانَ غَنِيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ أنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَالِ

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.2 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الحمد لله