«﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إِلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٠٠

الحديث رقم ٤٦٠٠ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله ويستفتونك في النساء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن﴾…

«﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ، هُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا، فَأَشْرَكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعِذْقِ، فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا، فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ، فَيَعْضُلُهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ».

﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شِقَاقٌ: تَفَاسُدٌ، ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾: هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ، ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾: لَا هِيَ أَيِّمٌ، وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ، ﴿نُشُوزًا﴾: بُغْضًا.

سند حديث: ٤٦٠٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ…

٤٦٠٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه ، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن﴾…

أخبرت عائشة رضي الله عنها عن سبب نزول هذه الآية، وهي قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} فقالت: تكون المرأة عند الرجل، لا يريد كثرة الصحبة منها، ويريد مفارقتها إما لكبرها أو لدمامتها أو لسوء خلقها أو لكثرة شرها أو غير ذلك، فتقول المرأة: أتركك من شأني في حِل، أي من حقوق الزوجية وتتركني بغير طلاق، فأنزل الله تعالى في أمر هذه المرأة: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا} أي: وإن خافت امرأة من زوجها تجافيا عنها وترفعا عن صحبتها كراهة لها ومنعا لحقوقها، {أو إعراضا} بأن يقل مجالستها ومحادثتها، فإذا كان كذلك: {فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا} وهو أن يقبل منها ما تسقطه من حقها من نفقة أو كسوة أو مبيت عندها أو غير ذلك من حقوقها عليه، فلا جناح عليها في بذلها له ذلك، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال: {فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا} ثم قال: {والصلح خير} أي: من الفراق.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان سبب نزول الآية الشريفة.
  • جواز إسقاط المرأة جزءًا من حقوقها لزوجها وبقاءها معه.
  • الصلح خير من الفراق.
  • يسر الشريعة في مراعاة مصالح الأزواج.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن﴾…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِسَبَبِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمَطَرِ أَوِ الْمَرَضِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأَخْذِ الْحَذَرِ خَشْيَةَ أَنْ يَغْفُلُوا فَيَهْجُمَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ.

٢٣ بَاب ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾.

٤٦٠٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عن أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا، فَأَشْرَكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ، فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا، فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلُهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلَهُ عَنْ غَيْرِ الْمُسْتَمْلِي: بَابُ يَسْتَفْتُونَكَ وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ: بَابُ وَقَوْلُهُ: يَسْتَفْتُونَكَ أَيْ: يَطْلُبُونَ الْفُتْيَا، أَوِ الْفَتْوَى، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، أَيْ: جَوَابُ السُّؤَالِ عَنِ الْحَادِثَةِ الَّتِي تُشْكِلُ عَلَى السَّائِلِ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْفَتْيِ، وَمِنْهُ الْفَتَى وَهُوَ الشَّابُّ الْقَوِيُّ.

ثم ذكر حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ فَتُشْرِكُهُ فِي مَالِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلَ هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: كَانَ لِجَابِرِ بِنْتُ عَمٍّ دَمِيمَةٌ وَلَهَا مَالٌ وَرِثَتْهُ عَنْ أَبِيهَا، وَكَانَ جَابِرٌ يَرْغَبُ عَنْ نِكَاحِهَا وَلَا يُنْكِحُهَا خَشْيَةَ أَنْ يَذْهَبَ الزَّوْجُ بِمَالِهَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ.

٢٤ - بَاب ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شِقَاقٌ: تَفَاسُدٌ، ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قال: هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ، ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ لَا هِيَ أَيِّمٌ وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ، ﴿نُشُوزًا﴾ بُغْضًا

٤٦٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتْ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ بَابٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شِقَاقٌ: تَفَاسُدٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الشِّقَاقُ: الْعَدَاوَةُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَعَادِيَيْنِ فِي شِقٍّ خِلَافَ شِقِّ صَاحِبِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قَالَ: هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ لَا هِيَ أَيِّمٌ وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ قَالَ: لَا هِيَ أَيِّمٌ وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ، انْتَهَى، وَالْأَيِّمُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ هِيَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا.

قَوْلُهُ: ﴿نُشُوزًا﴾ بُغْضًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ قَالَ: يَعْنِي الْبُغْضَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الجارِّ، وأمَّا المعنى فلأنَّه يلزم أن يكون الإفتاء في شأن المتلوِّ مع أنَّه ليس السُّؤال عنه.

٤٦٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مصغَّرًا، أبو محمَّدٍ القرشيُّ الهبَّاريُّ الكوفيُّ، واسمه: عبد الله، وعبيد لقبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) وسقط «قال» لغير أبي ذرٍّ (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (٢) بالإفراد «أبي» (عَنْ عَائِشَةَ ) في قوله تعالى: (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾) سقطت الواو لأبي (٣) ذرٍّ (٤) (﴿قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ … ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]) أي: في نكاحهنَّ (قَالَتْ عائِشَةُ) وسقط لغير أبي ذرٍّ «عائشة» (هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا) القائم بأمورها (وَوَارِثُهَا، فَأَشْرَكَتْهُ) بفتح الهمزة والرَّاء، ولأبي ذرٍّ: «فتَشرَكه» بفتح التَّاء والرَّاء (فِي مَالِهِ حَتَّى فِي العَذْقِ) بفتح العين وسكون المعجمة، أي: في النَّخلة، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «في العِذق» بكسر العين، أي: في الكباسة وهي (٥) عنقود التَّمر (فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا) أي: عن نكاحها (وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا) غيره (فَيَشْرَكُهُ) أي: الرَّجل الذي يتزوَّجها (فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ) أي: بالذي شركته فيه (فَيَعْضُلَهَا) بضمِّ الضاد المعجمة، نُصِب عطفًا على المنصوب السَّابق، وكذا «فيشركها»، ويجوز رفعها عطفًا على «يرغب» (٦) و «يكره» أي: يمنعها من التزوُّج، وروى ابن أبي حاتمٍ من طريق السُّدِّيِّ قال: «كان لجابرٍ بنتُ عمٍّ دميمةٌ، ولها مالٌ ورثته عن أبيها، وكان جابرٌ

يرغب عن نكاحها، ولا يُنكحِها خشية أن يذهب الزَّوج بمالها، فسأل النَّبيَّ عن ذلك» (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ).

وهذا الحديث سبق في «باب ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾» أوَّل هذه السُّورة [خ¦٤٥٧٤].

(٢٤) (﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا﴾) أي: زوجها (﴿نُشُوزًا﴾) بأن يتجافى عنها ويمنعها نفقته ونفسه، أو يؤذيها بشتمٍ أو ضربٍ (﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]) بتقليل المحادثة والمؤانسة بسبب طعنٍ في سنٍّ أو دمامةٍ أو غيرهما، و ﴿امْرَأَةٌ﴾: فاعلٌ بفعلٍ مضمرٍ واجب الإضمار، وهو من باب الاشتغال، والتَّقدير: وإن خافت امرأة خافت، ولا يجوز رفعه بالابتداء؛ لأنَّ أداة الشَّرط لا يليها إلَّا الفعل عند جمهور البصريِّين.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: (﴿شِقَاقَ﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] أي: (تَفَاسُدٌ) وأصل الشِّقاق: المخالفة وكون كلِّ واحدٍ من المتخالفين في شقٍّ غير صاحبه، ومحلُّ ذكر هذه الآية قبلُ على ما لا يخفى.

(﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]) قال الإمام: المعنى: أنَّ الشُّحَّ جُعِل كالأمر المجاور للنُّفوس اللَّازم لها؛ يعني: أنَّ النُّفوس مطبوعةٌ على الشُّحِّ، وهذا معنى قول «الكشَّاف»: إنَّ الشُّحَّ قد جُعِل حاضرًا لها لا يغيب عنها أبدًا ولا تنفكُّ عنه؛ يعني: أنَّها مطبوعةٌ عليه، فالمرأة (١) لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرَّجل لا تكاد نفسه تسمح (٢) بأن يقسم لها وأن يُمسِكها إذا رغب عنها وأحبَّ غيرها، وجملة ﴿وَأُحْضِرَتِ﴾ كقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾: اعتراضٌ، قال أبو حيَّان: كأنَّه يريد أنَّ قوله: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا﴾ معطوفٌ على قوله: ﴿فَلَا جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا﴾ (٣) فجاءت الجملتان بينهما

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَهُوَ الشَّاب الْقوي، فالمفتي يُقَوي كَلَامه فِيمَا أشكل فِيهِ فَيصير فتيا قَوِيا. قَوْله: {قل الله يفتيكم فِيهِنَّ} (النِّسَاء: ١٢٧) ، أَي: فِي توريثهن، وَكَانَت الْعَرَب لَا تورث النِّسَاء وَالصبيان. قَوْله: (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب) ، أُرِيد بِهِ مَا ذكر قبل هَذِه الْآيَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فأنكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء} (النِّسَاء: ٣) الْآيَة. وَالَّذِي كتب فِي النِّسَاء هُوَ قَوْله تَعَالَى: {فِي يتامى النِّسَاء الرتي لَا تؤتونهن مَا كتب لَهُنَّ} الْآيَة.

٢٤ - (بَاب: {وَإنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلَها نُشُوزا أوْ إعْراضا} (النِّسَاء: ١٢٨)

كَذَا وَقع عِنْد جَمِيع الروَاة بِغَيْر ذكر لفظ: بَاب، وَوَقع فِي بعض النّسخ، فَالظَّاهِر أَنه من بعض النّسخ. قَوْله: (وَإِن امْرَأَة خَافت) أَي: إِن خَافت امْرَأَة من بَعْلهَا أَي: من زَوجهَا. قَوْله: (نُشُوزًا) وَهُوَ الترفع عَنْهَا وَمنع النَّفَقَة وَترك الْمَوَدَّة الَّتِي بَين الرجل وَالْمَرْأَة وإيذاؤها بسب أَو ضرب أَو نَحْو ذَلِك، قَوْله: (وإعراضا) أَي: وخافت إعْرَاضًا، وَهُوَ أَن يعرض عَنْهَا بِأَن يقل محادثتها ومؤانستها وَذَلِكَ لبَعض الْأَسْبَاب من طعن فِي سنّ أَو سيء فِي خلق أَو خلق أَو دمامة أَو ملال أَو طموح عين إِلَى أُخْرَى أَو غير ذَلِك، وَجَوَابه قَوْله: (فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصالحا بَينهمَا صلحا) وَالصُّلْح بَينهمَا أَن يتصالحا على أَن تطيب لَهُ نفسا عَن الْقِسْمَة أَو عَن بَعْضهَا كَمَا فعلت سَوْدَة بنت زَمعَة حِين كرهت أَن يفارقها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعرفت مَكَان عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عِنْده، فَوهبت لَهَا يَوْمهَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وقرىء: (تصالحا) وتصالحا، بِمَعْنى يتصالحا ويصطلحا. ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى: {وَالصُّلْح خير} أَي: من الْفِرَاق.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ شِقاقٌ تَفَاسُدٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن خِفْتُمْ شقَاق بَينهمَا} (النِّسَاء: ٣٥) أَي: بَين الزَّوْجَيْنِ، وَذكر عَن ابْن عَبَّاس بِالتَّعْلِيقِ أَنه فسر الشقاق الْمَذْكُور فِي الْآيَة بالمفاسد، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الشقاق الْعَدَاوَة لِأَن كلاًّ من المتعاديين فِي شقّ خلاف صَاحبه، وَكَانَ مَوضِع ذكر هَذَا فِيمَا قبل، على مَا لَا يخفى.

وَأَحْضِرَتِ الأَنْفَسُ الشُحِّ هَوَاهُ فِي الشَيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ كَالمُعَلَقَةِ لَا هِيَ أيْمٌ وَلا ذَاتَ زَوْجٍ.

أَشَارَ بقوله: (وأحضرت الْأَنْفس الشُّح) إِلَى أَنه هُوَ الْمَذْكُور بعد قَوْله تَعَالَى: {الصُّلْح خبر} ثمَّ فسره بقوله: هَوَاهُ، فِي الشَّيْء يحرص عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَرْوِيّ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة وَيُقَال: الشُّح الْبُخْل مَعَ الْحِرْص، وَقيل: الإفراط فِي الْحِرْص. قَوْله: (كالمعلقة) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فنذروها كالمعلقة} (النِّسَاء: ٢٩) أَي: كَالْمَرْأَةِ الْمُعَلقَة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِسَبَبِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمَطَرِ أَوِ الْمَرَضِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأَخْذِ الْحَذَرِ خَشْيَةَ أَنْ يَغْفُلُوا فَيَهْجُمَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ.

٢٣ بَاب ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾.

٤٦٠٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عن أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا، فَأَشْرَكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ، فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا، فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلُهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلَهُ عَنْ غَيْرِ الْمُسْتَمْلِي: بَابُ يَسْتَفْتُونَكَ وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ: بَابُ وَقَوْلُهُ: يَسْتَفْتُونَكَ أَيْ: يَطْلُبُونَ الْفُتْيَا، أَوِ الْفَتْوَى، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، أَيْ: جَوَابُ السُّؤَالِ عَنِ الْحَادِثَةِ الَّتِي تُشْكِلُ عَلَى السَّائِلِ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْفَتْيِ، وَمِنْهُ الْفَتَى وَهُوَ الشَّابُّ الْقَوِيُّ.

ثم ذكر حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ فَتُشْرِكُهُ فِي مَالِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلَ هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَوْفًى، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: كَانَ لِجَابِرِ بِنْتُ عَمٍّ دَمِيمَةٌ وَلَهَا مَالٌ وَرِثَتْهُ عَنْ أَبِيهَا، وَكَانَ جَابِرٌ يَرْغَبُ عَنْ نِكَاحِهَا وَلَا يُنْكِحُهَا خَشْيَةَ أَنْ يَذْهَبَ الزَّوْجُ بِمَالِهَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ.

٢٤ - بَاب ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شِقَاقٌ: تَفَاسُدٌ، ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قال: هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ، ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ لَا هِيَ أَيِّمٌ وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ، ﴿نُشُوزًا﴾ بُغْضًا

٤٦٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتْ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ بَابٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شِقَاقٌ: تَفَاسُدٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الشِّقَاقُ: الْعَدَاوَةُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَعَادِيَيْنِ فِي شِقٍّ خِلَافَ شِقِّ صَاحِبِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قَالَ: هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ لَا هِيَ أَيِّمٌ وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ قَالَ: لَا هِيَ أَيِّمٌ وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ، انْتَهَى، وَالْأَيِّمُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ هِيَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا.

قَوْلُهُ: ﴿نُشُوزًا﴾ بُغْضًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ قَالَ: يَعْنِي الْبُغْضَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الجارِّ، وأمَّا المعنى فلأنَّه يلزم أن يكون الإفتاء في شأن المتلوِّ مع أنَّه ليس السُّؤال عنه.

٤٦٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مصغَّرًا، أبو محمَّدٍ القرشيُّ الهبَّاريُّ الكوفيُّ، واسمه: عبد الله، وعبيد لقبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) وسقط «قال» لغير أبي ذرٍّ (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (٢) بالإفراد «أبي» (عَنْ عَائِشَةَ ) في قوله تعالى: (﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾) سقطت الواو لأبي (٣) ذرٍّ (٤) (﴿قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ … ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]) أي: في نكاحهنَّ (قَالَتْ عائِشَةُ) وسقط لغير أبي ذرٍّ «عائشة» (هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا) القائم بأمورها (وَوَارِثُهَا، فَأَشْرَكَتْهُ) بفتح الهمزة والرَّاء، ولأبي ذرٍّ: «فتَشرَكه» بفتح التَّاء والرَّاء (فِي مَالِهِ حَتَّى فِي العَذْقِ) بفتح العين وسكون المعجمة، أي: في النَّخلة، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «في العِذق» بكسر العين، أي: في الكباسة وهي (٥) عنقود التَّمر (فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا) أي: عن نكاحها (وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا) غيره (فَيَشْرَكُهُ) أي: الرَّجل الذي يتزوَّجها (فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ) أي: بالذي شركته فيه (فَيَعْضُلَهَا) بضمِّ الضاد المعجمة، نُصِب عطفًا على المنصوب السَّابق، وكذا «فيشركها»، ويجوز رفعها عطفًا على «يرغب» (٦) و «يكره» أي: يمنعها من التزوُّج، وروى ابن أبي حاتمٍ من طريق السُّدِّيِّ قال: «كان لجابرٍ بنتُ عمٍّ دميمةٌ، ولها مالٌ ورثته عن أبيها، وكان جابرٌ

يرغب عن نكاحها، ولا يُنكحِها خشية أن يذهب الزَّوج بمالها، فسأل النَّبيَّ عن ذلك» (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ).

وهذا الحديث سبق في «باب ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾» أوَّل هذه السُّورة [خ¦٤٥٧٤].

(٢٤) (﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا﴾) أي: زوجها (﴿نُشُوزًا﴾) بأن يتجافى عنها ويمنعها نفقته ونفسه، أو يؤذيها بشتمٍ أو ضربٍ (﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]) بتقليل المحادثة والمؤانسة بسبب طعنٍ في سنٍّ أو دمامةٍ أو غيرهما، و ﴿امْرَأَةٌ﴾: فاعلٌ بفعلٍ مضمرٍ واجب الإضمار، وهو من باب الاشتغال، والتَّقدير: وإن خافت امرأة خافت، ولا يجوز رفعه بالابتداء؛ لأنَّ أداة الشَّرط لا يليها إلَّا الفعل عند جمهور البصريِّين.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: (﴿شِقَاقَ﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] أي: (تَفَاسُدٌ) وأصل الشِّقاق: المخالفة وكون كلِّ واحدٍ من المتخالفين في شقٍّ غير صاحبه، ومحلُّ ذكر هذه الآية قبلُ على ما لا يخفى.

(﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]) قال الإمام: المعنى: أنَّ الشُّحَّ جُعِل كالأمر المجاور للنُّفوس اللَّازم لها؛ يعني: أنَّ النُّفوس مطبوعةٌ على الشُّحِّ، وهذا معنى قول «الكشَّاف»: إنَّ الشُّحَّ قد جُعِل حاضرًا لها لا يغيب عنها أبدًا ولا تنفكُّ عنه؛ يعني: أنَّها مطبوعةٌ عليه، فالمرأة (١) لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرَّجل لا تكاد نفسه تسمح (٢) بأن يقسم لها وأن يُمسِكها إذا رغب عنها وأحبَّ غيرها، وجملة ﴿وَأُحْضِرَتِ﴾ كقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾: اعتراضٌ، قال أبو حيَّان: كأنَّه يريد أنَّ قوله: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا﴾ معطوفٌ على قوله: ﴿فَلَا جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا﴾ (٣) فجاءت الجملتان بينهما

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَهُوَ الشَّاب الْقوي، فالمفتي يُقَوي كَلَامه فِيمَا أشكل فِيهِ فَيصير فتيا قَوِيا. قَوْله: {قل الله يفتيكم فِيهِنَّ} (النِّسَاء: ١٢٧) ، أَي: فِي توريثهن، وَكَانَت الْعَرَب لَا تورث النِّسَاء وَالصبيان. قَوْله: (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب) ، أُرِيد بِهِ مَا ذكر قبل هَذِه الْآيَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فأنكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء} (النِّسَاء: ٣) الْآيَة. وَالَّذِي كتب فِي النِّسَاء هُوَ قَوْله تَعَالَى: {فِي يتامى النِّسَاء الرتي لَا تؤتونهن مَا كتب لَهُنَّ} الْآيَة.

٢٤ - (بَاب: {وَإنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلَها نُشُوزا أوْ إعْراضا} (النِّسَاء: ١٢٨)

كَذَا وَقع عِنْد جَمِيع الروَاة بِغَيْر ذكر لفظ: بَاب، وَوَقع فِي بعض النّسخ، فَالظَّاهِر أَنه من بعض النّسخ. قَوْله: (وَإِن امْرَأَة خَافت) أَي: إِن خَافت امْرَأَة من بَعْلهَا أَي: من زَوجهَا. قَوْله: (نُشُوزًا) وَهُوَ الترفع عَنْهَا وَمنع النَّفَقَة وَترك الْمَوَدَّة الَّتِي بَين الرجل وَالْمَرْأَة وإيذاؤها بسب أَو ضرب أَو نَحْو ذَلِك، قَوْله: (وإعراضا) أَي: وخافت إعْرَاضًا، وَهُوَ أَن يعرض عَنْهَا بِأَن يقل محادثتها ومؤانستها وَذَلِكَ لبَعض الْأَسْبَاب من طعن فِي سنّ أَو سيء فِي خلق أَو خلق أَو دمامة أَو ملال أَو طموح عين إِلَى أُخْرَى أَو غير ذَلِك، وَجَوَابه قَوْله: (فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصالحا بَينهمَا صلحا) وَالصُّلْح بَينهمَا أَن يتصالحا على أَن تطيب لَهُ نفسا عَن الْقِسْمَة أَو عَن بَعْضهَا كَمَا فعلت سَوْدَة بنت زَمعَة حِين كرهت أَن يفارقها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعرفت مَكَان عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عِنْده، فَوهبت لَهَا يَوْمهَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وقرىء: (تصالحا) وتصالحا، بِمَعْنى يتصالحا ويصطلحا. ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى: {وَالصُّلْح خير} أَي: من الْفِرَاق.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ شِقاقٌ تَفَاسُدٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن خِفْتُمْ شقَاق بَينهمَا} (النِّسَاء: ٣٥) أَي: بَين الزَّوْجَيْنِ، وَذكر عَن ابْن عَبَّاس بِالتَّعْلِيقِ أَنه فسر الشقاق الْمَذْكُور فِي الْآيَة بالمفاسد، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الشقاق الْعَدَاوَة لِأَن كلاًّ من المتعاديين فِي شقّ خلاف صَاحبه، وَكَانَ مَوضِع ذكر هَذَا فِيمَا قبل، على مَا لَا يخفى.

وَأَحْضِرَتِ الأَنْفَسُ الشُحِّ هَوَاهُ فِي الشَيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ كَالمُعَلَقَةِ لَا هِيَ أيْمٌ وَلا ذَاتَ زَوْجٍ.

أَشَارَ بقوله: (وأحضرت الْأَنْفس الشُّح) إِلَى أَنه هُوَ الْمَذْكُور بعد قَوْله تَعَالَى: {الصُّلْح خبر} ثمَّ فسره بقوله: هَوَاهُ، فِي الشَّيْء يحرص عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَرْوِيّ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة وَيُقَال: الشُّح الْبُخْل مَعَ الْحِرْص، وَقيل: الإفراط فِي الْحِرْص. قَوْله: (كالمعلقة) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فنذروها كالمعلقة} (النِّسَاء: ٢٩) أَي: كَالْمَرْأَةِ الْمُعَلقَة

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.2 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل