«سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنِ الْخِيَرَةِ فَقَالَتْ: خَيَّرَنَا النَّبِيُّ ﷺ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٦٣

الحديث رقم ٥٢٦٣ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من خير نساءه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٢٦٣ في صحيح البخاري

«سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنِ الْخِيَرَةِ فَقَالَتْ: خَيَّرَنَا النَّبِيُّ ، أَفَكَانَ طَلَاقًا؟» قَالَ مَسْرُوقٌ: لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِائَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي.

بَابٌ: إِذَا قَالَ فَارَقْتُكِ أَوْ سَرَّحْتُكِ أَوِ الْخَلِيَّةُ أَوِ الْبَرِيَّةُ أَوْ مَا عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ قَوْلُ اللهِ ﷿ ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ وَقَالَ ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ وَقَالَ ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وَقَالَ ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وَقَالَتْ عَائِشَةُ قَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ.

بَابُ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَقَالَ الْحَسَنُ نِيَّتُهُ وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ فَسَمَّوْهُ حَرَامًا بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ وَلَيْسَ هَذَا كَالَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِطَعَامِ الْحِلِّ حَرَامٌ وَيُقَالُ لِلْمُطَلَّقَةِ حَرَامٌ وَقَالَ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ٥٢٦٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا قَالَ لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ أَمَرَنِي بِهَذَا فَإِنْ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا حَرُمَتْ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ.

إسناد حديث البخاري رقم ٥٢٦٣

٥٢٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا عَامِرٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٢٦٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: خَيَّرَنَا) أي: أمَّهات المؤمنين (رَسُولُ اللهِ ) بين الدُّنيا والآخرة، فإن اخترنَ الدُّنيا طلَّقهن طلاق السُّنَّة (فَاخْتَرْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ فَلَمْ يُعَدَّ) بضم أوَّله وفتح العين والدال المهملة المشدَّدة (ذَلِكَ) التَّخيير (عَلَيْنَا شَيْئًا) من الطَّلاق.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الطَّلاق»، والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الطَّلاق»، وابن ماجه في «الطَّلاق».

٥٢٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَامِرٌ) هو ابنُ شراحيل الشَّعبيُّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) (عَنِ الخِيَرَةِ) بكسر الخاء المعجمة وفتح التحتية والراء، أي: تخيير الرَّجل زوجتَه في الطَّلاق وعدمهِ (١) (فَقَالَتْ): ليس طلاقًا، واستدلَّت لذلك بقولها: (خَيَّرَنَا النَّبِيُّ ) أي: أزواجَهُ فاخترنَاهُ (أَفَكَانَ) تخييرهُ (طَلَاقًا؟!) استفهامٌ على سبيل الإنكار.

(قَالَ مَسْرُوقٌ) بالإسناد السَّابق: (لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِئَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي) واختُلف فيما إذا اختارتْ نفسها هل تقع طلقةً واحدةً رجعيَّةً، أم بائنًا، أو تقع ثلاثًا؟ فقال المالكيَّة: تقع ثلاثًا لأنَّ معنى الخيار بتُّ أحد الأمرين إمَّا الأخذ أو التَّرك، فلو قلنا: إذا اختارتْ نفسها تكون طلقةً رجعيَّةً لم يعمل بمقتضى اللَّفظ لأنَّها تكون بعده في أسر الزَّوج. وقال الحنفيَّة: واحدةٌ بائنةٌ. وقال الشَّافعيَّة: التَّخيير كنايةٌ، فإذا خيَّر الزَّوج امرأته وأرادَ بذلك تخييرها بين أن تَطْلُق منه، وبين أن تستمرَّ في عِصمتهِ، فاختارتْ نفسها وأرادت بذلك الطَّلاق، طَلُقَتْ لقول عائشة: فاخترناهُ فلم يكن ذلك طلاقًا؛ إذ مقتضاهُ أنَّها لو اختارتْ نفسها كان طلاقًا، لكن مفهوم قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] أي: بعد الاختيار أنَّ ذلك بمجرَّده لا يكون طلاقًا بل لا بدَّ من إنشاءِ الزَّوج الطَّلاق، فلو قالت: لم أرد باختيارِ نفسي الطَّلاق صدقتْ، فلو وقع التَّصريح بالتَّطليق يقع جزمًا. واختلفوا في التَّخييرِ هل هو بمعنى التَّمليك أو التَّوكيل؟ والصَّحيح عندنا أنَّه

تمليكٌ، فلو قال الرَّجل لزوجته: طلِّقي نفسك إن شئتِ فتمليكٌ للطَّلاق لأنَّه يتعلَّق بغرضها فنزَل منزلةَ قوله: ملَّكتك طلاقَك، ويشترطُ أن يكون فورًا، لتضمُّنه القَبول وهو على الفورِ، فلو أخَّرت بقدر ما ينقطعُ به القبولُ عن الإيجاب ثمَّ طلَّقت لم يقع، إلَّا إن قال: طلِّقي نفسكِ متى شئتِ، فلا يشترطُ الفور، وللزَّوج الرُّجوع قبل التَّطليق ولا يصحُّ تعليقُه، فلو قال: إذا جاء الغد أو زيدٌ مثلًا فطلِّقي نفسك لغا. وقال المالكيَّة والحنفيَّة: لا يشترطُ الفور بل متى طلَّقت نفذَ.

(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في كنايات الطَّلاق، وهي ما يحتملُ الطَّلاق وغيره، ولا يقع الطَّلاق بها إلَّا بالنِّيَّة لأنَّها غير موضوعةٍ للطَّلاق بل موضوعةٌ لما هو أعمُّ من حكمهِ، والأعمُّ في المادَّة الاستعماليَّة يحتمل كلًّا مِنْ مَاصَدَقاتِهِ (١)، ولا يتعيَّن أحدهما إلَّا بمعيِّن، والمعيِّن (٢) في نفس الأمر هو النِّيَّة، وما ذكره المصنِّف في قوله: (إِذَا قَالَ) أي: الرَّجل لامرأته: (فَارَقْتُكِ، أَوْ سَرَّحْتُكِ، أَوِ الخَلِيَّةُ) فعيلةٌ بمعنى فاعلة (٣)، أي: خليَّةٌ من الزَّوج، وهو خالٍ منها (أَوِ البَرِيَّةُ) من الزَّوج، مقتضاه: أنَّ لا صريح عنده إلَّا لفظ الطَّلاق وما تصرَّف منه، وهو قول الشَّافعيِّ في القديم، لكن نصَّ في الجديد على أنَّ الصَّريح لفظ الطَّلاق والفراق والسَّراح لورود ذلك في القرآن بمعنى الطَّلاق (أَوْ مَا عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ) بضم العين، وغيره كاستبرِئي (٤) رحمكِ، أي: فقد طلَّقتُك فاعتدِّي، وحبلُك على غاربِك، أي: خلَّيتُ سبيلك كما يخلَّى البعير في الصَّحراء، أو يُترك زمامه على غاربِهِ، وهو ما تقدَّم من الظَّهر وارتفعَ من العنق، وودِّعيني، وبرئتُ منك (فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ) إن نوى الطَّلاق وقع وإلَّا فلا، ويدلُّ لذلك (قَوْلُ اللهِ ﷿ ولأبي ذرٍّ: «وقول الله»: (﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]) أي: بالمعروف، وكأنَّه يريد أنَّ التَّسريح

هنا بمعنى الإرسال لا بمعنى الطَّلاق لأنَّه أمر مَن طلَّق قبل الدُّخول أن يمتِّع (١) ويسرِّح، وليس المرادُ من الآية تطليقها بعد التَّطليق قطعًا (وَقَالَ) تعالى: (﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]) فهو مجملٌ يحتملُ التَّطليق والإرسال، وإذا احتملَتْ الأمرين انتفى أن تكون صريحةً في الطَّلاق، كذا قرَّره في «الفتح»، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ معنى ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: أطلِّقكُنَّ لأنَّه لم يسبق هنا طلاقٌ، فمن أين يأتي الاحتمال (وَقَالَ تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]) أي: إنَّ هذه الآية وردت بلفظ الفراق في موضعِ ورودها بالبقرة بلفظ السَّراح، والحكم فيهما واحدٌ لأنَّه وردَ في الموضعين بعد وقوعِ الطَّلاق، فالمرادُ به الإرسال (وَقَالَ) تعالى: (﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]) لأنَّ سياقها بعد وقوع الطَّلاق، فلا يراد بها الطَّلاق بل الإرسال، ومباحثُ هذا مقرَّرة في محاله (٢) من دواوين الفقه.

(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ممَّا وصله في آخر حديث في «باب موعظةِ الرَّجل ابنتَه» من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥١٩١]: (قَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ).

(٧) (بابُ مَنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ. وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما (٣) وصله عبد الرَّزَّاق: (نِيَّتُهُ) أي: فإن نوى طلاقًا وإن تعدَّد أو ظهارًا وقع المنويُّ لأنَّ كلًّا منهما يقتضي التَّحريم، فجاز أن يُكنَّى عنه بالحرام أو نواهما معًا أو مرتبًا تخيَّر، وثبتَ ما اختارهُ منهما ولا يثبتان جميعًا لأنَّ الطَّلاق يزيلُ النِّكاح، والظِّهار يستدعِي بقاءه، هذا مذهبُ الشَّافعيَّة. وقال الحنفيَّة: إنْ نوى واحدةً فهي بائنٌ، وإن نوى ثنتين فهي واحدةٌ بائنةٌ، وإن لم ينوِ طلاقًا فهي يمينٌ ويصير مولِيًا. وقال المالكيَّة: يقع ثلاثًا ولا يسأل عن نيَّته، ولهم في ذلك تفاصيل يطولُ ذكرها.

(وَقَالَ أَهْلُ العِلْمِ: إِذَا طَلَّقَ ثلاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ) أي: حتَّى تنكِح زوجًا غيره (فَسَمَّوْهُ

حَرَامًا) بالتَّصريح (بِالطَّلَاقِ وَالفِرَاقِ) بأن يتلفَّظ بأحدهما أو يقصدُه، فلو أطلق (١) أو نوى غير الطَّلاق فهو محلُّ النَّظر، وقال صاحب «المصابيح» من المالكيَّة: يعني: فإذا كانت الثَّلاث تحريمًا كان التَّحريم ثلاثًا. قال: وهذا غير ظاهرٍ لجواز أن يكون بينهما عمومٌ وخصوصٌ، كالحيوان والإنسان، وحاول ابن المنيِّر الجواب عن البخاريِّ بأنَّ الشَّرع عبَّر عن الغاية القصوى بالتَّحريم، وإنَّما يشبَّه (٢) الشَّيء بما هو أوضح منه، فدلَّ ذلك على أنَّ الَّذين كانوا لا يعلمون أنَّ الثَّلاث محرَّمة ولا أنَّها الغاية يعلمونَ أنَّ التَّحريم هو الغايةُ، ولهذا بيَّن لهم أنَّ الثَّلاث تحرِّم، فالمستدلُّ به في الحقيقة إنَّما هو الإطلاق مع السِّياق، وما من شأن العرب أن تعبِّر بالعامِّ عن الخاصِّ، ولو قال القائل لإنسانٍ بين يديه يُعَرِّف بشأنه، وينبِّه على قدرهِ: هذا حيوانٌ لكان متهكِّمًا مستخفًّا، فإذا عبَّر الشَّرع عن الثَّلاث بأنَّها محرَّمة، فلا يحمل على التَّعبير عن الخاصِّ بالعام لئلَّا يكون ركيكًا، والشَّرع منزَّهٌ عن ذلك، فإذن هما سواءٌ لا عمومَ بينهما، ويدلُّ هذا على أنَّ التَّحريم كان أشهرَ عندهم بالغلظِ والشِّدَّة مِن الثَّلاث، ولهذا فسَّره لهم به. قال: وهذا من لطيفِ الكلام، وأمَّا كون التَّحريم قد يقصرُ عن الثَّلاث فذلك تحريمٌ مقيَّدٌ، وأمَّا المطلق منه فللثلاث، وفرق بين ما يُفهم لدى الإطلاق وبين ما لا يُفهم إلَّا بقيدٍ. انتهى.

وتعقَّبه البدرُ فقال: قوله: وما من شأن العرب أن تعبِّر بالعامِّ عن الخاصِّ (٣) مشكلٌ، اللَّهمَّ إلَّا أن يريدَ في بعض المقاماتِ الخاصَّة فيمكن، وسياقُ كلامهِ يُفْهم ذلك عند التَّأمُّل. انتهى.

وقول (٤) ابن بطَّال: إنَّ البخاريَّ يرى أنَّ التَّحريم يُنَزَّلُ منزلة الطَّلاق الثَّلاث للإجماع على أنَّ من طلَّق امرأته ثلاثًا أنَّها (٥) تحرم عليه، فلمَّا كانت الثَّلاث تحرِّمها كان التَّحريم ثلاثًا، ومن ثمَّ أورد حديث رفاعة محتجًّا به، لذلك تعقَّبه في «الفتح» فقال: الَّذي يظهرُ من مذهب البخاريِّ أنَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: خَيَّرَنَا) أي: أمَّهات المؤمنين (رَسُولُ اللهِ ) بين الدُّنيا والآخرة، فإن اخترنَ الدُّنيا طلَّقهن طلاق السُّنَّة (فَاخْتَرْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ فَلَمْ يُعَدَّ) بضم أوَّله وفتح العين والدال المهملة المشدَّدة (ذَلِكَ) التَّخيير (عَلَيْنَا شَيْئًا) من الطَّلاق.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الطَّلاق»، والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الطَّلاق»، وابن ماجه في «الطَّلاق».

٥٢٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَامِرٌ) هو ابنُ شراحيل الشَّعبيُّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) (عَنِ الخِيَرَةِ) بكسر الخاء المعجمة وفتح التحتية والراء، أي: تخيير الرَّجل زوجتَه في الطَّلاق وعدمهِ (١) (فَقَالَتْ): ليس طلاقًا، واستدلَّت لذلك بقولها: (خَيَّرَنَا النَّبِيُّ ) أي: أزواجَهُ فاخترنَاهُ (أَفَكَانَ) تخييرهُ (طَلَاقًا؟!) استفهامٌ على سبيل الإنكار.

(قَالَ مَسْرُوقٌ) بالإسناد السَّابق: (لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِئَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي) واختُلف فيما إذا اختارتْ نفسها هل تقع طلقةً واحدةً رجعيَّةً، أم بائنًا، أو تقع ثلاثًا؟ فقال المالكيَّة: تقع ثلاثًا لأنَّ معنى الخيار بتُّ أحد الأمرين إمَّا الأخذ أو التَّرك، فلو قلنا: إذا اختارتْ نفسها تكون طلقةً رجعيَّةً لم يعمل بمقتضى اللَّفظ لأنَّها تكون بعده في أسر الزَّوج. وقال الحنفيَّة: واحدةٌ بائنةٌ. وقال الشَّافعيَّة: التَّخيير كنايةٌ، فإذا خيَّر الزَّوج امرأته وأرادَ بذلك تخييرها بين أن تَطْلُق منه، وبين أن تستمرَّ في عِصمتهِ، فاختارتْ نفسها وأرادت بذلك الطَّلاق، طَلُقَتْ لقول عائشة: فاخترناهُ فلم يكن ذلك طلاقًا؛ إذ مقتضاهُ أنَّها لو اختارتْ نفسها كان طلاقًا، لكن مفهوم قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] أي: بعد الاختيار أنَّ ذلك بمجرَّده لا يكون طلاقًا بل لا بدَّ من إنشاءِ الزَّوج الطَّلاق، فلو قالت: لم أرد باختيارِ نفسي الطَّلاق صدقتْ، فلو وقع التَّصريح بالتَّطليق يقع جزمًا. واختلفوا في التَّخييرِ هل هو بمعنى التَّمليك أو التَّوكيل؟ والصَّحيح عندنا أنَّه

تمليكٌ، فلو قال الرَّجل لزوجته: طلِّقي نفسك إن شئتِ فتمليكٌ للطَّلاق لأنَّه يتعلَّق بغرضها فنزَل منزلةَ قوله: ملَّكتك طلاقَك، ويشترطُ أن يكون فورًا، لتضمُّنه القَبول وهو على الفورِ، فلو أخَّرت بقدر ما ينقطعُ به القبولُ عن الإيجاب ثمَّ طلَّقت لم يقع، إلَّا إن قال: طلِّقي نفسكِ متى شئتِ، فلا يشترطُ الفور، وللزَّوج الرُّجوع قبل التَّطليق ولا يصحُّ تعليقُه، فلو قال: إذا جاء الغد أو زيدٌ مثلًا فطلِّقي نفسك لغا. وقال المالكيَّة والحنفيَّة: لا يشترطُ الفور بل متى طلَّقت نفذَ.

(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في كنايات الطَّلاق، وهي ما يحتملُ الطَّلاق وغيره، ولا يقع الطَّلاق بها إلَّا بالنِّيَّة لأنَّها غير موضوعةٍ للطَّلاق بل موضوعةٌ لما هو أعمُّ من حكمهِ، والأعمُّ في المادَّة الاستعماليَّة يحتمل كلًّا مِنْ مَاصَدَقاتِهِ (١)، ولا يتعيَّن أحدهما إلَّا بمعيِّن، والمعيِّن (٢) في نفس الأمر هو النِّيَّة، وما ذكره المصنِّف في قوله: (إِذَا قَالَ) أي: الرَّجل لامرأته: (فَارَقْتُكِ، أَوْ سَرَّحْتُكِ، أَوِ الخَلِيَّةُ) فعيلةٌ بمعنى فاعلة (٣)، أي: خليَّةٌ من الزَّوج، وهو خالٍ منها (أَوِ البَرِيَّةُ) من الزَّوج، مقتضاه: أنَّ لا صريح عنده إلَّا لفظ الطَّلاق وما تصرَّف منه، وهو قول الشَّافعيِّ في القديم، لكن نصَّ في الجديد على أنَّ الصَّريح لفظ الطَّلاق والفراق والسَّراح لورود ذلك في القرآن بمعنى الطَّلاق (أَوْ مَا عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ) بضم العين، وغيره كاستبرِئي (٤) رحمكِ، أي: فقد طلَّقتُك فاعتدِّي، وحبلُك على غاربِك، أي: خلَّيتُ سبيلك كما يخلَّى البعير في الصَّحراء، أو يُترك زمامه على غاربِهِ، وهو ما تقدَّم من الظَّهر وارتفعَ من العنق، وودِّعيني، وبرئتُ منك (فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ) إن نوى الطَّلاق وقع وإلَّا فلا، ويدلُّ لذلك (قَوْلُ اللهِ ﷿ ولأبي ذرٍّ: «وقول الله»: (﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]) أي: بالمعروف، وكأنَّه يريد أنَّ التَّسريح

هنا بمعنى الإرسال لا بمعنى الطَّلاق لأنَّه أمر مَن طلَّق قبل الدُّخول أن يمتِّع (١) ويسرِّح، وليس المرادُ من الآية تطليقها بعد التَّطليق قطعًا (وَقَالَ) تعالى: (﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]) فهو مجملٌ يحتملُ التَّطليق والإرسال، وإذا احتملَتْ الأمرين انتفى أن تكون صريحةً في الطَّلاق، كذا قرَّره في «الفتح»، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ معنى ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: أطلِّقكُنَّ لأنَّه لم يسبق هنا طلاقٌ، فمن أين يأتي الاحتمال (وَقَالَ تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]) أي: إنَّ هذه الآية وردت بلفظ الفراق في موضعِ ورودها بالبقرة بلفظ السَّراح، والحكم فيهما واحدٌ لأنَّه وردَ في الموضعين بعد وقوعِ الطَّلاق، فالمرادُ به الإرسال (وَقَالَ) تعالى: (﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]) لأنَّ سياقها بعد وقوع الطَّلاق، فلا يراد بها الطَّلاق بل الإرسال، ومباحثُ هذا مقرَّرة في محاله (٢) من دواوين الفقه.

(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ممَّا وصله في آخر حديث في «باب موعظةِ الرَّجل ابنتَه» من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥١٩١]: (قَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ).

(٧) (بابُ مَنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ. وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما (٣) وصله عبد الرَّزَّاق: (نِيَّتُهُ) أي: فإن نوى طلاقًا وإن تعدَّد أو ظهارًا وقع المنويُّ لأنَّ كلًّا منهما يقتضي التَّحريم، فجاز أن يُكنَّى عنه بالحرام أو نواهما معًا أو مرتبًا تخيَّر، وثبتَ ما اختارهُ منهما ولا يثبتان جميعًا لأنَّ الطَّلاق يزيلُ النِّكاح، والظِّهار يستدعِي بقاءه، هذا مذهبُ الشَّافعيَّة. وقال الحنفيَّة: إنْ نوى واحدةً فهي بائنٌ، وإن نوى ثنتين فهي واحدةٌ بائنةٌ، وإن لم ينوِ طلاقًا فهي يمينٌ ويصير مولِيًا. وقال المالكيَّة: يقع ثلاثًا ولا يسأل عن نيَّته، ولهم في ذلك تفاصيل يطولُ ذكرها.

(وَقَالَ أَهْلُ العِلْمِ: إِذَا طَلَّقَ ثلاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ) أي: حتَّى تنكِح زوجًا غيره (فَسَمَّوْهُ

حَرَامًا) بالتَّصريح (بِالطَّلَاقِ وَالفِرَاقِ) بأن يتلفَّظ بأحدهما أو يقصدُه، فلو أطلق (١) أو نوى غير الطَّلاق فهو محلُّ النَّظر، وقال صاحب «المصابيح» من المالكيَّة: يعني: فإذا كانت الثَّلاث تحريمًا كان التَّحريم ثلاثًا. قال: وهذا غير ظاهرٍ لجواز أن يكون بينهما عمومٌ وخصوصٌ، كالحيوان والإنسان، وحاول ابن المنيِّر الجواب عن البخاريِّ بأنَّ الشَّرع عبَّر عن الغاية القصوى بالتَّحريم، وإنَّما يشبَّه (٢) الشَّيء بما هو أوضح منه، فدلَّ ذلك على أنَّ الَّذين كانوا لا يعلمون أنَّ الثَّلاث محرَّمة ولا أنَّها الغاية يعلمونَ أنَّ التَّحريم هو الغايةُ، ولهذا بيَّن لهم أنَّ الثَّلاث تحرِّم، فالمستدلُّ به في الحقيقة إنَّما هو الإطلاق مع السِّياق، وما من شأن العرب أن تعبِّر بالعامِّ عن الخاصِّ، ولو قال القائل لإنسانٍ بين يديه يُعَرِّف بشأنه، وينبِّه على قدرهِ: هذا حيوانٌ لكان متهكِّمًا مستخفًّا، فإذا عبَّر الشَّرع عن الثَّلاث بأنَّها محرَّمة، فلا يحمل على التَّعبير عن الخاصِّ بالعام لئلَّا يكون ركيكًا، والشَّرع منزَّهٌ عن ذلك، فإذن هما سواءٌ لا عمومَ بينهما، ويدلُّ هذا على أنَّ التَّحريم كان أشهرَ عندهم بالغلظِ والشِّدَّة مِن الثَّلاث، ولهذا فسَّره لهم به. قال: وهذا من لطيفِ الكلام، وأمَّا كون التَّحريم قد يقصرُ عن الثَّلاث فذلك تحريمٌ مقيَّدٌ، وأمَّا المطلق منه فللثلاث، وفرق بين ما يُفهم لدى الإطلاق وبين ما لا يُفهم إلَّا بقيدٍ. انتهى.

وتعقَّبه البدرُ فقال: قوله: وما من شأن العرب أن تعبِّر بالعامِّ عن الخاصِّ (٣) مشكلٌ، اللَّهمَّ إلَّا أن يريدَ في بعض المقاماتِ الخاصَّة فيمكن، وسياقُ كلامهِ يُفْهم ذلك عند التَّأمُّل. انتهى.

وقول (٤) ابن بطَّال: إنَّ البخاريَّ يرى أنَّ التَّحريم يُنَزَّلُ منزلة الطَّلاق الثَّلاث للإجماع على أنَّ من طلَّق امرأته ثلاثًا أنَّها (٥) تحرم عليه، فلمَّا كانت الثَّلاث تحرِّمها كان التَّحريم ثلاثًا، ومن ثمَّ أورد حديث رفاعة محتجًّا به، لذلك تعقَّبه في «الفتح» فقال: الَّذي يظهرُ من مذهب البخاريِّ أنَّ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله