الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٨٥
الحديث رقم ٤٩٨٥ من كتاب «كتاب فضائل القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٨٣⦘
النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أَظَلَّ عَلَيْهِ، وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى: أَنْ تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا هُوَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ، يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا، فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ».
٤٩٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ ، وَقَالَ مُسَدَّدٌ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ : أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ:
قال يعلى بن أمية لعمر رضي الله عنهما : أخبرني عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الوحي لأراه في أثناء ذلك وأتعرف على كيفية نزوله عليه. فبينما النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة -وهو موضع بين مكة والطائف، يحرم منه مريد العمرة لمن كان بمكة- إذ جاءه رجل فأخبره أنه أحرم بعمرة وهو متلطخ بالطيب في ثوبه وبدنه فماذا يفعل؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن إجابته، ولم يجبه فورًا بعد سؤاله، فجاءه الوحي فأشار عمر بيده ليعلى لكي يحضر عند النبي صلى الله عليه وسلم ويرى كيفية نزول الوحي عليه، فجاء يعلى وكان على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب قد أُظِل به، فأدخل رأسه من تحت الثوب، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمر الوجه، تتردد أنفاسه بصوت مسموع، ثم انقطع عنه نزول الوحي فهدأت نفسه. فقال للرجل: كرر غسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، فأمره بإزالة أثر الطيب عن بدنه وثوبه، وأمره بخلع الجبة لأنها مخيط، وأن يصنع في عمرته كما يصنع في حجته من اجتناب الطيب وغيره؛ لأن محظورات الحج والعمرة واحدة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بْنَ ثَابِتٍ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يَنْسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ الْقُرْآنِ، فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا.
٤٩٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا عَطَاءٌ وَقَالَ مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ عَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أَظَلَّ عَلَيْهِ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً فَجَاءَهُ الْوَحْيُ فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى أَنْ تَعَالَ فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا هُوَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنْ الْعُمْرَةِ آنِفًا فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ"
قَوْلُهُ: (بَابٌ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ، قُرْآنًا عَرَبِيًّا - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى قُرْآنًا إِلَخْ. وَأَمَّا نُزُولُهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ فَمَذْكُورٌ فِي الْبَابِ مِنْ قَوْلِ عُثْمَانَ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَأَقْرِئِ النَّاسَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ لَا بِلُغَةِ هُذَيْلٍ وَأَمَّا عَطْفُ الْعَرَبِ عَلَيْهِ فَمِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، لِأَنَّ قُرَيْشًا مِنَ الْعَرَبِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْآيَتَيْنِ فَهُوَ حُجَّةٌ لِذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَصَاحِفِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عُمَرَ قَالَ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي اللُّغَةِ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ مُضَرَ اهـ وَمُضَرُ هُوَ ابْنُ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ وَإِلَيْهِ تَنْتَهِي أَنْسَابُ قُرَيْشٍ وَقَيْسٍ وَهُذَيْلٍ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ: مَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ أَيْ مُعْظَمُهُ، وَأَنَّهُ لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أَنَّهُ نَزَلَ بِجَمِيعِ أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ مُضَرَ دُونَ رَبِيعَةَ أَوْ هُمَا دُونَ الْيَمَنِ أَوْ قُرَيْشًا دُونَ غَيْرِهِمْ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، لِأَنَّ اسْمَ الْعَرَبِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ تَنَاوُلًا وَاحِدًا، وَلَوْ سَاغَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى لَسَاغَ لِلْآخَرِ أَنْ يَقُولَ نَزَلَ بِلِسَانِ بَنِي هَاشِمٍ مَثَلًا لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ سَائِرِ قُرَيْشٍ.
وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ أَيِ ابْتِدَاءُ نُزُولِهِ، ثُمَّ أُبِيحَ أَنْ يُقْرَأَ بِلُغَةِ غَيْرِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي بَابِ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ اهـ. وَتَكْمِلَتُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ نَزَلَ أَوَّلًا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ أَحَدُ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ، ثُمَّ نَزَلَ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الْمَأْذُونِ فِي قِرَاءَتِهَا تَسْهِيلًا وَتَيْسِيرًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، فَلَمَّا جَمَعَ عُثْمَانُ النَّاسَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ رَأَى أَنَّ الْحَرْفَ الَّذِي نَزَلَ الْقُرْآنُ أَوَّلًا بِلِسَانِهِ أَوْلَى الْأَحْرُفِ فَحَمَلَ النَّاسَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لِسَانَ النَّبِيِّ ﷺ وَلِمَا لَهُ مِنَ الْأَوَّلِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ عُمَرَ، لِابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَأَخْبَرَنِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: فَأَمَرَ عُثْمَانُ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، فَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِهِمْ أَيْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَقَالَ لَهُمْ) عثمان: (إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي) لغة (عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ (١) بِلِسَانِهِمْ) أي: معظمُه (فَفَعَلُوا) ما أمرهُم به عثمان.
وهذا الحديث مرَّ في «باب نزولِ القرآن بلسانِ قريش»، في «المناقب» [خ¦٣٥٠٦].
٤٩٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكين قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء والميم المشدَّدة، ابنُ يحيى بنِ دينارٍ العَوْذِيُّ -بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الذال المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا عَطَاءٌ) أي: ابنُ أبي رباحٍ (وَقَالَ) وفي نسخة: «ح. وقال» (مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان، سقطَ لغير أبي ذرٍّ «ابنُ سعيدٍ» (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملكِ بنِ عبدِ العزيزِ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو: ابنُ أبي رباحٍ المذكور (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ) أباهُ (يَعْلَى كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ) بضم أوله وفتح ثالثه (عَلَيْهِ الوَحْيُ) رفع مفعول ناب عن فاعله (٢)، ولأبي ذرٍّ بفتح أوله وكسر ثالثه (فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِالجِعْرَانَةِ) بكسر الجيم وسكون العين المهملة، وقد تكسر وتشدد الراء، موضعٌ قريبٌ من مكَّة، أحدُ مواقيت الإحرام (وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أَظَلَّ عَلَيْهِ) بفتح الهمزة والظاء المعجمة (وَمَعَهُ نَاسٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «ومعه النَّاس» (مِنْ أَصْحَابِهِ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ). قال في «المقدمة»: حكى ابنُ فَتْحون في
«الذَّيل»: أنَّ اسمه عطاءُ بن منبِّه، وعزاهُ لـ «تفسير» الطَّرسوسي، وفيه نظرٌ، وقال: إن صحَّ فهو أخو يعلى بن منبِّه، وفي «الشفاء» (١) للقاضي عياض ما يُشعر أنَّ اسمه (٢): عَمرو بن سَواد، والصَّواب: أنَّه يعلى بن أميَّة راوي الحديث، كما أخرجه الطَّحاوي من حديث شعبة، عن قتادةَ، عن عطاء: أنَّ رجلًا يقال له: يَعلى بن أميَّة، أحرمَ وعليه جبَّة (مُتَضَمِّخٌ) بالضادِ والخاء المعجمتين: مُتَلطِّخ (بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ) أي: بعمرةٍ، كما في «الحج» [خ¦١٥٣٦] (فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ) تلطَّخ (بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى أَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٣): «أي» (تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ) ليرى النَّبيَّ ﷺ حالَ نزولِ الوحيِ (فَإِذَا هُوَ) ﵊ (مُحْمَرُّ الوَجْهِ يَغِطُّ) بكسر الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة، يتردَّدُ صوتُ نفسِهِ من شدَّة ثقلِ الوحيِ (كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ) بضم السين المهملة وتشديد الراء المكسورة؛ أي: كشفَ (عَنْهُ) ما كان يجدُه من شدَّة ثقلِ الوحي (فَقَالَ: أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ العُمْرَةِ آنِفًا؟ فَالتُمِسَ الرَّجُلُ) بضم التاء، مبنيًّا للمفعول (فَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ) له: (أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) هل قوله: «ثلاث مرَّات» من جملةِ مقولهِ ﵊، فيكون نصًّا في تكرار الغسل ثلاثًا، أو العامل فيه «قال»؛ أي: قال له ﵊ ثلاث مرَّات: اغسلْهُ، فلا يكون نصًّا على التَّثليث. وسبق مزيدٌ لذلك في «الحج» [خ¦١٥٣٦].
(وَأَمَّا الجُبَّةُ فَانْزِعْهَا) عنك (ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ، كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ) من الطَّواف والسَّعي، والحلقِ، والاحترازِ عن محظوراتِ الإحرامِ.
وهذا الحديثُ صورته صورةُ المرسل؛ لأنَّ صفوان بن يعلى ما حضرَ ذلك، وقد ساقهُ في
«كتاب العمرة» من «الحج» [خ¦١٧٨٩] بالإسناد المذكور هنا عن أبي نُعيم، فقال فيه: عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، فوضحَ أنَّه ساقه هنا على لفظِ روايةِ ابن جُريج (١).
قيل: وجهُ دُخول هذا الحديثِ هنا التَّنبيه على أنَّ الوحي بالقرآنِ والسُّنة على صفةٍ واحدةٍ ولسانٍ واحدٍ.
(٣) (بابُ جَمْعِ القُرْآنِ) في الصُّحف، ثمَّ جمع تلك الصُّحف في المصحف بعد النَّبيِّ ﷺ، وإنما ترك النَّبيُّ ﷺ جمعَه في مصحفٍ واحدٍ؛ لأنَّ النَّسخ كان يرِد على بعضهِ، فلو جمعَه ثمَّ رُفعت تلاوةُ بعضهِ لأدى إلى الاختلافِ والاختلاطِ، فحفظه (٢) الله تعالى في القلوبِ إلى انقضاءِ زمن النَّسخ، فكان التَّأليف في الزَّمن النَّبويِّ، والجمع في الصُّحف في زمنِ الصِّدِّيق، والنَّسخ في المصاحف في زمن عثمان، وقد كان القرآن كلُّه مكتوبًا في عهدِه ﷺ، لكنَّه غير مجموعٍ في موضعٍ واحدٍ ولا مرتَّب السُّور.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فَضَائِل الْقُرْآن عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور.
قَوْله: (تَابع) أَي أنزل الله تَعَالَى الْوَحْي مُتَتَابِعًا متواترا أَكثر مِمَّا كَانَ، وَكَانَ ذَلِك قرب وَفَاته قَوْله: (حَتَّى توفاه أَكثر مَا كَانَ الْوَحْي) أَي: الزَّمَان الَّذِي وَقعت فِيهِ وَفَاته مَا كَانَ نزُول الْوَحْي فِيهِ أَكثر من غَيره من الْأَزْمِنَة. قَوْله: (بعد) بِالضَّمِّ مَبْنِيّ لقطع الْإِضَافَة عَنهُ أَي: بعد ذَلِك.
٣٨٩٤ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا سفْيانخ عَن الأسْوَدِ بنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جنْدَبا يَقُولُ: اشْتَكَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلمْ يَقُمْ لَيْلةً أوْ لَيْلَتَيْنِ، فأنَتْهُ امْرَأةٌ فقالَتْ: يَا مُحَمَّدُ! مَا أرَى شيْطانَكَ إلاّ قَدْ تَرَكَكَ؟ فأنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} (الضُّحَى: ١ ٣) ..
وَجه إِيرَاده هَذَا الحَدِيث هُنَا الْإِشَارَة إِلَى أَن تَأْخِير النُّزُول لَا لقصد التّرْك أصلا وَإِنَّمَا هُوَ لوجوه من الْحِكْمَة: تسهيل حفظه، لِأَنَّهُ لَو نزل دفْعَة وَاحِدَة لشق عَلَيْهِم لأَنهم أمة أُميَّة وغالبهم لَا يقْرَأ أَو لَا يكْتب، وَتردد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عز وَجل إِلَيْهِ وَلَا يَنْقَطِع إِلَى أَن يلقى الله تَعَالَى، ونزوله بِحَسب الوقائع والمصالح، وَكَون الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف مُنَاسِب أَن ينزل مفرقا إِذْ فِي نُزُوله دفْعَة وَاحِدَة كَانَت مشقة عَلَيْهِم.
والْحَدِيث مر عَن قريب فِي سُورَة الضُّحَى، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر عَن الْأسود، وَهنا أخرجه عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الْأسود. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٢ - (بابٌ نزَلَ القُرْآنُ بلِسانِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقُرْآن نزل بِلِسَان قُرَيْش، أَي: معظمه وَأَكْثَره، لِأَن فِي الْقُرْآن همزا كثيرا وقريش لَا تهمز، وَفِيه كلمت على خلاف لُغَة قُرَيْش، وَقد قَالَ الله تَعَالَى {قُرْآنًا عَرَبيا} (طه: ٣١١) وَلم يقل: قرشيا، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله: (بِلِسَان قُرَيْش) أَي: ابْتِدَاء نُزُوله ثمَّ أُبِيح أَن يقْرَأ بلغَة غَيرهم قَوْله: (وَالْعرب) أَي: ولسان الْعَرَب، وَهُوَ من قبيل عطف الْعَام على الْخَاص لِأَن قُريْشًا من الْعَرَب لَكِن فَائِدَة ذكر قُرَيْش بِعَدَد دُخُوله فِي الْعَرَب لزِيَادَة شرف قُرَيْش على غَيرهم من الْعَرَب، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم} (الْحجر: ٧٨) . وَقَالَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي كِتَابه علم الْأَوْلِيَاء إِن سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن الله تَعَالَى لم ينزل وَحيا قطّ إلَاّ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَترْجم جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، لكل رَسُول بِلِسَان قومه، وَالرَّسُول صَاحب الْوَحْي يترجم بِلِسَان أُولَئِكَ، فَأَما الْوَحْي فباللسان الْعَرَبِيّ.
{ (٢٠) قُرْآنًا عَرَبيا} (طه: ٣١١) بِلِسانٍ عَرَبِيّ مُبِينٍ
ذكر هَذَا فِي معرض الِاسْتِدْلَال بِأَن الْقُرْآن على لِسَان الْعَرَب، وَلِهَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر لقَوْل الله تَعَالَى {قُرْآنًا عَرَبيا} (طه: ٣١١) بسان عَرَبِيّ مُبين.
٤٨٩٤ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ حَدثنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ، وأخْبَرني أنَسُ بنُ مالِكٍ قَالَ: فأمَرَ عُثْمانُ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ وسَعِيدَ بنَ العاصِ وعبْدَ الله بنَ الزُّبَيْرِ وعبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ أنْ يَنْسَخُوها فِي المَصاحِفِ، وَقَالَ لَهُمْ: إذَا اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وزَيْدُ بنُ ثابِتٍ فِي عَرَبِيةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ القُرْآنِ فاكْتُبُوها بلِسانِ قُرَيْشٍ فإِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسانِهِم ففَعَلُوا.
(انْظُر الحَدِيث ٦٠٥٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فاكتبوها بِلِسَان قُرَيْش) وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر مرَارًا كَثِيرَة مَعَ اخْتِلَاف الْمُتُون.
والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب نزُول الْقُرْآن بِلِسَان قُرَيْش فِي: بَاب المناقب.
قَوْله: (وَأَخْبرنِي) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: فَأَخْبرنِي، بِالْفَاءِ قَوْله: (أَن ينسخوها) ، أَي: السُّور والآيات الَّتِي أحضرت من بَيت حَفْصَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَن ينسخوا مَا فِي الْمَصَاحِف، أَي ينقلوا الَّذِي فِيهَا إِلَى مصاحف أُخْرَى، وَالْأول هُوَ الْمُعْتَمد لِأَنَّهُ كَانَ فِي صحف لَا فِي مصاحف، وَقد ذكر عَن ابْن شهَاب أَنه قَالَ: اخْتلفُوا يومذ فِي التابوت، فَقَالَ زيد بن ثَابت إِنَّه التابوه، وَقَالَ ابْن الزبير وَمن مَعَه التابوت،
فترافعوا إِلَى عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ: أكتبوه التابوت بلغَة قُرَيْش. قَوْله: (فِي عَرَبِيَّة) أَي: فِي لُغَة عَرَبِيَّة من عَرَبِيَّة الْقُرْآن أَي: من لغته قَوْله: (فَإِن الْقُرْآن أنزل بلسانهم) أَي: بِلِسَان قُرَيْش، وَالْمرَاد مُعظم الْقُرْآن كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب قَوْله: (فَفَعَلُوا) أَي: فَفعل هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة الَّذِي أَمر بِهِ عُثْمَان من كِتَابَة الْقُرْآن بلغَة قُرَيْش، وَقَالَ ابْن عَبَّاس نزل الْقُرْآن بلغَة قُرَيْش ولسان خُزَاعَة لِأَن الدَّار كَانَت وَاحِدَة، وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنا أفصحكم لأنى من قُرَيْش ونشأت فِي بني سعد بن مَالك فَلَا يجب لذَلِك أَن يُقَال: الْقُرْآن نزل بلغَة سعد بن بكر، بل لَا يمْنَع أَن يُقَال: بلغَة أفْصح الْعَرَب وَمن دونهَا فِي الفصاحة إِذا كَانَت فصاحتهم غير مُتَفَاوِتَة، وَقد جَاءَت الرِّوَايَات أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يقْرَأ بلغَة قُرَيْش وَغير لغتها، كماأخرجه ابْن أبي شيبَة عَن الْفضل ابْن أبي خَالِد، سَمِعت أَبَا الْعَالِيَة يَقُول: قَرَأَ الْقُرْآن على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خَمْسَة رجال، فَاخْتَلَفُوا فِي اللُّغَة فَرضِي قراءتهم كلهَا، وَكَانَ بَنو تَمِيم أعرب الْقَوْم، فَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يقْرَأ بلغَة بني تَمِيم وخزاعة وَأهل لُغَات مُخْتَلفَة قد أقرّ جَمِيعهَا ورضيها.
٥٨٩٤ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا همَّامٌ حَدثنَا عَطاءٌ.
(ح) وَقَالَ مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيى عنِ ابنِ جُرَيْحٍ قَالَ: أَخْبرنِي عَطاء قَالَ أخْبرَني صَفْوَانُ بنُ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ أنَّ يَعْلَى كانَ يَقُولُ: لَيْتَني أرَى رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حينَ يُنْزَلُ علَيْهِ الوَحْيُ، فَلمَّا كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْجعْرَانَة وعلَيْه ثَوْبٌ قَدْ أظَلَّ عليْهِ ومَعَهُ ناسٌ مِنْ أَصْحابهِ، إذْ جاءَهُ رجُلٌ مُتَضَمِّخُ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رسُولَ الله! كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فنظَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ساعَةً فَجاءَهُ الوَحْيُ، فأشارَ عُمَرُ إلَى يَعْلَى أنْ تَالَ، فَجاءَ يَعْلى فأدْخَلَ رأسَهُ، فإِذا هُوَ مُحْمَرُّ الوَجْهِ يَغِظُّ كذالِكَ ساعَةً ثُمَّ سُرِّي عَنْهُ، فَقَالَ: أيْنَ الّذِي يَسْألَني عنِ العُمْرةِ آنِفا؟ فالْتُمِسَ الرَّجُل فَجِيءَ بهِ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: أمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وأمّا الجُبَّةُ فانْزِعْها ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ..
قيل: وَجه دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التَّنْبِيه على أَن الْقُرْآن وَالسّنة كِلَاهُمَا بِوَحْي وَاحِد ولسان وَاحِد، وَقيل: أَشَارَ البُخَارِيّ بذلك إِلَى أَن قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه} (إِبْرَاهِيم: ٤) لَا يسْتَلْزم أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرسل بِلِسَان قُرَيْش فَقَط لكَوْنهم قومه، بل أرسل بِلِسَان جَمِيع الْعَرَب لِأَنَّهُ أرسل إِلَيْهِم كلهم بِدَلِيل أَنه خَاطب الْأَعرَابِي الَّذِي سَأَلَهُ بِمَا يفهمهُ بعد أَن نزل الْوَحْي عَلَيْهِ بِجَوَاب مَسْأَلته، فَدلَّ أَن الْوَحْي كَانَ ينزل عَلَيْهِ بِمَا بفهمه من الْعَرَب، قرشيا كَانَ أَو غير قرشي، وَالْوَحي أَعم من أَن يكون قُرْآنًا يُتْلَى أَو لَا يُتْلَى، وَقيل غير ذَلِك، وَالْكل لَا يشفى العليل وَلَا يروي الغليل، وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم: ذكر هَذَا الحَدِيث فِي التَّرْجَمَة الَّتِي قبل هَذِه أظهر وَأبين، فَلَعَلَّ ذَلِك وَقع من بعض النساخ. وَقَالَ آخر مثله وَهُوَ: أَن إِدْخَال هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبله أليق، ثمَّ اعتذر عَنهُ، فَقَالَ: فَلَعَلَّهُ قصد التَّنْبِيه على أَن الْوَحْي بِالْقُرْآنِ وَالسّنة كَانَ على صفة وَاحِدَة لِسَان وَاحِد؟ انْتهى. وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي الْحَج فِي: بَاب إِذا أحرم جَاهِلا وَعَلِيهِ قَمِيص، وَأخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد بن همام عَن عَطاء،. قَالَ: حَدثنِي صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه الحَدِيث، وَهنا أخرجه عَن أبي نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن عَن همام بن يحيى عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن صَفْوَان بن يعلى إِلَى آخِره. وَأخرجه من طَرِيق آخر بقوله: وَقَالَ مُسَدّد، وَهَذَا بطرِيق المذاكرة مَعَ أَن مُسَددًا شَيْخه وَهُوَ يروي عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى بن أُميَّة إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. والجعرانة بِسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء، وَقد تكسر وتشدد الرَّاء، وَهِي مَوضِع قريب من مَكَّة، وَهِي فِي الْحل ومقيات للْإِحْرَام. والتضمخ بالمعجمتين التلطخ، وغطيط النَّائِم نخيره، وسري أَي كشف
وأزيل عَنهُ.
٣ - (بابُ جَمْعِ القُرْآنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة جمع الْقُرْآن، وَالْمرَاد بِهِ جمع مَخْصُوص وَهُوَ جمع المتفرق مِنْهُ فِي صحف ثمَّ تجمع تِلْكَ الصُّحُف فِي مصحف وَاحِد مُرَتّب السُّور والآيات.
٦٨٩٤ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْماعِيلَ عنْ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ حَدثنَا ابنُ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدٍ بنِ السَّبَّاقِ: أنَّ زَيْدَ بن ثابِتٍ، رضيَ الله عنهُ قَالَ: أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ فَإِذا عُمَرُ بنُ الخَطّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أبُو بَكْرٍ، رَضِي الله عَنهُ: إنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ بالمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وإنِّي أرَى أنْ تأمُرَ بِجَمْعِ القُرْآن. قلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئا لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ عُمَرُ: هاذا وَالله خَيْرٌ، فَلَمْ يَزلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِذَلِكَ ورَأيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأى عُمَر.
قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّكَ رجُلٌ شَاب عاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ وقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَتَتَبَّعِ القَرْآنَ فاجْمَعْهُ. فَوَالله لوْ كَلَّفُوني نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ مَا كانَ أثْقَلَ عَليَّ مِمَّا أمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئا لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: هُوَ وَالله خَيْرٌ، فَلمْ يزَل أبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُني حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ، رَضِي الله عَنْهُمَا، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ واللِّخافِ وصُدُرِ الرِّجالِ حتَّى وجَدْتُ آخِرَ سورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ لَمْ أجِدْها معَ أحَدٍ غَيْرِهِ { (٩) لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم} (التَّوْبَة: ٨٢١) حتَّى خاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أبي بَكْرٍ حتَّى تَوَفَّاهُ الله ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنتِ عُمَرَ رضِي الله عَنْهُمَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبيد بن السباق، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمدنِي التَّابِعِيّ، يكنى أَبَا سعيد وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث. لَكِن كَرَّرَه فِي الْأَبْوَاب.
والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير فِي آخر سُورَة بَرَاءَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي ابْن السباق أَن زيد بن ثَابت إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم فِي بعض شَيْء.
فَقَوله: (مقتل أهل الْيَمَامَة) أَي: بعد قتل مُسَيْلمَة الْكذَّاب، وَقتل من الْقُرَّاء يَوْمئِذٍ سَبْعمِائة وَقيل أَكثر. قَوْله: (قد استحر) بسين مُهْملَة ومثناة من فَوق مَفْتُوحَة وحاء مُهْملَة مَفْتُوحَة وَرَاء مُشَدّدَة أَي: اشْتَدَّ وَكثر وَهُوَ على وزن استفعل من الْحر خلاف الْبرد قَوْله: (بالمواطن) ، أَي: فِي المواطن أَي الْأَمَاكِن الَّتِي يَقع فِيهَا الْقِتَال مَعَ الْكفَّار. قَوْله: (لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، قَالَ الْخطابِيّ وَغَيره: يحْتَمل أَن يكون صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا لم يجمع الْقُرْآن فِي الصُّحُف لما كَانَ يترقب من وُرُود نَاسخ لبَعض أَحْكَامه أَو تِلَاوَته، فَلَمَّا انْقَضى نُزُوله بوفاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألهم الله الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ذَلِك وَفَاء لوعده الصَّادِق بِضَمَان حفظه على هَذِه الْأمة المحمدية، فَكَانَ ابْتِدَاء ذَلِك على يَد الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بمشورة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيُؤَيِّدهُ مَا أخرجه ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف بِإِسْنَاد حسن عَن عبد خير قَالَ: سَمِعت عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: أعظم النَّاس فِي الْمَصَاحِف أجرا أَبُو بكر رَحْمَة الله على أبي بكر، هُوَ أول من جمع كتاب الله. فَإِن قلت: أخرج ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف من طَرِيق ابْن سِيرِين، قَالَ: قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لما مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم آلَيْت أَن لَا آخذ على رِدَائي إلَاّ لصَلَاة جُمُعَة حَتَّى أجمع الْقُرْآن، فَجَمعه قلت: إِسْنَاده ضَعِيف لانقطاعه، وَلَئِن سلمنَا كَونه
مَحْفُوظًا فمراده بجمعه حفظه فِي صَدره قَوْله: (وَالله خير) ، يَعْنِي: خير فِي زمانهم. قَوْله: (فتتبع الْقُرْآن) صِيغَة أَمر، وَكَذَلِكَ قَوْله: (فاجمعه) قَوْله: (فتتبعت الْقُرْآن أجمعه) حَال أَي: حَال كوني أجمعه، وَقت التتبع. قَوْله: (من العسب) بِضَم الْعين وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ بعدهمَا بَاء مُوَحدَة جمع عسب وَهُوَ جريد النّخل كَانُوا يكشطون الخوص ويكتبون فِي الطّرف العريض، وَقيل: العسب طرف الجريد العريض الَّذِي لم ينْبت عَلَيْهِ الخوص، وَالَّذِي ينْبت عَلَيْهِ الخوص هُوَ السعف، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب: الْقصب والعسب والكرانيف وجرائد النّخل. وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي التَّفْسِير من الرّقاع، الأكتاف والعسب وصدور الرِّجَال، والرقاع جمع رقْعَة، وَقد يكون من جلد أَو ورق أَو كاغد، وَفِي رِوَايَة عمَارَة بن غزيَّة: وَقطع الْأَدِيم. وَفِي رِوَايَة ابْن أبي دَاوُود من طَرِيق أبي دَاوُود الذيالسي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد: والصحف وَفِي رِوَايَة ابْن أبي دَاوُد والأضلاع، وَعِنْده أَيْضا: والاقتاب جمع قتب الْبَعِير. قَوْله: (واللخاف) ، بِكَسْر اللَّام وبالخاء الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف فَاء وَهُوَ جمع لخفة، بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْحجر الْأَبْيَض الرَّقِيق، وَقَالَ الْخطابِيّ: اللخاف صَفَائِح الْحِجَارَة الرقَاق. قَوْله: (مَعَ أبي خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ) وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت، أخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ، وَرِوَايَة من قَالَ: مَعَ أبي خُزَيْمَة أصح، وَالَّذِي وجد مَعَه آخر سُورَة التَّوْبَة أَبُو خُزَيْمَة بالكنية، وَالَّذِي وجد مَعَه الْآيَة من الْأَحْزَاب خُزَيْمَة، وَاسم أبي خُزَيْمَة لَا يعرف وَهُوَ مَشْهُور بكنيته وَهُوَ ابْن أَوْس بن زيد بن أَصْرَم. قَوْله: (فَكَانَت) أَي: الصُّحُف الَّتِي جمعهَا زيد بن ثَابت عِنْد أبي بكر إِلَى أَن توفاه الله تَعَالَى. قَوْله: (ثمَّ عِنْد عمر حَيَاته) ، أَي: ثمَّ كَانَت عِنْد عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مُدَّة حَيَاته. قَوْله: (ثمَّ عِنْد حَفْصَة) ، أَي: ثمَّ بعد عمر كَانَت عِنْد حَفْصَة بنت عمر فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا كَانَت عِنْد حَفْصَة لِأَن عمر أوصى بذلك فاستمرت عِنْدهَا إِلَى أَن طلبَهَا من لَهُ الطّلب.
٧٨٩٤ - حدَّثنا مُوسى احدّثنا إبْرَاهيم حَدثنَا ابنُ شِهاب: أنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ حدَّثَهُ أنَّ حذَيْفَةَ ابنَ اليَمانِ قَدِمَ علَى عُثْمانَ، وكانَ يُغازي أهْلع الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وأذْرَبِيجانَ مَعَ أهْلِ العِرَاقِ، فأفْزعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي القِرَاءَة، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمانَ: يَا أميرَ المُؤْمِنينَ أدْرِكَ هذِه الأُمَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلَافَ اليَهُودِ والنصارَى، فأرْسَلَ عثْمانُ إِلَى حَفْصَةَ أنْ أرْسِلِي إليْنا بالصُّحُفِ نَنْسَخُها فِي المصاحِفِ ثُمَّ نَزُدها إليْكِ، فأرْسَلَتْ بِها حَفْصَةُ إِلَى عُثْمانَ فأمَرَ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ وعَبْدَ الله بنَ الزُّبَيْرِ وسَعِيدَ بنَ الْعاصِ وعبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوها فِي المَصاحِفِ. وَقَالَ عُثْمانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثلاثَةِ: إِذا اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وزَيْدُ بنُ ثابتٍ فِي شَيْء مِنَ القُرْآنِ فاكْتُبُوهُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ فإِنَّما نَزَلَ بلِسَانِهمْ. ففَعَلُوا، حتَّى إذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي المَصاحِفِ رَدَّ عُثْمانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، فأرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ ممَّا نَسَخُوا وأمَرَ بمَا سِوَاهُ مِنَ القُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أوْ مُصْحَفٍ أنْ يخْرَقَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن سعد، وَهَذَا الْإِسْنَاد إِلَى ابْن شهَاب هُوَ الَّذِي قبله بِعَيْنِه، أَعَادَهُ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمَا حديثان لِابْنِ شهَاب فِي قصتين مختلفتين، وَإِن اتفقَا فِي كِتَابَة الْقُرْآن وَجمعه، وَله قصَّة أُخْرَى عَن خَارِجَة بن زيد فِي آخر هَذَا الحَدِيث، على مَا يَأْتِي الْآن.
قَوْله: (وَكَانَ يغازي) ، أَي: يغزى، أَي: كَانَ عُثْمَان يُجهز أهل الشَّام وَأهل الْعرَاق لغزو أرمينية وأذربيجان وفتحهما، وأرمينية بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْمِيم بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة ثمَّ نون مَكْسُورَة، وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ بِفَتْح الْهمزَة، وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ بلد مَعْرُوف يضم كورا كَثِيرَة سميت بذلك لكَون الأرمن فِيهَا، وَهِي أمة كالروم، وَقيل: سميت بأرمون بن ليطى بن يومن بن يافث بن نوح، عَلَيْهِ السَّلَام: وَقَالَ
الرشاطي: افتتحت فِي سنة أَربع وَعشْرين فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على يَد سلمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ، قَالَ: وَأَهْلهَا بَنو أرمي بن أرم بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام، وأذربيجان بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وبالراء الْمَفْتُوحَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة ثمَّ الْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة ثمَّ الْجِيم وَالْألف وَالنُّون، وَقَالَ ابْن قرقول: فتح عبد الله بن سُلَيْمَان الْيَاء، وَعَن الْمُهلب بِالْمدِّ وَكسر الرَّاء بعْدهَا يَاء سَاكِنة بعْدهَا بَاء مَفْتُوحَة، وَقَالَ أَبُو الْفرج: ألفها مَقْصُورَة وذالها سَاكِنة كَذَلِك قِرَاءَته على أبي مَنْصُور، ويغلط من يمده. وَفِي المبتدىء: من يقدم الْيَاء أُخْت الْوَاو على الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ جهل، وَفِي النَّوَادِر لِابْنِ الْأَعرَابِي: الْعَرَب تَقوله بقصر الْهمزَة، وَكَذَا ذكره صَاحب تثقيف اللِّسَان وَلَكِن كسر الْهمزَة، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق البحتري: من الفصيح أذربيجان، وَقَالَ الجواليقي: الْهمزَة فِي أَولهَا أَصْلِيَّة لِأَن أذر مضموم إِلَيْهِ الآخر، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: اجْتمعت فِيهَا أَربع مَوَانِع من الصّرْف: العجمة والتعريف، والتأنيث والتركيب، وَهِي بَلْدَة بالجبال من بِلَاد الْعرَاق يَلِي كور أرمينية من جِهَة الغرب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْأَشْهر عِنْد الْعَجم أذربايجان، بالمدو الْألف بَين الْمُوَحدَة والتحتانية، هُوَ بَلْدَة تبريز وقصباتها. قَوْله: (مَعَ أهل الْعرَاق) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فِي أهل الْعرَاق. قَوْله: (فأفزع) من الإفزاع، و (حُذَيْفَة) بِالنّصب. مَفْعُوله، (وَاخْتِلَافهمْ) بِالرَّفْع فَاعله، وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه: فيتناز عون فِي الْقُرْآن حَتَّى سمع حُذَيْفَة من اخْتلَافهمْ مَا ذعره، وَفِي رِوَايَة يُونُس: فتذاكروا الْقُرْآن وَاخْتلفُوا فِيهِ حَتَّى كَاد يكون بَينهم فتْنَة، وَفِي رِوَايَة عمَارَة بن غزيَّة أَن حُذَيْفَة قدم من غَزْوَة فَلم يدْخل بَيته حَتَّى أَتَى عُثْمَان فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أدْرك النَّاس! قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: غزوت فرج أرمينية فَإِذا أهل الشَّام يقرأون بِقِرَاءَة أبي بن كَعْب فَيَأْتُونَ بِمَا لم يسمع أهل الْعرَاق، وَإِذا أهل الْعرَاق يقرأون بِقِرَاءَة عبد الله بن مَسْعُود فَيَأْتُونَ بِمَا لم يسمع أهل الشَّام فيكفر بَعضهم بَعْضًا انْتهى. وَكَانَ هَذَا سَببا لجمع عُثْمَان الْقُرْآن فِي الْمُصحف، وَالْفرق بَينه وَبَين الصُّحُف أَن الصُّحُف هِيَ الأوراق المحررة الَّتِي جمع فِيهَا الْقُرْآن فِي عهد أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَت سورا مفرقة كل سُورَة مرتبَة بآياتها على حِدة، لَكِن لم يرتب بَعْضهَا إِثْر بعض، فَلَمَّا نسخت ورتب بعصها إِثْر بعض صَارَت مُصحفا، وَلم يكن مُصحفا إلَاّ فِي عهد عُثْمَان، على مَا ذكر فِي الحَدِيث من طلب عُثْمَان الصُّحُف من حَفْصَة وَأمره للصحابة الْمَذْكُورين فِي الحَدِيث بِكِتَابَة مصاحف وإرساله إِلَى كل نَاحيَة بمصحف، قَوْله: (فَأمر زيد بن ثَابت) هُوَ الْأنْصَارِيّ، والبقية قرشيون. قَوْله: (فنسخوها) أَي: الصُّحُف أَي: مَا فِي الصُّحُف الَّتِي أرسلتها حَفْصَة إِلَى عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (للرهط القرشيين) وهم عبد الله بن الزبير الْأَسدي وَسَعِيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَرْث المخرومي. قَوْله: (فَإِنَّمَا نزل بلسانهم) أَي: فَإِنَّمَا نزل الْقُرْآن بِلِسَان قُرَيْش أَي: مُعظم الْقُرْآن، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (وَأرْسل إِلَى كل أفق) أَي: نَاحيَة، وَيجمع على: آفَاق، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب: فَأرْسل إِلَى كل جند من أجناد الْمُسلمين بمصحف. وَاخْتلف فِي عدد الْمَصَاحِف الَّتِي أرسل بهَا عُثْمَان إِلَى الْآفَاق فَالْمَشْهُور أَنَّهَا خَمْسَة، وَأخرج ابْن أبي دَاوُد فِي كتاب الْمَصَاحِف من طَرِيق حَمْزَة الزيات، قَالَ: أرسل عُثْمَان أَرْبَعَة مصاحف وَبعث مِنْهَا إِلَى الْكُوفَة بمصحف فَوَقع عِنْد رجل من مُرَاد فَبَقيَ حَتَّى كتبت مصحفي مِنْهُ، وَقَالَ ابْن أبي دَاوُد: وَسمعت أَبَا حَاتِم السجسْتانِي يَقُول: كتبت سَبْعَة مصاحف: إِلَى مَكَّة وَإِلَى الشَّام وَإِلَى الْيَمين وَإِلَى الْبَحْرين وَإِلَى الْبَصْرَة وَإِلَى الْكُوفَة وَحبس بِالْمَدِينَةِ وَاحِدًا. قَوْله: (أَن يخرق) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة رِوَايَة الأكثين وبالمهملة رِوَايَة الْمروزِي وبالوجهين رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وبالمعجمة أثبت، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَن يُمحى أَو يحرق، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ إحراق الْقُرْآن؟ قلت: المحروق هُوَ الْقُرْآن الْمَنْسُوخ أَو الْمُخْتَلط بِغَيْرِهِ من التَّفْسِير أَو بلغَة غير قُرَيْش أَو الْقرَاءَات الشاذة، وَفَائِدَته أَن لَا يَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ، قلت: هَذِه الْأَجْوِبَة جَوَاب من لم يطلع على كَلَام الْقَوْم وَلم يتَأَمَّل مَا يدل عَلَيْهِ قَوْله فِي آخر الحَدِيث وَقَالَ عِيَاض: غسلوها بِالْمَاءِ ثمَّ أحرقوها مُبَالغَة فِي إذهابها، وَعند أبي دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ: وَأمرهمْ أَن يحرقوا كل مصحف يُخَالف الْمُصحف الَّذِي أرسل بِهِ، قَالَ: فَذَلِك زمَان أحرقت الْمَصَاحِف بالعراق بالنَّار، وَفِي رِوَايَة سُوَيْد بن غَفلَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لَا تَقولُوا لعُثْمَان فِي إحراق الْمَصَاحِف إلَاّ خيرا وَفِي رِوَايَة بكير بن الْأَشَج: فَأمر بِجمع الْمَصَاحِف فأحرقها ثمَّ بَث فِي الأجناد الَّتِي كتبت، وَمن طَرِيق مُصعب بن سعد قَالَ: أدْركْت النَّاس متوافرين حِين أحرق عُثْمَان الْمَصَاحِف، فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِك أَو قَالَ: لم يُنكر ذَلِك مِنْهُم أحد.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بْنَ ثَابِتٍ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يَنْسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ الْقُرْآنِ، فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا.
٤٩٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا عَطَاءٌ وَقَالَ مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ عَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أَظَلَّ عَلَيْهِ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً فَجَاءَهُ الْوَحْيُ فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى أَنْ تَعَالَ فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا هُوَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنْ الْعُمْرَةِ آنِفًا فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ"
قَوْلُهُ: (بَابٌ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ، قُرْآنًا عَرَبِيًّا - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى قُرْآنًا إِلَخْ. وَأَمَّا نُزُولُهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ فَمَذْكُورٌ فِي الْبَابِ مِنْ قَوْلِ عُثْمَانَ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَأَقْرِئِ النَّاسَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ لَا بِلُغَةِ هُذَيْلٍ وَأَمَّا عَطْفُ الْعَرَبِ عَلَيْهِ فَمِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، لِأَنَّ قُرَيْشًا مِنَ الْعَرَبِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْآيَتَيْنِ فَهُوَ حُجَّةٌ لِذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَصَاحِفِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عُمَرَ قَالَ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي اللُّغَةِ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ مُضَرَ اهـ وَمُضَرُ هُوَ ابْنُ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ وَإِلَيْهِ تَنْتَهِي أَنْسَابُ قُرَيْشٍ وَقَيْسٍ وَهُذَيْلٍ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ: مَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ أَيْ مُعْظَمُهُ، وَأَنَّهُ لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أَنَّهُ نَزَلَ بِجَمِيعِ أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ مُضَرَ دُونَ رَبِيعَةَ أَوْ هُمَا دُونَ الْيَمَنِ أَوْ قُرَيْشًا دُونَ غَيْرِهِمْ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، لِأَنَّ اسْمَ الْعَرَبِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ تَنَاوُلًا وَاحِدًا، وَلَوْ سَاغَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى لَسَاغَ لِلْآخَرِ أَنْ يَقُولَ نَزَلَ بِلِسَانِ بَنِي هَاشِمٍ مَثَلًا لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ سَائِرِ قُرَيْشٍ.
وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ أَيِ ابْتِدَاءُ نُزُولِهِ، ثُمَّ أُبِيحَ أَنْ يُقْرَأَ بِلُغَةِ غَيْرِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي بَابِ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ اهـ. وَتَكْمِلَتُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ نَزَلَ أَوَّلًا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ أَحَدُ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ، ثُمَّ نَزَلَ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الْمَأْذُونِ فِي قِرَاءَتِهَا تَسْهِيلًا وَتَيْسِيرًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، فَلَمَّا جَمَعَ عُثْمَانُ النَّاسَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ رَأَى أَنَّ الْحَرْفَ الَّذِي نَزَلَ الْقُرْآنُ أَوَّلًا بِلِسَانِهِ أَوْلَى الْأَحْرُفِ فَحَمَلَ النَّاسَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لِسَانَ النَّبِيِّ ﷺ وَلِمَا لَهُ مِنَ الْأَوَّلِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ عُمَرَ، لِابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَأَخْبَرَنِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: فَأَمَرَ عُثْمَانُ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، فَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِهِمْ أَيْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَقَالَ لَهُمْ) عثمان: (إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي) لغة (عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ (١) بِلِسَانِهِمْ) أي: معظمُه (فَفَعَلُوا) ما أمرهُم به عثمان.
وهذا الحديث مرَّ في «باب نزولِ القرآن بلسانِ قريش»، في «المناقب» [خ¦٣٥٠٦].
٤٩٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكين قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء والميم المشدَّدة، ابنُ يحيى بنِ دينارٍ العَوْذِيُّ -بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الذال المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا عَطَاءٌ) أي: ابنُ أبي رباحٍ (وَقَالَ) وفي نسخة: «ح. وقال» (مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان، سقطَ لغير أبي ذرٍّ «ابنُ سعيدٍ» (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملكِ بنِ عبدِ العزيزِ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو: ابنُ أبي رباحٍ المذكور (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ) أباهُ (يَعْلَى كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ) بضم أوله وفتح ثالثه (عَلَيْهِ الوَحْيُ) رفع مفعول ناب عن فاعله (٢)، ولأبي ذرٍّ بفتح أوله وكسر ثالثه (فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِالجِعْرَانَةِ) بكسر الجيم وسكون العين المهملة، وقد تكسر وتشدد الراء، موضعٌ قريبٌ من مكَّة، أحدُ مواقيت الإحرام (وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أَظَلَّ عَلَيْهِ) بفتح الهمزة والظاء المعجمة (وَمَعَهُ نَاسٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «ومعه النَّاس» (مِنْ أَصْحَابِهِ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ). قال في «المقدمة»: حكى ابنُ فَتْحون في
«الذَّيل»: أنَّ اسمه عطاءُ بن منبِّه، وعزاهُ لـ «تفسير» الطَّرسوسي، وفيه نظرٌ، وقال: إن صحَّ فهو أخو يعلى بن منبِّه، وفي «الشفاء» (١) للقاضي عياض ما يُشعر أنَّ اسمه (٢): عَمرو بن سَواد، والصَّواب: أنَّه يعلى بن أميَّة راوي الحديث، كما أخرجه الطَّحاوي من حديث شعبة، عن قتادةَ، عن عطاء: أنَّ رجلًا يقال له: يَعلى بن أميَّة، أحرمَ وعليه جبَّة (مُتَضَمِّخٌ) بالضادِ والخاء المعجمتين: مُتَلطِّخ (بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ) أي: بعمرةٍ، كما في «الحج» [خ¦١٥٣٦] (فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ) تلطَّخ (بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى أَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٣): «أي» (تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ) ليرى النَّبيَّ ﷺ حالَ نزولِ الوحيِ (فَإِذَا هُوَ) ﵊ (مُحْمَرُّ الوَجْهِ يَغِطُّ) بكسر الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة، يتردَّدُ صوتُ نفسِهِ من شدَّة ثقلِ الوحيِ (كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ) بضم السين المهملة وتشديد الراء المكسورة؛ أي: كشفَ (عَنْهُ) ما كان يجدُه من شدَّة ثقلِ الوحي (فَقَالَ: أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ العُمْرَةِ آنِفًا؟ فَالتُمِسَ الرَّجُلُ) بضم التاء، مبنيًّا للمفعول (فَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ) له: (أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) هل قوله: «ثلاث مرَّات» من جملةِ مقولهِ ﵊، فيكون نصًّا في تكرار الغسل ثلاثًا، أو العامل فيه «قال»؛ أي: قال له ﵊ ثلاث مرَّات: اغسلْهُ، فلا يكون نصًّا على التَّثليث. وسبق مزيدٌ لذلك في «الحج» [خ¦١٥٣٦].
(وَأَمَّا الجُبَّةُ فَانْزِعْهَا) عنك (ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ، كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ) من الطَّواف والسَّعي، والحلقِ، والاحترازِ عن محظوراتِ الإحرامِ.
وهذا الحديثُ صورته صورةُ المرسل؛ لأنَّ صفوان بن يعلى ما حضرَ ذلك، وقد ساقهُ في
«كتاب العمرة» من «الحج» [خ¦١٧٨٩] بالإسناد المذكور هنا عن أبي نُعيم، فقال فيه: عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، فوضحَ أنَّه ساقه هنا على لفظِ روايةِ ابن جُريج (١).
قيل: وجهُ دُخول هذا الحديثِ هنا التَّنبيه على أنَّ الوحي بالقرآنِ والسُّنة على صفةٍ واحدةٍ ولسانٍ واحدٍ.
(٣) (بابُ جَمْعِ القُرْآنِ) في الصُّحف، ثمَّ جمع تلك الصُّحف في المصحف بعد النَّبيِّ ﷺ، وإنما ترك النَّبيُّ ﷺ جمعَه في مصحفٍ واحدٍ؛ لأنَّ النَّسخ كان يرِد على بعضهِ، فلو جمعَه ثمَّ رُفعت تلاوةُ بعضهِ لأدى إلى الاختلافِ والاختلاطِ، فحفظه (٢) الله تعالى في القلوبِ إلى انقضاءِ زمن النَّسخ، فكان التَّأليف في الزَّمن النَّبويِّ، والجمع في الصُّحف في زمنِ الصِّدِّيق، والنَّسخ في المصاحف في زمن عثمان، وقد كان القرآن كلُّه مكتوبًا في عهدِه ﷺ، لكنَّه غير مجموعٍ في موضعٍ واحدٍ ولا مرتَّب السُّور.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فَضَائِل الْقُرْآن عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور.
قَوْله: (تَابع) أَي أنزل الله تَعَالَى الْوَحْي مُتَتَابِعًا متواترا أَكثر مِمَّا كَانَ، وَكَانَ ذَلِك قرب وَفَاته قَوْله: (حَتَّى توفاه أَكثر مَا كَانَ الْوَحْي) أَي: الزَّمَان الَّذِي وَقعت فِيهِ وَفَاته مَا كَانَ نزُول الْوَحْي فِيهِ أَكثر من غَيره من الْأَزْمِنَة. قَوْله: (بعد) بِالضَّمِّ مَبْنِيّ لقطع الْإِضَافَة عَنهُ أَي: بعد ذَلِك.
٣٨٩٤ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا سفْيانخ عَن الأسْوَدِ بنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جنْدَبا يَقُولُ: اشْتَكَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلمْ يَقُمْ لَيْلةً أوْ لَيْلَتَيْنِ، فأنَتْهُ امْرَأةٌ فقالَتْ: يَا مُحَمَّدُ! مَا أرَى شيْطانَكَ إلاّ قَدْ تَرَكَكَ؟ فأنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} (الضُّحَى: ١ ٣) ..
وَجه إِيرَاده هَذَا الحَدِيث هُنَا الْإِشَارَة إِلَى أَن تَأْخِير النُّزُول لَا لقصد التّرْك أصلا وَإِنَّمَا هُوَ لوجوه من الْحِكْمَة: تسهيل حفظه، لِأَنَّهُ لَو نزل دفْعَة وَاحِدَة لشق عَلَيْهِم لأَنهم أمة أُميَّة وغالبهم لَا يقْرَأ أَو لَا يكْتب، وَتردد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عز وَجل إِلَيْهِ وَلَا يَنْقَطِع إِلَى أَن يلقى الله تَعَالَى، ونزوله بِحَسب الوقائع والمصالح، وَكَون الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف مُنَاسِب أَن ينزل مفرقا إِذْ فِي نُزُوله دفْعَة وَاحِدَة كَانَت مشقة عَلَيْهِم.
والْحَدِيث مر عَن قريب فِي سُورَة الضُّحَى، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر عَن الْأسود، وَهنا أخرجه عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الْأسود. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٢ - (بابٌ نزَلَ القُرْآنُ بلِسانِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقُرْآن نزل بِلِسَان قُرَيْش، أَي: معظمه وَأَكْثَره، لِأَن فِي الْقُرْآن همزا كثيرا وقريش لَا تهمز، وَفِيه كلمت على خلاف لُغَة قُرَيْش، وَقد قَالَ الله تَعَالَى {قُرْآنًا عَرَبيا} (طه: ٣١١) وَلم يقل: قرشيا، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله: (بِلِسَان قُرَيْش) أَي: ابْتِدَاء نُزُوله ثمَّ أُبِيح أَن يقْرَأ بلغَة غَيرهم قَوْله: (وَالْعرب) أَي: ولسان الْعَرَب، وَهُوَ من قبيل عطف الْعَام على الْخَاص لِأَن قُريْشًا من الْعَرَب لَكِن فَائِدَة ذكر قُرَيْش بِعَدَد دُخُوله فِي الْعَرَب لزِيَادَة شرف قُرَيْش على غَيرهم من الْعَرَب، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم} (الْحجر: ٧٨) . وَقَالَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي كِتَابه علم الْأَوْلِيَاء إِن سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن الله تَعَالَى لم ينزل وَحيا قطّ إلَاّ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَترْجم جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، لكل رَسُول بِلِسَان قومه، وَالرَّسُول صَاحب الْوَحْي يترجم بِلِسَان أُولَئِكَ، فَأَما الْوَحْي فباللسان الْعَرَبِيّ.
{ (٢٠) قُرْآنًا عَرَبيا} (طه: ٣١١) بِلِسانٍ عَرَبِيّ مُبِينٍ
ذكر هَذَا فِي معرض الِاسْتِدْلَال بِأَن الْقُرْآن على لِسَان الْعَرَب، وَلِهَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر لقَوْل الله تَعَالَى {قُرْآنًا عَرَبيا} (طه: ٣١١) بسان عَرَبِيّ مُبين.
٤٨٩٤ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ حَدثنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ، وأخْبَرني أنَسُ بنُ مالِكٍ قَالَ: فأمَرَ عُثْمانُ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ وسَعِيدَ بنَ العاصِ وعبْدَ الله بنَ الزُّبَيْرِ وعبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ أنْ يَنْسَخُوها فِي المَصاحِفِ، وَقَالَ لَهُمْ: إذَا اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وزَيْدُ بنُ ثابِتٍ فِي عَرَبِيةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ القُرْآنِ فاكْتُبُوها بلِسانِ قُرَيْشٍ فإِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسانِهِم ففَعَلُوا.
(انْظُر الحَدِيث ٦٠٥٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فاكتبوها بِلِسَان قُرَيْش) وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر مرَارًا كَثِيرَة مَعَ اخْتِلَاف الْمُتُون.
والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب نزُول الْقُرْآن بِلِسَان قُرَيْش فِي: بَاب المناقب.
قَوْله: (وَأَخْبرنِي) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: فَأَخْبرنِي، بِالْفَاءِ قَوْله: (أَن ينسخوها) ، أَي: السُّور والآيات الَّتِي أحضرت من بَيت حَفْصَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَن ينسخوا مَا فِي الْمَصَاحِف، أَي ينقلوا الَّذِي فِيهَا إِلَى مصاحف أُخْرَى، وَالْأول هُوَ الْمُعْتَمد لِأَنَّهُ كَانَ فِي صحف لَا فِي مصاحف، وَقد ذكر عَن ابْن شهَاب أَنه قَالَ: اخْتلفُوا يومذ فِي التابوت، فَقَالَ زيد بن ثَابت إِنَّه التابوه، وَقَالَ ابْن الزبير وَمن مَعَه التابوت،
فترافعوا إِلَى عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ: أكتبوه التابوت بلغَة قُرَيْش. قَوْله: (فِي عَرَبِيَّة) أَي: فِي لُغَة عَرَبِيَّة من عَرَبِيَّة الْقُرْآن أَي: من لغته قَوْله: (فَإِن الْقُرْآن أنزل بلسانهم) أَي: بِلِسَان قُرَيْش، وَالْمرَاد مُعظم الْقُرْآن كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب قَوْله: (فَفَعَلُوا) أَي: فَفعل هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة الَّذِي أَمر بِهِ عُثْمَان من كِتَابَة الْقُرْآن بلغَة قُرَيْش، وَقَالَ ابْن عَبَّاس نزل الْقُرْآن بلغَة قُرَيْش ولسان خُزَاعَة لِأَن الدَّار كَانَت وَاحِدَة، وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنا أفصحكم لأنى من قُرَيْش ونشأت فِي بني سعد بن مَالك فَلَا يجب لذَلِك أَن يُقَال: الْقُرْآن نزل بلغَة سعد بن بكر، بل لَا يمْنَع أَن يُقَال: بلغَة أفْصح الْعَرَب وَمن دونهَا فِي الفصاحة إِذا كَانَت فصاحتهم غير مُتَفَاوِتَة، وَقد جَاءَت الرِّوَايَات أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يقْرَأ بلغَة قُرَيْش وَغير لغتها، كماأخرجه ابْن أبي شيبَة عَن الْفضل ابْن أبي خَالِد، سَمِعت أَبَا الْعَالِيَة يَقُول: قَرَأَ الْقُرْآن على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خَمْسَة رجال، فَاخْتَلَفُوا فِي اللُّغَة فَرضِي قراءتهم كلهَا، وَكَانَ بَنو تَمِيم أعرب الْقَوْم، فَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يقْرَأ بلغَة بني تَمِيم وخزاعة وَأهل لُغَات مُخْتَلفَة قد أقرّ جَمِيعهَا ورضيها.
٥٨٩٤ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا همَّامٌ حَدثنَا عَطاءٌ.
(ح) وَقَالَ مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيى عنِ ابنِ جُرَيْحٍ قَالَ: أَخْبرنِي عَطاء قَالَ أخْبرَني صَفْوَانُ بنُ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ أنَّ يَعْلَى كانَ يَقُولُ: لَيْتَني أرَى رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حينَ يُنْزَلُ علَيْهِ الوَحْيُ، فَلمَّا كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْجعْرَانَة وعلَيْه ثَوْبٌ قَدْ أظَلَّ عليْهِ ومَعَهُ ناسٌ مِنْ أَصْحابهِ، إذْ جاءَهُ رجُلٌ مُتَضَمِّخُ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رسُولَ الله! كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فنظَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ساعَةً فَجاءَهُ الوَحْيُ، فأشارَ عُمَرُ إلَى يَعْلَى أنْ تَالَ، فَجاءَ يَعْلى فأدْخَلَ رأسَهُ، فإِذا هُوَ مُحْمَرُّ الوَجْهِ يَغِظُّ كذالِكَ ساعَةً ثُمَّ سُرِّي عَنْهُ، فَقَالَ: أيْنَ الّذِي يَسْألَني عنِ العُمْرةِ آنِفا؟ فالْتُمِسَ الرَّجُل فَجِيءَ بهِ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: أمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وأمّا الجُبَّةُ فانْزِعْها ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ..
قيل: وَجه دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التَّنْبِيه على أَن الْقُرْآن وَالسّنة كِلَاهُمَا بِوَحْي وَاحِد ولسان وَاحِد، وَقيل: أَشَارَ البُخَارِيّ بذلك إِلَى أَن قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه} (إِبْرَاهِيم: ٤) لَا يسْتَلْزم أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرسل بِلِسَان قُرَيْش فَقَط لكَوْنهم قومه، بل أرسل بِلِسَان جَمِيع الْعَرَب لِأَنَّهُ أرسل إِلَيْهِم كلهم بِدَلِيل أَنه خَاطب الْأَعرَابِي الَّذِي سَأَلَهُ بِمَا يفهمهُ بعد أَن نزل الْوَحْي عَلَيْهِ بِجَوَاب مَسْأَلته، فَدلَّ أَن الْوَحْي كَانَ ينزل عَلَيْهِ بِمَا بفهمه من الْعَرَب، قرشيا كَانَ أَو غير قرشي، وَالْوَحي أَعم من أَن يكون قُرْآنًا يُتْلَى أَو لَا يُتْلَى، وَقيل غير ذَلِك، وَالْكل لَا يشفى العليل وَلَا يروي الغليل، وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم: ذكر هَذَا الحَدِيث فِي التَّرْجَمَة الَّتِي قبل هَذِه أظهر وَأبين، فَلَعَلَّ ذَلِك وَقع من بعض النساخ. وَقَالَ آخر مثله وَهُوَ: أَن إِدْخَال هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبله أليق، ثمَّ اعتذر عَنهُ، فَقَالَ: فَلَعَلَّهُ قصد التَّنْبِيه على أَن الْوَحْي بِالْقُرْآنِ وَالسّنة كَانَ على صفة وَاحِدَة لِسَان وَاحِد؟ انْتهى. وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي الْحَج فِي: بَاب إِذا أحرم جَاهِلا وَعَلِيهِ قَمِيص، وَأخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد بن همام عَن عَطاء،. قَالَ: حَدثنِي صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه الحَدِيث، وَهنا أخرجه عَن أبي نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن عَن همام بن يحيى عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن صَفْوَان بن يعلى إِلَى آخِره. وَأخرجه من طَرِيق آخر بقوله: وَقَالَ مُسَدّد، وَهَذَا بطرِيق المذاكرة مَعَ أَن مُسَددًا شَيْخه وَهُوَ يروي عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى بن أُميَّة إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. والجعرانة بِسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء، وَقد تكسر وتشدد الرَّاء، وَهِي مَوضِع قريب من مَكَّة، وَهِي فِي الْحل ومقيات للْإِحْرَام. والتضمخ بالمعجمتين التلطخ، وغطيط النَّائِم نخيره، وسري أَي كشف
وأزيل عَنهُ.
٣ - (بابُ جَمْعِ القُرْآنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة جمع الْقُرْآن، وَالْمرَاد بِهِ جمع مَخْصُوص وَهُوَ جمع المتفرق مِنْهُ فِي صحف ثمَّ تجمع تِلْكَ الصُّحُف فِي مصحف وَاحِد مُرَتّب السُّور والآيات.
٦٨٩٤ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْماعِيلَ عنْ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ حَدثنَا ابنُ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدٍ بنِ السَّبَّاقِ: أنَّ زَيْدَ بن ثابِتٍ، رضيَ الله عنهُ قَالَ: أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ فَإِذا عُمَرُ بنُ الخَطّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أبُو بَكْرٍ، رَضِي الله عَنهُ: إنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ بالمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وإنِّي أرَى أنْ تأمُرَ بِجَمْعِ القُرْآن. قلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئا لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ عُمَرُ: هاذا وَالله خَيْرٌ، فَلَمْ يَزلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِذَلِكَ ورَأيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأى عُمَر.
قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّكَ رجُلٌ شَاب عاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ وقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَتَتَبَّعِ القَرْآنَ فاجْمَعْهُ. فَوَالله لوْ كَلَّفُوني نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ مَا كانَ أثْقَلَ عَليَّ مِمَّا أمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئا لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: هُوَ وَالله خَيْرٌ، فَلمْ يزَل أبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُني حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ، رَضِي الله عَنْهُمَا، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ واللِّخافِ وصُدُرِ الرِّجالِ حتَّى وجَدْتُ آخِرَ سورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ لَمْ أجِدْها معَ أحَدٍ غَيْرِهِ { (٩) لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم} (التَّوْبَة: ٨٢١) حتَّى خاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أبي بَكْرٍ حتَّى تَوَفَّاهُ الله ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنتِ عُمَرَ رضِي الله عَنْهُمَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبيد بن السباق، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمدنِي التَّابِعِيّ، يكنى أَبَا سعيد وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث. لَكِن كَرَّرَه فِي الْأَبْوَاب.
والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير فِي آخر سُورَة بَرَاءَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي ابْن السباق أَن زيد بن ثَابت إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم فِي بعض شَيْء.
فَقَوله: (مقتل أهل الْيَمَامَة) أَي: بعد قتل مُسَيْلمَة الْكذَّاب، وَقتل من الْقُرَّاء يَوْمئِذٍ سَبْعمِائة وَقيل أَكثر. قَوْله: (قد استحر) بسين مُهْملَة ومثناة من فَوق مَفْتُوحَة وحاء مُهْملَة مَفْتُوحَة وَرَاء مُشَدّدَة أَي: اشْتَدَّ وَكثر وَهُوَ على وزن استفعل من الْحر خلاف الْبرد قَوْله: (بالمواطن) ، أَي: فِي المواطن أَي الْأَمَاكِن الَّتِي يَقع فِيهَا الْقِتَال مَعَ الْكفَّار. قَوْله: (لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، قَالَ الْخطابِيّ وَغَيره: يحْتَمل أَن يكون صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا لم يجمع الْقُرْآن فِي الصُّحُف لما كَانَ يترقب من وُرُود نَاسخ لبَعض أَحْكَامه أَو تِلَاوَته، فَلَمَّا انْقَضى نُزُوله بوفاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألهم الله الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ذَلِك وَفَاء لوعده الصَّادِق بِضَمَان حفظه على هَذِه الْأمة المحمدية، فَكَانَ ابْتِدَاء ذَلِك على يَد الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بمشورة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيُؤَيِّدهُ مَا أخرجه ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف بِإِسْنَاد حسن عَن عبد خير قَالَ: سَمِعت عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: أعظم النَّاس فِي الْمَصَاحِف أجرا أَبُو بكر رَحْمَة الله على أبي بكر، هُوَ أول من جمع كتاب الله. فَإِن قلت: أخرج ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف من طَرِيق ابْن سِيرِين، قَالَ: قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لما مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم آلَيْت أَن لَا آخذ على رِدَائي إلَاّ لصَلَاة جُمُعَة حَتَّى أجمع الْقُرْآن، فَجَمعه قلت: إِسْنَاده ضَعِيف لانقطاعه، وَلَئِن سلمنَا كَونه
مَحْفُوظًا فمراده بجمعه حفظه فِي صَدره قَوْله: (وَالله خير) ، يَعْنِي: خير فِي زمانهم. قَوْله: (فتتبع الْقُرْآن) صِيغَة أَمر، وَكَذَلِكَ قَوْله: (فاجمعه) قَوْله: (فتتبعت الْقُرْآن أجمعه) حَال أَي: حَال كوني أجمعه، وَقت التتبع. قَوْله: (من العسب) بِضَم الْعين وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ بعدهمَا بَاء مُوَحدَة جمع عسب وَهُوَ جريد النّخل كَانُوا يكشطون الخوص ويكتبون فِي الطّرف العريض، وَقيل: العسب طرف الجريد العريض الَّذِي لم ينْبت عَلَيْهِ الخوص، وَالَّذِي ينْبت عَلَيْهِ الخوص هُوَ السعف، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب: الْقصب والعسب والكرانيف وجرائد النّخل. وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي التَّفْسِير من الرّقاع، الأكتاف والعسب وصدور الرِّجَال، والرقاع جمع رقْعَة، وَقد يكون من جلد أَو ورق أَو كاغد، وَفِي رِوَايَة عمَارَة بن غزيَّة: وَقطع الْأَدِيم. وَفِي رِوَايَة ابْن أبي دَاوُود من طَرِيق أبي دَاوُود الذيالسي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد: والصحف وَفِي رِوَايَة ابْن أبي دَاوُد والأضلاع، وَعِنْده أَيْضا: والاقتاب جمع قتب الْبَعِير. قَوْله: (واللخاف) ، بِكَسْر اللَّام وبالخاء الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف فَاء وَهُوَ جمع لخفة، بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْحجر الْأَبْيَض الرَّقِيق، وَقَالَ الْخطابِيّ: اللخاف صَفَائِح الْحِجَارَة الرقَاق. قَوْله: (مَعَ أبي خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ) وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت، أخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ، وَرِوَايَة من قَالَ: مَعَ أبي خُزَيْمَة أصح، وَالَّذِي وجد مَعَه آخر سُورَة التَّوْبَة أَبُو خُزَيْمَة بالكنية، وَالَّذِي وجد مَعَه الْآيَة من الْأَحْزَاب خُزَيْمَة، وَاسم أبي خُزَيْمَة لَا يعرف وَهُوَ مَشْهُور بكنيته وَهُوَ ابْن أَوْس بن زيد بن أَصْرَم. قَوْله: (فَكَانَت) أَي: الصُّحُف الَّتِي جمعهَا زيد بن ثَابت عِنْد أبي بكر إِلَى أَن توفاه الله تَعَالَى. قَوْله: (ثمَّ عِنْد عمر حَيَاته) ، أَي: ثمَّ كَانَت عِنْد عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مُدَّة حَيَاته. قَوْله: (ثمَّ عِنْد حَفْصَة) ، أَي: ثمَّ بعد عمر كَانَت عِنْد حَفْصَة بنت عمر فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا كَانَت عِنْد حَفْصَة لِأَن عمر أوصى بذلك فاستمرت عِنْدهَا إِلَى أَن طلبَهَا من لَهُ الطّلب.
٧٨٩٤ - حدَّثنا مُوسى احدّثنا إبْرَاهيم حَدثنَا ابنُ شِهاب: أنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ حدَّثَهُ أنَّ حذَيْفَةَ ابنَ اليَمانِ قَدِمَ علَى عُثْمانَ، وكانَ يُغازي أهْلع الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وأذْرَبِيجانَ مَعَ أهْلِ العِرَاقِ، فأفْزعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي القِرَاءَة، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمانَ: يَا أميرَ المُؤْمِنينَ أدْرِكَ هذِه الأُمَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلَافَ اليَهُودِ والنصارَى، فأرْسَلَ عثْمانُ إِلَى حَفْصَةَ أنْ أرْسِلِي إليْنا بالصُّحُفِ نَنْسَخُها فِي المصاحِفِ ثُمَّ نَزُدها إليْكِ، فأرْسَلَتْ بِها حَفْصَةُ إِلَى عُثْمانَ فأمَرَ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ وعَبْدَ الله بنَ الزُّبَيْرِ وسَعِيدَ بنَ الْعاصِ وعبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوها فِي المَصاحِفِ. وَقَالَ عُثْمانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثلاثَةِ: إِذا اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وزَيْدُ بنُ ثابتٍ فِي شَيْء مِنَ القُرْآنِ فاكْتُبُوهُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ فإِنَّما نَزَلَ بلِسَانِهمْ. ففَعَلُوا، حتَّى إذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي المَصاحِفِ رَدَّ عُثْمانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، فأرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ ممَّا نَسَخُوا وأمَرَ بمَا سِوَاهُ مِنَ القُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أوْ مُصْحَفٍ أنْ يخْرَقَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن سعد، وَهَذَا الْإِسْنَاد إِلَى ابْن شهَاب هُوَ الَّذِي قبله بِعَيْنِه، أَعَادَهُ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمَا حديثان لِابْنِ شهَاب فِي قصتين مختلفتين، وَإِن اتفقَا فِي كِتَابَة الْقُرْآن وَجمعه، وَله قصَّة أُخْرَى عَن خَارِجَة بن زيد فِي آخر هَذَا الحَدِيث، على مَا يَأْتِي الْآن.
قَوْله: (وَكَانَ يغازي) ، أَي: يغزى، أَي: كَانَ عُثْمَان يُجهز أهل الشَّام وَأهل الْعرَاق لغزو أرمينية وأذربيجان وفتحهما، وأرمينية بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْمِيم بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة ثمَّ نون مَكْسُورَة، وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ بِفَتْح الْهمزَة، وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ بلد مَعْرُوف يضم كورا كَثِيرَة سميت بذلك لكَون الأرمن فِيهَا، وَهِي أمة كالروم، وَقيل: سميت بأرمون بن ليطى بن يومن بن يافث بن نوح، عَلَيْهِ السَّلَام: وَقَالَ
الرشاطي: افتتحت فِي سنة أَربع وَعشْرين فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على يَد سلمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ، قَالَ: وَأَهْلهَا بَنو أرمي بن أرم بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام، وأذربيجان بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وبالراء الْمَفْتُوحَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة ثمَّ الْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة ثمَّ الْجِيم وَالْألف وَالنُّون، وَقَالَ ابْن قرقول: فتح عبد الله بن سُلَيْمَان الْيَاء، وَعَن الْمُهلب بِالْمدِّ وَكسر الرَّاء بعْدهَا يَاء سَاكِنة بعْدهَا بَاء مَفْتُوحَة، وَقَالَ أَبُو الْفرج: ألفها مَقْصُورَة وذالها سَاكِنة كَذَلِك قِرَاءَته على أبي مَنْصُور، ويغلط من يمده. وَفِي المبتدىء: من يقدم الْيَاء أُخْت الْوَاو على الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ جهل، وَفِي النَّوَادِر لِابْنِ الْأَعرَابِي: الْعَرَب تَقوله بقصر الْهمزَة، وَكَذَا ذكره صَاحب تثقيف اللِّسَان وَلَكِن كسر الْهمزَة، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق البحتري: من الفصيح أذربيجان، وَقَالَ الجواليقي: الْهمزَة فِي أَولهَا أَصْلِيَّة لِأَن أذر مضموم إِلَيْهِ الآخر، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: اجْتمعت فِيهَا أَربع مَوَانِع من الصّرْف: العجمة والتعريف، والتأنيث والتركيب، وَهِي بَلْدَة بالجبال من بِلَاد الْعرَاق يَلِي كور أرمينية من جِهَة الغرب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْأَشْهر عِنْد الْعَجم أذربايجان، بالمدو الْألف بَين الْمُوَحدَة والتحتانية، هُوَ بَلْدَة تبريز وقصباتها. قَوْله: (مَعَ أهل الْعرَاق) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فِي أهل الْعرَاق. قَوْله: (فأفزع) من الإفزاع، و (حُذَيْفَة) بِالنّصب. مَفْعُوله، (وَاخْتِلَافهمْ) بِالرَّفْع فَاعله، وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه: فيتناز عون فِي الْقُرْآن حَتَّى سمع حُذَيْفَة من اخْتلَافهمْ مَا ذعره، وَفِي رِوَايَة يُونُس: فتذاكروا الْقُرْآن وَاخْتلفُوا فِيهِ حَتَّى كَاد يكون بَينهم فتْنَة، وَفِي رِوَايَة عمَارَة بن غزيَّة أَن حُذَيْفَة قدم من غَزْوَة فَلم يدْخل بَيته حَتَّى أَتَى عُثْمَان فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أدْرك النَّاس! قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: غزوت فرج أرمينية فَإِذا أهل الشَّام يقرأون بِقِرَاءَة أبي بن كَعْب فَيَأْتُونَ بِمَا لم يسمع أهل الْعرَاق، وَإِذا أهل الْعرَاق يقرأون بِقِرَاءَة عبد الله بن مَسْعُود فَيَأْتُونَ بِمَا لم يسمع أهل الشَّام فيكفر بَعضهم بَعْضًا انْتهى. وَكَانَ هَذَا سَببا لجمع عُثْمَان الْقُرْآن فِي الْمُصحف، وَالْفرق بَينه وَبَين الصُّحُف أَن الصُّحُف هِيَ الأوراق المحررة الَّتِي جمع فِيهَا الْقُرْآن فِي عهد أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَت سورا مفرقة كل سُورَة مرتبَة بآياتها على حِدة، لَكِن لم يرتب بَعْضهَا إِثْر بعض، فَلَمَّا نسخت ورتب بعصها إِثْر بعض صَارَت مُصحفا، وَلم يكن مُصحفا إلَاّ فِي عهد عُثْمَان، على مَا ذكر فِي الحَدِيث من طلب عُثْمَان الصُّحُف من حَفْصَة وَأمره للصحابة الْمَذْكُورين فِي الحَدِيث بِكِتَابَة مصاحف وإرساله إِلَى كل نَاحيَة بمصحف، قَوْله: (فَأمر زيد بن ثَابت) هُوَ الْأنْصَارِيّ، والبقية قرشيون. قَوْله: (فنسخوها) أَي: الصُّحُف أَي: مَا فِي الصُّحُف الَّتِي أرسلتها حَفْصَة إِلَى عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (للرهط القرشيين) وهم عبد الله بن الزبير الْأَسدي وَسَعِيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَرْث المخرومي. قَوْله: (فَإِنَّمَا نزل بلسانهم) أَي: فَإِنَّمَا نزل الْقُرْآن بِلِسَان قُرَيْش أَي: مُعظم الْقُرْآن، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (وَأرْسل إِلَى كل أفق) أَي: نَاحيَة، وَيجمع على: آفَاق، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب: فَأرْسل إِلَى كل جند من أجناد الْمُسلمين بمصحف. وَاخْتلف فِي عدد الْمَصَاحِف الَّتِي أرسل بهَا عُثْمَان إِلَى الْآفَاق فَالْمَشْهُور أَنَّهَا خَمْسَة، وَأخرج ابْن أبي دَاوُد فِي كتاب الْمَصَاحِف من طَرِيق حَمْزَة الزيات، قَالَ: أرسل عُثْمَان أَرْبَعَة مصاحف وَبعث مِنْهَا إِلَى الْكُوفَة بمصحف فَوَقع عِنْد رجل من مُرَاد فَبَقيَ حَتَّى كتبت مصحفي مِنْهُ، وَقَالَ ابْن أبي دَاوُد: وَسمعت أَبَا حَاتِم السجسْتانِي يَقُول: كتبت سَبْعَة مصاحف: إِلَى مَكَّة وَإِلَى الشَّام وَإِلَى الْيَمين وَإِلَى الْبَحْرين وَإِلَى الْبَصْرَة وَإِلَى الْكُوفَة وَحبس بِالْمَدِينَةِ وَاحِدًا. قَوْله: (أَن يخرق) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة رِوَايَة الأكثين وبالمهملة رِوَايَة الْمروزِي وبالوجهين رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وبالمعجمة أثبت، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَن يُمحى أَو يحرق، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ إحراق الْقُرْآن؟ قلت: المحروق هُوَ الْقُرْآن الْمَنْسُوخ أَو الْمُخْتَلط بِغَيْرِهِ من التَّفْسِير أَو بلغَة غير قُرَيْش أَو الْقرَاءَات الشاذة، وَفَائِدَته أَن لَا يَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ، قلت: هَذِه الْأَجْوِبَة جَوَاب من لم يطلع على كَلَام الْقَوْم وَلم يتَأَمَّل مَا يدل عَلَيْهِ قَوْله فِي آخر الحَدِيث وَقَالَ عِيَاض: غسلوها بِالْمَاءِ ثمَّ أحرقوها مُبَالغَة فِي إذهابها، وَعند أبي دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ: وَأمرهمْ أَن يحرقوا كل مصحف يُخَالف الْمُصحف الَّذِي أرسل بِهِ، قَالَ: فَذَلِك زمَان أحرقت الْمَصَاحِف بالعراق بالنَّار، وَفِي رِوَايَة سُوَيْد بن غَفلَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لَا تَقولُوا لعُثْمَان فِي إحراق الْمَصَاحِف إلَاّ خيرا وَفِي رِوَايَة بكير بن الْأَشَج: فَأمر بِجمع الْمَصَاحِف فأحرقها ثمَّ بَث فِي الأجناد الَّتِي كتبت، وَمن طَرِيق مُصعب بن سعد قَالَ: أدْركْت النَّاس متوافرين حِين أحرق عُثْمَان الْمَصَاحِف، فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِك أَو قَالَ: لم يُنكر ذَلِك مِنْهُم أحد.