الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٢٤
الحديث رقم ٤٧٢٤ من كتاب «سورة الكهف» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب وكان الإنسان أكثر شيء جدلا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ لَمْ يَسْتَبِنْ، ﴿فُرُطًا﴾ نَدَمًا، ﴿سُرَادِقُهَا﴾ مِثْلُ السُّرَادِقِ، وَالْحُجْرَةِ الَّتِي تُطِيفُ بِالْفَسَاطِيطِ، ﴿يُحَاوِرُهُ﴾ مِنَ الْمُحَاوَرَةِ.
﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ أَيْ لَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، ثُمَّ حَذَفَ الْأَلِفَ وَأَدْغَمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى، ﴿زَلَقًا﴾ لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ، ﴿هُنَالِكَ الوِلايَةُ﴾ مَصْدَرُ الْوَلِيِّ، ﴿عُقُبًا﴾ عَاقِبَةًٌ وَعُقْبَى وَعُقْبَةًٌ وَاحِدٌ، وَهْيَ الْآخِرَةُ، قِبَلًا وَقُبُلًا وَقَبَلًا: اسْتِئْنَافًا، ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ لِيُزِيلُوا، الدَّحَضُ الزَّلَقُ.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ زَمَانًا، وَجَمْعُهُ أَحْقَابٌ.
٤٧٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ: أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَلِيٍّ - ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (الْكَهْفُ الْفَتْحُ فِي الْجَبَلِ، وَالرَّقِيمُ الْكِتَابُ، مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ) تَقَدَّمَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مَشْرُوحًا.
قَوْلُهُ: (أَمَدًا غَايَةً، طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: (أَمَدًا) قَالَ: عَدَدًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدُ - يَعْنِي ابْنَ جُبَيْرٍ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّقِيمُ لَوْحٌ مِنْ رَصَاصٍ كَتَبَ عَامِلُهُمْ أَسْمَاءَهُمْ ثُمَّ طَرَحَهُ فِي خِزَانَتِهِ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى آذَانِهِمْ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُطَوَّلًا، وَقَدْ لَخَّصْتُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا كُنْتُ أَعْرِفُ الرَّقِيمَ، ثُمَّ سَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ لِي هِيَ الْقَرْيَةُ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أَيْ وَمِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ هَذَا الْمَوْضِعُ، ذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ بِالْإِيمَانِ.
قَوْلُهُ: (مِرْفَقًا كُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَقْتُ بِهِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: وَيَقْرَؤهُ قَوْمٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ انْتَهَى. وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ، وَابْنِ عَامِرٍ. وَاخْتُلِفَ هَلْ هُمَا بِمَعْنًى أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ لِلْجَارِحَةِ وَبِفَتْحِهَا لِلْأَمْرِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ، وَقِيلَ لُغَتَانِ فِيمَا يُرْتَفَقُ بِهِ وَأَمَّا الْجَارِحَةُ فَبِالْكَسْرِ فَقَطْ وَقِيلَ لُغَتَانِ فِي الْجَارِحَةِ أَيْضًا، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْمَوْضِعُ كَالْمَسْجِدِ، وَبِكَسْرِهَا الْجَارِحَةُ.
قَوْلُهُ: (تَزَّاوَرُ مِنَ الزُّورِ، وَالْأَزْوَرُ الْأَمْيَلُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ: (فَجْوَةٌ مُتَّسِعٌ وَالْجَمْعُ فَجَوَاتٍ وَفِجًى، كَقَوْلِكَ زَكَوَاتٌ وَزَكَاةٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (شَطَطًا إِفْرَاطًا، الْوَصِيدُ الْفِنَاءُ إِلَخْ) تَقَدَّمَ كُلُّهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَعَثْنَاهُمْ أَحْيَيْنَاهُمْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ أَوْلَادُ مُلُوكٍ اعْتَزَلُوا قَوْمَهُمْ فِي الْكَهْفِ فَاخْتَلَفُوا فِي بَعْثِ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ فَقَالَ قَائِلٌ يُبْعَثَانِ، وَقَالَ قَائِلٌ: تُبْعَثُ الرُّوحُ فَقَطْ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَتَأْكُلُهُ الْأَرْضُ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ.
قَوْلُهُ: (أَزْكَى أَكْثَرُ، وَيُقَالُ أَحَلُّ، وَيُقَالُ أَكْثَرُ رِيعًا) تَقَدَّمَ أَيْضًا. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَحَلُّ ذَبِيحَةٍ، وَكَانُوا يَذْبَحُونَ لِلطَّوَاغِيتِ.
(تَنْبِيهٌ): سَقَطَ مِنْ قَوْلِهِ: الْكَهْفُ الْفَتْحُ إِلَى هُنَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَكَأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِتَقْدِيمِ جُلِّ ذَلِكَ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمْ يَظْلِمْ لَمْ يَنْقُصْ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَهُ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَا الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَوْئِلًا مُحْرِزًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: (مَوْئِلًا) قَالَ: مَلْجَأً، وَرَجَّحَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَقَالَ: هُوَ مِنْ وَأَلَ إِذَا لَجَأَ إِلَيْهِ، وَهُوَ هُنَا مَصْدَرٌ، وَأَصْلُ الْمَوْئِلِ الْمَرْجِعُ.
قَوْلُهُ: (وَأَلَتْ تَئِلُ تَنْجُو) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: (مَوْئِلًا): مَلْجَأٌ ومَنْجَا، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَا وَأَلَتْ نَفْسٌ عَلَيْهَا تُحَاذِرُ
أَيْ لَا نَجَتْ.
قَوْلُهُ: (لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) أَيْ (لَا يَعْقِلُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ.
١ - بَاب ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾
٤٧٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ،
قَالَ: أَلَا تُصَلِّيَانِ. ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ لَمْ يَسْتَبِنْ. ﴿فُرُطًا﴾ نَدَمًا. ﴿سُرَادِقُهَا﴾ مِثْلُ السُّرَادِقِ، وَالْحُجْرَةِ الَّتِي تُطِيفُ بِالْفَسَاطِيطِ، ﴿يُحَاوِرُهُ﴾ مِنْ الْمُحَاوَرَةِ، ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أَيْ لَكِنْ أَنَا ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ثُمَّ حَذَفَ الْأَلِفَ وَأَدْغَمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى، ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾ تقُولُ بَيْنَهُمَا نهرا، ﴿زَلَقًا﴾ لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ، ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ﴾ مَصْدَرُ ولي الْوَلِيِّ ولاء، ﴿عُقْبًا﴾ عَاقِبَةً، وَعُقْبَى وَعُقْبَةً وَاحِدٌ وَهِيَ الْآخِرَةُ، ﴿قُبُلا﴾ وَقُبُلًا وَقَبَلًا: اسْتِئْنَافًا، ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ لِيُزِيلُوا، الدَّحْضُ الزَّلَقُ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَلِيٍّ مُخْتَصَرًا، وَلَمْ يَذْكُرْ مَقْصُودَ الْبَابِ عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّعْمِيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: أَلَا تُصَلِّيَانِ زَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَالْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ أَكْثَرُ شَيْءٍ جَدَلًا.
قَوْلُهُ: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ: لَمْ يَسْتَبِنْ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَلِقَتَادَةَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) قَالَ: قَذْفًا بِالظَّنِّ.
قَوْلُهُ: (فُرُطًا نَدَمًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ فِي قَوْلِهِ: (فُرُطًا) قَالَ: نَدَامَةً، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ أَيْ تَضْيِيعًا وَإِسْرَافًا. وَلِلطَّبَرِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ضَيَاعًا. وَعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: إِهْلَاكًا. وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ فِي عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ.
قَوْلُهُ: (سُرَادِقُهَا مِثْلُ السُّرَادِقِ وَالْحُجْرَةِ الَّتِي تُطِيفُ بِالْفَسَاطِيطِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ لَكِنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ كَسُرَادِقِ الْفُسْطَاطِ، وَهِيَ الْحُجْرَةُ الَّتِي تَطُوفُ بِالْفُسْطَاطِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
سُرَادِقُ الْمَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودٌ
وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ قَالَ: سُرَادِقُهَا حَائِطٌ مِنْ نَارٍ.
قَوْلُهُ: (يُحَاوِرُهُ مِنَ الْمُحَاوَرَةِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُحَاوِرُهُ أَيْ يُكَلِّمُهُ مِنَ الْمُحَاوَرَةِ أَيِ الْمُرَاجَعَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أَيْ لَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، ثُمَّ حُذِفَ الْأَلِفُ وَأُدْغِمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: تَرْكَ الْأَلِفَ مِنْ أَنَا كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ ثُمَّ أُدْغِمَتْ نُونُ أَنَا فِي نُونِ لَكِنْ، وَأَنْشَدَ:
وَتَرْمُقُنِي بِالطَّرْفِ أَيْ أَنْتَ مُذْنِبٌ … وَتَقْلِينَنِي لَكِنْ إِيَّاكِ لَا أَقْلِي
أَيْ لَكِنْ أَنَا إِيَّاكِ لَا أَقْلِي. قَالَ: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُشْبِعُ أَلِفَ أَنَا فَجَاءَتِ الْقِرَاءَةُ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾ تَقُولُ بَيْنَهُمَا) ثَبَتَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالتَّشْدِيدِ، وَيَعْقُوبَ، وَعِيسَى بْنِ عُمَرَ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ مَصْدَرُ وَلِيَ الْوَلِيُّ وَلَاءً) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ مَصْدَرُ الْوَلْيِ وَهُوَ أَصْوَبُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَالْأَخَوَانِ بِكَسْرِهَا، وَأَنْكَرَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَالْأَصْمَعِيُّ لِأَنَّ الَّذِي بِالْكَسْرِ الْإِمَارَةُ وَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: الْكَسْرُ لُغَةٌ بِمَعْنَى الْفَتْحِ، كَالدَّلَالَةِ بِفَتْحِ دَالِهَا وَكَسْرِهَا بِمَعْنًى.
(تَنْبِيهٌ): يَأْتِي قَوْلُهُ: (خَيْرٌ عُقْبًا) فِي الدَّعَوَاتِ.
قَوْلُهُ: (قِبَلًا وَقُبُلًا وَقَبَلًا اسْتِئْنَافًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا﴾ أَيْ أَوَّلًا، فَإِنْ فَتَحُوا أَوَّلُهَا فَالْمَعْنَى اسْتِئْنَافًا، وَغَفَلَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ لِلِاسْتِئْنَافِ هُنَا مَعْنًى، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِقْبَالًا، وَهُوَ يَعُودُ عَلَى قَبْلًا بِفَتْحِ الْقَافِ، انْتَهَى. وَالْمُؤْتَنَفُ قَرِيبٌ مِنَ الْمُقْبِلِ فَلَا مَعْنَى لِادِّعَاءِ تَفْسِيرِهِ.
قَوْلُهُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
من جَدَلِ (١) كلِّ شيءٍ، ونحوه ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] وفي حديثٍ مرفوعٍ: «ما ضلَّ قومٌ بعد هُدًى كانوا عليه إلَّا أوتوا الجَدَل».
٤٧٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، ابنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيمُ (عَنْ صَالِحٍ) هو (٢) ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء، هو زينُ العابدين: (أَنَّ) أباه (حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ عَنْ) أبيه (عَلِيٍّ) بن أبي طالبٍ (٣) (﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ) أي: أتاهما ليلًا (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» أي: لهما حثًّا وتحريضًا (أَلَا تُصَلِّيَانِ؟!) كذا ساقه مختصرًا، ولم يذكرِ المقصودَ منه هنا جريًا على عادته في التعمية وتشحيذ الأذهان، فأشار بطرفه إلى بقيته [خ¦١١٢٧] وهو قول عليٍّ: «فقلت: يا رسول الله أنفسُنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلنا (٤) ذلك ولم يرجع إليَّ شيئًا، ثم سمعتُه وهو مُوَلٍّ يضرب فخذه وهو يقول (٥): ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]» وهذا يدُلُّ على أنَّ المراد بـ ﴿الْإِنسَانُ﴾ الجنسُ، ففيه ردٌّ على مَن قال: المرادُ
بـ ﴿الْإِنسَانُ﴾ هنا: الكافر، وليس في الآية مع قوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] إشعارٌ بالتَّخصيص؛ لأنَّ ذلك صفةُ ذَمٍّ، ولا يستحقُّه إلَّا مَن هو له أهل وهمُ الكفَّارُ.
وهذا الحديث قد مرَّ في «التَّهجد» في أواخر «كتاب الصَّلاة» [خ¦١١٢٧].
(﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾) في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] أي (١): (لَمْ يَسْتَبِنْ) لهم، فهو قولٌ بلا علم، وقد حُكي ثلاثةُ أقوالٍ في اختلاف الناس في عددهم؛ فمنهم مَن قال: ثلاثة رابعهم كلبهم، قيل: وهو قولُ اليهود، وقيل: -هو قول السَّيد من نصارى نجران وكان يعقوبيًّا-: وقال النَّصارى أو العاقب منهم: خمسة سادسهم كلبهم، وقد أتبعَ هذين القولين بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ وقال المسلمونَ بإخبارِ الرَّسول ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ و ﴿رَجْمًا﴾: يجوزُ كونُه مفعولًا مِن أجله، وكونُه في موضعِ الحال، أي: ظانِّين، وقوله «﴿رَجْمًا﴾ … » إلى آخره ساقطٌ لأبي ذَرٍّ.
(يُقَالُ: ﴿فُرُطًا﴾) يريدُ قولَه تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] أي: (نَدَمًا) وهذا وصله الطَّبريُّ من طريق داود بن أبي هند بلفظ: ندامة، وقال أبو عبيدة: تضييعًا وإسرافًا، وسقط قوله: «يقال» لغير أبي ذَرٍّ.
(﴿سُرَادِقُهَا﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] والضَّميرُ يرجعُ إلى النَّار، والمعنى: أنَّ سرادقَ النَّار (مِثْلُ السُّرَادِقِ، وَالحُجْرَةِ) بالرَّاء (الَّتِي تُطِيفُ بِالفَسَاطِيطِ) أي: تُحيطُ بها، والفساطيط: جمع فسطاط؛ وهي الخيمةُ العظيمةُ، والسرادق: الذي يُمَدُّ فوقَ صحنِ الدَّار ويُطيفُ به، وقيل: ﴿سُرَادِقُهَا﴾ دخانها، وقيل: حائط من نار.
(﴿يُحَاوِرُهُ﴾) في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧] هو (مِنَ المُحَاوَرَةِ) وهي المراجعةُ.
(﴿لَّكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] أَيْ: لَكِنْ أَنَا هُوَ اللهُ رَبِّي) كما كُتبتْ في مصحف أُبيٍّ بإثبات «أنا» (ثُمَّ حَذَفَ الأَلِفَ) التي هي صورة الهمزةِ والهمزةَ (وَأَدْغَمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الأُخْرَى) عند التقاء المثلين، وقوله: «ثمَّ حذَف (١) الألفَ» يَحتملُ أن يكونَ بنقل حركة الهمزة لنون «لكن»، أو حُذفت مِن غير نقلٍ على غيرِ قياسٍ، قال في «الدر»: والأوَّل أحسنُ الوجهين، وقال في «المصابيح»: قولُ بعضِهم: نُقلتْ حركةُ الهمزةِ إلى النُّون، ثمَّ حُذِفتْ على القياسِ في التَّخفيف، ثم سُكِّنتِ النُّون وأُدغمت؛ مردودٌ لأنَّ المحذوف لعلَّةٍ بمنزلة الثابت؛ ولهذا تقول: هذا قاضٍ بالكسر لا بالرَّفع؛ لأنَّ حذف الياء للسَّاكنين، فهي مقدَّرةُ الثبوت، فيمتنع الإدغام؛ لأنَّ الهمزة فاصلة في التقدير.
(﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] يَقُوْلُ: بَيْنَهُمَا نَهَرًا) وهذه ساقطة لغير أبي ذَرٍّ.
(﴿زَلَقًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] (لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ) لكونها أرضًا ملساء، بل يزلق عليها، وهذه ساقطة لأبي ذَرٍّ أيضًا.
(﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾) بكسر الواو، ولأبي ذَرٍّ: «الوَلَايَةُ» بفتحِها، لغتانِ بمعنًى، أو (٢) الكسرُ مِنَ الإمارة، والفتح من النُّصرة، وبالكسر قرأ (٣) حمزة والكسائي، وهي (مَصْدَرُ الوَلِيِّ) ولأبي ذَرٍّ: «مصدر ولي» بغير ألف ولام، وفي رواية: «مصدر ولي الولي ولاء» قال في «الفتح»: والأوَّل أصوبُ، والمعنى: النُّصرة في ذلك المقامِ لله وحدَه، لا يقدرُ عليها غيرُه.
(﴿عُقْبًا﴾) في قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤] أي: (عَاقِبَةٌ وَعُقْبَى وَعُقْبَةٌ وَاحِدٌ؛ وَهْيَ الآخِرَةُ) وقرأ عاصمٌ وحمزةُ ﴿عُقْبًا﴾ بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: هما لغتانِ: كالقُدْس والقُدُس، أوِ الضَّمُّ الأصلُ، والسكونُ تخفيفٌ منه، وكلاهما (٤) بمعنى العاقبة، وهذا ساقطٌ لأبي ذرٍّ.
(﴿قُبُلًا﴾) بكسر القاف وفتح الموحَّدة (و ﴿قُبُلًا﴾) بضمِّهِما، وبه قرأ الكوفيُّونَ، وبالأوَّل الباقون (وَقَبَلًا) بفتحهما (اسْتِئْنَافًا) قال أبو عبيدة: قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥] أي: أوَّلًا، فإن فتحوا أوَّلها؛ فالمعنى استئنافًا، فقول السَّفاقسيِّ: لا أعرف هذا التفسير، إنَّما هو استقبالًا، وهو يعود على «قَبَلًا» بفتح القاف، يُقال عليه: قد عرفه أبو عبيدةَ، ومنَ عرف حُجَّةٌ على مَن لم يعرف، وفسَّر الجمهور الأوَّل بمعنى: عيان، والضَّمُّ بأنَّه جمعُ «قبيل» بمعنى: أنواع، وانتصابُه على الحال من الضمير أو ﴿الْعَذَابُ﴾.
(﴿لِيُدْحِضُوا﴾ [الكهف: ٥٦]) أي: (لِيُزِيلُوا) بالجدال الحقَّ عن موضعه ويُبطلوه (الدَّحَضُ): بفتح الحاء، هو (الزَّلَقُ) الذي لا يثبت فيه خُفٌّ ولا حافرٌ، وسقط لأبي ذَرٍّ «الدَّحَضُ الزَّلَق».
(٢) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾) نصبٌ بـ «اذكر» مقدَّرًا (﴿لِفَتَاهُ﴾) يوشع بن نون، وإنَّما قيل: فتاه لأنَّه كان يخدُمُه ويتبعه، أو كان يأخذُ منه العلمَ (﴿لَا أَبْرَحُ﴾) يجوزُ أن تكونَ ناقصةً فتحتاج إلى خبرٍ، أي: لا أبرح أسير، فحُذِفَ الخبر لدلالة حاله وهو السَّفر عليه، ولكن نصَّ بعضهم أنَّ حذف خبرِ هذا الباب لا يجوزُ ولو بدليلٍ إلَّا (١) لضرورةٍ، كقولِه:
لهَفَي عَلَيْك كلهفةٍ من خائفٍ … يبغي جِوارَك حين لاتَ (٢) مُجيرُ
ويجوزُ أن تكونَ تامَّةً فلا تحتاجُ إلى خبرٍ، والمعنى: لا أبرح ما أنا عليه؛ بمعنى: ألزمُ المسيرَ والطَّلبَ حتى أبلُغَ، كما تقول: لا أبرحُ المكان، قيل: فعلى هذا يحتاج إلى حذف مفعول به، فالحذف لا بد منه على التقديرينِ (﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾) المكانَ الذي وُعِدَ فيه موسى لقاءَ الخضر؛ وهو مُلتقى بحري فارس والرُّوم ممَّا يلي المشرق، وقولُ القرطبي وغيرُه من المفسِّرين والشُّرَّاح نقلًا عن ابن عبَّاس -المرادُ بـ ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ اجتماعُ موسى والخضر؛
لأنَّهما بحرا عِلْمٍ، أحدُهما: في الشَّرعيَّات، والآخر: في الباطن وأسرار الملكوت- غيرُ ثابتٍ، ولا يقتضيه اللفظ، ولا ينفي عن موسى عِلمَ أسرار الملكوت كما لا يخفى، وقد قال الزَّمخشريُّ: إنَّه مِن بِدَعِ التَّفاسير (﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]) أي: (زَمَانًا) طويلًا (وَجَمْعُهُ: أَحْقَابٌ) أو (١) الحقبُ ثمانون سنة، أو سبعون، أو الدَّهر.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (الْكَهْفُ الْفَتْحُ فِي الْجَبَلِ، وَالرَّقِيمُ الْكِتَابُ، مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ) تَقَدَّمَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مَشْرُوحًا.
قَوْلُهُ: (أَمَدًا غَايَةً، طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: (أَمَدًا) قَالَ: عَدَدًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدُ - يَعْنِي ابْنَ جُبَيْرٍ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّقِيمُ لَوْحٌ مِنْ رَصَاصٍ كَتَبَ عَامِلُهُمْ أَسْمَاءَهُمْ ثُمَّ طَرَحَهُ فِي خِزَانَتِهِ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى آذَانِهِمْ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُطَوَّلًا، وَقَدْ لَخَّصْتُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا كُنْتُ أَعْرِفُ الرَّقِيمَ، ثُمَّ سَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ لِي هِيَ الْقَرْيَةُ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أَيْ وَمِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ هَذَا الْمَوْضِعُ، ذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ بِالْإِيمَانِ.
قَوْلُهُ: (مِرْفَقًا كُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَقْتُ بِهِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: وَيَقْرَؤهُ قَوْمٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ انْتَهَى. وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ، وَابْنِ عَامِرٍ. وَاخْتُلِفَ هَلْ هُمَا بِمَعْنًى أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ لِلْجَارِحَةِ وَبِفَتْحِهَا لِلْأَمْرِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ، وَقِيلَ لُغَتَانِ فِيمَا يُرْتَفَقُ بِهِ وَأَمَّا الْجَارِحَةُ فَبِالْكَسْرِ فَقَطْ وَقِيلَ لُغَتَانِ فِي الْجَارِحَةِ أَيْضًا، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْمَوْضِعُ كَالْمَسْجِدِ، وَبِكَسْرِهَا الْجَارِحَةُ.
قَوْلُهُ: (تَزَّاوَرُ مِنَ الزُّورِ، وَالْأَزْوَرُ الْأَمْيَلُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ: (فَجْوَةٌ مُتَّسِعٌ وَالْجَمْعُ فَجَوَاتٍ وَفِجًى، كَقَوْلِكَ زَكَوَاتٌ وَزَكَاةٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (شَطَطًا إِفْرَاطًا، الْوَصِيدُ الْفِنَاءُ إِلَخْ) تَقَدَّمَ كُلُّهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَعَثْنَاهُمْ أَحْيَيْنَاهُمْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ أَوْلَادُ مُلُوكٍ اعْتَزَلُوا قَوْمَهُمْ فِي الْكَهْفِ فَاخْتَلَفُوا فِي بَعْثِ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ فَقَالَ قَائِلٌ يُبْعَثَانِ، وَقَالَ قَائِلٌ: تُبْعَثُ الرُّوحُ فَقَطْ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَتَأْكُلُهُ الْأَرْضُ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ.
قَوْلُهُ: (أَزْكَى أَكْثَرُ، وَيُقَالُ أَحَلُّ، وَيُقَالُ أَكْثَرُ رِيعًا) تَقَدَّمَ أَيْضًا. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَحَلُّ ذَبِيحَةٍ، وَكَانُوا يَذْبَحُونَ لِلطَّوَاغِيتِ.
(تَنْبِيهٌ): سَقَطَ مِنْ قَوْلِهِ: الْكَهْفُ الْفَتْحُ إِلَى هُنَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَكَأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِتَقْدِيمِ جُلِّ ذَلِكَ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمْ يَظْلِمْ لَمْ يَنْقُصْ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَهُ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَا الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَوْئِلًا مُحْرِزًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: (مَوْئِلًا) قَالَ: مَلْجَأً، وَرَجَّحَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَقَالَ: هُوَ مِنْ وَأَلَ إِذَا لَجَأَ إِلَيْهِ، وَهُوَ هُنَا مَصْدَرٌ، وَأَصْلُ الْمَوْئِلِ الْمَرْجِعُ.
قَوْلُهُ: (وَأَلَتْ تَئِلُ تَنْجُو) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: (مَوْئِلًا): مَلْجَأٌ ومَنْجَا، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَا وَأَلَتْ نَفْسٌ عَلَيْهَا تُحَاذِرُ
أَيْ لَا نَجَتْ.
قَوْلُهُ: (لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) أَيْ (لَا يَعْقِلُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ.
١ - بَاب ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾
٤٧٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ،
قَالَ: أَلَا تُصَلِّيَانِ. ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ لَمْ يَسْتَبِنْ. ﴿فُرُطًا﴾ نَدَمًا. ﴿سُرَادِقُهَا﴾ مِثْلُ السُّرَادِقِ، وَالْحُجْرَةِ الَّتِي تُطِيفُ بِالْفَسَاطِيطِ، ﴿يُحَاوِرُهُ﴾ مِنْ الْمُحَاوَرَةِ، ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أَيْ لَكِنْ أَنَا ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ثُمَّ حَذَفَ الْأَلِفَ وَأَدْغَمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى، ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾ تقُولُ بَيْنَهُمَا نهرا، ﴿زَلَقًا﴾ لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ، ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ﴾ مَصْدَرُ ولي الْوَلِيِّ ولاء، ﴿عُقْبًا﴾ عَاقِبَةً، وَعُقْبَى وَعُقْبَةً وَاحِدٌ وَهِيَ الْآخِرَةُ، ﴿قُبُلا﴾ وَقُبُلًا وَقَبَلًا: اسْتِئْنَافًا، ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ لِيُزِيلُوا، الدَّحْضُ الزَّلَقُ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَلِيٍّ مُخْتَصَرًا، وَلَمْ يَذْكُرْ مَقْصُودَ الْبَابِ عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّعْمِيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: أَلَا تُصَلِّيَانِ زَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَالْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ أَكْثَرُ شَيْءٍ جَدَلًا.
قَوْلُهُ: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ: لَمْ يَسْتَبِنْ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَلِقَتَادَةَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) قَالَ: قَذْفًا بِالظَّنِّ.
قَوْلُهُ: (فُرُطًا نَدَمًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ فِي قَوْلِهِ: (فُرُطًا) قَالَ: نَدَامَةً، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ أَيْ تَضْيِيعًا وَإِسْرَافًا. وَلِلطَّبَرِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ضَيَاعًا. وَعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: إِهْلَاكًا. وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ فِي عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ.
قَوْلُهُ: (سُرَادِقُهَا مِثْلُ السُّرَادِقِ وَالْحُجْرَةِ الَّتِي تُطِيفُ بِالْفَسَاطِيطِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ لَكِنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ كَسُرَادِقِ الْفُسْطَاطِ، وَهِيَ الْحُجْرَةُ الَّتِي تَطُوفُ بِالْفُسْطَاطِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
سُرَادِقُ الْمَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودٌ
وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ قَالَ: سُرَادِقُهَا حَائِطٌ مِنْ نَارٍ.
قَوْلُهُ: (يُحَاوِرُهُ مِنَ الْمُحَاوَرَةِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُحَاوِرُهُ أَيْ يُكَلِّمُهُ مِنَ الْمُحَاوَرَةِ أَيِ الْمُرَاجَعَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أَيْ لَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، ثُمَّ حُذِفَ الْأَلِفُ وَأُدْغِمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: تَرْكَ الْأَلِفَ مِنْ أَنَا كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ ثُمَّ أُدْغِمَتْ نُونُ أَنَا فِي نُونِ لَكِنْ، وَأَنْشَدَ:
وَتَرْمُقُنِي بِالطَّرْفِ أَيْ أَنْتَ مُذْنِبٌ … وَتَقْلِينَنِي لَكِنْ إِيَّاكِ لَا أَقْلِي
أَيْ لَكِنْ أَنَا إِيَّاكِ لَا أَقْلِي. قَالَ: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُشْبِعُ أَلِفَ أَنَا فَجَاءَتِ الْقِرَاءَةُ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾ تَقُولُ بَيْنَهُمَا) ثَبَتَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالتَّشْدِيدِ، وَيَعْقُوبَ، وَعِيسَى بْنِ عُمَرَ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ مَصْدَرُ وَلِيَ الْوَلِيُّ وَلَاءً) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ مَصْدَرُ الْوَلْيِ وَهُوَ أَصْوَبُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَالْأَخَوَانِ بِكَسْرِهَا، وَأَنْكَرَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَالْأَصْمَعِيُّ لِأَنَّ الَّذِي بِالْكَسْرِ الْإِمَارَةُ وَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: الْكَسْرُ لُغَةٌ بِمَعْنَى الْفَتْحِ، كَالدَّلَالَةِ بِفَتْحِ دَالِهَا وَكَسْرِهَا بِمَعْنًى.
(تَنْبِيهٌ): يَأْتِي قَوْلُهُ: (خَيْرٌ عُقْبًا) فِي الدَّعَوَاتِ.
قَوْلُهُ: (قِبَلًا وَقُبُلًا وَقَبَلًا اسْتِئْنَافًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا﴾ أَيْ أَوَّلًا، فَإِنْ فَتَحُوا أَوَّلُهَا فَالْمَعْنَى اسْتِئْنَافًا، وَغَفَلَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ لِلِاسْتِئْنَافِ هُنَا مَعْنًى، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِقْبَالًا، وَهُوَ يَعُودُ عَلَى قَبْلًا بِفَتْحِ الْقَافِ، انْتَهَى. وَالْمُؤْتَنَفُ قَرِيبٌ مِنَ الْمُقْبِلِ فَلَا مَعْنَى لِادِّعَاءِ تَفْسِيرِهِ.
قَوْلُهُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
من جَدَلِ (١) كلِّ شيءٍ، ونحوه ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] وفي حديثٍ مرفوعٍ: «ما ضلَّ قومٌ بعد هُدًى كانوا عليه إلَّا أوتوا الجَدَل».
٤٧٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، ابنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيمُ (عَنْ صَالِحٍ) هو (٢) ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء، هو زينُ العابدين: (أَنَّ) أباه (حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ عَنْ) أبيه (عَلِيٍّ) بن أبي طالبٍ (٣) (﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ) أي: أتاهما ليلًا (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» أي: لهما حثًّا وتحريضًا (أَلَا تُصَلِّيَانِ؟!) كذا ساقه مختصرًا، ولم يذكرِ المقصودَ منه هنا جريًا على عادته في التعمية وتشحيذ الأذهان، فأشار بطرفه إلى بقيته [خ¦١١٢٧] وهو قول عليٍّ: «فقلت: يا رسول الله أنفسُنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلنا (٤) ذلك ولم يرجع إليَّ شيئًا، ثم سمعتُه وهو مُوَلٍّ يضرب فخذه وهو يقول (٥): ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]» وهذا يدُلُّ على أنَّ المراد بـ ﴿الْإِنسَانُ﴾ الجنسُ، ففيه ردٌّ على مَن قال: المرادُ
بـ ﴿الْإِنسَانُ﴾ هنا: الكافر، وليس في الآية مع قوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] إشعارٌ بالتَّخصيص؛ لأنَّ ذلك صفةُ ذَمٍّ، ولا يستحقُّه إلَّا مَن هو له أهل وهمُ الكفَّارُ.
وهذا الحديث قد مرَّ في «التَّهجد» في أواخر «كتاب الصَّلاة» [خ¦١١٢٧].
(﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾) في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] أي (١): (لَمْ يَسْتَبِنْ) لهم، فهو قولٌ بلا علم، وقد حُكي ثلاثةُ أقوالٍ في اختلاف الناس في عددهم؛ فمنهم مَن قال: ثلاثة رابعهم كلبهم، قيل: وهو قولُ اليهود، وقيل: -هو قول السَّيد من نصارى نجران وكان يعقوبيًّا-: وقال النَّصارى أو العاقب منهم: خمسة سادسهم كلبهم، وقد أتبعَ هذين القولين بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ وقال المسلمونَ بإخبارِ الرَّسول ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ و ﴿رَجْمًا﴾: يجوزُ كونُه مفعولًا مِن أجله، وكونُه في موضعِ الحال، أي: ظانِّين، وقوله «﴿رَجْمًا﴾ … » إلى آخره ساقطٌ لأبي ذَرٍّ.
(يُقَالُ: ﴿فُرُطًا﴾) يريدُ قولَه تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] أي: (نَدَمًا) وهذا وصله الطَّبريُّ من طريق داود بن أبي هند بلفظ: ندامة، وقال أبو عبيدة: تضييعًا وإسرافًا، وسقط قوله: «يقال» لغير أبي ذَرٍّ.
(﴿سُرَادِقُهَا﴾) في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] والضَّميرُ يرجعُ إلى النَّار، والمعنى: أنَّ سرادقَ النَّار (مِثْلُ السُّرَادِقِ، وَالحُجْرَةِ) بالرَّاء (الَّتِي تُطِيفُ بِالفَسَاطِيطِ) أي: تُحيطُ بها، والفساطيط: جمع فسطاط؛ وهي الخيمةُ العظيمةُ، والسرادق: الذي يُمَدُّ فوقَ صحنِ الدَّار ويُطيفُ به، وقيل: ﴿سُرَادِقُهَا﴾ دخانها، وقيل: حائط من نار.
(﴿يُحَاوِرُهُ﴾) في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧] هو (مِنَ المُحَاوَرَةِ) وهي المراجعةُ.
(﴿لَّكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] أَيْ: لَكِنْ أَنَا هُوَ اللهُ رَبِّي) كما كُتبتْ في مصحف أُبيٍّ بإثبات «أنا» (ثُمَّ حَذَفَ الأَلِفَ) التي هي صورة الهمزةِ والهمزةَ (وَأَدْغَمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الأُخْرَى) عند التقاء المثلين، وقوله: «ثمَّ حذَف (١) الألفَ» يَحتملُ أن يكونَ بنقل حركة الهمزة لنون «لكن»، أو حُذفت مِن غير نقلٍ على غيرِ قياسٍ، قال في «الدر»: والأوَّل أحسنُ الوجهين، وقال في «المصابيح»: قولُ بعضِهم: نُقلتْ حركةُ الهمزةِ إلى النُّون، ثمَّ حُذِفتْ على القياسِ في التَّخفيف، ثم سُكِّنتِ النُّون وأُدغمت؛ مردودٌ لأنَّ المحذوف لعلَّةٍ بمنزلة الثابت؛ ولهذا تقول: هذا قاضٍ بالكسر لا بالرَّفع؛ لأنَّ حذف الياء للسَّاكنين، فهي مقدَّرةُ الثبوت، فيمتنع الإدغام؛ لأنَّ الهمزة فاصلة في التقدير.
(﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] يَقُوْلُ: بَيْنَهُمَا نَهَرًا) وهذه ساقطة لغير أبي ذَرٍّ.
(﴿زَلَقًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] (لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ) لكونها أرضًا ملساء، بل يزلق عليها، وهذه ساقطة لأبي ذَرٍّ أيضًا.
(﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾) بكسر الواو، ولأبي ذَرٍّ: «الوَلَايَةُ» بفتحِها، لغتانِ بمعنًى، أو (٢) الكسرُ مِنَ الإمارة، والفتح من النُّصرة، وبالكسر قرأ (٣) حمزة والكسائي، وهي (مَصْدَرُ الوَلِيِّ) ولأبي ذَرٍّ: «مصدر ولي» بغير ألف ولام، وفي رواية: «مصدر ولي الولي ولاء» قال في «الفتح»: والأوَّل أصوبُ، والمعنى: النُّصرة في ذلك المقامِ لله وحدَه، لا يقدرُ عليها غيرُه.
(﴿عُقْبًا﴾) في قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤] أي: (عَاقِبَةٌ وَعُقْبَى وَعُقْبَةٌ وَاحِدٌ؛ وَهْيَ الآخِرَةُ) وقرأ عاصمٌ وحمزةُ ﴿عُقْبًا﴾ بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: هما لغتانِ: كالقُدْس والقُدُس، أوِ الضَّمُّ الأصلُ، والسكونُ تخفيفٌ منه، وكلاهما (٤) بمعنى العاقبة، وهذا ساقطٌ لأبي ذرٍّ.
(﴿قُبُلًا﴾) بكسر القاف وفتح الموحَّدة (و ﴿قُبُلًا﴾) بضمِّهِما، وبه قرأ الكوفيُّونَ، وبالأوَّل الباقون (وَقَبَلًا) بفتحهما (اسْتِئْنَافًا) قال أبو عبيدة: قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥] أي: أوَّلًا، فإن فتحوا أوَّلها؛ فالمعنى استئنافًا، فقول السَّفاقسيِّ: لا أعرف هذا التفسير، إنَّما هو استقبالًا، وهو يعود على «قَبَلًا» بفتح القاف، يُقال عليه: قد عرفه أبو عبيدةَ، ومنَ عرف حُجَّةٌ على مَن لم يعرف، وفسَّر الجمهور الأوَّل بمعنى: عيان، والضَّمُّ بأنَّه جمعُ «قبيل» بمعنى: أنواع، وانتصابُه على الحال من الضمير أو ﴿الْعَذَابُ﴾.
(﴿لِيُدْحِضُوا﴾ [الكهف: ٥٦]) أي: (لِيُزِيلُوا) بالجدال الحقَّ عن موضعه ويُبطلوه (الدَّحَضُ): بفتح الحاء، هو (الزَّلَقُ) الذي لا يثبت فيه خُفٌّ ولا حافرٌ، وسقط لأبي ذَرٍّ «الدَّحَضُ الزَّلَق».
(٢) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾) نصبٌ بـ «اذكر» مقدَّرًا (﴿لِفَتَاهُ﴾) يوشع بن نون، وإنَّما قيل: فتاه لأنَّه كان يخدُمُه ويتبعه، أو كان يأخذُ منه العلمَ (﴿لَا أَبْرَحُ﴾) يجوزُ أن تكونَ ناقصةً فتحتاج إلى خبرٍ، أي: لا أبرح أسير، فحُذِفَ الخبر لدلالة حاله وهو السَّفر عليه، ولكن نصَّ بعضهم أنَّ حذف خبرِ هذا الباب لا يجوزُ ولو بدليلٍ إلَّا (١) لضرورةٍ، كقولِه:
لهَفَي عَلَيْك كلهفةٍ من خائفٍ … يبغي جِوارَك حين لاتَ (٢) مُجيرُ
ويجوزُ أن تكونَ تامَّةً فلا تحتاجُ إلى خبرٍ، والمعنى: لا أبرح ما أنا عليه؛ بمعنى: ألزمُ المسيرَ والطَّلبَ حتى أبلُغَ، كما تقول: لا أبرحُ المكان، قيل: فعلى هذا يحتاج إلى حذف مفعول به، فالحذف لا بد منه على التقديرينِ (﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾) المكانَ الذي وُعِدَ فيه موسى لقاءَ الخضر؛ وهو مُلتقى بحري فارس والرُّوم ممَّا يلي المشرق، وقولُ القرطبي وغيرُه من المفسِّرين والشُّرَّاح نقلًا عن ابن عبَّاس -المرادُ بـ ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ اجتماعُ موسى والخضر؛
لأنَّهما بحرا عِلْمٍ، أحدُهما: في الشَّرعيَّات، والآخر: في الباطن وأسرار الملكوت- غيرُ ثابتٍ، ولا يقتضيه اللفظ، ولا ينفي عن موسى عِلمَ أسرار الملكوت كما لا يخفى، وقد قال الزَّمخشريُّ: إنَّه مِن بِدَعِ التَّفاسير (﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]) أي: (زَمَانًا) طويلًا (وَجَمْعُهُ: أَحْقَابٌ) أو (١) الحقبُ ثمانون سنة، أو سبعون، أو الدَّهر.