الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٢٣
الحديث رقم ٤٧٢٣ من كتاب «سورة بني إسرائيل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
سُورَةُ الْكَهْفِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ تَتْرُكُهُمْ ﴿وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ﴾ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: جَمَاعَةُ الثَّمَرِ، ﴿بَاخِعٌ﴾ مُهْلِكٌ، ﴿أَسَفًا﴾ نَدَمًا، الْكَهْفُ الْفَتْحُ فِي الْجَبَلِ، ﴿وَالرَّقِيمُ﴾ الْكِتَابُ، مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ، رَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا، ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، ﴿شَطَطًا﴾ إِفْرَاطًا، الْوَصِيدُ الْفِنَاءُ جَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ، وَيُقَالُ الْوَصِيدُ الْبَابُ، ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ، آصَدَ الْبَابَ وَأَوْصَدَ، ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ أَحْيَيْنَاهُمْ، ﴿أَزْكَى﴾ أَكْثَرُ، وَيُقَالُ: أَحَلُّ، وَيُقَالُ: أَكْثَرُ رَيْعًا .. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُكْلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ لَمْ تَنْقُصْ، وَقَالَ سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّقِيمُ اللَّوْحُ مِنْ رَصَاصٍ، كَتَبَ عَامِلُهُمْ أَسْمَاءَهُمْ ثُمَّ طَرَحَهُ فِي خِزَانَتِهِ، فَضَرَبَ اللهُ عَلَى آذَانِهِمْ فَنَامُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَأَلَتْ
⦗٨٨⦘
تَئِلُ تَنْجُو. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْئِلا﴾ مَحْرِزًا، ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ لَا يَعْقِلُونَ.
﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾
٤٧٢٣ - حَدَّثَنِي طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أَيْ بِقِرَاءَتِكَ، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾.
٤٧٢٣ - حَدَّثَنِي طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ أُنْزِلَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاء"
[الحديث ٤٧٢٣ - طرفاه في: ٦٣٢٧، ٧٥٢٦]
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الدَّوْرَقِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ وَهُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ، وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَتِهِ يُونُسُ بَدَلَ قَوْلِهِ أَبُو بِشْرٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ. قَالَ الْفَرَبْرِيُّ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: لَمْ يُخَرِّجْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ إِلَّا مَا صَرَّحَ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ. قُلْتُ: يُرِيدُ فِي الْأُصُولِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ هُشَيْمًا مَذْكُورٌ بِتَدْلِيسِ الْإِسْنَادِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) كَذَا وَصَلَهُ هُشَيْمٌ وَأَرْسَلَهُ شُعْبَةُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، وَهُشَيْمٍ مُفَصَّلًا.
قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ) يَعْنِي فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَأَسْمَعَ الْمُشْرِكِينَ فَآذَوْهُ وَفَسَّرَتْ رِوَايَةُ الْبَابِ الْأَذَى بِقَوْلِهِ: سَبُّوا الْقُرْآنَ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالُوا لَهُ: لَا تَجْهَرْ فَتُؤْذِيَ آلِهَتَنَا فَنَهْجُوَ إِلَهَكَ وَمِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا جَهَرَ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلِّي تَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِذَا خَفَضَ صَوْتَهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَ قِرَاءَتَهُ فَنَزَلَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أَيْ بِقِرَاءَتِكَ) وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ (لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ) أَيْ لَا تُعْلِنْ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إِعْلَانًا شَدِيدًا فَيَسْمَعَكَ الْمُشْرِكُونَ فَيُؤْذُونَكَ، ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أَيْ لَا تَخْفِضْ صَوْتَكَ حَتَّى لَا تُسْمِعَ أُذُنَيْكَ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ أَيْ طَرِيقًا وَسَطًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا طَلْقٌ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ (ابْنُ غَنَّامٍ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ وَهُوَ النَّخَعِيُّ، مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَرِوَايَتُهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ قَلِيلَةٌ. وَشَيْخُهُ زَائِدَةُ هُوَ ابْنُ قُدَامَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) تَابَعَهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، وَأَرْسَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الإسْكَنْدَرَانِي، عَنْ هِشَامٍ، وَكَذَلِكَ أَرْسَلَهُ مَالِكٌ.
قَوْلُهُ: (أُنْزِلَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ) هَكَذَا أَطْلَقَتْ عَائِشَةُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْعُمَرِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ فَزَادَ فِي الْحَدِيثِ فِي التَّشَهُّدِ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ قَالَ: كَانَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِذَا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مَالًا وَوَلَدًا وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لِأَنَّهُ أَصَحُّ مَخْرَجًا.
ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: يَقُولُ قَوْمٌ: إِنَّهَا فِي الصَّلَاةِ، وَقَوْمٌ إِنَّهَا فِي الدُّعَاءِ وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ تَأْوِيلِ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ بْنِ سِوَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدٍ، وَمَكْحُولٍ مِثْلَهُ، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرَهُ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا رَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ، لَكِنْ
يُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى عِنْدَ الْبَيْتِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالدُّعَاءِ، فَنَزَلَتْ وَجَاءَ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ أُخَرُ، مِنْهَا مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ صَحَابِيٍّ لَمْ يُسَمِّ رَفْعُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فِي دُعَائِكَ فَتَذْكُرُ ذُنُوبَكَ فَتُعَيَّرُ بِهَا وَمِنْهَا مَا رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أَيْ لَا تُصَلِّ مُرَاءَاةً لِلنَّاسِ ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أَيْ لَا تَتْرُكْهَا مَخَافَةً مِنْهُمْ. وَمِنْ طُرُقٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوَهُ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: لَوْلَا أَنَّنَا لَا نَسْتَجِيزُ مُخَالَفَةَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِيمَا جَاءَ عَنْهُمْ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أَيْ بِقِرَاءَتِكَ نَهَارًا ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أَيْ لَيْلًا، وَكَانَ ذَلِكَ وَجْهًا لَا يَبْعُدُ مِنَ الصِّحَّةِ، انْتَهَى. وَقَدْ أَثْبَتَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلًا. وَقِيلَ: الْآيَةُ فِي الدُّعَاءِ، وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْكَهْفِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
١٨ - سُورَةُ الْكَهْفِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ تَتْرُكُهُمْ، ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: جَمَاعَةُ الثَّمَرِ، ﴿بَاخِعٌ﴾ مُهْلِكٌ، ﴿أَسَفًا﴾ نَدَمًا، الْكَهْفُ: الْفَتْحُ فِي الْجَبَلِ، وَالرَّقِيمُ: الْكِتَابُ، ﴿مَرْقُومٌ﴾ مَكْتُوبٌ مِنْ الرَّقْمِ، ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا، ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، ﴿شَطَطًا﴾ إِفْرَاطًا، الْوَصِيدُ: الْفِنَاءُ، جَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ، وَيُقَالُ: الْوَصِيدُ الْبَابُ، ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ، آصَدَ الْبَابَ وَأَوْصَدَ. ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ أَحْيَيْنَاهُمْ، ﴿أَزْكَى﴾ أَكْثَرُ، وَيُقَالُ: أَحَلُّ، وَيُقَالُ: أَكْثَرُ رَيْعًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ لَمْ تَنْقُصْ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّقِيمُ: اللَّوْحُ مِنْ رَصَاصٍ، كَتَبَ عَامِلُهُمْ أَسْمَاءَهُمْ ثُمَّ طَرَحَهُ فِي خِزَانَتِهِ. فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى آذَانِهِمْ: فَنَامُوا، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَأَلَتْ تَئِلُ: تَنْجُو. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْئِلا﴾ مَحْرِزًا، ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ لَا يَعْقِلُونَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ (تَقْرِضُهُمْ) تَتْرُكُهُمْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ عَنْهُ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ، وَسَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَ الْفَرَّاءُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ ثُمُرٌ ثم بِالضَّمِّ فَهُوَ الْمَالُ، وَمَا كَانَ بِالْفَتْحِ فَهُوَ النَّبَاتُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: جَمَاعَةُ الثَّمَرُ) كَأَنَّهُ عَنَى بِهِ قَتَادَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيِّ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الثَّمَرُ الْمَالُ كُلُّهُ، وَكُلُّ مَالٍ إِذَا اجْتَمَعَ فَهُوَ ثَمَرٌ إِذَا كَانَ مِنْ لَوْنِ الثَّمَرَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ (ثَمَرً) يَعْنِي بِفَتْحَتَيْنِ وَقَالَ: يُرِيدُ أَنْوَاعَ الْمَالِ، انْتَهَى. وَالَّذِي قَرَأَ هُنَا بِفَتْحَتَيْنِ عَاصِمٌ، وَبِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ أَبُو عَمْرٍو، وَالْبَاقُونَ بِضَمَّتَيْنِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: جَمَاعَةُ الثَّمَرِ أَنَّ ثَمَرَةً يُجْمَعُ عَلَى ثِمَارٍ، وَثِمَارٌ عَلَى ثُمُرٍ.
قَوْلُهُ: (بَاخِعٌ مُهْلِكٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَنْشَدَ لِذِي الرُّمَّةِ:
أَلَا أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أَيْ قَاتِلٌ نَفْسَكَ.
قَوْلُهُ: (أَسِفًا نَدَمًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: حَزِنًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٧٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولغير أبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ) بفتح الطَّاء المهملة وسكون اللَّام ثمَّ قاف، و «غنَّام»: بالغين المعجمة والنُّون المشدَّدة وبعد الألف ميم، أبو محمَّد النَّخَعيُّ الكوفيُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بنُ قُدامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٢) [الإسراء: ١١٠] أنها (قَالَتْ: أُنْزِلَ ذَلِكَ) أي: قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ … ﴾ إلى آخره، (فِي الدُّعَاءِ) مِن بابِ إطلاقِ الكُلِّ على الجُزْءِ؛ إذِ الدُّعاء مِن بعض أجزاء الصلاة، وأخرج الطَّبريُّ وابنُ خزيمةَ والحاكمُ من طريق حفص بن غياثٍ عن هشام الحديثَ، وزاد فيه: في التَّشهد وهو مخصِّصٌ لحديث عائشةَ؛ إذ ظاهرُه أعمُّ مِن أن يكون داخلَ الصَّلاة وخارجها، وعند ابن مردويه من حديث أبي هريرةَ: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى عند البيت رفعَ صوتَه بالدُّعاء فنزلت، أو مرادُه معناه (٣) اللُّغوي على ما لا يخفى.
وهذا الحديث من أفراده.
(((١٨))) (سُورَةُ الكَهْفِ) مكِّيَّةٌ قيل (١): إلَّا قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٢٨] الآيةَ، وهي مئة وإحدى عشرة آية (٢).
(بسم الله الرحمن الرحيم) قال الحافظ ابن حجر: ثبتتِ البسملة لغير أبي ذَرٍّ. انتهى. أي: وسقطت له (٣)، والذي رأيتُه في الفرع كأصله (٤) ثبوتَها له فقط مصحَّحًا على علامته، فالله أعلم.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ في قوله تعالى: (﴿تَّقْرِضُهُمْ﴾ [الكهف: ١٧]) أي: (تَتْرُكُهُمْ) وروى عبد الرَّزَّاق عن قَتادة نحوَه، وقولُ مجاهدٍ هذا ساقطٌ عند أبي ذَرٍّ.
(﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤]) بضمِّ المثلَّثة (٥)، قال مجاهد -فيما وصله الفِريابيُّ- أي: (ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ) وعن مجاهدٍ أيضًا: ما كان في القرآن «ثُمُر» بالضَّم؛ فهو المال، وما كان بالفتح؛ فهو النَّبات، وقال ابنُ عبَّاس: بالضم جميع المال؛ من الذَّهب والفضة والحيوان وغير ذلك، قال النابغة:
مَهلًا فِداءً لكَ الأقوامُ كلُّهُمُ … وما أُثَمِّرُ مِن مَالٍ ومِن وَلَدِ
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي (٦): غير مجاهد: الثُّمُرُ بالضَّمِّ: (جَمَاعَةُ الثَّمَرِ) بالفتح.
(﴿بَاخِعٌ﴾) في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ [الكهف: ٦] قال أبو عُبيدَة: (مُهْلِكٌ) نفسَك إذا ولَّوا عنِ الإيمان.
(﴿أَسَفًا﴾) أي: (نَدَمًا) كذا فسَّرَهُ أبو عُبيدة، وعن قَتادة: حزنًا، وعن غيرِه: فرطُ الحزن (١).
(الكَهْفُ) في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ هو: (الفَتْحُ فِي الجَبَلِ، وَالرَّقِيمُ) هو: (الكِتَابُ، مَرْقُومٌ) أي: (مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ) بسكون القاف، قيل: هو لوحٌ رصاصيٌّ أو حَجَريٌّ، رُقمت فيه أسماؤُهم وقصصُهُم، وجُعِلَ على باب الكهف، وقيل: الرَّقيمُ اسمُ الجبل، أو الوادي الذي فيه كهفهم، أو اسم قريتهم، أو كلبهم، وقيل غير ذلك، وقيل: مكانهم بين غضبان (٢) وأيلة (٣) دون فلسطين، وقيل غير ذلك ممَّا فيه تباين وتخالف، ولم ينبئنا الله ولا رسوله عن ذلك في أي الأرض هو؛ إذ لا فائدة لنا فيه، ولا غرضَ شرعيٌّ.
(﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ١٤]) أي: (أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا) على هجرِ الوطن والأهل والمال (٤)، والجراءةِ على إظهار الحقِّ، والرَّدِّ على دقيانوس الجبَّار، ومِن هذه المادة قولُه تعالى في سورة القصص: (﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠]) أي: أم موسى، وذكره استطرادًا.
(﴿شَطَطًا﴾) في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤] أي: (إِفْرَاطًا) في الظلم ذا (١) بُعْدٍ عن الحقِّ.
(الوَصِيدُ) في قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] هو (الفِنَاءُ) بكسر الفاء تُجاه الكهف (جَمْعُهُ: وَصَائِدُ) كمساجد (وَوُصُدٌ) بضمَّتين (وَيُقَالُ: الوَصِيدُ) هو: (البَابُ) وهو مرويٌّ عنِ ابن عبَّاسٍ، وعن عطاءٍ: عتبة الباب، وقوله تعالى في الهمزة مما ذكره استطرادًا: (﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨]) أي: (مُطْبَقَةٌ) يعني: النار على الكافرين، واشتقاقه من قوله: (آصَدَ البَابَ) بمدِّ الهمزة (وَأَوْصَدَ) أي: أطبقه، وحُذِفَ المفعولُ مِنَ الثَّاني للعلم به مِنَ الأوَّل.
(﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢] أي: (أَحْيَيْنَاهُمْ) قاله (٢) أبو عبيدة، والمراد: أيقظناهم من نومهم؛ إذِ النَّومُ أخو الموت، وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ عبارةٌ عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود، أي: لنعلم ذلك موجودًا، وإلَّا فقد كان الله تعالى عَلِمَ أيُّ الحزبين أحصى الأمد.
(﴿أَزْكَى﴾) في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩] معناه: (أَكْثَرُ) أي: أكثر أهلها طعامًا (وَيُقَالُ: أَحَلُّ) وهذا أولى؛ لأنَّ مقصودَهم إنَّما هو الحلالُ، سواء كان كثيرًا أو قليلًا، وقيل: المرادُ أحلُّ ذبيحةً، قاله (٣) ابن عبَّاس وسعيد بن جُبير، قيل: لأنَّ عامَّتهم كانوا مجوسًا، وفيهم قوم مؤمنون يُخفون إيمانَهم (وَيُقَالُ: أَكْثَرُ رَيْعًا) أي: نماءً على الأصل.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُكُلَهَا﴾) سقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿الْكَهْفِ﴾ … » إلى هنا (٤) (﴿وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ [الكهف: ٣٣]) أي: (لَمْ تَنْقُصْ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، أي: من أكلها شيئًا يعهد في سائر البساتين، فإنَّ الثِّمار تتمُّ في عام، وتنقص في عام غالبًا.
(وَقَالَ سَعِيدٌ) هو ابن جُبيرٍ ممَّا وصله ابنُ المنذر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (الرَّقِيمُ: اللَّوْحُ مِنْ
رَصَاصٍ، كَتَبَ عَامِلُهُمْ) فيه (أَسْمَاءَهُمْ، ثُمَّ طَرَحَهُ (١) فِي خِزَانَتِهِ) بكسر الخاء المعجمة، وسبب ذلك: أنَّ الفتيةَ طُلبوا فلم يَجِدُوهُم، فرُفع أمرُهم للملك، فقال: ليكونن لهؤلاء شأنٌ، فدعا باللوح وكتب ذلك (فَضَرَبَ اللهُ عَلَى آذَانِهِمْ) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] (فَنَامُوا) نومةً لا تنبههم فيها الأصوات، كما ترى المستثقل في نومه يُصاح به فلا ينتبه.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاس -وسقط «وقال سعيد: عن ابن عبَّاس … » إلى هنا لأبي ذرٍّ- في قوله تعالى: ﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]: مشتقٌّ مِن (وَأَلَتْ تَئِلُ) من باب فعَل يفعِل؛ بفتح العين في الماضي، وكسرها في المستقبل، أي: (تَنْجُو) (٢) يقال: وأل: إذا نجا، ووأل إليه: إذا لجأ إليه، والموئِل: الملجأ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْئِلًا﴾) أي: (مَحْرِزًا) بفتح الميم وكسر الراء بينهما حاء مهملة ساكنة.
(﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١] أي: (لَا يَعْقِلُونَ) وهذا وصله الفِريابيُّ عن مجاهد، أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، و «الأعين» هنا كناية: عن البصائر؛ لأنَّ عين الجارحة لا نسبةَ بينها وبين الذِّكر، والمعنى: الذين فِكرُهم بينها وبين ذِكْري، والنظر في شرعي حجاب وعليها غطاء، وَ ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ لإعراضهم ونفارهم عن الحقِّ لغلبة الشقاء عليهم.
(١) (بَابُ قَوْلِهِ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين؛ أي (٣): في قوله تعالى: (﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ﴾) يريدُ الجِنسَ أو النضْرَ بن الحارثِ أو أُبيَّ بنَ خَلَف (﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ﴾) يتأتى منه الجدل (﴿جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]) خصومةً ومماراةً بالباطل، وانتصابُه على التمييز؛ يعني: أنَّ جدل الإنسان أكثرُ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ولغير الْكشميهني هُنَا {وَمَا أُوتُوا} وَكَذَا لَهُم فِي الْعلم. قَوْله: (إلَاّ قَلِيلا) ، الِاسْتِثْنَاء من الْعلم أَي: إِلَّا علما قَلِيلا. أَو من الْإِعْطَاء، أَي إلَاّ إِعْطَاء قَلِيلا، أَو من ضمير الْمُخَاطب أَو الْغَائِب على الْقِرَاءَتَيْن، أَي: إلَاّ قَلِيلا مِنْكُم أَو مِنْهُم.
٤١ - (بابٌ: {ولَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخافِتْ بِها} (الْإِسْرَاء: ٠١١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَلَا تجْهر} الْآيَة، وَلَيْسَ لغير أبي ذَر لفظ: بَاب، وَفِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة أَقْوَال: أَحدهَا: مَا ذكره البُخَارِيّ، وَيَأْتِي الْآن. الثَّانِي: عَن سعيد بن جُبَير: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يجْهر بِقِرَاءَة الْقُرْآن فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، فَقَالَت قُرَيْش: لَا تجْهر بِالْقِرَاءَةِ فتؤذي آلِهَتنَا، فنهجو رَبك، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. الثَّالِث: قَالَ الواحدي: كَانَ الْأَعرَابِي يجْهر فَيَقُول التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات، يرفع بهَا صَوته، فَنزلت هَذِه الْآيَة. الرَّابِع: قَالَ عبد الله بن شَدَّاد: كَانَت أَعْرَاب بني تَمِيم إِذا سلم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام. من صلَاته قَالُوا: اللَّهُمَّ ارزقنا مَالا وَولدا، ويجهرون، فَنزلت هَذِه الْآيَة. الْخَامِس: عَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه عَنهُ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي الدُّعَاء، وَسَيَجِيءُ مزِيد الْكَلَام فِيهِ.
٣٢٧٤ - حدَّثني طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ حدّثنا زَائِدَةُ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قالَتْ أُنْزِلَ ذالِكَ فِي الدُّعاءِ.
(طلق بِفَتْح الطَّاء وَسُكُون اللَّام وَالْقَاف: ابْن غَنَّام، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد النُّون: أَبُو مُحَمَّد النَّخعِيّ الْكُوفِي، من كبار شُيُوخ البُخَارِيّ، وَرِوَايَته عَنهُ فِي هَذَا الْكتاب قَليلَة، مَاتَ فِي رَجَب سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وزائدة هُوَ ابْن قدامَة هُوَ هِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. والْحَدِيث من إِفْرَاده.
قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى قَوْله: {وَلَا تجْهر بصلاتك} قَوْله: فِي الدُّعَاء، أما من إِرَادَة مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ أَو إِرَادَة الْجُزْء لِأَن الدُّعَاء جُزْء من الصَّلَاة، وَقيل: سمت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، الصَّلَاة دُعَاء لِأَنَّهَا فِي الأَصْل دُعَاء، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس مثل مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث أَشْعَث عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: نزلت هَذِه الْآيَة: {وَلَا تجْهر بصلاتك} فِي الدُّعَاء، وروى أَيْضا بِسَنَد صَحِيح إِلَى دراج عَن أَنْصَارِي لَهُ صُحْبَة: أَن رَسُول الله
{فَضرب الله على آذانهم فَنَامُوا} هَذِه إشاءة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف سِنِين عددا} (الْكَهْف: ١١) هَذَا من فصيحات الْقُرْآن الَّتِي أقرَّت الْعَرَب بالقصور عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ، وَمَعْنَاهُ: أنمناهم وسلطنا عَلَيْهِم النّوم، كَمَا يُقَال: ضرب الله فلَانا بالفالج، أَي: ابتلاه بِهِ وأرسله عَلَيْهِ، وَقيل: مَعْنَاهُ حجبناهم عَن السّمع وسددها نُفُوذ الصَّوْت إِلَى مسامعهم، وَهَذَا وصف الْأَمْوَات والنيام.
وَقَالَ غَيْرُهُ وألَتْ تَثِلُ تَنْجُو: وَقَالَ مُجاهِدٌ مَوْئلاً مَحْرِزاً
أَي: وَقَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {بل لَهُم موعد لن يَجدوا من دونه موئلاً} (الْكَهْف: ٨٥) أَرَادَ أَن لفظ موئلاً مُشْتَقّ من: (وألت تئل) من بَاب فعل يفعل بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُسْتَقْبل، وَمعنى: (تئل تنجو) وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وأل إِلَيْهِ يئل وَألا ووؤلاً على فعول، أَي: لَجأ، والموئل الملجأ. قَوْله: (وَقَالَ مُجَاهِد موئلاً محرزا) يَعْنِي مَعْنَاهُ: محرزا، وَعَن قَتَادَة مَعْنَاهُ ملْجأ وَرجح ابْن قُتَيْبَة هَذَا الْمَعْنى.
لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً لَا يَعْقِلُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {الَّذين كَانَت أَعينهم فِي غطاء عَن ذكري وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سمعا} وَفسّر قَوْله: (لَا يَسْتَطِيعُونَ سمعا) بقوله: (لَا يعْقلُونَ) وَفِي التَّفْسِير وصف الله الْكَافرين بقوله: الَّذين كَانَت أَعينهم فِي غطاء. أَي: غشاء وغفلة عَن ذكري، أَي: عَن الْإِيمَان وَالْقُرْآن لَا يَسْتَطِيعُونَ أَي: لَا يُطِيقُونَ أَن يسمعوا كتاب الله عز وَجل ويتدبرونه ويؤمنون بِهِ لغَلَبَة الشَّقَاء عَلَيْهِم، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.
١ - (بابُ قوْلِهِ عَزّ وجَلَّ: {وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} (الْكَهْف: ٤٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكَانَ الْإِنْسَان أَكثر شَيْء جدلاً} أَي: خُصُومَة فِي الْبَاطِل، نزلت فِي النَّضر بن الْحَارِث وَكَانَ جداله فِي الْقُرْآن، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقيل: فِي أبي بن خلف وَكَانَ جداله فِي الْبَعْث.
٤٢٧٤ - حدَّثنا عليُّ بن عبْدِ الله حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بن سَعْدٍ حدَّثنا أبي عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخبرَني عليُّ بنُ حُسَيْنٍ أنَّ حُسَيْنَ بنَ علِيّ أخبرَهُ عنْ عليّ رَضِي الله عنهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَرَقَهُ وفاطِمَةَ قَالَ ألَا تُصَلِّيانِ.
هَذَا الحَدِيث ذكره هُنَا مُخْتَصرا. وَقد مضى بأتم مِنْهُ فِي الصَّلَاة فِي: بَاب تحريض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على قيام اللَّيْل، وَفِي آخِره: {وَكَانَ الْإِنْسَان أَكثر شَيْء جدلاً} وَهَذَا هُوَ وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة وَإِن لم يذكر صَرِيحًا.
وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَدِينِيّ، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعلي بن حُسَيْن هُوَ عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، سمع أَبَاهُ وَمضى الْكَلَام فِي الحَدِيث هُنَاكَ، قَوْله: (طرقه) أَي: أَتَاهُ لَيْلًا.
رَجْماً بالغَيْبِ لَمْ يَسْتَبِنْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ خَمْسَة سادسهم كلبهم رجماً بِالْغَيْبِ} (الْكَهْف: ٢٢) وَفَسرهُ بقوله: (لم يستبن) وَقيل: قذفا بِالظَّنِّ من غير يَقِين وَهَذَا لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَاتبع هَوَاهُ وَكَانَ أمره فرطا} (الْكَهْف: ٨٢) نزلت فِي عُيَيْنَة بن حُصَيْن بن بدر الْفَزارِيّ قبل أَن يسلم، قَالَه ابْن جريج، وَفسّر قَوْله: فرطا بقوله: ندماً وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد فِي قَوْله: (فرطا) أَي: ندامة، وَعَن أبي عُبَيْدَة تضييعاً وإسرافاً، وَعَن مُجَاهِد: ضيَاعًا، وَعَن السّديّ إهلاكاً.
سُرَادِقُها
مِثْلُ السُّرَادِقِ والحُجْرَةِ الَّتي تُطِيفُ بالْفَساطِيطِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا اعتدنا للظالمين نَارا أحَاط بهم سرادقها} (الْكَهْف: ٩٢) وَالضَّمِير فِي سرادقها يرجع إِلَى النَّار، وَالْمعْنَى أَن سرادق النَّار مثل السرادق، والحجرة الَّتِي تطيف أَي تحيط بالفساطيط وَهُوَ جمع فسطاط وَهِي الْخَيْمَة الْعَظِيمَة، والسرادق هُوَ الَّذِي يمد فَوق صحن الدَّار ويطيف بِهِ ويقاربه. وَفِي التَّفْسِير عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: سرادق النَّار أَربع جدر كتف كل وَاحِدَة مسيرَة أَرْبَعِينَ سنة. وَعَن ابْن عَبَّاس: السرادق حَائِط من نَار، وَعَن الْكَلْبِيّ: هُوَ عنق يخرج من النَّار فيحيط بالكفار كالحظيرة، وَعَن القتبي: السرادق الْحُجْرَة الَّتِي تكون حول الْفسْطَاط، وَهُوَ هُنَا دُخان مُحِيط بالكفار يَوْم الْقِيَامَة.
يُحاوِرُهُ مِنَ المُحاوَرَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَكَانَ لَهُ ثَمَر فَقَالَ لصَاحبه وَهُوَ يحاوره} (الْكَهْف: ٤٣) الْآيَة قَوْله: (من المحاورة) يَعْنِي: لفظ (يحاوره) مُشْتَقّ من المحاورة وَهِي الْمُرَاجَعَة، وَفِي التَّفْسِير: يحاوره، أَي: يجاوبه.
لاكِنّا هُوَ الله رَبِّي أيْ لَكِنْ أَنا هُوَ الله رَبِّي ثُمَّ حَذَفَ الألِفَ وأدْغَمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الأخْرَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لكنَّا هُوَ الله رَبِّي وَلَا أشرك بربي أحدا} (الْكَهْف: ٨٣) هَذَا الَّذِي ذكره هُوَ تصرف عَامَّة النَّحْوِيين، وَهُوَ حذف همزَة، أَنا طلبا للخفة لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله وإدغام إِحْدَى النونين فِي الْأُخْرَى، وَعَن الْكسَائي: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير مجازه، لَكِن هُوَ الله رَبِّي.
{وفَجَّرْنا خلالَهُما نَهَراً يَقُولُ بَيْنَهُما}
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كلتا الجنتين آتت أكلهَا وَلم تظلم مِنْهُ شَيْئا وفجرنا خلالهما نَهرا وَكَانَ لَهُ ثَمَر} (الْكَهْف: ٣٣ ٤٣) الْآيَة، وَفسّر قَوْله: (خلالهما) بقوله: (بَينهمَا) وَفِي التَّفْسِير: وفجرنا خلالهما، يَعْنِي: شققنا وسطهما نَهرا، وَفِي بعض النّسخ: وَقع هَذَا مقدما، وَثَبت لأبي ذَر.
زَلَقاً لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَتُصْبِح صَعِيدا زلقاً} (الْكَهْف: ٠٤) وَفَسرهُ بقوله: لَا تثبت فِيهِ قدم. وَفِي التَّفْسِير {صَعِيدا زلقاً} يَعْنِي: صَعِيدا أملس لَا نَبَات عَلَيْهِ، وَعَن مُجَاهِد: رملاً هائلاً وتراباً.
هُنالِكَ الوَلايَةُ مَصْدَرُ الوَلِيِّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ منتصراً هُنَالك الْولَايَة لله الْحق} الْآيَة. قَوْله: (الْولَايَة) ، بِفَتْح الْوَاو فِي قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْولَايَة بِالْفَتْح النُّصْرَة، والتولي، وبالكسر: السُّلْطَان وَالْملك، وَقد قرىء بهما. قَوْله: (مصدر الْوَلِيّ) ، ويروى: مصدر ولي بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر مصدر ولي الْمولى. وَلَاء وَالْأول هُوَ الأصوب. قَوْله: (هُنَالك) أَي: يَوْم الْقِيَامَة، وَفِي التَّفْسِير: هُنَالك يتولون الله تَعَالَى ويتبرؤون مِمَّا كَانُوا يعبدونه.
عُقُباً عاقِبَةٌ وعقبى وعُقْبَةٌ واحِدٌ وهْيَ الآخِرَةُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {هُوَ خير ثَوابًا وَخير عقباً} (الْكَهْف: ٤٤) وَفسّر بقوله: (عَاقِبَة) ، ثمَّ قَالَ: (الْعَاقِبَة وعقبى وَعقبَة) بِمَعْنى وَاحِد، يُقَال: هَذَا عقب أَمر كَذَا وعقباه وعاقبته، أَي: آخِره، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: عَاقِبَة كل شَيْء آخِره.
قِبِلاً وقُبُلاً وقَبَلاً اسْتِئْنافاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو يَأْتِيهم الْعَذَاب قُبُلاً} (الْكَهْف: ٥٥) وقبلاً وقبلاً. الأول: بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء، الثَّانِي: بِضَمَّتَيْنِ، وَالثَّالِث: بِفتْحَتَيْنِ، وَفسّر ذَلِك كُله بقوله: استئنافاً يَعْنِي اسْتِقْبَالًا، وَفِي التَّفْسِير: أَي عيَانًا، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ السَّيْف يَوْم بدر، وَقَالَ مقَاتل: فَجْأَة، وَمن قَرَأَ بِضَمَّتَيْنِ أَرَادَ أَصْنَاف الْعَذَاب.
لِيُدْحِضُوا لِيُزِيلوا الدَّحَضُ الزَّلَقُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ويجادل الَّذين كفرُوا بِالْبَاطِلِ ليدحضوا بِهِ الْحق} (الْكَهْف: ٦٥) وَفسّر: ليدحضوا بقوله: (ليزيلوا) من الدخض وَهُوَ الزلق، يُقَال: دحضت رجله إِذا زلقت، وَعَن السّديّ: مَعْنَاهُ ليفسدوا، وَقيل: ليبطلوا بِهِ الْحق.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أَيْ بِقِرَاءَتِكَ، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾.
٤٧٢٣ - حَدَّثَنِي طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ أُنْزِلَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاء"
[الحديث ٤٧٢٣ - طرفاه في: ٦٣٢٧، ٧٥٢٦]
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الدَّوْرَقِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ وَهُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ، وَذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَتِهِ يُونُسُ بَدَلَ قَوْلِهِ أَبُو بِشْرٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ. قَالَ الْفَرَبْرِيُّ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: لَمْ يُخَرِّجْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ إِلَّا مَا صَرَّحَ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ. قُلْتُ: يُرِيدُ فِي الْأُصُولِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ هُشَيْمًا مَذْكُورٌ بِتَدْلِيسِ الْإِسْنَادِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) كَذَا وَصَلَهُ هُشَيْمٌ وَأَرْسَلَهُ شُعْبَةُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، وَهُشَيْمٍ مُفَصَّلًا.
قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ) يَعْنِي فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَأَسْمَعَ الْمُشْرِكِينَ فَآذَوْهُ وَفَسَّرَتْ رِوَايَةُ الْبَابِ الْأَذَى بِقَوْلِهِ: سَبُّوا الْقُرْآنَ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالُوا لَهُ: لَا تَجْهَرْ فَتُؤْذِيَ آلِهَتَنَا فَنَهْجُوَ إِلَهَكَ وَمِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا جَهَرَ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلِّي تَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِذَا خَفَضَ صَوْتَهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَ قِرَاءَتَهُ فَنَزَلَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أَيْ بِقِرَاءَتِكَ) وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ (لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ) أَيْ لَا تُعْلِنْ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إِعْلَانًا شَدِيدًا فَيَسْمَعَكَ الْمُشْرِكُونَ فَيُؤْذُونَكَ، ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أَيْ لَا تَخْفِضْ صَوْتَكَ حَتَّى لَا تُسْمِعَ أُذُنَيْكَ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ أَيْ طَرِيقًا وَسَطًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا طَلْقٌ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ (ابْنُ غَنَّامٍ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ وَهُوَ النَّخَعِيُّ، مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَرِوَايَتُهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ قَلِيلَةٌ. وَشَيْخُهُ زَائِدَةُ هُوَ ابْنُ قُدَامَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) تَابَعَهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، وَأَرْسَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الإسْكَنْدَرَانِي، عَنْ هِشَامٍ، وَكَذَلِكَ أَرْسَلَهُ مَالِكٌ.
قَوْلُهُ: (أُنْزِلَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ) هَكَذَا أَطْلَقَتْ عَائِشَةُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْعُمَرِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ فَزَادَ فِي الْحَدِيثِ فِي التَّشَهُّدِ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ قَالَ: كَانَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِذَا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مَالًا وَوَلَدًا وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لِأَنَّهُ أَصَحُّ مَخْرَجًا.
ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: يَقُولُ قَوْمٌ: إِنَّهَا فِي الصَّلَاةِ، وَقَوْمٌ إِنَّهَا فِي الدُّعَاءِ وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ تَأْوِيلِ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ بْنِ سِوَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدٍ، وَمَكْحُولٍ مِثْلَهُ، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرَهُ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا رَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ، لَكِنْ
يُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى عِنْدَ الْبَيْتِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالدُّعَاءِ، فَنَزَلَتْ وَجَاءَ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ أُخَرُ، مِنْهَا مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ صَحَابِيٍّ لَمْ يُسَمِّ رَفْعُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فِي دُعَائِكَ فَتَذْكُرُ ذُنُوبَكَ فَتُعَيَّرُ بِهَا وَمِنْهَا مَا رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أَيْ لَا تُصَلِّ مُرَاءَاةً لِلنَّاسِ ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أَيْ لَا تَتْرُكْهَا مَخَافَةً مِنْهُمْ. وَمِنْ طُرُقٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوَهُ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: لَوْلَا أَنَّنَا لَا نَسْتَجِيزُ مُخَالَفَةَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِيمَا جَاءَ عَنْهُمْ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أَيْ بِقِرَاءَتِكَ نَهَارًا ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أَيْ لَيْلًا، وَكَانَ ذَلِكَ وَجْهًا لَا يَبْعُدُ مِنَ الصِّحَّةِ، انْتَهَى. وَقَدْ أَثْبَتَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلًا. وَقِيلَ: الْآيَةُ فِي الدُّعَاءِ، وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْكَهْفِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
١٨ - سُورَةُ الْكَهْفِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ تَتْرُكُهُمْ، ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: جَمَاعَةُ الثَّمَرِ، ﴿بَاخِعٌ﴾ مُهْلِكٌ، ﴿أَسَفًا﴾ نَدَمًا، الْكَهْفُ: الْفَتْحُ فِي الْجَبَلِ، وَالرَّقِيمُ: الْكِتَابُ، ﴿مَرْقُومٌ﴾ مَكْتُوبٌ مِنْ الرَّقْمِ، ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا، ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، ﴿شَطَطًا﴾ إِفْرَاطًا، الْوَصِيدُ: الْفِنَاءُ، جَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ، وَيُقَالُ: الْوَصِيدُ الْبَابُ، ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ، آصَدَ الْبَابَ وَأَوْصَدَ. ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ أَحْيَيْنَاهُمْ، ﴿أَزْكَى﴾ أَكْثَرُ، وَيُقَالُ: أَحَلُّ، وَيُقَالُ: أَكْثَرُ رَيْعًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ لَمْ تَنْقُصْ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّقِيمُ: اللَّوْحُ مِنْ رَصَاصٍ، كَتَبَ عَامِلُهُمْ أَسْمَاءَهُمْ ثُمَّ طَرَحَهُ فِي خِزَانَتِهِ. فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى آذَانِهِمْ: فَنَامُوا، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَأَلَتْ تَئِلُ: تَنْجُو. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْئِلا﴾ مَحْرِزًا، ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ لَا يَعْقِلُونَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ (تَقْرِضُهُمْ) تَتْرُكُهُمْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ عَنْهُ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ، وَسَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَ الْفَرَّاءُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ ثُمُرٌ ثم بِالضَّمِّ فَهُوَ الْمَالُ، وَمَا كَانَ بِالْفَتْحِ فَهُوَ النَّبَاتُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: جَمَاعَةُ الثَّمَرُ) كَأَنَّهُ عَنَى بِهِ قَتَادَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيِّ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الثَّمَرُ الْمَالُ كُلُّهُ، وَكُلُّ مَالٍ إِذَا اجْتَمَعَ فَهُوَ ثَمَرٌ إِذَا كَانَ مِنْ لَوْنِ الثَّمَرَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ (ثَمَرً) يَعْنِي بِفَتْحَتَيْنِ وَقَالَ: يُرِيدُ أَنْوَاعَ الْمَالِ، انْتَهَى. وَالَّذِي قَرَأَ هُنَا بِفَتْحَتَيْنِ عَاصِمٌ، وَبِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ أَبُو عَمْرٍو، وَالْبَاقُونَ بِضَمَّتَيْنِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: جَمَاعَةُ الثَّمَرِ أَنَّ ثَمَرَةً يُجْمَعُ عَلَى ثِمَارٍ، وَثِمَارٌ عَلَى ثُمُرٍ.
قَوْلُهُ: (بَاخِعٌ مُهْلِكٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَنْشَدَ لِذِي الرُّمَّةِ:
أَلَا أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أَيْ قَاتِلٌ نَفْسَكَ.
قَوْلُهُ: (أَسِفًا نَدَمًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: حَزِنًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٧٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولغير أبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ) بفتح الطَّاء المهملة وسكون اللَّام ثمَّ قاف، و «غنَّام»: بالغين المعجمة والنُّون المشدَّدة وبعد الألف ميم، أبو محمَّد النَّخَعيُّ الكوفيُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بنُ قُدامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٢) [الإسراء: ١١٠] أنها (قَالَتْ: أُنْزِلَ ذَلِكَ) أي: قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ … ﴾ إلى آخره، (فِي الدُّعَاءِ) مِن بابِ إطلاقِ الكُلِّ على الجُزْءِ؛ إذِ الدُّعاء مِن بعض أجزاء الصلاة، وأخرج الطَّبريُّ وابنُ خزيمةَ والحاكمُ من طريق حفص بن غياثٍ عن هشام الحديثَ، وزاد فيه: في التَّشهد وهو مخصِّصٌ لحديث عائشةَ؛ إذ ظاهرُه أعمُّ مِن أن يكون داخلَ الصَّلاة وخارجها، وعند ابن مردويه من حديث أبي هريرةَ: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى عند البيت رفعَ صوتَه بالدُّعاء فنزلت، أو مرادُه معناه (٣) اللُّغوي على ما لا يخفى.
وهذا الحديث من أفراده.
(((١٨))) (سُورَةُ الكَهْفِ) مكِّيَّةٌ قيل (١): إلَّا قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٢٨] الآيةَ، وهي مئة وإحدى عشرة آية (٢).
(بسم الله الرحمن الرحيم) قال الحافظ ابن حجر: ثبتتِ البسملة لغير أبي ذَرٍّ. انتهى. أي: وسقطت له (٣)، والذي رأيتُه في الفرع كأصله (٤) ثبوتَها له فقط مصحَّحًا على علامته، فالله أعلم.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ في قوله تعالى: (﴿تَّقْرِضُهُمْ﴾ [الكهف: ١٧]) أي: (تَتْرُكُهُمْ) وروى عبد الرَّزَّاق عن قَتادة نحوَه، وقولُ مجاهدٍ هذا ساقطٌ عند أبي ذَرٍّ.
(﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤]) بضمِّ المثلَّثة (٥)، قال مجاهد -فيما وصله الفِريابيُّ- أي: (ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ) وعن مجاهدٍ أيضًا: ما كان في القرآن «ثُمُر» بالضَّم؛ فهو المال، وما كان بالفتح؛ فهو النَّبات، وقال ابنُ عبَّاس: بالضم جميع المال؛ من الذَّهب والفضة والحيوان وغير ذلك، قال النابغة:
مَهلًا فِداءً لكَ الأقوامُ كلُّهُمُ … وما أُثَمِّرُ مِن مَالٍ ومِن وَلَدِ
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي (٦): غير مجاهد: الثُّمُرُ بالضَّمِّ: (جَمَاعَةُ الثَّمَرِ) بالفتح.
(﴿بَاخِعٌ﴾) في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ [الكهف: ٦] قال أبو عُبيدَة: (مُهْلِكٌ) نفسَك إذا ولَّوا عنِ الإيمان.
(﴿أَسَفًا﴾) أي: (نَدَمًا) كذا فسَّرَهُ أبو عُبيدة، وعن قَتادة: حزنًا، وعن غيرِه: فرطُ الحزن (١).
(الكَهْفُ) في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ هو: (الفَتْحُ فِي الجَبَلِ، وَالرَّقِيمُ) هو: (الكِتَابُ، مَرْقُومٌ) أي: (مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ) بسكون القاف، قيل: هو لوحٌ رصاصيٌّ أو حَجَريٌّ، رُقمت فيه أسماؤُهم وقصصُهُم، وجُعِلَ على باب الكهف، وقيل: الرَّقيمُ اسمُ الجبل، أو الوادي الذي فيه كهفهم، أو اسم قريتهم، أو كلبهم، وقيل غير ذلك، وقيل: مكانهم بين غضبان (٢) وأيلة (٣) دون فلسطين، وقيل غير ذلك ممَّا فيه تباين وتخالف، ولم ينبئنا الله ولا رسوله عن ذلك في أي الأرض هو؛ إذ لا فائدة لنا فيه، ولا غرضَ شرعيٌّ.
(﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ١٤]) أي: (أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا) على هجرِ الوطن والأهل والمال (٤)، والجراءةِ على إظهار الحقِّ، والرَّدِّ على دقيانوس الجبَّار، ومِن هذه المادة قولُه تعالى في سورة القصص: (﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠]) أي: أم موسى، وذكره استطرادًا.
(﴿شَطَطًا﴾) في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤] أي: (إِفْرَاطًا) في الظلم ذا (١) بُعْدٍ عن الحقِّ.
(الوَصِيدُ) في قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] هو (الفِنَاءُ) بكسر الفاء تُجاه الكهف (جَمْعُهُ: وَصَائِدُ) كمساجد (وَوُصُدٌ) بضمَّتين (وَيُقَالُ: الوَصِيدُ) هو: (البَابُ) وهو مرويٌّ عنِ ابن عبَّاسٍ، وعن عطاءٍ: عتبة الباب، وقوله تعالى في الهمزة مما ذكره استطرادًا: (﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨]) أي: (مُطْبَقَةٌ) يعني: النار على الكافرين، واشتقاقه من قوله: (آصَدَ البَابَ) بمدِّ الهمزة (وَأَوْصَدَ) أي: أطبقه، وحُذِفَ المفعولُ مِنَ الثَّاني للعلم به مِنَ الأوَّل.
(﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢] أي: (أَحْيَيْنَاهُمْ) قاله (٢) أبو عبيدة، والمراد: أيقظناهم من نومهم؛ إذِ النَّومُ أخو الموت، وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ عبارةٌ عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود، أي: لنعلم ذلك موجودًا، وإلَّا فقد كان الله تعالى عَلِمَ أيُّ الحزبين أحصى الأمد.
(﴿أَزْكَى﴾) في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩] معناه: (أَكْثَرُ) أي: أكثر أهلها طعامًا (وَيُقَالُ: أَحَلُّ) وهذا أولى؛ لأنَّ مقصودَهم إنَّما هو الحلالُ، سواء كان كثيرًا أو قليلًا، وقيل: المرادُ أحلُّ ذبيحةً، قاله (٣) ابن عبَّاس وسعيد بن جُبير، قيل: لأنَّ عامَّتهم كانوا مجوسًا، وفيهم قوم مؤمنون يُخفون إيمانَهم (وَيُقَالُ: أَكْثَرُ رَيْعًا) أي: نماءً على الأصل.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُكُلَهَا﴾) سقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿الْكَهْفِ﴾ … » إلى هنا (٤) (﴿وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ [الكهف: ٣٣]) أي: (لَمْ تَنْقُصْ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، أي: من أكلها شيئًا يعهد في سائر البساتين، فإنَّ الثِّمار تتمُّ في عام، وتنقص في عام غالبًا.
(وَقَالَ سَعِيدٌ) هو ابن جُبيرٍ ممَّا وصله ابنُ المنذر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (الرَّقِيمُ: اللَّوْحُ مِنْ
رَصَاصٍ، كَتَبَ عَامِلُهُمْ) فيه (أَسْمَاءَهُمْ، ثُمَّ طَرَحَهُ (١) فِي خِزَانَتِهِ) بكسر الخاء المعجمة، وسبب ذلك: أنَّ الفتيةَ طُلبوا فلم يَجِدُوهُم، فرُفع أمرُهم للملك، فقال: ليكونن لهؤلاء شأنٌ، فدعا باللوح وكتب ذلك (فَضَرَبَ اللهُ عَلَى آذَانِهِمْ) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] (فَنَامُوا) نومةً لا تنبههم فيها الأصوات، كما ترى المستثقل في نومه يُصاح به فلا ينتبه.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاس -وسقط «وقال سعيد: عن ابن عبَّاس … » إلى هنا لأبي ذرٍّ- في قوله تعالى: ﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]: مشتقٌّ مِن (وَأَلَتْ تَئِلُ) من باب فعَل يفعِل؛ بفتح العين في الماضي، وكسرها في المستقبل، أي: (تَنْجُو) (٢) يقال: وأل: إذا نجا، ووأل إليه: إذا لجأ إليه، والموئِل: الملجأ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْئِلًا﴾) أي: (مَحْرِزًا) بفتح الميم وكسر الراء بينهما حاء مهملة ساكنة.
(﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١] أي: (لَا يَعْقِلُونَ) وهذا وصله الفِريابيُّ عن مجاهد، أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، و «الأعين» هنا كناية: عن البصائر؛ لأنَّ عين الجارحة لا نسبةَ بينها وبين الذِّكر، والمعنى: الذين فِكرُهم بينها وبين ذِكْري، والنظر في شرعي حجاب وعليها غطاء، وَ ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ لإعراضهم ونفارهم عن الحقِّ لغلبة الشقاء عليهم.
(١) (بَابُ قَوْلِهِ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين؛ أي (٣): في قوله تعالى: (﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ﴾) يريدُ الجِنسَ أو النضْرَ بن الحارثِ أو أُبيَّ بنَ خَلَف (﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ﴾) يتأتى منه الجدل (﴿جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]) خصومةً ومماراةً بالباطل، وانتصابُه على التمييز؛ يعني: أنَّ جدل الإنسان أكثرُ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ولغير الْكشميهني هُنَا {وَمَا أُوتُوا} وَكَذَا لَهُم فِي الْعلم. قَوْله: (إلَاّ قَلِيلا) ، الِاسْتِثْنَاء من الْعلم أَي: إِلَّا علما قَلِيلا. أَو من الْإِعْطَاء، أَي إلَاّ إِعْطَاء قَلِيلا، أَو من ضمير الْمُخَاطب أَو الْغَائِب على الْقِرَاءَتَيْن، أَي: إلَاّ قَلِيلا مِنْكُم أَو مِنْهُم.
٤١ - (بابٌ: {ولَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخافِتْ بِها} (الْإِسْرَاء: ٠١١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَلَا تجْهر} الْآيَة، وَلَيْسَ لغير أبي ذَر لفظ: بَاب، وَفِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة أَقْوَال: أَحدهَا: مَا ذكره البُخَارِيّ، وَيَأْتِي الْآن. الثَّانِي: عَن سعيد بن جُبَير: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يجْهر بِقِرَاءَة الْقُرْآن فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، فَقَالَت قُرَيْش: لَا تجْهر بِالْقِرَاءَةِ فتؤذي آلِهَتنَا، فنهجو رَبك، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. الثَّالِث: قَالَ الواحدي: كَانَ الْأَعرَابِي يجْهر فَيَقُول التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات، يرفع بهَا صَوته، فَنزلت هَذِه الْآيَة. الرَّابِع: قَالَ عبد الله بن شَدَّاد: كَانَت أَعْرَاب بني تَمِيم إِذا سلم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام. من صلَاته قَالُوا: اللَّهُمَّ ارزقنا مَالا وَولدا، ويجهرون، فَنزلت هَذِه الْآيَة. الْخَامِس: عَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه عَنهُ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي الدُّعَاء، وَسَيَجِيءُ مزِيد الْكَلَام فِيهِ.
٣٢٧٤ - حدَّثني طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ حدّثنا زَائِدَةُ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قالَتْ أُنْزِلَ ذالِكَ فِي الدُّعاءِ.
(طلق بِفَتْح الطَّاء وَسُكُون اللَّام وَالْقَاف: ابْن غَنَّام، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد النُّون: أَبُو مُحَمَّد النَّخعِيّ الْكُوفِي، من كبار شُيُوخ البُخَارِيّ، وَرِوَايَته عَنهُ فِي هَذَا الْكتاب قَليلَة، مَاتَ فِي رَجَب سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وزائدة هُوَ ابْن قدامَة هُوَ هِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. والْحَدِيث من إِفْرَاده.
قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى قَوْله: {وَلَا تجْهر بصلاتك} قَوْله: فِي الدُّعَاء، أما من إِرَادَة مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ أَو إِرَادَة الْجُزْء لِأَن الدُّعَاء جُزْء من الصَّلَاة، وَقيل: سمت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، الصَّلَاة دُعَاء لِأَنَّهَا فِي الأَصْل دُعَاء، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس مثل مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث أَشْعَث عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: نزلت هَذِه الْآيَة: {وَلَا تجْهر بصلاتك} فِي الدُّعَاء، وروى أَيْضا بِسَنَد صَحِيح إِلَى دراج عَن أَنْصَارِي لَهُ صُحْبَة: أَن رَسُول الله
{فَضرب الله على آذانهم فَنَامُوا} هَذِه إشاءة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف سِنِين عددا} (الْكَهْف: ١١) هَذَا من فصيحات الْقُرْآن الَّتِي أقرَّت الْعَرَب بالقصور عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ، وَمَعْنَاهُ: أنمناهم وسلطنا عَلَيْهِم النّوم، كَمَا يُقَال: ضرب الله فلَانا بالفالج، أَي: ابتلاه بِهِ وأرسله عَلَيْهِ، وَقيل: مَعْنَاهُ حجبناهم عَن السّمع وسددها نُفُوذ الصَّوْت إِلَى مسامعهم، وَهَذَا وصف الْأَمْوَات والنيام.
وَقَالَ غَيْرُهُ وألَتْ تَثِلُ تَنْجُو: وَقَالَ مُجاهِدٌ مَوْئلاً مَحْرِزاً
أَي: وَقَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {بل لَهُم موعد لن يَجدوا من دونه موئلاً} (الْكَهْف: ٨٥) أَرَادَ أَن لفظ موئلاً مُشْتَقّ من: (وألت تئل) من بَاب فعل يفعل بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُسْتَقْبل، وَمعنى: (تئل تنجو) وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وأل إِلَيْهِ يئل وَألا ووؤلاً على فعول، أَي: لَجأ، والموئل الملجأ. قَوْله: (وَقَالَ مُجَاهِد موئلاً محرزا) يَعْنِي مَعْنَاهُ: محرزا، وَعَن قَتَادَة مَعْنَاهُ ملْجأ وَرجح ابْن قُتَيْبَة هَذَا الْمَعْنى.
لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً لَا يَعْقِلُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {الَّذين كَانَت أَعينهم فِي غطاء عَن ذكري وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سمعا} وَفسّر قَوْله: (لَا يَسْتَطِيعُونَ سمعا) بقوله: (لَا يعْقلُونَ) وَفِي التَّفْسِير وصف الله الْكَافرين بقوله: الَّذين كَانَت أَعينهم فِي غطاء. أَي: غشاء وغفلة عَن ذكري، أَي: عَن الْإِيمَان وَالْقُرْآن لَا يَسْتَطِيعُونَ أَي: لَا يُطِيقُونَ أَن يسمعوا كتاب الله عز وَجل ويتدبرونه ويؤمنون بِهِ لغَلَبَة الشَّقَاء عَلَيْهِم، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.
١ - (بابُ قوْلِهِ عَزّ وجَلَّ: {وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} (الْكَهْف: ٤٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكَانَ الْإِنْسَان أَكثر شَيْء جدلاً} أَي: خُصُومَة فِي الْبَاطِل، نزلت فِي النَّضر بن الْحَارِث وَكَانَ جداله فِي الْقُرْآن، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقيل: فِي أبي بن خلف وَكَانَ جداله فِي الْبَعْث.
٤٢٧٤ - حدَّثنا عليُّ بن عبْدِ الله حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بن سَعْدٍ حدَّثنا أبي عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخبرَني عليُّ بنُ حُسَيْنٍ أنَّ حُسَيْنَ بنَ علِيّ أخبرَهُ عنْ عليّ رَضِي الله عنهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَرَقَهُ وفاطِمَةَ قَالَ ألَا تُصَلِّيانِ.
هَذَا الحَدِيث ذكره هُنَا مُخْتَصرا. وَقد مضى بأتم مِنْهُ فِي الصَّلَاة فِي: بَاب تحريض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على قيام اللَّيْل، وَفِي آخِره: {وَكَانَ الْإِنْسَان أَكثر شَيْء جدلاً} وَهَذَا هُوَ وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة وَإِن لم يذكر صَرِيحًا.
وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَدِينِيّ، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعلي بن حُسَيْن هُوَ عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، سمع أَبَاهُ وَمضى الْكَلَام فِي الحَدِيث هُنَاكَ، قَوْله: (طرقه) أَي: أَتَاهُ لَيْلًا.
رَجْماً بالغَيْبِ لَمْ يَسْتَبِنْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ خَمْسَة سادسهم كلبهم رجماً بِالْغَيْبِ} (الْكَهْف: ٢٢) وَفَسرهُ بقوله: (لم يستبن) وَقيل: قذفا بِالظَّنِّ من غير يَقِين وَهَذَا لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَاتبع هَوَاهُ وَكَانَ أمره فرطا} (الْكَهْف: ٨٢) نزلت فِي عُيَيْنَة بن حُصَيْن بن بدر الْفَزارِيّ قبل أَن يسلم، قَالَه ابْن جريج، وَفسّر قَوْله: فرطا بقوله: ندماً وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد فِي قَوْله: (فرطا) أَي: ندامة، وَعَن أبي عُبَيْدَة تضييعاً وإسرافاً، وَعَن مُجَاهِد: ضيَاعًا، وَعَن السّديّ إهلاكاً.
سُرَادِقُها
مِثْلُ السُّرَادِقِ والحُجْرَةِ الَّتي تُطِيفُ بالْفَساطِيطِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا اعتدنا للظالمين نَارا أحَاط بهم سرادقها} (الْكَهْف: ٩٢) وَالضَّمِير فِي سرادقها يرجع إِلَى النَّار، وَالْمعْنَى أَن سرادق النَّار مثل السرادق، والحجرة الَّتِي تطيف أَي تحيط بالفساطيط وَهُوَ جمع فسطاط وَهِي الْخَيْمَة الْعَظِيمَة، والسرادق هُوَ الَّذِي يمد فَوق صحن الدَّار ويطيف بِهِ ويقاربه. وَفِي التَّفْسِير عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: سرادق النَّار أَربع جدر كتف كل وَاحِدَة مسيرَة أَرْبَعِينَ سنة. وَعَن ابْن عَبَّاس: السرادق حَائِط من نَار، وَعَن الْكَلْبِيّ: هُوَ عنق يخرج من النَّار فيحيط بالكفار كالحظيرة، وَعَن القتبي: السرادق الْحُجْرَة الَّتِي تكون حول الْفسْطَاط، وَهُوَ هُنَا دُخان مُحِيط بالكفار يَوْم الْقِيَامَة.
يُحاوِرُهُ مِنَ المُحاوَرَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَكَانَ لَهُ ثَمَر فَقَالَ لصَاحبه وَهُوَ يحاوره} (الْكَهْف: ٤٣) الْآيَة قَوْله: (من المحاورة) يَعْنِي: لفظ (يحاوره) مُشْتَقّ من المحاورة وَهِي الْمُرَاجَعَة، وَفِي التَّفْسِير: يحاوره، أَي: يجاوبه.
لاكِنّا هُوَ الله رَبِّي أيْ لَكِنْ أَنا هُوَ الله رَبِّي ثُمَّ حَذَفَ الألِفَ وأدْغَمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الأخْرَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لكنَّا هُوَ الله رَبِّي وَلَا أشرك بربي أحدا} (الْكَهْف: ٨٣) هَذَا الَّذِي ذكره هُوَ تصرف عَامَّة النَّحْوِيين، وَهُوَ حذف همزَة، أَنا طلبا للخفة لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله وإدغام إِحْدَى النونين فِي الْأُخْرَى، وَعَن الْكسَائي: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير مجازه، لَكِن هُوَ الله رَبِّي.
{وفَجَّرْنا خلالَهُما نَهَراً يَقُولُ بَيْنَهُما}
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كلتا الجنتين آتت أكلهَا وَلم تظلم مِنْهُ شَيْئا وفجرنا خلالهما نَهرا وَكَانَ لَهُ ثَمَر} (الْكَهْف: ٣٣ ٤٣) الْآيَة، وَفسّر قَوْله: (خلالهما) بقوله: (بَينهمَا) وَفِي التَّفْسِير: وفجرنا خلالهما، يَعْنِي: شققنا وسطهما نَهرا، وَفِي بعض النّسخ: وَقع هَذَا مقدما، وَثَبت لأبي ذَر.
زَلَقاً لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَتُصْبِح صَعِيدا زلقاً} (الْكَهْف: ٠٤) وَفَسرهُ بقوله: لَا تثبت فِيهِ قدم. وَفِي التَّفْسِير {صَعِيدا زلقاً} يَعْنِي: صَعِيدا أملس لَا نَبَات عَلَيْهِ، وَعَن مُجَاهِد: رملاً هائلاً وتراباً.
هُنالِكَ الوَلايَةُ مَصْدَرُ الوَلِيِّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ منتصراً هُنَالك الْولَايَة لله الْحق} الْآيَة. قَوْله: (الْولَايَة) ، بِفَتْح الْوَاو فِي قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْولَايَة بِالْفَتْح النُّصْرَة، والتولي، وبالكسر: السُّلْطَان وَالْملك، وَقد قرىء بهما. قَوْله: (مصدر الْوَلِيّ) ، ويروى: مصدر ولي بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر مصدر ولي الْمولى. وَلَاء وَالْأول هُوَ الأصوب. قَوْله: (هُنَالك) أَي: يَوْم الْقِيَامَة، وَفِي التَّفْسِير: هُنَالك يتولون الله تَعَالَى ويتبرؤون مِمَّا كَانُوا يعبدونه.
عُقُباً عاقِبَةٌ وعقبى وعُقْبَةٌ واحِدٌ وهْيَ الآخِرَةُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {هُوَ خير ثَوابًا وَخير عقباً} (الْكَهْف: ٤٤) وَفسّر بقوله: (عَاقِبَة) ، ثمَّ قَالَ: (الْعَاقِبَة وعقبى وَعقبَة) بِمَعْنى وَاحِد، يُقَال: هَذَا عقب أَمر كَذَا وعقباه وعاقبته، أَي: آخِره، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: عَاقِبَة كل شَيْء آخِره.
قِبِلاً وقُبُلاً وقَبَلاً اسْتِئْنافاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو يَأْتِيهم الْعَذَاب قُبُلاً} (الْكَهْف: ٥٥) وقبلاً وقبلاً. الأول: بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء، الثَّانِي: بِضَمَّتَيْنِ، وَالثَّالِث: بِفتْحَتَيْنِ، وَفسّر ذَلِك كُله بقوله: استئنافاً يَعْنِي اسْتِقْبَالًا، وَفِي التَّفْسِير: أَي عيَانًا، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ السَّيْف يَوْم بدر، وَقَالَ مقَاتل: فَجْأَة، وَمن قَرَأَ بِضَمَّتَيْنِ أَرَادَ أَصْنَاف الْعَذَاب.
لِيُدْحِضُوا لِيُزِيلوا الدَّحَضُ الزَّلَقُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ويجادل الَّذين كفرُوا بِالْبَاطِلِ ليدحضوا بِهِ الْحق} (الْكَهْف: ٦٥) وَفسّر: ليدحضوا بقوله: (ليزيلوا) من الدخض وَهُوَ الزلق، يُقَال: دحضت رجله إِذا زلقت، وَعَن السّديّ: مَعْنَاهُ ليفسدوا، وَقيل: ليبطلوا بِهِ الْحق.