الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٢١
الحديث رقم ٤٧٢١ من كتاب «سورة بني إسرائيل» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ويسألونك عن الروح.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾
٤٧٢١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةٍ نُصُبٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ لَكِنْ بِلَفْظِ صَنَمٌ وَالْأَوْجَهُ نَصْبُهُ عَلَى التَّمْيِيزِ إِذْ لَوْ كَانَ مَرْفُوعًا لَكَانَ صِفَةً، وَالْوَاحِدُ لَا يَقَعُ صِفَةً لِلْجَمْعِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ، أَوْ هُوَ مَنْصُوبٌ لَكِنَّهُ كُتِبَ بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى بَعْضِ اللُّغَاتِ.
١٣ - بَاب ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾
٤٧٢١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ، إِذْ مَرَّ الْيَهُودُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ، فَقَالَ: مَا رَابكُمْ إِلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالُوا: سَلُوهُ، فَسَأَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ مَقَامِي، فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ إِبْرَاهِيمَ - وَهُوَ النَّخَعِيُّ - عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ: (فِي حَرْثٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ، وَوَقَعَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ، وَضَبَطُوهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ وَبِالْعَكْسِ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ وكَانَ فِي نَخْلٍ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْعِلْمِ بِالْمَدِينَةِ وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ فِي حَرْثٍ لِلْأَنْصَارِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ، لَكِنْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلْيَهُودِ: أَعْطُونَا شَيْئًا نَسْأَلْ هَذَا الرَّجُلَ، فَقَالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَسَأَلُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. وَرِجَالُهُ رِجَالُ مُسْلِمٍ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَتَعَدَّدَ النُّزُولُ بِحَمْلِ سُكُوتِهِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى تَوَقُّعِ مَزِيدِ بَيَانٍ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ سَاغَ هَذَا وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ.
قَوْلُهُ: (يَتَوَكَّأُ) أَيْ يَعْتَمِدُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى عَسِيبٍ) بِمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ بِوَزْنِ عَظِيمٍ وَهِيَ الْجَرِيدَةُ الَّتِي لَا خُوصَ فِيهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ وَمَعَهُ جَرِيدَةٌ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْعُسْبَانُ مِنَ النَّخْلِ كَالْقُضْبَانِ مِنْ غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (إِذْ مَرَّ الْيَهُودُ) كَذَا فِيهِ الْيَهُودُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَفِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ فِي الْعِلْمِ وَالِاعْتِصَامِ وَالتَّوْحِيدِ وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ إِذْ مَرَرْنَا عَلَى يَهُودَ وَيُحْمَلُ هَذَا الِاخْتِلَافُ عَلَى أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ تَلَاقَوْا فَيَصْدُقُ أَنَّ كُلًّا مَرَّ بِالْآخَرِ، وَقَوْلُهُ: يَهُودَ هَذَا اللَّفْظُ مَعْرِفَةٌ تَدْخُلُهُ اللَّامُ تَارَةً وَتَارَةً يَتَجَرَّدُ، وَحَذَفُوا مِنْهُ يَاءَ النِّسْبَةِ فَفَرَّقُوا بَيْنَ مُفْرَدِهِ وَجَمْعِهِ كَمَا قَالُوا زِنْجٌ وَزِنْجِيٌّ، وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ.
قَوْلُهُ: (مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي مِنَ الرَّيْبِ، وَيُقَالُ فِيهِ رَابَهُ كَذَا وَأَرَابَهُ كَذَا بِمَعْنًى، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: رَابَهُ إِذَا عَلِمَ
مِنْهُ الرَّيْبَ، وَأَرَابَهُ إِذَا ظَنَّ ذَلِكَ بِهِ. وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ وَحْدَهُ بِهَمْزَةٍ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مِنَ الرَّأْبِ وَهُوَ الْإِصْلَاحُ، يُقَالُ فِيهِ رَأَبَ بَيْنَ الْقَوْمِ إِذَا أَصْلَحَ بَيْنَهُمْ. وَفِي تَوْجِيهِهِ هُنَا بُعْدٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الصَّوَابُ مَا أَرَبَكُمْ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحَتَيْنِ مِنَ الْأَرَبِ وَهُوَ الْحَاجَةُ، وَهَذَا وَاضِحُ الْمَعْنَى لَوْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَةُ. نَعَمْ رَأَيْتُهُ فِي رِوَايَةِ الْمَسْعُودِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ كَذَلِكَ. وَذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ رِوَايَةَ الْقَابِسِيِّ كَرِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، لَكِنْ بِتَحْتَانِيَّةٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ مِنَ الرَّأْيِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ) فِي رِوَايَةِ الْعِلْمِ لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ وَفِي الِاعْتِصَامِ لَا يُسْمِعُكُمْ مَا تَكْرَهُونَ وَهِيَ بِمَعْنًى، وَكُلُّهَا بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَيَجُوزُ السُّكُونُ وَكَذَا النَّصْبُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَقَالُوا سَلُوهُ) فِي رِوَايَةِ التَّوْحِيدِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَنسْأَلَنَّهُ وَاللَّامُ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.
قَوْلُهُ: (فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ) فِي رِوَايَةِ التَّوْحِيدِ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ وَفِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فَقَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنِ الرُّوحِ قَالَ ابْنُ التِّينِ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُرَادِ بِالرُّوحِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَلَى أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ رُوحُ الْإِنْسَانِ، الثَّانِي رُوحُ الْحَيَوَانِ، الثَّالِثُ جِبْرِيلُ، الرَّابِعُ عِيسَى، الْخَامِسُ الْقُرْآنُ، السَّادِسُ الْوَحْيُ، السَّابِعُ مَلَكٌ يَقُومُ وَحْدَهُ صَفًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الثَّامِنُ مَلَكٌ لَهُ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ جَنَاحٍ وَوَجْهٍ وَقِيلَ مَلَكٌ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ، وَقِيلَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ وَجْهٍ فِي كُلِّ وَجْهٍ سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ لِكُلِّ لِسَانٍ أَلْفُ لُغَةٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى، يَخْلُقُ اللَّهُ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ مَلَكٌ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى وَرَأْسُهُ عِنْدَ قَائِمَةِ الْعَرْشِ، التَّاسِعُ خَلْقٌ كَخَلْقِ بَنِي آدَمَ يُقَالُ لَهُمُ الرُّوحُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، لَا يَنْزِلُ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا نَزَلَ مَعَهُ، وَقِيلَ بَلْ هُمْ صِنْفٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا بِزِيَادَاتٍ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ. وَهَذَا إِنَّمَا اجْتَمَعَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي مَعْنَى لَفْظِ الرُّوحِ الْوَارِدِ فِي الْقُرْآنِ، لَا خُصُوصِ هَذِهِ الْآيَةِ.
فَمِنَ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾، ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ فَالْأَوَّلُ جِبْرِيلُ، وَالثَّانِي الْقُرْآنُ، وَالثَّالِثُ الْوَحْيُ، وَالرَّابِعُ الْقُوَّةُ، وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ مُحْتَمِلٌ لِجِبْرِيلَ وَلِغَيْرِهِ. وَوَقَعَ إِطْلَاقُ رُوحِ اللَّهِ عَلَى عِيسَى. وَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرُّوحُ مِنَ اللَّهِ، وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَصُوَرٌ كَبَنِي آدَمَ، لَا يَنْزِلُ مَلَكٌ إِلَّا وَمَعَهُ وَاحِدٌ مِنَ الرُّوحِ. وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يُفَسِّرُ الرُّوحَ، أَيْ لَا يُعَيِّنُ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْآيَةِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَكَوْا فِي الْمُرَادِ بِالرُّوحِ فِي الْآيَةِ أَقْوَالًا: قِيلَ سَأَلُوهُ عَنْ جِبْرِيلَ، وَقِيلَ عَنْ مَلَكٍ لَهُ أَلْسِنَةٌ. وَقَالَ الْأَكْثَرُ: سَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ الَّتِي تَكُونُ بِهَا الْحَيَاةُ فِي الْجَسَدِ. وَقَالَ أَهْلُ النَّظَرِ: سَأَلُوهُ عَنْ كَيْفِيَّةِ مَسْلَكِ الرُّوحِ فِي الْبَدَنِ وَامْتِزَاجِهِ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرَّاجِحُ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ رُوحِ الْإِنْسَانِ لِأَنَّ الْيَهُودَ لَا تَعْتَرِفُ بِأَنَّ عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَلَا تَجْهَلُ أَنَّ جِبْرِيلَ مَلَكٌ وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَرْوَاحٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْجَوَابَ وَقَعَ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الرُّوحِ يَحْتَمِلُ عَنْ مَاهِيَّتِهِ وَهَلْ هِيَ مُتَحَيِّزَةٌ أَمْ لَا، وَهَلْ هِيَ حَالَّةٌ فِي مُتَحَيِّزٍ أَمْ لَا، وَهَلْ هِيَ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ، وَهَلْ تَبْقَى بَعْدَ انْفِصَالِهَا مِنَ الْجَسَدِ أَوْ تَفْنَى، وَمَا حَقِيقَةُ تَعْذِيبِهَا وَتَنْعِيمِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا. قَالَ: وَلَيْسَ فِي السُّؤَالِ مَا يُخَصِّصُ أَحَدَ هَذِهِ الْمَعَانِي، إِلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنِ الْمَاهِيَّةِ، وَهَلِ الرُّوحُ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ وَالْجَوَابُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا شَيْءٌ مَوْجُودٌ مُغَايِرٌ لِلطَّبَائِعِ وَالْأَخْلَاطِ وَتَرْكِيبِهَا، فَهُوَ جَوْهَرٌ بَسِيطٌ مُجَرَّدٌ لَا يَحْدُثُ إِلَّا بِمُحْدِثٍ
وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: كُنْ فَكَأَنَّهُ قَالَ: هِيَ مَوْجُودَةٌ مُحْدَثَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ وَتَكْوِينِهِ، وَلَهَا تَأْثِيرٌ فِي إِفَادَةِ الْحَيَاةِ لِلْجَسَدِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّتِهَا الْمَخْصُوصَةِ نَفْيُهُ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ الْفِعْلَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أَيْ فِعْلُهُ فَيَكُونُ الْجَوَابُ الرُّوحَ مِنْ فِعْلِ رَبِّي، وَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ هَلْ هِيَ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ فَيَكُونُ الْجَوَابُ إِنَّهَا حَادِثَةٌ. إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَدْ سَكَتَ السَّلَفُ عَنِ الْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالتَّعَمُّقِ فِيهَا اهـ.
وَقَدْ تَنَطَّعَ قَوْمٌ فَتَبَايَنَتْ أَقْوَالُهُمْ، فَقِيلَ: هِيَ النَّفَسُ الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ، وَقِيلَ الْحَيَاةُ، وَقِيلَ جِسْمٌ لَطِيفٌ يَحِلُّ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَقِيلَ هِيَ الدَّمُ، وَقِيلَ هِيَ عَرَضٌ، حَتَّى قِيلَ إِنَّ الْأَقْوَالَ فِيهَا بَلَغَتْ مِائَةً. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْدَهْ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ خَمْسَةَ أَرْوَاحٍ، وَأَنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ثَلَاثَةً، وَلِكُلِّ حَيٍّ وَاحِدَةً. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اخْتَلَفُوا فِي الرُّوحِ وَالنَّفْسِ، فَقِيلَ مُتَغَايِرَانِ وَهُوَ الْحَقُّ، وَقِيلَ هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، قَالَ: وَقَدْ يُعَبَّرُ بِالرُّوحِ عَنِ النَّفْسِ وَبِالْعَكْسِ، كَمَا يُعَبَّرُ عَنِ الرُّوحِ وَعَنِ النَّفْسِ بِالْقَلْبِ وَبِالْعَكْسِ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الرُّوحِ بِالْحَيَاةِ حَتَّى يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى غَيْرِ الْعُقَلَاءِ بَلْ إِلَى الْجَمَادِ مَجَازًا. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: يَدُلُّ عَلَى مُغَايَرَةِ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ جَعْلُ أَحَدِهِمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ وَلَوْلَا التَّغَايُرُ لَسَاغَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَيْهِ بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَةِ الْعِلْمِ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى الْعَسِيبِ وَأَنَا خَلْفَهُ.
قَوْلُهُ: (فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ التَّوْحِيدِ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ وَفِي الِاعْتِصَامِ فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ وَهِيَ مُتَقَارِبَةٌ، وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى الظَّنِّ مَشْهُورٌ، وَكَذَا إِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ. وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَامَ وَحَنَى مِنْ رَأْسِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَقُمْتُ مَقَامِي) فِي رِوَايَةِ الِاعْتِصَامِ فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ أَيْ أَدَبًا مَعَهُ لِئَلَّا يَتَشَوَّشَ بِقُرْبِي مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ) فِي رِوَايَةِ الِاعْتِصَامِ حَتَّى صَعِدَ الْوَحْيُ فَقَالَ وَفِي رِوَايَةِ الْعِلْمِ فَقُمْتُ فَلَمَّا انْجَلَى.
قَوْلُهُ: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا وَأَنَّ الرُّوحَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ اخْتَصَّ بِعِلْمِهِ وَلَا سُؤَالَ لِأَحَدٍ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا بِالْأَمْرِ الطَّلَبَ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الْمَأْمُورُ، وَالْأَمْرُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَأْمُورِ كَالْخَلْقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ، وَمِنْهُ ﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ الرُّوحِ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ بِدَلِيلِ هَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي إِبْهَامِهِ اخْتِبَارُ الْخَلْقِ لِيُعَرِّفَهُمْ عَجْزَهُمْ عَنْ عِلْمِ مَا لَا يُدْرِكُونَهُ حَتَّى يَضْطَرَّهُمْ إِلَى رَدِّ الْعِلْمِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ إِظْهَارُ عَجْزِ الْمَرْءِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ نَفْسِهِ مَعَ الْقَطْعِ بِوُجُودِهِ كَانَ عَجْزُهُ عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ الْحَقِّ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى. وَجَنَحَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ إِلَى تَرْجِيحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّوحِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا فِي الْآيَةِ مَا وَقَعَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ قَالَ: وَأَمَّا أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ فَلَمْ يَقَعْ تَسْمِيَتُهَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا نَفْسًا. كَذَا قَالَ، وَلَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ لِمَا رَجَّحَهُ، بَلِ الرَّاجِحُ الْأَوَّلُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهُمْ قَالُوا عَنِ الرُّوحِ: وَكَيْفُ يُعَذَّبُ الرُّوحُ الَّذِي فِي الْجَسَدِ، وَإِنَّمَا الرُّوحُ مِنَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُطْلِعْ نَبِيَّهُ عَلَى حَقِيقَةِ الرُّوحِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَعَهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنَّهُ يُطْلِعُهُمْ، وَقَدْ قَالُوا فِي عِلْمِ السَّاعَةِ نَحْوَ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّنْ رَأَى الْإِمْسَاكَ عَنِ الْكَلَامِ فِي الرُّوحِ أُسْتَاذُ الطَّائِفَةِ أَبُو الْقَاسِمِ فَقَالَ فِيمَا نَقَلَهُ فِي عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ كَلَامَ النَّاسِ فِي الرُّوحِ: وَكَانَ الْأَوْلَى الْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ وَالتَّأَدُّبُ بِأَدَبِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ نُقِلَ عَنِ الْجُنَيْدِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٧٢١ - به قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بكسر الغين المعجمة وآخره مثلَّثة، ابنِ طَلْقٍ، بفتح الطاء وسكون اللَّام، الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهرانَ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخَعيُّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيسٍ النَّخَعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ابنِ مسعودٍ (﵁) أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ) بفتح الحاء المهملة آخره مثلَّثة، وفي «العلم» [خ¦١٢٥] من وجه آخر: «في خَرِب المدينة» بخاء معجمة ثم موحَّدة آخره بدل المثلَّثة، وعند مسلمٍ: «في نخل» (وَهْوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ) بفتح العين وكسر السين المهملتين وبعد التحتيَّة الساكنة موحَّدة، عصًا من جريد النخل (إِذْ مَرَّ اليَهُودُ) رفعٌ على الفاعليَّة (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ) الذي يحيا به بدنُ الإنسان ويدبره، أو جبريل أو القرآن أو الوحي، أو ملك يقوم وحده صفًّا يوم القيامة، أو ملك له أحد عشر ألف جناح ووجه، أو ملك له سبعون ألف لسان، أو خَلْقٌ كخلق بني آدم، يقال لهم: الروح، يأكلون ويشربون، أو سلوه عن كيفيَّة مسلك الرُّوح في البدن وامتزاجها (١) به، وعن (٢) ماهيتها، وهل هي متحيِّزة أم لا؟ وهل هي حالَّة في متحيِّز أم لا؟ وهل هي قديمة أم حادثة؟ وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى؟ وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها … وغير ذلك من متعلَّقاتِها، قال الإمام فخر الدين: وليس في السؤال ما يخصِّصُ أحد (٣) هذه المعاني، إلَّا أنَّ الأظهر أنَّهم سألوه عن الماهيَّة، وهل الروح قديمة أو حادثة؟ (فَقَالَ) أي: بعضُهم: (مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ) بلفظ الفعل الماضي من غير همز، من الريب، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي -كما قال في «فتح الباري» -: «ما رأَبُكم» بهمزة مفتوحة وضمِّ الموحَّدة؛ من الرَّأب؛ وهو الإصلاح، يقال فيه: رأب بين القوم: إذا
أصلح بينهم، قال: وفي توجيهه هنا بُعْدٌ، وقال الخطَّابيُّ: الصواب: ما أَرَبُكم -بتقديم الهمزة وفتحتين- من الأَرَب؛ وهو الحاجة، قال الحافظ ابن حجر: وهذا واضحُ المعنى لو ساعدتْهُ الرِّواية، نعم رأيته في رواية المسعوديِّ عن الأعمش عند الطَّبريِّ كذلك، وذكر ابن التِّين أنَّ (١) في رواية القابسي كرواية الحَمُّويي، لكن (٢) بتحتيَّة بدل الموحَّدة: «ما رأْيُكم» أي: بسكون الهمزة؛ من الرَّأي. انتهى. وهذا الذي حكاه عن رواية القابسي رأيتُه كذلك في فرع «اليونينيَّة» كأصله (٣) عن أبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ) بالرَّفع على الاستئناف، ويجوزُ الجزمُ على النَّهي، وفي «العلم» [خ¦١٢٥]: «وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء» (تَكْرَهُونَهُ) إنْ لم يفسِّره؛ لأنَّهم قالوا: إنْ فسَّرَه فليس بنبي؛ وذلك أنَّ في التَّوراة: أنَّ الرُّوحَ ممَّا انفرد الله بعلمه، ولا يُطلِعُ عليه أحدًا من عباده، فإذا لم يفسِّرْه دلَّ على نبوَّته، وهم يكرهونها، وفيه قيام الحجَّة عليهم في نبوَّته (فَقَالُوا: سَلُوهُ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فلم يردَّ عليه» (شَيْئًا) بالإفراد، أي: على السَّائل، وفي «العلم» [خ¦١٢٥]: «فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فَسَكَتَ» قال ابن مسعود: (فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ) في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٦]: «فظننت» بدل: «فعلمت»، وإطلاقُ الظَّنِّ على العلم معروفٌ (فَقُمْتُ مَقَامِي) أي: في مقامي، أي: لِأَحولَ بينه وبين السَّائلين، أو فقمت عنه، أي: لئلَّا يتشوَّش بقُربي منه، وفي «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٧]: «فتأخَّرتُ عنه» (فَلَمَّا نَزَلَ الوَحْيُ) عليه ﷺ (قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾) قال البِرماويُّ وغيرُه: ظاهرُ السِّياق يقتضي أنَّ الوحي لم يتأخَّر، لكن في «مغازي ابن إسحاق»: أنَّه تأخَّر خمس عشرة ليلة، وكذا قال القاضي عياض: إنَّه ثبت كذلك في «مسلمٍ» أي: ما يقتضي الفورية، وهو وهم بيِّن؛ لأنه إنَّما جاء هذا القول عند انكشاف الوحي، وفي «البخاريِّ» في «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٢٩٧]: «فلمَّا صَعِدَ الوحيُ (٤)» وهو
صحيحٌ، قال في «المصابيح»: هذه (١) الإطلاقات صعبةٌ في الأحاديث الصَّحيحة (٢)، لا سيَّما ما اجتمع على تخريجه الشيخان، ولا أدري ما هذا الوهم ولا كيف هو؟ و «لمَّا» حرف وجودٍ لوجود، أي: إنَّ مضمون الجملة الثانية وُجِدَ لأجل مضمون الأولى، كما تقول: لمَّا جاءني زيدٌ أكرمتُه، فالإكرام وُجِدَ لوجود المجيء، كذلك تلاوتُه ﵊ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الاية [الإسراء: ٨٥] كانت لأجل وجود إنزالها، ولا يضرُّ في ذلك كون الإنزال تأخَّر عن وقت السُّؤال، وأمَّا قوله: إنَّ هذا القول إنَّما كان بعد انكشاف الوحي؛ فمُسلَّمٌ إذ هو لا يتكلَّم بالمُنزَّل عليه في نفس وقت الإنزال، وإنَّما (٣) يتكلَّم به (٤) بعد انقضاء زمن الوحي، واتحادُ زمني (٥) الفعلين الواقعين في جملتي «لمَّا» غيرُ شرطٍ، كما إذا قلت: لمَّا جاءني زيدٌ أكرمتُه، فلا يُشترط في صِحَّة هذا الكلام أن يكون الإكرامُ والمجيءُ واقعين في زمن واحد، لا يتقدَّم أحدُهما على الآخر ولا يتأخَّر، بل هذا التركيب صحيحٌ إذا كان الإكرام متعقِّبًا للمجيء، فإن قلت: لعلَّه بناه على رأي الفارسيِّ ومَن تبعه في أنَّ «لمَّا» ظرفٌ بمعنى: حين، فيلزم أن يكونَ الفعلُ الثَّاني واقعًا في حين الفعل الأول؟ قلتُ: ليس مراد الفارسيِّ ولا غيرِه مِن كونها بمعنى «حين» ما فهمته من اتحاد الزمنين باعتبار الابتداء والانتهاء، ألا ترى أنَّه يصحُّ أن تقول: جئت حين جاء زيد، وإن كان ابتداءُ مجيئِكَ في آخرِ مجيءِ زيدٍ، ومنتهاهُ بعدَ ذلك، والمشاحة في مثل هذا والمضايقةُ فيه ممَّا لم تُبْنَ لغةُ العرب عليه. انتهى. (﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾) أي: ممَّا استأئر اللهُ بعلمه، فهو مِن أمر ربِّي لا مِن أمري، فلا أقولُ لكم ما هي، و «الأمر» بمعنى: الشَّأن، أي: معرفةُ الرُّوح مِن شأن الله لا مِن شأن غيره، ولا يلزمُ مِن عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيُه، فإنَّ أكثرَ حقائق الأشياء وماهيتِها مجهولةٌ، ولم يلزم من كونها مجهولة نفيُها، ويؤيِّده قولُه تعالى: (﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ﴾) علمًا أو إيتاءً (﴿قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وما أوتوا» بضمير الغائب، وهي قراءةٌ شاذَّةٌ مرويَّةٌ عنِ
الأعمش، مخالفةٌ للمصحف، ليست من طرق كتابي الذي جمعته في القراءات الأربعة عشر، وإنَّما رأيتها في كتب التَّفسير، قيل: وليس في الآية دلالة على أنَّ الله تعالى لم يُطلِع نبيَّه على حقيقة الروح، بل يَحتملُ أن يكون أطلعَه ولم يأمرْه أن يطلعَهُم، وقد قالوا في علم الساعة نحو هذا، فالله أعلم، وقد قرَّر السهيليُّ -فيما ذكره ابن كثيرٍ-: أنَّ الرُّوح هي ذاتٌ لطيفة كالهواء، ساريةٌ في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وإنَّ الرُّوح التي ينفخُها الملَك في الجنين هي النفس بشرط اتِّصالها بالبدن، واكتسابها بسببه صفاتِ مدحٍ أو ذَمٍّ، فهي إمَّا نفسٌ مطمئنةٌ، أو أمَّارةٌ بالسُّوء، كما أنَّ الماء حياة الشجر، ثم يكتسب بسبب اختلاطه معها اسمًا خاصًّا، فإذا اتصل بالعنبة وعُصِر منها صار ماء مصطارًا وخمرًا (١)، ولا يقال له: ماءٌ حينئذٍ إلا على سبيل المجاز، وهكذا لا يقال للنفس: روحٌ إلَّا على هذا النحو، وكذلك لا يقال للرُّوح: نفسٌ إلَّا على هذا النحو، باعتبار ما تَؤُولُ إليه، فحاصل ما نقول: إنَّ الرُّوح هي أصل النَّفس ومادَّتها، والنَّفس مركَّبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي مِن وجه، لا من كل وجه وهذا معنى حسن. انتهى. ثمَّ إنَّ ظاهر سياق هذا الحديث يقتضي أنَّ هذه الآية مدنيَّة، وأنَّ نزولها إنَّما كان حين سأل اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أنَّ السُّورةَ كلَّها مكِّيَّةٌ، وقد يُجاب: باحتمال أن تكون نزلت مرَّةً ثانيةً بالمدينة، كما نزلت بمكَّة قبلُ (٢).
وهذا الحديث سبق في «كتاب العلم» [خ¦١٢٥] وأخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٦] [خ¦٧٤٦٢] و «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٧]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(١٤) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]) سقط لفظ «باب» لغير أبي ذَرٍّ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةٍ نُصُبٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ لَكِنْ بِلَفْظِ صَنَمٌ وَالْأَوْجَهُ نَصْبُهُ عَلَى التَّمْيِيزِ إِذْ لَوْ كَانَ مَرْفُوعًا لَكَانَ صِفَةً، وَالْوَاحِدُ لَا يَقَعُ صِفَةً لِلْجَمْعِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ، أَوْ هُوَ مَنْصُوبٌ لَكِنَّهُ كُتِبَ بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى بَعْضِ اللُّغَاتِ.
١٣ - بَاب ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾
٤٧٢١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ، إِذْ مَرَّ الْيَهُودُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ، فَقَالَ: مَا رَابكُمْ إِلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالُوا: سَلُوهُ، فَسَأَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ مَقَامِي، فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ إِبْرَاهِيمَ - وَهُوَ النَّخَعِيُّ - عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ: (فِي حَرْثٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ، وَوَقَعَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ، وَضَبَطُوهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ وَبِالْعَكْسِ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ وكَانَ فِي نَخْلٍ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْعِلْمِ بِالْمَدِينَةِ وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ فِي حَرْثٍ لِلْأَنْصَارِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ، لَكِنْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلْيَهُودِ: أَعْطُونَا شَيْئًا نَسْأَلْ هَذَا الرَّجُلَ، فَقَالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَسَأَلُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. وَرِجَالُهُ رِجَالُ مُسْلِمٍ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَتَعَدَّدَ النُّزُولُ بِحَمْلِ سُكُوتِهِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى تَوَقُّعِ مَزِيدِ بَيَانٍ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ سَاغَ هَذَا وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ.
قَوْلُهُ: (يَتَوَكَّأُ) أَيْ يَعْتَمِدُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى عَسِيبٍ) بِمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ بِوَزْنِ عَظِيمٍ وَهِيَ الْجَرِيدَةُ الَّتِي لَا خُوصَ فِيهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ وَمَعَهُ جَرِيدَةٌ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْعُسْبَانُ مِنَ النَّخْلِ كَالْقُضْبَانِ مِنْ غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (إِذْ مَرَّ الْيَهُودُ) كَذَا فِيهِ الْيَهُودُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَفِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ فِي الْعِلْمِ وَالِاعْتِصَامِ وَالتَّوْحِيدِ وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ إِذْ مَرَرْنَا عَلَى يَهُودَ وَيُحْمَلُ هَذَا الِاخْتِلَافُ عَلَى أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ تَلَاقَوْا فَيَصْدُقُ أَنَّ كُلًّا مَرَّ بِالْآخَرِ، وَقَوْلُهُ: يَهُودَ هَذَا اللَّفْظُ مَعْرِفَةٌ تَدْخُلُهُ اللَّامُ تَارَةً وَتَارَةً يَتَجَرَّدُ، وَحَذَفُوا مِنْهُ يَاءَ النِّسْبَةِ فَفَرَّقُوا بَيْنَ مُفْرَدِهِ وَجَمْعِهِ كَمَا قَالُوا زِنْجٌ وَزِنْجِيٌّ، وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ.
قَوْلُهُ: (مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي مِنَ الرَّيْبِ، وَيُقَالُ فِيهِ رَابَهُ كَذَا وَأَرَابَهُ كَذَا بِمَعْنًى، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: رَابَهُ إِذَا عَلِمَ
مِنْهُ الرَّيْبَ، وَأَرَابَهُ إِذَا ظَنَّ ذَلِكَ بِهِ. وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ وَحْدَهُ بِهَمْزَةٍ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مِنَ الرَّأْبِ وَهُوَ الْإِصْلَاحُ، يُقَالُ فِيهِ رَأَبَ بَيْنَ الْقَوْمِ إِذَا أَصْلَحَ بَيْنَهُمْ. وَفِي تَوْجِيهِهِ هُنَا بُعْدٌ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الصَّوَابُ مَا أَرَبَكُمْ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحَتَيْنِ مِنَ الْأَرَبِ وَهُوَ الْحَاجَةُ، وَهَذَا وَاضِحُ الْمَعْنَى لَوْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَةُ. نَعَمْ رَأَيْتُهُ فِي رِوَايَةِ الْمَسْعُودِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ كَذَلِكَ. وَذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ رِوَايَةَ الْقَابِسِيِّ كَرِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، لَكِنْ بِتَحْتَانِيَّةٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ مِنَ الرَّأْيِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ) فِي رِوَايَةِ الْعِلْمِ لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ وَفِي الِاعْتِصَامِ لَا يُسْمِعُكُمْ مَا تَكْرَهُونَ وَهِيَ بِمَعْنًى، وَكُلُّهَا بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَيَجُوزُ السُّكُونُ وَكَذَا النَّصْبُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَقَالُوا سَلُوهُ) فِي رِوَايَةِ التَّوْحِيدِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَنسْأَلَنَّهُ وَاللَّامُ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.
قَوْلُهُ: (فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ) فِي رِوَايَةِ التَّوْحِيدِ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ وَفِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فَقَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنِ الرُّوحِ قَالَ ابْنُ التِّينِ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُرَادِ بِالرُّوحِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَلَى أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ رُوحُ الْإِنْسَانِ، الثَّانِي رُوحُ الْحَيَوَانِ، الثَّالِثُ جِبْرِيلُ، الرَّابِعُ عِيسَى، الْخَامِسُ الْقُرْآنُ، السَّادِسُ الْوَحْيُ، السَّابِعُ مَلَكٌ يَقُومُ وَحْدَهُ صَفًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الثَّامِنُ مَلَكٌ لَهُ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ جَنَاحٍ وَوَجْهٍ وَقِيلَ مَلَكٌ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ، وَقِيلَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ وَجْهٍ فِي كُلِّ وَجْهٍ سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ لِكُلِّ لِسَانٍ أَلْفُ لُغَةٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى، يَخْلُقُ اللَّهُ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ مَلَكٌ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى وَرَأْسُهُ عِنْدَ قَائِمَةِ الْعَرْشِ، التَّاسِعُ خَلْقٌ كَخَلْقِ بَنِي آدَمَ يُقَالُ لَهُمُ الرُّوحُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، لَا يَنْزِلُ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا نَزَلَ مَعَهُ، وَقِيلَ بَلْ هُمْ صِنْفٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا بِزِيَادَاتٍ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ. وَهَذَا إِنَّمَا اجْتَمَعَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي مَعْنَى لَفْظِ الرُّوحِ الْوَارِدِ فِي الْقُرْآنِ، لَا خُصُوصِ هَذِهِ الْآيَةِ.
فَمِنَ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾، ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ فَالْأَوَّلُ جِبْرِيلُ، وَالثَّانِي الْقُرْآنُ، وَالثَّالِثُ الْوَحْيُ، وَالرَّابِعُ الْقُوَّةُ، وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ مُحْتَمِلٌ لِجِبْرِيلَ وَلِغَيْرِهِ. وَوَقَعَ إِطْلَاقُ رُوحِ اللَّهِ عَلَى عِيسَى. وَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرُّوحُ مِنَ اللَّهِ، وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَصُوَرٌ كَبَنِي آدَمَ، لَا يَنْزِلُ مَلَكٌ إِلَّا وَمَعَهُ وَاحِدٌ مِنَ الرُّوحِ. وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يُفَسِّرُ الرُّوحَ، أَيْ لَا يُعَيِّنُ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْآيَةِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَكَوْا فِي الْمُرَادِ بِالرُّوحِ فِي الْآيَةِ أَقْوَالًا: قِيلَ سَأَلُوهُ عَنْ جِبْرِيلَ، وَقِيلَ عَنْ مَلَكٍ لَهُ أَلْسِنَةٌ. وَقَالَ الْأَكْثَرُ: سَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ الَّتِي تَكُونُ بِهَا الْحَيَاةُ فِي الْجَسَدِ. وَقَالَ أَهْلُ النَّظَرِ: سَأَلُوهُ عَنْ كَيْفِيَّةِ مَسْلَكِ الرُّوحِ فِي الْبَدَنِ وَامْتِزَاجِهِ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرَّاجِحُ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ رُوحِ الْإِنْسَانِ لِأَنَّ الْيَهُودَ لَا تَعْتَرِفُ بِأَنَّ عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَلَا تَجْهَلُ أَنَّ جِبْرِيلَ مَلَكٌ وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَرْوَاحٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْجَوَابَ وَقَعَ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الرُّوحِ يَحْتَمِلُ عَنْ مَاهِيَّتِهِ وَهَلْ هِيَ مُتَحَيِّزَةٌ أَمْ لَا، وَهَلْ هِيَ حَالَّةٌ فِي مُتَحَيِّزٍ أَمْ لَا، وَهَلْ هِيَ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ، وَهَلْ تَبْقَى بَعْدَ انْفِصَالِهَا مِنَ الْجَسَدِ أَوْ تَفْنَى، وَمَا حَقِيقَةُ تَعْذِيبِهَا وَتَنْعِيمِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا. قَالَ: وَلَيْسَ فِي السُّؤَالِ مَا يُخَصِّصُ أَحَدَ هَذِهِ الْمَعَانِي، إِلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنِ الْمَاهِيَّةِ، وَهَلِ الرُّوحُ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ وَالْجَوَابُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا شَيْءٌ مَوْجُودٌ مُغَايِرٌ لِلطَّبَائِعِ وَالْأَخْلَاطِ وَتَرْكِيبِهَا، فَهُوَ جَوْهَرٌ بَسِيطٌ مُجَرَّدٌ لَا يَحْدُثُ إِلَّا بِمُحْدِثٍ
وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: كُنْ فَكَأَنَّهُ قَالَ: هِيَ مَوْجُودَةٌ مُحْدَثَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ وَتَكْوِينِهِ، وَلَهَا تَأْثِيرٌ فِي إِفَادَةِ الْحَيَاةِ لِلْجَسَدِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّتِهَا الْمَخْصُوصَةِ نَفْيُهُ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ الْفِعْلَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أَيْ فِعْلُهُ فَيَكُونُ الْجَوَابُ الرُّوحَ مِنْ فِعْلِ رَبِّي، وَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ هَلْ هِيَ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ فَيَكُونُ الْجَوَابُ إِنَّهَا حَادِثَةٌ. إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَدْ سَكَتَ السَّلَفُ عَنِ الْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالتَّعَمُّقِ فِيهَا اهـ.
وَقَدْ تَنَطَّعَ قَوْمٌ فَتَبَايَنَتْ أَقْوَالُهُمْ، فَقِيلَ: هِيَ النَّفَسُ الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ، وَقِيلَ الْحَيَاةُ، وَقِيلَ جِسْمٌ لَطِيفٌ يَحِلُّ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَقِيلَ هِيَ الدَّمُ، وَقِيلَ هِيَ عَرَضٌ، حَتَّى قِيلَ إِنَّ الْأَقْوَالَ فِيهَا بَلَغَتْ مِائَةً. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْدَهْ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ خَمْسَةَ أَرْوَاحٍ، وَأَنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ثَلَاثَةً، وَلِكُلِّ حَيٍّ وَاحِدَةً. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اخْتَلَفُوا فِي الرُّوحِ وَالنَّفْسِ، فَقِيلَ مُتَغَايِرَانِ وَهُوَ الْحَقُّ، وَقِيلَ هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، قَالَ: وَقَدْ يُعَبَّرُ بِالرُّوحِ عَنِ النَّفْسِ وَبِالْعَكْسِ، كَمَا يُعَبَّرُ عَنِ الرُّوحِ وَعَنِ النَّفْسِ بِالْقَلْبِ وَبِالْعَكْسِ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الرُّوحِ بِالْحَيَاةِ حَتَّى يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى غَيْرِ الْعُقَلَاءِ بَلْ إِلَى الْجَمَادِ مَجَازًا. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: يَدُلُّ عَلَى مُغَايَرَةِ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ جَعْلُ أَحَدِهِمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ وَلَوْلَا التَّغَايُرُ لَسَاغَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَيْهِ بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَةِ الْعِلْمِ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى الْعَسِيبِ وَأَنَا خَلْفَهُ.
قَوْلُهُ: (فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ التَّوْحِيدِ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ وَفِي الِاعْتِصَامِ فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ وَهِيَ مُتَقَارِبَةٌ، وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى الظَّنِّ مَشْهُورٌ، وَكَذَا إِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ. وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَامَ وَحَنَى مِنْ رَأْسِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَقُمْتُ مَقَامِي) فِي رِوَايَةِ الِاعْتِصَامِ فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ أَيْ أَدَبًا مَعَهُ لِئَلَّا يَتَشَوَّشَ بِقُرْبِي مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ) فِي رِوَايَةِ الِاعْتِصَامِ حَتَّى صَعِدَ الْوَحْيُ فَقَالَ وَفِي رِوَايَةِ الْعِلْمِ فَقُمْتُ فَلَمَّا انْجَلَى.
قَوْلُهُ: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا وَأَنَّ الرُّوحَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ اخْتَصَّ بِعِلْمِهِ وَلَا سُؤَالَ لِأَحَدٍ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا بِالْأَمْرِ الطَّلَبَ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الْمَأْمُورُ، وَالْأَمْرُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَأْمُورِ كَالْخَلْقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ، وَمِنْهُ ﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ الرُّوحِ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ بِدَلِيلِ هَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي إِبْهَامِهِ اخْتِبَارُ الْخَلْقِ لِيُعَرِّفَهُمْ عَجْزَهُمْ عَنْ عِلْمِ مَا لَا يُدْرِكُونَهُ حَتَّى يَضْطَرَّهُمْ إِلَى رَدِّ الْعِلْمِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ إِظْهَارُ عَجْزِ الْمَرْءِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ نَفْسِهِ مَعَ الْقَطْعِ بِوُجُودِهِ كَانَ عَجْزُهُ عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ الْحَقِّ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى. وَجَنَحَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ إِلَى تَرْجِيحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّوحِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا فِي الْآيَةِ مَا وَقَعَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ قَالَ: وَأَمَّا أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ فَلَمْ يَقَعْ تَسْمِيَتُهَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا نَفْسًا. كَذَا قَالَ، وَلَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ لِمَا رَجَّحَهُ، بَلِ الرَّاجِحُ الْأَوَّلُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهُمْ قَالُوا عَنِ الرُّوحِ: وَكَيْفُ يُعَذَّبُ الرُّوحُ الَّذِي فِي الْجَسَدِ، وَإِنَّمَا الرُّوحُ مِنَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُطْلِعْ نَبِيَّهُ عَلَى حَقِيقَةِ الرُّوحِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَعَهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنَّهُ يُطْلِعُهُمْ، وَقَدْ قَالُوا فِي عِلْمِ السَّاعَةِ نَحْوَ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّنْ رَأَى الْإِمْسَاكَ عَنِ الْكَلَامِ فِي الرُّوحِ أُسْتَاذُ الطَّائِفَةِ أَبُو الْقَاسِمِ فَقَالَ فِيمَا نَقَلَهُ فِي عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ كَلَامَ النَّاسِ فِي الرُّوحِ: وَكَانَ الْأَوْلَى الْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ وَالتَّأَدُّبُ بِأَدَبِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ نُقِلَ عَنِ الْجُنَيْدِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٧٢١ - به قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بكسر الغين المعجمة وآخره مثلَّثة، ابنِ طَلْقٍ، بفتح الطاء وسكون اللَّام، الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهرانَ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) النَّخَعيُّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيسٍ النَّخَعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ابنِ مسعودٍ (﵁) أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ) بفتح الحاء المهملة آخره مثلَّثة، وفي «العلم» [خ¦١٢٥] من وجه آخر: «في خَرِب المدينة» بخاء معجمة ثم موحَّدة آخره بدل المثلَّثة، وعند مسلمٍ: «في نخل» (وَهْوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ) بفتح العين وكسر السين المهملتين وبعد التحتيَّة الساكنة موحَّدة، عصًا من جريد النخل (إِذْ مَرَّ اليَهُودُ) رفعٌ على الفاعليَّة (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ) الذي يحيا به بدنُ الإنسان ويدبره، أو جبريل أو القرآن أو الوحي، أو ملك يقوم وحده صفًّا يوم القيامة، أو ملك له أحد عشر ألف جناح ووجه، أو ملك له سبعون ألف لسان، أو خَلْقٌ كخلق بني آدم، يقال لهم: الروح، يأكلون ويشربون، أو سلوه عن كيفيَّة مسلك الرُّوح في البدن وامتزاجها (١) به، وعن (٢) ماهيتها، وهل هي متحيِّزة أم لا؟ وهل هي حالَّة في متحيِّز أم لا؟ وهل هي قديمة أم حادثة؟ وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى؟ وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها … وغير ذلك من متعلَّقاتِها، قال الإمام فخر الدين: وليس في السؤال ما يخصِّصُ أحد (٣) هذه المعاني، إلَّا أنَّ الأظهر أنَّهم سألوه عن الماهيَّة، وهل الروح قديمة أو حادثة؟ (فَقَالَ) أي: بعضُهم: (مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ) بلفظ الفعل الماضي من غير همز، من الريب، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي -كما قال في «فتح الباري» -: «ما رأَبُكم» بهمزة مفتوحة وضمِّ الموحَّدة؛ من الرَّأب؛ وهو الإصلاح، يقال فيه: رأب بين القوم: إذا
أصلح بينهم، قال: وفي توجيهه هنا بُعْدٌ، وقال الخطَّابيُّ: الصواب: ما أَرَبُكم -بتقديم الهمزة وفتحتين- من الأَرَب؛ وهو الحاجة، قال الحافظ ابن حجر: وهذا واضحُ المعنى لو ساعدتْهُ الرِّواية، نعم رأيته في رواية المسعوديِّ عن الأعمش عند الطَّبريِّ كذلك، وذكر ابن التِّين أنَّ (١) في رواية القابسي كرواية الحَمُّويي، لكن (٢) بتحتيَّة بدل الموحَّدة: «ما رأْيُكم» أي: بسكون الهمزة؛ من الرَّأي. انتهى. وهذا الذي حكاه عن رواية القابسي رأيتُه كذلك في فرع «اليونينيَّة» كأصله (٣) عن أبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ) بالرَّفع على الاستئناف، ويجوزُ الجزمُ على النَّهي، وفي «العلم» [خ¦١٢٥]: «وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء» (تَكْرَهُونَهُ) إنْ لم يفسِّره؛ لأنَّهم قالوا: إنْ فسَّرَه فليس بنبي؛ وذلك أنَّ في التَّوراة: أنَّ الرُّوحَ ممَّا انفرد الله بعلمه، ولا يُطلِعُ عليه أحدًا من عباده، فإذا لم يفسِّرْه دلَّ على نبوَّته، وهم يكرهونها، وفيه قيام الحجَّة عليهم في نبوَّته (فَقَالُوا: سَلُوهُ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فلم يردَّ عليه» (شَيْئًا) بالإفراد، أي: على السَّائل، وفي «العلم» [خ¦١٢٥]: «فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فَسَكَتَ» قال ابن مسعود: (فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ) في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٦]: «فظننت» بدل: «فعلمت»، وإطلاقُ الظَّنِّ على العلم معروفٌ (فَقُمْتُ مَقَامِي) أي: في مقامي، أي: لِأَحولَ بينه وبين السَّائلين، أو فقمت عنه، أي: لئلَّا يتشوَّش بقُربي منه، وفي «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٧]: «فتأخَّرتُ عنه» (فَلَمَّا نَزَلَ الوَحْيُ) عليه ﷺ (قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾) قال البِرماويُّ وغيرُه: ظاهرُ السِّياق يقتضي أنَّ الوحي لم يتأخَّر، لكن في «مغازي ابن إسحاق»: أنَّه تأخَّر خمس عشرة ليلة، وكذا قال القاضي عياض: إنَّه ثبت كذلك في «مسلمٍ» أي: ما يقتضي الفورية، وهو وهم بيِّن؛ لأنه إنَّما جاء هذا القول عند انكشاف الوحي، وفي «البخاريِّ» في «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٢٩٧]: «فلمَّا صَعِدَ الوحيُ (٤)» وهو
صحيحٌ، قال في «المصابيح»: هذه (١) الإطلاقات صعبةٌ في الأحاديث الصَّحيحة (٢)، لا سيَّما ما اجتمع على تخريجه الشيخان، ولا أدري ما هذا الوهم ولا كيف هو؟ و «لمَّا» حرف وجودٍ لوجود، أي: إنَّ مضمون الجملة الثانية وُجِدَ لأجل مضمون الأولى، كما تقول: لمَّا جاءني زيدٌ أكرمتُه، فالإكرام وُجِدَ لوجود المجيء، كذلك تلاوتُه ﵊ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الاية [الإسراء: ٨٥] كانت لأجل وجود إنزالها، ولا يضرُّ في ذلك كون الإنزال تأخَّر عن وقت السُّؤال، وأمَّا قوله: إنَّ هذا القول إنَّما كان بعد انكشاف الوحي؛ فمُسلَّمٌ إذ هو لا يتكلَّم بالمُنزَّل عليه في نفس وقت الإنزال، وإنَّما (٣) يتكلَّم به (٤) بعد انقضاء زمن الوحي، واتحادُ زمني (٥) الفعلين الواقعين في جملتي «لمَّا» غيرُ شرطٍ، كما إذا قلت: لمَّا جاءني زيدٌ أكرمتُه، فلا يُشترط في صِحَّة هذا الكلام أن يكون الإكرامُ والمجيءُ واقعين في زمن واحد، لا يتقدَّم أحدُهما على الآخر ولا يتأخَّر، بل هذا التركيب صحيحٌ إذا كان الإكرام متعقِّبًا للمجيء، فإن قلت: لعلَّه بناه على رأي الفارسيِّ ومَن تبعه في أنَّ «لمَّا» ظرفٌ بمعنى: حين، فيلزم أن يكونَ الفعلُ الثَّاني واقعًا في حين الفعل الأول؟ قلتُ: ليس مراد الفارسيِّ ولا غيرِه مِن كونها بمعنى «حين» ما فهمته من اتحاد الزمنين باعتبار الابتداء والانتهاء، ألا ترى أنَّه يصحُّ أن تقول: جئت حين جاء زيد، وإن كان ابتداءُ مجيئِكَ في آخرِ مجيءِ زيدٍ، ومنتهاهُ بعدَ ذلك، والمشاحة في مثل هذا والمضايقةُ فيه ممَّا لم تُبْنَ لغةُ العرب عليه. انتهى. (﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾) أي: ممَّا استأئر اللهُ بعلمه، فهو مِن أمر ربِّي لا مِن أمري، فلا أقولُ لكم ما هي، و «الأمر» بمعنى: الشَّأن، أي: معرفةُ الرُّوح مِن شأن الله لا مِن شأن غيره، ولا يلزمُ مِن عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيُه، فإنَّ أكثرَ حقائق الأشياء وماهيتِها مجهولةٌ، ولم يلزم من كونها مجهولة نفيُها، ويؤيِّده قولُه تعالى: (﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ﴾) علمًا أو إيتاءً (﴿قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وما أوتوا» بضمير الغائب، وهي قراءةٌ شاذَّةٌ مرويَّةٌ عنِ
الأعمش، مخالفةٌ للمصحف، ليست من طرق كتابي الذي جمعته في القراءات الأربعة عشر، وإنَّما رأيتها في كتب التَّفسير، قيل: وليس في الآية دلالة على أنَّ الله تعالى لم يُطلِع نبيَّه على حقيقة الروح، بل يَحتملُ أن يكون أطلعَه ولم يأمرْه أن يطلعَهُم، وقد قالوا في علم الساعة نحو هذا، فالله أعلم، وقد قرَّر السهيليُّ -فيما ذكره ابن كثيرٍ-: أنَّ الرُّوح هي ذاتٌ لطيفة كالهواء، ساريةٌ في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وإنَّ الرُّوح التي ينفخُها الملَك في الجنين هي النفس بشرط اتِّصالها بالبدن، واكتسابها بسببه صفاتِ مدحٍ أو ذَمٍّ، فهي إمَّا نفسٌ مطمئنةٌ، أو أمَّارةٌ بالسُّوء، كما أنَّ الماء حياة الشجر، ثم يكتسب بسبب اختلاطه معها اسمًا خاصًّا، فإذا اتصل بالعنبة وعُصِر منها صار ماء مصطارًا وخمرًا (١)، ولا يقال له: ماءٌ حينئذٍ إلا على سبيل المجاز، وهكذا لا يقال للنفس: روحٌ إلَّا على هذا النحو، وكذلك لا يقال للرُّوح: نفسٌ إلَّا على هذا النحو، باعتبار ما تَؤُولُ إليه، فحاصل ما نقول: إنَّ الرُّوح هي أصل النَّفس ومادَّتها، والنَّفس مركَّبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي مِن وجه، لا من كل وجه وهذا معنى حسن. انتهى. ثمَّ إنَّ ظاهر سياق هذا الحديث يقتضي أنَّ هذه الآية مدنيَّة، وأنَّ نزولها إنَّما كان حين سأل اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أنَّ السُّورةَ كلَّها مكِّيَّةٌ، وقد يُجاب: باحتمال أن تكون نزلت مرَّةً ثانيةً بالمدينة، كما نزلت بمكَّة قبلُ (٢).
وهذا الحديث سبق في «كتاب العلم» [خ¦١٢٥] وأخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٦] [خ¦٧٤٦٢] و «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٧]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(١٤) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]) سقط لفظ «باب» لغير أبي ذَرٍّ.