الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٩١
الحديث رقم ٤٥٩١ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا السلم والسلم والسلام واحد.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾
٤٥٩١ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
روى ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} هذه قراءة ابن عباس وجماعة من القراء؛ السلام بألف، يعنون به التحية، وقرأه جماعة أخرى السلم بغير ألف يعنون بذلك الصلح، فقال: كان رجل يسوق غنمًا له، فتتبَّعه المسلمون، فسلم عليهم الرجل، فظنُّوا أنه كافرٌ يريد أن يخدعهم بالسلام، فقتلوه وأخذوا غنمه القليل، فأنزل الله في ذلك الآية إلى قوله: {تبتغون عرض الحياة الدنيا} وفسّر ابن عباس أن عرض الحياة الدنيا هي تلك الغنيمة، فتبين أن الواجب معاملة الناس بالظاهر، وعدم الدخول في النوايا والمقاصد، فهي بينه وبين الله تعالى، وإنما تُبلى السرائر يوم الدين.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ يُقَالُ: نَزَلَتْ فِي مِقْيَسِ بْنِ ضبَابَةَ. وَكَانَ أَسْلَمَ هُوَ وَأَخُوهُ هِشَامٌ، فَقَتَلَ هِشَامًا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ غِيلَةً فَلَمْ يُعْرَفْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا إِلَى مِقْيَسٍ دِيَةَ أَخِيهِ فَفَعَلُوا، فَأَخَذَ الدِّيَةَ وَقَتَلَ الرَّسُولَ وَلَحِقَ بِمَكَّةَ مُرْتَدًّا، فَنَزَلَتْ فِيهِ، وَهُوَ مِمَّنْ أَهْدَرَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ: (شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) لِشُعْبَةَ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ وَهُوَ مَنْصُورٌ، كَمَا سَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ.
قَوْلُهُ: (آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا) سَقَطَ لَفْظُ آيَةٍ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِيهِ فِي الْفُرْقَانِ، وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْفُرْقَانِ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ، فَدَخَلْتُ فِيهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَرَحَلْتُ بِالرَّاءِ وَالْمُهْمَلَةِ وَهِيَ أَصْوَبُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ أَيْ: فِي شَأْنِ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا بِالنِّسْبَةِ لِآيَةِ الْفُرْقَانِ.
١٧ - بَاب ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ السَّلَمُ وَالسَّلَامُ وَالسِّلْمُ وَاحِدٌ
٤٥٩١ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ تِلْكَ الْغُنَيْمَةُ. قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّلَامَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ السَّلَمُ وَالسَّلَامُ وَالسِّلْمُ وَاحِدٌ) يَعْنِي أَنَّ الْأَوَّلَ بِفَتْحَتَيْنِ، وَالثَّالِثَ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ، فَالْأَوَّلُ قِرَاءَةُ نَافِعٍ، وَابْنِ عَامِرٍ، وَحَمْزَةَ، وَالثَّانِي قِرَاءَةُ الْبَاقِينَ، وَالثَّالِثُ قِرَاءَةٌ رُوِيَتْ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ. وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ، فَأَمَّا الثَّانِي فَمِنَ التَّحِيَّةِ، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَمِنَ الِانْقِيَادِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ كَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ) بِالتَّصْغِيرِ، وَفِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ يَسُوقُ غَنَمًا لَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (فَقَتَلُوهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ: وَقَالُوا: مَا سَلَّمَ عَلَيْنَا إِلَّا لِيَتَعَوَّذَ مِنَّا.
قَوْلُهُ: (وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ) فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ: وَأَتَوْا بِغَنَمِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ قِصَّةً أُخْرَى قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فِيهَا الْمِقْدَادُ، فَلَمَّا أَتَوُا الْقَوْمَ وَجَدُوهُمْ قَدْ تَفَرَّقُوا، وَبَقِيَ رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَتَلَهُ الْمِقْدَادُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: كَيْفَ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ غَدًا. وَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَيُسْتَفَادُ مِنْهَا تَسْمِيَةُ الْقَاتِلِ، وَأَمَّا الْمَقْتُولُ فَرَوَى الثَّعْلَبِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ نَحْوَهُ وَاللَّفْظُ لِلْكَلْبِيِّ، أَنَّ اسْمَ الْمَقْتُولِ مِرْدَاسُ بْنُ نَهَيْكٍ مِنْ أَهْلِ فَدَكَ، وَأَنَّ اسْمَ الْقَاتِلِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَنَّ اسْمَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ غَالِبُ بْنُ فَضَالَةِ اللَّيْثِيُّ، وَأَنَّ قَوْمَ مِرْدَاسٍ لَمَّا انْهَزَمُوا بَقِيَ هُوَ وَحْدَهُ، وَكَانَ أَلْجَأَ غَنَمَهُ بِجَبَلٍ، فَلَمَّا لَحِقُوهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا رَجَعُوا نَزَلَتِ الْآيَةُ، وَكَذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٧) هذا (١) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ (٢) لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]) اللام في ﴿لِمَنْ﴾ للتَّبليغ، و «مَنْ»: موصولةٌ أو موصوفةٌ، و ﴿أَلْقَى﴾: ماضي اللَّفظ لكنَّه بمعنى المستقبل، أي: لمن يُلقِي؛ لأنَّ النَّهي لا يكون عمَّا انقضى، أي: لا تقولوا لمن حيَّاكم (٣) بتحيَّة السَّلام (٤) إنَّه إنَّما قالها تعوُّذًا، فتُقْدِموا عليه بالسَّيف؛ لتأخذوا ماله، ولكن كفُّوا واقبلوا منه ما أظهر (٥) لكم.
(السِّلْمُ) بكسر السِّين وسكون اللَّام، وهي قراءة رُويت (٦) عن عاصم بن أبي (٧) النَّجود (وَالسَّلَمُ) بفتحهما من غير ألفٍ، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وحمزة، وفي «الفرع»: «و (السَّلْم)» بسكون اللَّام بعد فتحٍ، ورُوِي عن عاصمٍ الجحدريِّ (وَالسَّلامُ) بفتحهما ثم ألفٌ، وهي قراءة الباقين: (وَاحِدٌ) أي: في المعنى، وهو الاستسلام والانقياد، واستعمال ذي الألف في التحيَّة (٨) أكثر.
٤٥٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) في قوله تعالى: (﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]) قَالَ عطاءٌ: (قَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَجُلٌ) هو عامر بن الأضبط (فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ) بضمِّ الغين، وفتح النُّون، تصغير غَنَمٍ (فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ) وكانوا في سريَّةٍ (فَقَالَ) أي: الرَّجل لهم: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وعند أحمد والتِّرمذيِّ من طريق سِمَاك عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: «قالوا (١): ما سلَّم علينا إلَّا ليتعوَّذ منَّا» (فَقَتَلُوهُ) وكان الذي قتله مُحلِّم بن جَثَّامة، كما ذكره البغويُّ في «معجم الصَّحابة»، وكان أمير السَّرية أبو قتادة، كذا (٢) نقله في «المقدِّمة» وكذا رواه ابن إسحاق في «المغازي» وأحمد من طريقه عن عبد الله بن أبي (٣) حدردٍ الأسلميِّ، بلفظ (٤): «بعثنا رسول الله ﷺ في نفرٍ من المسلمين، فيهم أبو قتادة ومُحلِّم بن جثَّامة، فمرَّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعيُّ فسلَّم علينا، فحمل عليه مُحلِّم فقتله» (وَأَخَذُوا (٥) غُنَيْمَتَهُ) وفي رواية سِمَاك: «وأتوا بغنمه (٦) النَّبيَّ ﷺ» (فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ) يعني: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [النساء: ٩٤] ولأبي ذرٍّ: «وذلك» (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ (٧)﴾) ولأبي ذرٍّ: «إلى قوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ﴾» (﴿الدُّنْيَا﴾) أي: حطامها؛ وهو (تِلْكَ الغُنَيْمَةُ) وروى الثَّعلبيُّ من طريق الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ اسم المقتول مِرْداس -بكسر الميم، وسكون الرَّاء وبالمهملتين- ابن نَهِيك -بفتح النُّون وكسر الهاء آخره كافٌ قبلها تحتيَّةٌ ساكنةٌ- من أهل
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قَالَ: بعث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، محلم بن جثامة مَعنا فَلَقِيَهُمْ عَامر بن الأضبط الحَدِيث، إِلَى أَن قَالَ: فَرَمَاهُ بِسَهْم فَقتله، فجَاء الْخَبَر إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: فجَاء محلم فِي بردين فَجَلَسَ بَين يَدي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليَسْتَغْفِر لَهُ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لأستغفر الله لَك) ، فَقَامَ وَهُوَ يتلَقَّى دموع ببرديه، فَمَا مَضَت لَهُ سَاعَة حَتَّى مَاتَ ودفنوه ولفظته الأَرْض، فجاؤوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكرُوا لَهُ ذَلِك فَقَالَ: إِن الأَرْض تقبل من هُوَ شَرّ من صَاحبكُم وَلَكِن الله أَرَادَ أَن يعظكم من جريمتكم. ثمَّ طرحوه فِي جبل وألقوا عَلَيْهِ من الْحِجَارَة، وَنزلت: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله} (النِّسَاء: ٩٤) الْآيَة. وَقَالَ السُّهيْلي: ثمَّ مَاتَ محلم بإثر ذَلِك فَلم تقبله الأَرْض مرَارًا. فألقي بَين جبلين. قَالَ: وَكَانَ أَمِير السّريَّة أَبَا الدَّرْدَاء، وَقيل رجل اسْمه فديك، وَقَالَ أَبُو عمر: مرداس بن نهيك الْفَزارِيّ. فِيهِ نزلت: {وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا} كَانَ يرْعَى غنما لَهُ، فهجمت عَلَيْهِ سَرِيَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وفيهَا أُسَامَة بن زيد وأميرها سَلمَة بن الْأَكْوَع، فَلَقِيَهُ أُسَامَة فَألْقى إِلَيْهِ السَّلَام، وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا مُؤمن، فَحسب أُسَامَة أَنه ألْقى إِلَيْهِ السَّلَام مُتَعَوِّذًا، فَقتله فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهِ: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله فَتَبَيَّنُوا} الْآيَة. وَقَالَ أَبُو عمر: الِاخْتِلَاف فِي المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة كثير مُضْطَرب فِيهِ جدا، قيل: نزلت فِي الْمِقْدَاد، وَقيل: نزلت فِي أُسَامَة بن زيد، وَقيل: فِي محلم بن جثامة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: نزلت فِي سَرِيَّة وَلم يسم أحدا، وَقيل: نزلت فِي غَالب اللَّيْثِيّ، وَقيل: نزلت فِي رجل من بني اللَّيْث يُقَال لَهُ: فليت كَانَ على السّريَّة، وَقيل: نزلت فِي أبي الدَّرْدَاء، وَهَذَا اضْطِرَاب شَدِيد جدا. وَمَعْلُوم أَن قَتله كَانَ خطأ لَا عمدا لِأَن قَاتله لم يصدقهُ فِي قَوْله: أَنا مُؤمن، وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ الْحَنَفِيّ رَحمَه الله، فِي هَذِه الْآيَة حكم الله تَعَالَى بِصِحَّة إِسْلَام من أظهر الْإِسْلَام وأمرنا بإجرائه على أَحْكَام الْمُسلمين وَإِن كَانَ فِي الْغَيْب بِخِلَافِهِ، وَهَذَا مِمَّا يحْتَج بِهِ على تَوْبَة الزنديق إِذا أظهر الْإِسْلَام فَهُوَ مُسلم. قَالَ: وَاقْتضى ذَلِك أَيْضا أَن من قَالَ: لَا إلاه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو قَالَ أَنا مُسلم، يحكم لَهُ بِالْإِسْلَامِ.
قَالَ قَرَأَ ابنُ عَبَّاسٍ السَّلامَ
أَي: قَالَ عَطاء الْمَذْكُور فِي الحَدِيث. قَرَأَ ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام} وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وروى عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن يحيى بن عبيد عَن مُحَمَّد عَن ابْن عَبَّاس: أَنه كَانَ يقْرَأ السَّلَام بِالْألف.
١٨ - (بابُ قَوْلِهِ: {لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله} (النِّسَاء: ٩٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي} إِلَى آخِره وَهَذَا الْمِقْدَار الْمَذْكُور من الْآيَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ) الْآيَة.
٤٥٩٢ - ح دَّثنا إسُمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ بنِ كَيْسَانَ عنِ ابنِ شِهاب قَالَ حدَّثني سَهْلُ بنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ أنَّهُ رَأى مَرْوَانَ بنَ الحَكَمِ فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إلَى جَنْبِهِ فَأخْبَرَنَا أنَّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ أخْبَرَهُ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمْلَى عَلَيْهِ {لَا يَسْتَوِي
القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} و {المُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله} فَجَاءَهُ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّها عَلَيَّ قَالَ يَا رَسُولَ الله وَالله لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ أعْمَى فَأنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أنَّ تَرُضَّ فَخِذُي ثُمَّ سُرِّي عَنْهُ فَأنْزَلَ الله غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد الزُّهْرِيّ عَن صَالح بن كيسَان إِلَى آخِره.
وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَهُوَ صَالح بن كيسَان فَإِنَّهُ تَابِعِيّ رأى عبد الله بن عَمْرو أَنه يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَهُوَ يروي عَن سهل بن سعد وَهُوَ صَحَابِيّ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن التَّابِعِيّ لِأَن سهلاً صَحَابِيّ ومروان تَابِعِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ. فِي هَذَا الحَدِيث رِوَايَة رجل من الصَّحَابَة، وَهُوَ سهل بن سعد عَن رجل من التَّابِعين وَهُوَ مَرْوَان بن الحكم، وَلم يسمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ بَعضهم: لَا يلْزم من عدم السماع عدم الصُّحْبَة. وَقد ذكره ابْن عبد الْبر فِي الصَّحَابَة انْتهى. قلت: وَلَو ذكره فِي كتاب (الِاسْتِيعَاب) فِي: بَاب مَرْوَان، وَلكنه قَالَ: لم ير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ خرج إِلَى الطَّائِف طفْلا لَا يعقل، وَقد ثَبت عَنهُ أَنه قَالَ لما طلب الْخلَافَة فَذكرُوا لَهُ ابْن عمر، فَقَالَ: لَيْسَ ابْن عمر بأفقه مني، وَلكنه أسنّ مني، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة. فَهَذَا اعْتِرَاف مِنْهُ بِعَدَمِ الصُّحْبَة.
قَوْله: (ابْن أم مَكْتُوم) ، واسْمه عبد الله، وَقيل: عَمْرو، وَجَاء فِي رِوَايَة قبيصَة عَن زيد بن ثَابت، (فجَاء عبد الله بن أم مَكْتُوم) ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْبَراء (جَاءَ عَمْرو بن أم مَكْتُوم) . وَاسم أَبِيه: زَائِدَة، وَأم مَكْتُوم أمه وَاسْمهَا: عَاتِكَة. قَوْله: (وَهُوَ يملها) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم وَتَشْديد اللَّام، وَأَصلهَا يمللها كَمَا فِي قَوْله: {وليملل الَّذِي عَلَيْهِ الْحق} (الْبَقَرَة: ٣٨٢) فنقلت كسرة اللَّام إِلَى الْمِيم وأدغمت فِي اللَّام الثَّانِيَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَفِي حَدِيث زيد أَنه أمْلى عَلَيْهِ {وَلَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} يُقَال: أمللت الْكتاب وأمليته إِذا أَلقيته على الْكَاتِب ليكتبه. قَوْله: (أَن ترض) ، بتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ الدق. قَوْله: (ثمَّ سري) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة أَي: انْكَشَفَ عَنهُ. قَوْله: (غير أولي الضَّرَر) ، وَهُوَ الْعَمى، وَاخْتلف الْقُرَّاء فِي إِعْرَاب، غير، فَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم بِالرَّفْع على الْبَدَل من الْقَاعِدُونَ، وَقَرَأَ الْأَعْمَش بِالْجَرِّ على الصّفة للْمُؤْمِنين، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء.
٤٥٩٣ - ح دَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحاقَ عنِ البَرَاءِ رَضِي الله عنهُ قَالَ لَمَا نَزَلَتْ {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنينَ} دَعَا رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَيْدا فَكَتَبَها فَجَاءَ ابنُ أُمِّ مَكّتُومٍ فَشَكَا ضَرَارَتَهُ فَأَنْزَلَ الله {غَيْرَ أُولِي الضَرَرِ} .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، والبراء بن عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب قَول الله {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن الْبَراء إِلَى آخِره نَحْو قَوْله (عَن أبي اسحاق عَن الْبَراء) وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن ابي اسحاق انه سمع الْبَراء أخرجه احْمَد عَنهُ وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أبي سِنَان الشَّيْبَانِيّ عَن أبي إِسْحَاق عَن زيد بن أَرقم، وَالْمَحْفُوظ عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء فِي رِوَايَة الشَّيْخَيْنِ، وَأَبُو سِنَان اسْمه: ضرار بن مرّة، وَهُوَ أَيْضا ثِقَة.
٤٥٩٤ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوَلِي الضَّرَرِ قَال النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ادْعُوا فُلانا فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أوْ الكَتِفَ فَقَال اكْتُبْ {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} و {المُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله} وَخَلْفَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ يَا رَسُولِ اللهأنَا ضَرِيرٌ فَنَزَلَتْ مكَانَها {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنينَ غَيْرَ أُوَلِي الضَرَرِ وَالمجاهدُونَ فِي سَبِيلِ الله} .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث الْبَراء أخرجه عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس عَن جده أبي إِسْحَاق الْمَذْكُور فِيمَا قبله.
قَوْله: (فلَانا) ، هُوَ زيد بن ثَابت، وَقد صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة. قَوْله: (أَو الْكَتف) ، شكّ من الرَّاوِي وَكَانُوا يَكْتُبُونَ على الألواح والأكتاف. قَوْله: (وَخلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ابْن أم مَكْتُوم) مَعْنَاهُ: جلس خلف
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ يُقَالُ: نَزَلَتْ فِي مِقْيَسِ بْنِ ضبَابَةَ. وَكَانَ أَسْلَمَ هُوَ وَأَخُوهُ هِشَامٌ، فَقَتَلَ هِشَامًا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ غِيلَةً فَلَمْ يُعْرَفْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا إِلَى مِقْيَسٍ دِيَةَ أَخِيهِ فَفَعَلُوا، فَأَخَذَ الدِّيَةَ وَقَتَلَ الرَّسُولَ وَلَحِقَ بِمَكَّةَ مُرْتَدًّا، فَنَزَلَتْ فِيهِ، وَهُوَ مِمَّنْ أَهْدَرَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ: (شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) لِشُعْبَةَ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ وَهُوَ مَنْصُورٌ، كَمَا سَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ.
قَوْلُهُ: (آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا) سَقَطَ لَفْظُ آيَةٍ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِيهِ فِي الْفُرْقَانِ، وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْفُرْقَانِ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ، فَدَخَلْتُ فِيهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَرَحَلْتُ بِالرَّاءِ وَالْمُهْمَلَةِ وَهِيَ أَصْوَبُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ أَيْ: فِي شَأْنِ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا بِالنِّسْبَةِ لِآيَةِ الْفُرْقَانِ.
١٧ - بَاب ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ السَّلَمُ وَالسَّلَامُ وَالسِّلْمُ وَاحِدٌ
٤٥٩١ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ تِلْكَ الْغُنَيْمَةُ. قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّلَامَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ السَّلَمُ وَالسَّلَامُ وَالسِّلْمُ وَاحِدٌ) يَعْنِي أَنَّ الْأَوَّلَ بِفَتْحَتَيْنِ، وَالثَّالِثَ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ، فَالْأَوَّلُ قِرَاءَةُ نَافِعٍ، وَابْنِ عَامِرٍ، وَحَمْزَةَ، وَالثَّانِي قِرَاءَةُ الْبَاقِينَ، وَالثَّالِثُ قِرَاءَةٌ رُوِيَتْ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ. وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ، فَأَمَّا الثَّانِي فَمِنَ التَّحِيَّةِ، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَمِنَ الِانْقِيَادِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ كَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ) بِالتَّصْغِيرِ، وَفِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ يَسُوقُ غَنَمًا لَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (فَقَتَلُوهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ: وَقَالُوا: مَا سَلَّمَ عَلَيْنَا إِلَّا لِيَتَعَوَّذَ مِنَّا.
قَوْلُهُ: (وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ) فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ: وَأَتَوْا بِغَنَمِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ قِصَّةً أُخْرَى قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فِيهَا الْمِقْدَادُ، فَلَمَّا أَتَوُا الْقَوْمَ وَجَدُوهُمْ قَدْ تَفَرَّقُوا، وَبَقِيَ رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَتَلَهُ الْمِقْدَادُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: كَيْفَ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ غَدًا. وَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَيُسْتَفَادُ مِنْهَا تَسْمِيَةُ الْقَاتِلِ، وَأَمَّا الْمَقْتُولُ فَرَوَى الثَّعْلَبِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ نَحْوَهُ وَاللَّفْظُ لِلْكَلْبِيِّ، أَنَّ اسْمَ الْمَقْتُولِ مِرْدَاسُ بْنُ نَهَيْكٍ مِنْ أَهْلِ فَدَكَ، وَأَنَّ اسْمَ الْقَاتِلِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَنَّ اسْمَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ غَالِبُ بْنُ فَضَالَةِ اللَّيْثِيُّ، وَأَنَّ قَوْمَ مِرْدَاسٍ لَمَّا انْهَزَمُوا بَقِيَ هُوَ وَحْدَهُ، وَكَانَ أَلْجَأَ غَنَمَهُ بِجَبَلٍ، فَلَمَّا لَحِقُوهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا رَجَعُوا نَزَلَتِ الْآيَةُ، وَكَذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٧) هذا (١) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ (٢) لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]) اللام في ﴿لِمَنْ﴾ للتَّبليغ، و «مَنْ»: موصولةٌ أو موصوفةٌ، و ﴿أَلْقَى﴾: ماضي اللَّفظ لكنَّه بمعنى المستقبل، أي: لمن يُلقِي؛ لأنَّ النَّهي لا يكون عمَّا انقضى، أي: لا تقولوا لمن حيَّاكم (٣) بتحيَّة السَّلام (٤) إنَّه إنَّما قالها تعوُّذًا، فتُقْدِموا عليه بالسَّيف؛ لتأخذوا ماله، ولكن كفُّوا واقبلوا منه ما أظهر (٥) لكم.
(السِّلْمُ) بكسر السِّين وسكون اللَّام، وهي قراءة رُويت (٦) عن عاصم بن أبي (٧) النَّجود (وَالسَّلَمُ) بفتحهما من غير ألفٍ، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وحمزة، وفي «الفرع»: «و (السَّلْم)» بسكون اللَّام بعد فتحٍ، ورُوِي عن عاصمٍ الجحدريِّ (وَالسَّلامُ) بفتحهما ثم ألفٌ، وهي قراءة الباقين: (وَاحِدٌ) أي: في المعنى، وهو الاستسلام والانقياد، واستعمال ذي الألف في التحيَّة (٨) أكثر.
٤٥٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) في قوله تعالى: (﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]) قَالَ عطاءٌ: (قَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَجُلٌ) هو عامر بن الأضبط (فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ) بضمِّ الغين، وفتح النُّون، تصغير غَنَمٍ (فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ) وكانوا في سريَّةٍ (فَقَالَ) أي: الرَّجل لهم: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وعند أحمد والتِّرمذيِّ من طريق سِمَاك عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: «قالوا (١): ما سلَّم علينا إلَّا ليتعوَّذ منَّا» (فَقَتَلُوهُ) وكان الذي قتله مُحلِّم بن جَثَّامة، كما ذكره البغويُّ في «معجم الصَّحابة»، وكان أمير السَّرية أبو قتادة، كذا (٢) نقله في «المقدِّمة» وكذا رواه ابن إسحاق في «المغازي» وأحمد من طريقه عن عبد الله بن أبي (٣) حدردٍ الأسلميِّ، بلفظ (٤): «بعثنا رسول الله ﷺ في نفرٍ من المسلمين، فيهم أبو قتادة ومُحلِّم بن جثَّامة، فمرَّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعيُّ فسلَّم علينا، فحمل عليه مُحلِّم فقتله» (وَأَخَذُوا (٥) غُنَيْمَتَهُ) وفي رواية سِمَاك: «وأتوا بغنمه (٦) النَّبيَّ ﷺ» (فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ) يعني: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [النساء: ٩٤] ولأبي ذرٍّ: «وذلك» (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ (٧)﴾) ولأبي ذرٍّ: «إلى قوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ﴾» (﴿الدُّنْيَا﴾) أي: حطامها؛ وهو (تِلْكَ الغُنَيْمَةُ) وروى الثَّعلبيُّ من طريق الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ اسم المقتول مِرْداس -بكسر الميم، وسكون الرَّاء وبالمهملتين- ابن نَهِيك -بفتح النُّون وكسر الهاء آخره كافٌ قبلها تحتيَّةٌ ساكنةٌ- من أهل
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قَالَ: بعث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، محلم بن جثامة مَعنا فَلَقِيَهُمْ عَامر بن الأضبط الحَدِيث، إِلَى أَن قَالَ: فَرَمَاهُ بِسَهْم فَقتله، فجَاء الْخَبَر إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: فجَاء محلم فِي بردين فَجَلَسَ بَين يَدي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليَسْتَغْفِر لَهُ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لأستغفر الله لَك) ، فَقَامَ وَهُوَ يتلَقَّى دموع ببرديه، فَمَا مَضَت لَهُ سَاعَة حَتَّى مَاتَ ودفنوه ولفظته الأَرْض، فجاؤوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكرُوا لَهُ ذَلِك فَقَالَ: إِن الأَرْض تقبل من هُوَ شَرّ من صَاحبكُم وَلَكِن الله أَرَادَ أَن يعظكم من جريمتكم. ثمَّ طرحوه فِي جبل وألقوا عَلَيْهِ من الْحِجَارَة، وَنزلت: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله} (النِّسَاء: ٩٤) الْآيَة. وَقَالَ السُّهيْلي: ثمَّ مَاتَ محلم بإثر ذَلِك فَلم تقبله الأَرْض مرَارًا. فألقي بَين جبلين. قَالَ: وَكَانَ أَمِير السّريَّة أَبَا الدَّرْدَاء، وَقيل رجل اسْمه فديك، وَقَالَ أَبُو عمر: مرداس بن نهيك الْفَزارِيّ. فِيهِ نزلت: {وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا} كَانَ يرْعَى غنما لَهُ، فهجمت عَلَيْهِ سَرِيَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وفيهَا أُسَامَة بن زيد وأميرها سَلمَة بن الْأَكْوَع، فَلَقِيَهُ أُسَامَة فَألْقى إِلَيْهِ السَّلَام، وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا مُؤمن، فَحسب أُسَامَة أَنه ألْقى إِلَيْهِ السَّلَام مُتَعَوِّذًا، فَقتله فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهِ: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله فَتَبَيَّنُوا} الْآيَة. وَقَالَ أَبُو عمر: الِاخْتِلَاف فِي المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة كثير مُضْطَرب فِيهِ جدا، قيل: نزلت فِي الْمِقْدَاد، وَقيل: نزلت فِي أُسَامَة بن زيد، وَقيل: فِي محلم بن جثامة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: نزلت فِي سَرِيَّة وَلم يسم أحدا، وَقيل: نزلت فِي غَالب اللَّيْثِيّ، وَقيل: نزلت فِي رجل من بني اللَّيْث يُقَال لَهُ: فليت كَانَ على السّريَّة، وَقيل: نزلت فِي أبي الدَّرْدَاء، وَهَذَا اضْطِرَاب شَدِيد جدا. وَمَعْلُوم أَن قَتله كَانَ خطأ لَا عمدا لِأَن قَاتله لم يصدقهُ فِي قَوْله: أَنا مُؤمن، وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ الْحَنَفِيّ رَحمَه الله، فِي هَذِه الْآيَة حكم الله تَعَالَى بِصِحَّة إِسْلَام من أظهر الْإِسْلَام وأمرنا بإجرائه على أَحْكَام الْمُسلمين وَإِن كَانَ فِي الْغَيْب بِخِلَافِهِ، وَهَذَا مِمَّا يحْتَج بِهِ على تَوْبَة الزنديق إِذا أظهر الْإِسْلَام فَهُوَ مُسلم. قَالَ: وَاقْتضى ذَلِك أَيْضا أَن من قَالَ: لَا إلاه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو قَالَ أَنا مُسلم، يحكم لَهُ بِالْإِسْلَامِ.
قَالَ قَرَأَ ابنُ عَبَّاسٍ السَّلامَ
أَي: قَالَ عَطاء الْمَذْكُور فِي الحَدِيث. قَرَأَ ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام} وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وروى عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن يحيى بن عبيد عَن مُحَمَّد عَن ابْن عَبَّاس: أَنه كَانَ يقْرَأ السَّلَام بِالْألف.
١٨ - (بابُ قَوْلِهِ: {لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله} (النِّسَاء: ٩٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي} إِلَى آخِره وَهَذَا الْمِقْدَار الْمَذْكُور من الْآيَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ) الْآيَة.
٤٥٩٢ - ح دَّثنا إسُمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ بنِ كَيْسَانَ عنِ ابنِ شِهاب قَالَ حدَّثني سَهْلُ بنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ أنَّهُ رَأى مَرْوَانَ بنَ الحَكَمِ فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إلَى جَنْبِهِ فَأخْبَرَنَا أنَّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ أخْبَرَهُ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمْلَى عَلَيْهِ {لَا يَسْتَوِي
القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} و {المُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله} فَجَاءَهُ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّها عَلَيَّ قَالَ يَا رَسُولَ الله وَالله لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ أعْمَى فَأنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أنَّ تَرُضَّ فَخِذُي ثُمَّ سُرِّي عَنْهُ فَأنْزَلَ الله غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد الزُّهْرِيّ عَن صَالح بن كيسَان إِلَى آخِره.
وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَهُوَ صَالح بن كيسَان فَإِنَّهُ تَابِعِيّ رأى عبد الله بن عَمْرو أَنه يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَهُوَ يروي عَن سهل بن سعد وَهُوَ صَحَابِيّ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن التَّابِعِيّ لِأَن سهلاً صَحَابِيّ ومروان تَابِعِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ. فِي هَذَا الحَدِيث رِوَايَة رجل من الصَّحَابَة، وَهُوَ سهل بن سعد عَن رجل من التَّابِعين وَهُوَ مَرْوَان بن الحكم، وَلم يسمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ بَعضهم: لَا يلْزم من عدم السماع عدم الصُّحْبَة. وَقد ذكره ابْن عبد الْبر فِي الصَّحَابَة انْتهى. قلت: وَلَو ذكره فِي كتاب (الِاسْتِيعَاب) فِي: بَاب مَرْوَان، وَلكنه قَالَ: لم ير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ خرج إِلَى الطَّائِف طفْلا لَا يعقل، وَقد ثَبت عَنهُ أَنه قَالَ لما طلب الْخلَافَة فَذكرُوا لَهُ ابْن عمر، فَقَالَ: لَيْسَ ابْن عمر بأفقه مني، وَلكنه أسنّ مني، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة. فَهَذَا اعْتِرَاف مِنْهُ بِعَدَمِ الصُّحْبَة.
قَوْله: (ابْن أم مَكْتُوم) ، واسْمه عبد الله، وَقيل: عَمْرو، وَجَاء فِي رِوَايَة قبيصَة عَن زيد بن ثَابت، (فجَاء عبد الله بن أم مَكْتُوم) ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْبَراء (جَاءَ عَمْرو بن أم مَكْتُوم) . وَاسم أَبِيه: زَائِدَة، وَأم مَكْتُوم أمه وَاسْمهَا: عَاتِكَة. قَوْله: (وَهُوَ يملها) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم وَتَشْديد اللَّام، وَأَصلهَا يمللها كَمَا فِي قَوْله: {وليملل الَّذِي عَلَيْهِ الْحق} (الْبَقَرَة: ٣٨٢) فنقلت كسرة اللَّام إِلَى الْمِيم وأدغمت فِي اللَّام الثَّانِيَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَفِي حَدِيث زيد أَنه أمْلى عَلَيْهِ {وَلَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} يُقَال: أمللت الْكتاب وأمليته إِذا أَلقيته على الْكَاتِب ليكتبه. قَوْله: (أَن ترض) ، بتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ الدق. قَوْله: (ثمَّ سري) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة أَي: انْكَشَفَ عَنهُ. قَوْله: (غير أولي الضَّرَر) ، وَهُوَ الْعَمى، وَاخْتلف الْقُرَّاء فِي إِعْرَاب، غير، فَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم بِالرَّفْع على الْبَدَل من الْقَاعِدُونَ، وَقَرَأَ الْأَعْمَش بِالْجَرِّ على الصّفة للْمُؤْمِنين، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء.
٤٥٩٣ - ح دَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحاقَ عنِ البَرَاءِ رَضِي الله عنهُ قَالَ لَمَا نَزَلَتْ {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنينَ} دَعَا رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَيْدا فَكَتَبَها فَجَاءَ ابنُ أُمِّ مَكّتُومٍ فَشَكَا ضَرَارَتَهُ فَأَنْزَلَ الله {غَيْرَ أُولِي الضَرَرِ} .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، والبراء بن عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب قَول الله {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن الْبَراء إِلَى آخِره نَحْو قَوْله (عَن أبي اسحاق عَن الْبَراء) وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن ابي اسحاق انه سمع الْبَراء أخرجه احْمَد عَنهُ وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أبي سِنَان الشَّيْبَانِيّ عَن أبي إِسْحَاق عَن زيد بن أَرقم، وَالْمَحْفُوظ عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء فِي رِوَايَة الشَّيْخَيْنِ، وَأَبُو سِنَان اسْمه: ضرار بن مرّة، وَهُوَ أَيْضا ثِقَة.
٤٥٩٤ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوَلِي الضَّرَرِ قَال النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ادْعُوا فُلانا فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أوْ الكَتِفَ فَقَال اكْتُبْ {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} و {المُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله} وَخَلْفَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ يَا رَسُولِ اللهأنَا ضَرِيرٌ فَنَزَلَتْ مكَانَها {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنينَ غَيْرَ أُوَلِي الضَرَرِ وَالمجاهدُونَ فِي سَبِيلِ الله} .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث الْبَراء أخرجه عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس عَن جده أبي إِسْحَاق الْمَذْكُور فِيمَا قبله.
قَوْله: (فلَانا) ، هُوَ زيد بن ثَابت، وَقد صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة. قَوْله: (أَو الْكَتف) ، شكّ من الرَّاوِي وَكَانُوا يَكْتُبُونَ على الألواح والأكتاف. قَوْله: (وَخلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ابْن أم مَكْتُوم) مَعْنَاهُ: جلس خلف