الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٩٢
الحديث رقم ٤٥٩٢ من كتاب «سورة النساء» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٤٨⦘
يُمِلُّهَا عَلَيَّ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ. وَكَانَ أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾.»
٤٥٩٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ، وَفِي آخِرِ رِوَايَةِ قَتَادَةَ: لِأَنَّ تَحِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ السَّلَامُ بِهَا يَتَعَارَفُونَ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ فِي مِرْدَاسٍ وَهَذَا شَاهِدٌ حَسَنٌ.
وَوَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْءٌ آخَرُ، فَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، وَمُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ، فَمَرَّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمٌ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا، وَزَادَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ عَامِرٍ، وَمُحَلِّمٍ عَدَاوَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهَذِهِ عِنْدِي قِصَّةٌ أُخْرَى، وَلَا مَانِعَ أَنْ تَنْزِلَ الْآيَةُ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا. قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: (قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّلَامَ) هُوَ مَقُولُ عَطَاءٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّهَا قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ شَيْئًا مِنْ عَلَامَاتِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَحِلَّ دَمُهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ أَمْرُهُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ تَحِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ تَحِيَّتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَكَانَتْ هَذِهِ عَلَامَةً. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ السَّلَمِ عَلَى اخْتِلَافِ ضَبْطِهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الِانْقِيَادُ، وَهُوَ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِسْلَامِ فِي اللُّغَةِ الِانْقِيَادُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِجْرَاءُ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى تَفَاصِيلَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٨ - بَاب ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
٤٥٩٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمْلَى عَلَيْهِ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهْوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ - وَكَانَ أَعْمَى - فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾
٤٥٩٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا فَكَتَبَهَا فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَشَكَا ضَرَارَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ "
٤٥٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي ﷺ: "ادْعُوا فُلَانًا فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أَوْ الْكَتِفُ فَقَالَ اكْتُبْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَخَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فدكٍ، وأنَّ اسم القاتل أسامة بن زيدٍ، وأنَّ اسم أمير السَّريَّة غالب بن فضالة الكعبيُّ، وأنَّ قوم مِرْداس لمَّا انهزموا؛ بقي وحده، وكان أَلجأَ غنمه إلى جبلٍ، فلمَّا لحقوه (١)؛ قال: لا إله إلا الله محمَّدٌ رسول الله، السَّلام عليكم، فقتله أسامة بن زيدٍ، فلمَّا رجعوا نزلت الآية، وأخرج عبد بن حميدٍ من طريق قتادة نحوه، وكذا الطَّبريُّ من طريق السُّدِّيِّ، ولا مانع من التَّعدُّد ونزول الآية مرَّتين.
(قَالَ) عطاء بن أبي رباحٍ: (قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (﴿السَّلَامَ﴾) بألفٍ بعد اللَّام المفتوحة، وهو موصولٌ بالإسناد السَّابق.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في آخر كتابه، وأبو داود في «الحروب»، والنَّسائيُّ في «السِّير» و «التَّفسير».
(١٨) هذا (٢) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ (٣)﴾ [النساء: ٩٥]) كذا في الفرع وأصله وغيرهما بإسقاط: «﴿غَيْرُ (٤) أُوْلِي الضَّرَرِ﴾» وثبت ذلك في بعضها، ولأبي ذرٍّ: «﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ … ﴾ الآية» وسقط ما بعد ذلك.
٤٥٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ
بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، التَّابعيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) الصَّحابيُّ (أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ) بن أبي العاص التَّابعيَّ (فِي المَسْجِدِ) قال: (فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا) بفتح الرَّاء (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمْلَى عَلَيْهِ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ﴾) بدون ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] (فَجَاءَهُ) ﵊ (ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عبدُ الله أو عمرٌو، واسم أبيه: زائدة (وَهْوَ) ﷺ (يُمِلُّهَا) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الميم وتشديد اللَّام، أي: يُلقِي الآية (عَلَيَّ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ (١) أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ) فخذه من ثقل الوحي (حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضَّ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الرَّاء وتشديد الضَّاد المعجمة (٢)، وفي (٣) الفرع كأصله: «تَرُضَّ» (٤) بفتح التَّاء وضمِّ الرَّاء (٥)، أي: تُدقَّ (فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ) بضمِّ المهملة وتشديد الرَّاء المكسورة، انكشف (عَنْهُ) وأزيل، يقال: سروت الثَّوب وسريته إذا خلعته، والتَّشديد فيه للمبالغة، أي: أُزِيل عنه ما نزل به من بُرَحَاء الوحي (فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾) بالحركات الثَّلاث في ﴿غَيْرُ﴾ بالنَّصب نافعٌ وابن عامرٍ والكسائيُّ على الاستثناء أو على (٦) الحال، وبالرَّفع ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو وحمزة وعاصم على الصِّفة لـ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ لأنَّ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ غير معيَّنٍ، فهو مثل قوله:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ، وَفِي آخِرِ رِوَايَةِ قَتَادَةَ: لِأَنَّ تَحِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ السَّلَامُ بِهَا يَتَعَارَفُونَ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ فِي مِرْدَاسٍ وَهَذَا شَاهِدٌ حَسَنٌ.
وَوَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْءٌ آخَرُ، فَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، وَمُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ، فَمَرَّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمٌ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا، وَزَادَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ عَامِرٍ، وَمُحَلِّمٍ عَدَاوَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهَذِهِ عِنْدِي قِصَّةٌ أُخْرَى، وَلَا مَانِعَ أَنْ تَنْزِلَ الْآيَةُ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا. قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: (قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّلَامَ) هُوَ مَقُولُ عَطَاءٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّهَا قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ شَيْئًا مِنْ عَلَامَاتِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَحِلَّ دَمُهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ أَمْرُهُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ تَحِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ تَحِيَّتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَكَانَتْ هَذِهِ عَلَامَةً. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ السَّلَمِ عَلَى اخْتِلَافِ ضَبْطِهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الِانْقِيَادُ، وَهُوَ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِسْلَامِ فِي اللُّغَةِ الِانْقِيَادُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِجْرَاءُ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى تَفَاصِيلَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٨ - بَاب ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
٤٥٩٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمْلَى عَلَيْهِ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهْوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ - وَكَانَ أَعْمَى - فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾
٤٥٩٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا فَكَتَبَهَا فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَشَكَا ضَرَارَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ "
٤٥٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي ﷺ: "ادْعُوا فُلَانًا فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أَوْ الْكَتِفُ فَقَالَ اكْتُبْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَخَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فدكٍ، وأنَّ اسم القاتل أسامة بن زيدٍ، وأنَّ اسم أمير السَّريَّة غالب بن فضالة الكعبيُّ، وأنَّ قوم مِرْداس لمَّا انهزموا؛ بقي وحده، وكان أَلجأَ غنمه إلى جبلٍ، فلمَّا لحقوه (١)؛ قال: لا إله إلا الله محمَّدٌ رسول الله، السَّلام عليكم، فقتله أسامة بن زيدٍ، فلمَّا رجعوا نزلت الآية، وأخرج عبد بن حميدٍ من طريق قتادة نحوه، وكذا الطَّبريُّ من طريق السُّدِّيِّ، ولا مانع من التَّعدُّد ونزول الآية مرَّتين.
(قَالَ) عطاء بن أبي رباحٍ: (قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (﴿السَّلَامَ﴾) بألفٍ بعد اللَّام المفتوحة، وهو موصولٌ بالإسناد السَّابق.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في آخر كتابه، وأبو داود في «الحروب»، والنَّسائيُّ في «السِّير» و «التَّفسير».
(١٨) هذا (٢) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ (٣)﴾ [النساء: ٩٥]) كذا في الفرع وأصله وغيرهما بإسقاط: «﴿غَيْرُ (٤) أُوْلِي الضَّرَرِ﴾» وثبت ذلك في بعضها، ولأبي ذرٍّ: «﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ … ﴾ الآية» وسقط ما بعد ذلك.
٤٥٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ
بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، التَّابعيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) الصَّحابيُّ (أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ) بن أبي العاص التَّابعيَّ (فِي المَسْجِدِ) قال: (فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا) بفتح الرَّاء (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمْلَى عَلَيْهِ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ﴾) بدون ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] (فَجَاءَهُ) ﵊ (ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عبدُ الله أو عمرٌو، واسم أبيه: زائدة (وَهْوَ) ﷺ (يُمِلُّهَا) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الميم وتشديد اللَّام، أي: يُلقِي الآية (عَلَيَّ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ (١) أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ) فخذه من ثقل الوحي (حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضَّ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الرَّاء وتشديد الضَّاد المعجمة (٢)، وفي (٣) الفرع كأصله: «تَرُضَّ» (٤) بفتح التَّاء وضمِّ الرَّاء (٥)، أي: تُدقَّ (فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ) بضمِّ المهملة وتشديد الرَّاء المكسورة، انكشف (عَنْهُ) وأزيل، يقال: سروت الثَّوب وسريته إذا خلعته، والتَّشديد فيه للمبالغة، أي: أُزِيل عنه ما نزل به من بُرَحَاء الوحي (فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾) بالحركات الثَّلاث في ﴿غَيْرُ﴾ بالنَّصب نافعٌ وابن عامرٍ والكسائيُّ على الاستثناء أو على (٦) الحال، وبالرَّفع ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو وحمزة وعاصم على الصِّفة لـ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ لأنَّ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ غير معيَّنٍ، فهو مثل قوله: