«كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٧٩

الحديث رقم ٥٢٧٩ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يكون بيع الأمة طلاقا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان في بريرة ثلاث سنن إحدى السنن أنها أعتقت…

«كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ؟ وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ؟ قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ

⦗٤٨⦘

تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. قَالَ: عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ.»

سند حديث: ٥٢٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ…

٥٢٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان في بريرة ثلاث سنن إحدى السنن أنها أعتقت…

تذكر عائشة رضي الله عنها من بركة مولاتها بريرة متيمنة بتلك الصفقة، التي قربتها منها، إذ أجرى الله تعالى من أحكامه الرشيدة في أمرها ثلاث سنن، بقيت تشريعاً عاماً على مر الدهور.
فالأولى: أنها عتقت تحت زوجها الرقيق (مغيث) فخُيِّرت بين الإقامة معه على نكاحهما الأول، وبين مفارقته واختيارها نفسها؛ لأنه أصبح لايكافئها في الدرجة، إذ هي حرة وهو رقيق، والكفاءة هنا معتبرة، فاختارت نفسها، وفسخت نكاحها، فصارت سنة لغيرها.
والثانية: أنه تُصدقَ عليها بلحم وهي في بيت مولاتها عائشة فدخل النبي صلى الله عليه وسلم واللحم يطبخ في البرمة، فدعا بطعام فأتوه بخبز وأدم من أدم البيت الذي كانوا يستعملونه في عادتهم الدائمة، ولم يأتوه بشيء من اللحم الذي تصدق به على بريرة، لعلمهم أنه لا يأكل الصدقة. فقال: ألم أر البرمة على النار فيها لحم؟ فقالوا: بلى، ولكنه قد تصدق به على بريرة، وكرهنا إطعامك منه.
فقال: هو عليها صدقة، وهو منها لنا هدية.
والثالثة: أن أهلها لما أرادوا بيعها من عائشة، اشترطوا أن يكون ولاؤها لهم لينالوا به الفخر حينما انتسب إليهم الجارية وربما حصلوا به نفعا ماديًّا، من إرث ونصرة وغيرهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الولاء لمن أعتق). وليس للبائع ولا لغيره.
والولاء علاقة بين السيد المالك والعبد المملوك بعد عتقه وريته، فيرث السيد العبد إذا لم يكن له وارث أو بقي شيء بعد أن يأخذ أصحاب الفروض نصيبهم من الميراث.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن الأمة إذا عتقت تحت عبد يكون لها الخيار يين البقاء معه ويين الفسخ من عصمة نكاحه، وجواز ذلك بإجماع العلماء. أما إذا عتقت تحت حر فلا خيار لها.
  • أن من موانع التكافؤ بين الزوجين الحرية والرق.
  • أن الفقير إذا تُصدق عليه فأهدى من صدقته إلى من لا تحل له الصدقة، من غني وغيره، فإهداؤه جائز، لأنه قد ملك الصدقة، فيتصرف بها كيف شاء.
  • دليل على سؤال صاحب البيت أهله عن شؤون منزله وأحواله.
  • انحصار الولاء بالمعتق، فلا يكون لغيره، ولا ينتقل لغيره بأي طريقة.
  • جواز أكل الإنسان من طعام من يسر بأكله ولو لم يأذن له فيه بخصوصه.
  • جواز الصدقة على من ينفق غير المتصدق عليه.
  • أن من حرمت عليه الصدقة جاز له أكل عينها إذا تغير حكمها.
  • أن الهدية تملك بوضعها في بيت المهدى له ولا يحتاج إلى التصريح بالقبول.
  • أنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إذا لم يكن فيه شبهة، ولا عن الذبيحة إذا ذبحت بين المسلمين.
  • تسمية الأحكام سننا وإن كان بعضها واجبًا.
  • استحباب شفاعة الحاكم في الرفق بالخصم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لبريرة: "زوجك وأبو ولدك".
  • تحريم الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كان في بريرة ثلاث سنن إحدى السنن أنها أعتقت…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الزَّوْجِ فَإِنْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ.

ثُمَّ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ فِي خِطْبَةِ عَلِيٍّ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي النِّكَاحِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ قَبْلَهَ عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: إِنَّمَا حَاوَلَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِهِ أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَ النَّبِيِّ فَلَا آذَنُ خُلْعًا، وَلَا يَقْوَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْخَبَرِ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي فَدَلَّ عَلَى الطَّلَاقِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالطَّلَاقِ عَلَى الْخُلْعِ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِقَطْعِ الذَّرَائِعِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كَوْنِهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَلَا آذَنُ إِلَى أَنَّ عَلِيًّا يَتْرُكُ الْخِطْبَةَ، فَإِذَا سَاغَ جَوَازُ الْإِشَارَةِ بِعَدَمِ النِّكَاحِ الْتَحَقَ بِهِ جَوَازُ الْإِشَارَةِ بِقَطْعِ النِّكَاحِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تُؤْخَذُ مُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ مِنْ كَوْنِ فَاطِمَةَ مَا كَانَتْ تَرْضَى بِذَلِكَ، فَكَانَ الشِّقَاقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَلِيٍّ مُتَوَقَّعًا، فَأَرَادَ دَفْعَ وُقُوعِهِ بِمَنْعِ عَلِيٍّ مِنْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ، وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ جَيِّدَةٌ.

وَيُؤْخَذُ مِنَ الْآيَةِ وَمِنَ الْحَدِيثِ الْعَمَلُ بِسِدِّ الذَّرَائِعِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِبَعْثَةِ الْحُكْمَيْنِ عِنْدَ خَوْفِ الشِّقَاقِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، كَذَا قَالَ الْمُهَلَّبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخَوْفِ وُجُودَ عَلَامَاتِ الشِّقَاقِ الْمُقْتَضِي لِاسْتِمْرَارِ النَّكَدِ وَسُوءِ الْمُعَاشَرَةِ

١٤ - بَاب لَا يَكُونُ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقًا

٥٢٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ، إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ؟ قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ: عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ.

قَوْلُهُ (بَابُ لَا يَكُونُ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقًا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي طَلَاقَهَا ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ قِصَّةَ بَرِيرَةَ.

قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يَأْتِ فِي الْبَابِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّبْوِيبُ، لَكِنْ لَوْ كَانَتْ عِصْمَتُهَا عَلَيْهِ بَاقِيَةً مَا خُيِّرَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا، لِأَنَّ شِرَاءَ عَائِشَةَ كَانَ الْعِتْقُ بِإِزَائِهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عَجِيبٌ.

أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ التَّرْجَمَةَ مُطَابَقَةٌ فَإِنَّ الْعِتْقَ إِذَا لَمْ يَسْتَلْزِمِ الطَّلَاقَ فَالْبَيْعُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّخْيِيرَ الَّذِي جَرَّ إِلَى الْفِرَاقِ لَمْ يَقَعْ إِلَّا بِسَبَبِ الْعِتْقِ لَا بِسَبَبِ الْبَيْعِ.

وَأَمَّا ثَانِيًا فَإِنَّهَا لَوْ طَلُقَتْ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ فَائِدَةٌ.

وَأَمَّا ثَالِثًا فَإِنَّ آخِرَ كَلَامِهِ يَرُدُّ أَوَّلِهِ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ مَا نَفَاهُ مِنَ الْمُطَابَقَةِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ هَلْ يَكُونُ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقًا؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَكُونُ بَيْعُهَا طَلَاقًا، وَرَوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ قَالُوا: يَكُونُ طَلَاقًا وَتَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ الْبَابِ، وَهُوَ أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا، فَلَوْ كَانَ طَلَاقُهَا يَقَعُ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ مَعْنًى. وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ أَنَّهُ عُقِدَ عَلَى مَنْفَعَةٍ فَلَا يُبْطِلُهُ بَيْعُ الرَّقَبَةِ كَمَا فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمَسْبِيَّاتِ فَهُنَّ الْمُرَادُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ سَبَبِ نُزُولِهَا اهـ مُلَخَّصًا. وَمَا نَقَلَهُ عَنِ الصَّحَابَةِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدَ فِيهَا انْقِطَاعٌ، وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ، وَأَنَسٍ أَيْضًا، وَمَا نَقَلَهُ عَنِ التَّابِعِينَ فِيهِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالشَّعْبِيِّ نَحْوُهُ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ

ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ وَإِذَا اشْتَرَى أَمَةً لَهَا زَوْجٌ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: إِبَاقُ الْعَبْدِ طَلَاقُهُ.

وحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَوْرَدَه الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَفِي عِدَّةِ أَبْوَابٍ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا، وَطَرِيقُ رَبِيعَةَ الَّتِي أَوْرَدَهَا هُنَا أَوْرَدَهَا مَوْصُولَةً مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْهُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَوْرَدَهَا فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْهُ عَنِ الْقَاسِمِ مُرْسَلًا، وَلَا يَضُرُّ إِرْسَالُهُ لِأَنَّ مَالِكًا أَحْفَظُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ وَأَتْقَنُ، وَقَدْ وَافَقَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، لَكِنْ صَدَّرَهُ بِقِصَّةِ اشْتِرَاطِ الَّذِينَ بَاعُوهَا عَلَى عَائِشَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلَاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِتْقِ، وَكَذَا رَوَاهُ عُرْوَةُ، وَعَمْرَةُ، وَالْأَسْوَدُ، وَأَيْمَنُ الْمَكِّيُّ عَنْ عَائِشَةَ، وَكَذَا رَوَاهُ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَى قِصَّةَ الْبُرْمَةِ وَاللَّحْمِ أَنَسٌ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي الْهِبَةِ وَيَأْتِي، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قِصَّةَ تَخْيِيرِهَا لَمَّا عَتَقَتْ كَمَا يَأْتِي بَعْدُ، وَطُرُقُهُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ.

قَوْلُهُ (كَانَ فِي بَرِيرَةَ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَضَبْطُ اسْمِهَا فِي أَوَاخِرِ الْعِتْقِ، وَقِيلَ إِنَّهَا نَبَطِيَّةٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَقِيلَ إِنَّهَا قِبْطَيَّةٌ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقِيلَ إِنَّ اسْمَ أَبِيهَا صَفْوَانُ وَأَنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَاخْتُلِفَ فِي مَوَالِيهَا فَفِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ لِنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَذَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ سَمَّاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ لِآلِ أَبِي لَهَبٍ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ قَائِلِهِ، انْتَقَلَ وَهْمُهُ مِنْ أَيْمَنَ أَحَدُ رُوَاةِ قِصَّةِ بَرِيرَةَ عَنْ عَائِشَةَ إِلَى بَرِيرَةَ، وَقِيلَ لِآلِ بَنِي هِلَالٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.

قَوْلُهُ (ثَلَاثُ سُنَنٍ) وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ قَضَى فِيهَا النَّبِيُّ أَرْبَعَ قَضِيَّاتٍ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَزَادَ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ تَقَعْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَتْ عَلَى ثَلَاثٍ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَمَرْتُ بَرِيرَةَ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ وَهَذَا مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلُهُ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ وَيُخَالِفُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي عِدَّةِ الْمُخْتَلِعَةِ وَأَنَّ مَنْ قَالَ الْخُلْعُ فَسْخٌ قَالَ تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ، وَهُنَا لَيْسَ اخْتِيَارُ الْعَتِيقَةِ نَفْسَهَا طَلَاقًا فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ بَلْ هُوَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ جَعَلَ عِدَّةَ بَرِيرَةَ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ وَهُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ، لِأَنَّ أَبَا مَعْشَرٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ لَكِنْ يَصْلُحُ فِي الْمُتَابَعَاتِ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَآخَرِينَ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ فَطَلَاقُهَا طَلَاقُ عَبْدٍ وَعِدَّتُهَا عِدَّةُ حُرَّةٍ وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْعِتْقِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ صَنَّفُوا فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ تَصَانِيفَ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْصَلَهَا إِلَى أَرْبَعِمِائَةِ فَائِدَةٍ، وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ قَوْلَ عَائِشَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ لِأَنَّ مُرَادَ عَائِشَةَ مَا وَقَعَ مِنَ الْأَحْكَامِ فِيهَا مَقْصُودًا خَاصَّةً، لَكِنْ لَمَّا كَانَ كُلُّ حُكْمٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى تَقْعِيدِ قَاعِدَةٍ يَسْتَنْبِطُ الْعَالِمُ الْفَطِنُ مِنْهَا فَوَائِدَ جَمَّةً وَقَعَ التَّكَثُّرُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ غَيْرَ مَقْصُودٍ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فَوَائِدَ تُؤْخَذُ بِطَرِيقِ التَّنْصِيصِ أَوْ الِاسْتِنْبَاطِ، أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثِ أَوِ الْأَرْبَعِ لِكَوْنِهَا أَظْهَرَ مَا فِيهَا وَمَا عَدَاهَا إِنَّمَا يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، أَوْ لِأَنَّهَا أَهَمُّ وَالْحَاجَةُ إِلَيْهَا أَمَسُّ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: مَعْنَى ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

واستُشْكل وجه المطابقةِ بين الحديث والتَّرجمة. وأجاب في «الكواكب» فأجاد بأنَّ كون فاطمة ما كانت ترضى بذلك، فكان الشِّقاق بينها وبين عليٍّ مُتوقَّعًا، فأراد النَّبيُّ دفع (١) وقوعهِ بمنع عليٍّ من ذلك بطريقِ الإيماء والإشارة، وقيل غير ذلك ممَّا فيه من تكلُّف وتعسُّف.

وهذا الحديث قد مرَّ.

(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يَكُونُ بَيْعُ الأَمَةِ) المزوَّجة (طَلَاقًا) عند الجمهور، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «طلاقها».

٥٢٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فقيه المدينةِ، صاحب الرَّأي (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ) بفتح الموحدة وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فراء أخرى، بوزن فعيلة، من البَرِير، وهو ثمر الأَرَاك. قيل: اسم أبيها صفوان، وإنَّ له صُحبة، وقيل: إنَّها كانت نبطيَّةً، وقيل: قبطيَّةً (ثَلَاثُ سُنَنٍ) بضم السين وفتح النون الأولى، قال في «الكواكب»: أي: عُلِمَ بسببها ثلاثة أحكامٍ من الشَّريعة.

(إِحْدَى السُّنَنِ) الثَّلاث (أَنَّهَا أُعْتِقَتْ) بضم الهمزة وكسر التاء الفوقية، وسقط لابن عساكرَ الهمزة من «أعتقت» (فَخُيِّرَتْ) بضم الخاء (فِي) فسخِ نكاح (زَوْجِهَا) مُغيث، أو تدوم عنده في

عِصمته، وفي رواية الدَّارقطنيِّ من طريق أبان بنِ صالحٍ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ النَّبيَّ قال لبَرِيرةَ: «اذهَبِي فقدْ عَتَقَ معكَ بُضْعُكَ» وزادَ ابن سعدٍ من طريق الشَّعبيِّ مُرسلًا: «فاختاري». وهذا موضع التَّرجمة لأنَّها لو طُلِّقت بمجرَّد البيعِ لم يكن للتَّخيير فائدة وهذا قولُ الجمهور، وقال ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ وأُبيُّ بن كعبٍ فيما أخرجَه ابن أبي شيبة بأسانيد فيها انقطاعٌ: يكون بيعها طلاقًا، وكذا قال سعيدُ بن المسيَّب والحسن ومجاهد فيما رُوي بأسانيدَ صحيحةٍ، وأخرجَه سعيدُ بن منصورٍ بسندٍ صحيحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، واحتجُّوا لذلك بظاهرِ قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] واحتجَّ الجمهور بحديثِ الباب، ومن حيث النَّظر أنَّه عقد على منفعةٍ فلا يُبطله بيع الرَّقبة كما في العين المؤجَّرة، والآية نزلتْ في المسبيَّات فهي المرادُ بملك اليمين على ما ثبتَ في «الصحيح» من سببِ نزولها.

(وَ) الثَّانية (١) من السُّنن (قَالَ) فيها (رَسُولُ اللهِ ) لمَّا أرادتْ عائشة أن تشتريهَا، فقال أهلُها: ويكون ولاؤها لنا: (الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وفي روايةٍ: «إنَّما الولاء لمن أَعتق» بصيغةِ الحصر.

(وَ) الثَّالثة (٢) من السُّنن (دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ) حُجرة عائشة (وَالبُرْمَةُ تَفُورُ) بالفاء (بِلَحْمٍ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ البَيْتِ) بضم القاف مبنيًّا للمفعول، وخبزٌ: مفعولٌ ناب عن الفاعلِ، وأُدْم: بضم الهمزة وسكون المهملة عطفٌ عليه (فَقَالَ) رسولُ الله : (أَلَمْ أَرَ البُرْمَةَ) ولابن عساكرَ: «برمة» (فِيهَا لَحْمٌ؟ قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَة) بضم التاء الفوقية والصاد (وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ) : هو (عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ) أي: حيثُ أهدته بريرة لنا لأنَّ الصَّدقة يسوغُ للفقيرِ التَّصرُّف فيها بالبيعِ وغيره، كتصرفِ (٣) سائر الملَّاك في أملاكهِمْ، ومفهومُه: أنَّ التَّحريم إنَّما هو على الصِّفة لا على العينِ.

(١٥) (بابُ خِيَارِ الأَمَةِ) إذا عَتقت وهي (تَحْتَ العَبْدِ) أو المُبَعَّضِ قبل الدُّخول أو بعده،

ومفهومه: أنَّ الأمة إذا كانت تحت حرٍّ فعتقتْ لم يكن لها خيارٌ. وهذا مذهب الشَّافعيَّة والمالكيَّة والجمهور لتضرُّرها بالمقام تحتَه (١) من جهة أنَّها تتعيَّر به لأنَّ العبدَ غير مكافئٍ للحرَّة في أكثر الأحكام، فإذا عتقتْ ثبتَ لها الخيار من البقاء في عِصمته أو المفارقة لأنَّها في وقتِ العقد عليها لم تكنْ من أهل الاختيار. وأُجيب بأنَّ الكفاءة إنَّما تعتبر في الابتداءِ لا في البقاء. وقال الحنفيَّة: يثبتُ لها الخيار إذا عتقتْ سواءٌ كانت تحت حرٍّ أم عبدٍ لأنَّها عند التَّزويج لم يكن لها رأيٌ لاتِّفاقهم على أنَّ لمولاها أن يزوِّجها بغيرِ رضاها، فإذا عتقتْ تجدَّدُ لها حال لم تكن قبل ذلك. وأُجيب بأنَّ ذلك لو كان مؤثِّرًا لثبتَ الخيار للبكر إذا زوَّجها أبوها ثمَّ بلغت رشيدةً وليس كذلك، فكذلك الأمة تحت الحرِّ فإنَّه لم يحدث لها بالعتقِ حال ترتفع به عن الحرِّ، ومنشأُ الخلاف الاختلاف في ترجيحِ إحدى الرِّوايتين المتعارضتين في زوج بريرة، هل كان حين أعتقتْ حرًّا أو عبدًا؟ وفي ترجيحِ المعنى المعلَّل به، ففي حديثِ الباب وغيره من «الصَّحيحين» من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّه كان عبدًا، ولم تختلفْ الرِّوايات عنه، وتمسَّك الحنفيَّة بحديث عائشة المرويِّ في «الصَّحيحين» و «السُّنن الأربعة» وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ.

قال الشَّيخ كمال الدِّين بن الهمام: والتَّرجيح يقتضِي في حديثِ عائشة ترجيحَ أنَّه كان حرًّا، وذلك أنَّ رُواة هذا الحديث عن عائشةَ ثلاثة: الأسود وعروة والقاسم، فأمَّا الأسود فلم يختلف فيه عن عائشة أنَّه كان حرًّا، وأمَّا عروة فعنه روايتان صحيحتان إحدَاهما أنَّه كان حرًّا والأخرى أنه كان عبدًا وأما عبد الرحمن بن القاسم فعنه أيضًا روايتان صحيحتان إحداهما أنه كان حرًّا (٢) والأُخرى بالشَّكِّ، ووجه آخر من التَّرجيح مُطلقٌ لا يختصُّ بالمرويِّ فيه عن عائشة، وهو أنَّ رواية: خيَّرَها وكان زوجها عبدًا، يحتملُ كون الواو فيه للعطف لا للحال، وحاصله: أنَّه إخبارٌ بالأمرين، وكونه اتَّصف بالرِّقِّ لا يستلزم كون ذلك كان حالَ عتقها، هذا بعدَ احتمال أن يرادَ بالعبدِ العتيق مجازًا باعتبارِ ما كان، وهو شائعٌ في العُرف، والَّذي لا مردَّ له من التَّرجيح أنَّ رواية كان حرًّا أنص (٣) مِن كان عبدًا، وتُثْبِت (٤) زيادةً فهي أولى، وأيضًا فهي مُثبتةٌ، وتلك كانت

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الزَّوْجِ فَإِنْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ.

ثُمَّ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ فِي خِطْبَةِ عَلِيٍّ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي النِّكَاحِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ قَبْلَهَ عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: إِنَّمَا حَاوَلَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِهِ أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَ النَّبِيِّ فَلَا آذَنُ خُلْعًا، وَلَا يَقْوَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْخَبَرِ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي فَدَلَّ عَلَى الطَّلَاقِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالطَّلَاقِ عَلَى الْخُلْعِ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِقَطْعِ الذَّرَائِعِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كَوْنِهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَلَا آذَنُ إِلَى أَنَّ عَلِيًّا يَتْرُكُ الْخِطْبَةَ، فَإِذَا سَاغَ جَوَازُ الْإِشَارَةِ بِعَدَمِ النِّكَاحِ الْتَحَقَ بِهِ جَوَازُ الْإِشَارَةِ بِقَطْعِ النِّكَاحِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تُؤْخَذُ مُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ مِنْ كَوْنِ فَاطِمَةَ مَا كَانَتْ تَرْضَى بِذَلِكَ، فَكَانَ الشِّقَاقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَلِيٍّ مُتَوَقَّعًا، فَأَرَادَ دَفْعَ وُقُوعِهِ بِمَنْعِ عَلِيٍّ مِنْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ، وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ جَيِّدَةٌ.

وَيُؤْخَذُ مِنَ الْآيَةِ وَمِنَ الْحَدِيثِ الْعَمَلُ بِسِدِّ الذَّرَائِعِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِبَعْثَةِ الْحُكْمَيْنِ عِنْدَ خَوْفِ الشِّقَاقِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، كَذَا قَالَ الْمُهَلَّبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخَوْفِ وُجُودَ عَلَامَاتِ الشِّقَاقِ الْمُقْتَضِي لِاسْتِمْرَارِ النَّكَدِ وَسُوءِ الْمُعَاشَرَةِ

١٤ - بَاب لَا يَكُونُ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقًا

٥٢٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ، إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ؟ قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ: عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ.

قَوْلُهُ (بَابُ لَا يَكُونُ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقًا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي طَلَاقَهَا ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ قِصَّةَ بَرِيرَةَ.

قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يَأْتِ فِي الْبَابِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّبْوِيبُ، لَكِنْ لَوْ كَانَتْ عِصْمَتُهَا عَلَيْهِ بَاقِيَةً مَا خُيِّرَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا، لِأَنَّ شِرَاءَ عَائِشَةَ كَانَ الْعِتْقُ بِإِزَائِهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عَجِيبٌ.

أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ التَّرْجَمَةَ مُطَابَقَةٌ فَإِنَّ الْعِتْقَ إِذَا لَمْ يَسْتَلْزِمِ الطَّلَاقَ فَالْبَيْعُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّخْيِيرَ الَّذِي جَرَّ إِلَى الْفِرَاقِ لَمْ يَقَعْ إِلَّا بِسَبَبِ الْعِتْقِ لَا بِسَبَبِ الْبَيْعِ.

وَأَمَّا ثَانِيًا فَإِنَّهَا لَوْ طَلُقَتْ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ فَائِدَةٌ.

وَأَمَّا ثَالِثًا فَإِنَّ آخِرَ كَلَامِهِ يَرُدُّ أَوَّلِهِ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ مَا نَفَاهُ مِنَ الْمُطَابَقَةِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ هَلْ يَكُونُ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقًا؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَكُونُ بَيْعُهَا طَلَاقًا، وَرَوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ قَالُوا: يَكُونُ طَلَاقًا وَتَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ الْبَابِ، وَهُوَ أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا، فَلَوْ كَانَ طَلَاقُهَا يَقَعُ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ مَعْنًى. وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ أَنَّهُ عُقِدَ عَلَى مَنْفَعَةٍ فَلَا يُبْطِلُهُ بَيْعُ الرَّقَبَةِ كَمَا فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمَسْبِيَّاتِ فَهُنَّ الْمُرَادُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ سَبَبِ نُزُولِهَا اهـ مُلَخَّصًا. وَمَا نَقَلَهُ عَنِ الصَّحَابَةِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدَ فِيهَا انْقِطَاعٌ، وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ، وَأَنَسٍ أَيْضًا، وَمَا نَقَلَهُ عَنِ التَّابِعِينَ فِيهِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالشَّعْبِيِّ نَحْوُهُ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ

ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ وَإِذَا اشْتَرَى أَمَةً لَهَا زَوْجٌ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: إِبَاقُ الْعَبْدِ طَلَاقُهُ.

وحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَوْرَدَه الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَفِي عِدَّةِ أَبْوَابٍ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا، وَطَرِيقُ رَبِيعَةَ الَّتِي أَوْرَدَهَا هُنَا أَوْرَدَهَا مَوْصُولَةً مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْهُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَوْرَدَهَا فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْهُ عَنِ الْقَاسِمِ مُرْسَلًا، وَلَا يَضُرُّ إِرْسَالُهُ لِأَنَّ مَالِكًا أَحْفَظُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ وَأَتْقَنُ، وَقَدْ وَافَقَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، لَكِنْ صَدَّرَهُ بِقِصَّةِ اشْتِرَاطِ الَّذِينَ بَاعُوهَا عَلَى عَائِشَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلَاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِتْقِ، وَكَذَا رَوَاهُ عُرْوَةُ، وَعَمْرَةُ، وَالْأَسْوَدُ، وَأَيْمَنُ الْمَكِّيُّ عَنْ عَائِشَةَ، وَكَذَا رَوَاهُ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَى قِصَّةَ الْبُرْمَةِ وَاللَّحْمِ أَنَسٌ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي الْهِبَةِ وَيَأْتِي، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قِصَّةَ تَخْيِيرِهَا لَمَّا عَتَقَتْ كَمَا يَأْتِي بَعْدُ، وَطُرُقُهُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ.

قَوْلُهُ (كَانَ فِي بَرِيرَةَ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَضَبْطُ اسْمِهَا فِي أَوَاخِرِ الْعِتْقِ، وَقِيلَ إِنَّهَا نَبَطِيَّةٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَقِيلَ إِنَّهَا قِبْطَيَّةٌ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقِيلَ إِنَّ اسْمَ أَبِيهَا صَفْوَانُ وَأَنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَاخْتُلِفَ فِي مَوَالِيهَا فَفِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ لِنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَذَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ سَمَّاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ لِآلِ أَبِي لَهَبٍ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ قَائِلِهِ، انْتَقَلَ وَهْمُهُ مِنْ أَيْمَنَ أَحَدُ رُوَاةِ قِصَّةِ بَرِيرَةَ عَنْ عَائِشَةَ إِلَى بَرِيرَةَ، وَقِيلَ لِآلِ بَنِي هِلَالٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.

قَوْلُهُ (ثَلَاثُ سُنَنٍ) وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ قَضَى فِيهَا النَّبِيُّ أَرْبَعَ قَضِيَّاتٍ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَزَادَ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ تَقَعْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَتْ عَلَى ثَلَاثٍ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَمَرْتُ بَرِيرَةَ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ وَهَذَا مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلُهُ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ وَيُخَالِفُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي عِدَّةِ الْمُخْتَلِعَةِ وَأَنَّ مَنْ قَالَ الْخُلْعُ فَسْخٌ قَالَ تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ، وَهُنَا لَيْسَ اخْتِيَارُ الْعَتِيقَةِ نَفْسَهَا طَلَاقًا فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ بَلْ هُوَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ جَعَلَ عِدَّةَ بَرِيرَةَ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ وَهُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ، لِأَنَّ أَبَا مَعْشَرٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ لَكِنْ يَصْلُحُ فِي الْمُتَابَعَاتِ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَآخَرِينَ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ فَطَلَاقُهَا طَلَاقُ عَبْدٍ وَعِدَّتُهَا عِدَّةُ حُرَّةٍ وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْعِتْقِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ صَنَّفُوا فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ تَصَانِيفَ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْصَلَهَا إِلَى أَرْبَعِمِائَةِ فَائِدَةٍ، وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ قَوْلَ عَائِشَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ لِأَنَّ مُرَادَ عَائِشَةَ مَا وَقَعَ مِنَ الْأَحْكَامِ فِيهَا مَقْصُودًا خَاصَّةً، لَكِنْ لَمَّا كَانَ كُلُّ حُكْمٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى تَقْعِيدِ قَاعِدَةٍ يَسْتَنْبِطُ الْعَالِمُ الْفَطِنُ مِنْهَا فَوَائِدَ جَمَّةً وَقَعَ التَّكَثُّرُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ غَيْرَ مَقْصُودٍ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فَوَائِدَ تُؤْخَذُ بِطَرِيقِ التَّنْصِيصِ أَوْ الِاسْتِنْبَاطِ، أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثِ أَوِ الْأَرْبَعِ لِكَوْنِهَا أَظْهَرَ مَا فِيهَا وَمَا عَدَاهَا إِنَّمَا يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، أَوْ لِأَنَّهَا أَهَمُّ وَالْحَاجَةُ إِلَيْهَا أَمَسُّ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: مَعْنَى ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

واستُشْكل وجه المطابقةِ بين الحديث والتَّرجمة. وأجاب في «الكواكب» فأجاد بأنَّ كون فاطمة ما كانت ترضى بذلك، فكان الشِّقاق بينها وبين عليٍّ مُتوقَّعًا، فأراد النَّبيُّ دفع (١) وقوعهِ بمنع عليٍّ من ذلك بطريقِ الإيماء والإشارة، وقيل غير ذلك ممَّا فيه من تكلُّف وتعسُّف.

وهذا الحديث قد مرَّ.

(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يَكُونُ بَيْعُ الأَمَةِ) المزوَّجة (طَلَاقًا) عند الجمهور، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «طلاقها».

٥٢٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فقيه المدينةِ، صاحب الرَّأي (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ) بفتح الموحدة وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فراء أخرى، بوزن فعيلة، من البَرِير، وهو ثمر الأَرَاك. قيل: اسم أبيها صفوان، وإنَّ له صُحبة، وقيل: إنَّها كانت نبطيَّةً، وقيل: قبطيَّةً (ثَلَاثُ سُنَنٍ) بضم السين وفتح النون الأولى، قال في «الكواكب»: أي: عُلِمَ بسببها ثلاثة أحكامٍ من الشَّريعة.

(إِحْدَى السُّنَنِ) الثَّلاث (أَنَّهَا أُعْتِقَتْ) بضم الهمزة وكسر التاء الفوقية، وسقط لابن عساكرَ الهمزة من «أعتقت» (فَخُيِّرَتْ) بضم الخاء (فِي) فسخِ نكاح (زَوْجِهَا) مُغيث، أو تدوم عنده في

عِصمته، وفي رواية الدَّارقطنيِّ من طريق أبان بنِ صالحٍ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ النَّبيَّ قال لبَرِيرةَ: «اذهَبِي فقدْ عَتَقَ معكَ بُضْعُكَ» وزادَ ابن سعدٍ من طريق الشَّعبيِّ مُرسلًا: «فاختاري». وهذا موضع التَّرجمة لأنَّها لو طُلِّقت بمجرَّد البيعِ لم يكن للتَّخيير فائدة وهذا قولُ الجمهور، وقال ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ وأُبيُّ بن كعبٍ فيما أخرجَه ابن أبي شيبة بأسانيد فيها انقطاعٌ: يكون بيعها طلاقًا، وكذا قال سعيدُ بن المسيَّب والحسن ومجاهد فيما رُوي بأسانيدَ صحيحةٍ، وأخرجَه سعيدُ بن منصورٍ بسندٍ صحيحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، واحتجُّوا لذلك بظاهرِ قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] واحتجَّ الجمهور بحديثِ الباب، ومن حيث النَّظر أنَّه عقد على منفعةٍ فلا يُبطله بيع الرَّقبة كما في العين المؤجَّرة، والآية نزلتْ في المسبيَّات فهي المرادُ بملك اليمين على ما ثبتَ في «الصحيح» من سببِ نزولها.

(وَ) الثَّانية (١) من السُّنن (قَالَ) فيها (رَسُولُ اللهِ ) لمَّا أرادتْ عائشة أن تشتريهَا، فقال أهلُها: ويكون ولاؤها لنا: (الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وفي روايةٍ: «إنَّما الولاء لمن أَعتق» بصيغةِ الحصر.

(وَ) الثَّالثة (٢) من السُّنن (دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ) حُجرة عائشة (وَالبُرْمَةُ تَفُورُ) بالفاء (بِلَحْمٍ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ البَيْتِ) بضم القاف مبنيًّا للمفعول، وخبزٌ: مفعولٌ ناب عن الفاعلِ، وأُدْم: بضم الهمزة وسكون المهملة عطفٌ عليه (فَقَالَ) رسولُ الله : (أَلَمْ أَرَ البُرْمَةَ) ولابن عساكرَ: «برمة» (فِيهَا لَحْمٌ؟ قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَة) بضم التاء الفوقية والصاد (وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ) : هو (عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ) أي: حيثُ أهدته بريرة لنا لأنَّ الصَّدقة يسوغُ للفقيرِ التَّصرُّف فيها بالبيعِ وغيره، كتصرفِ (٣) سائر الملَّاك في أملاكهِمْ، ومفهومُه: أنَّ التَّحريم إنَّما هو على الصِّفة لا على العينِ.

(١٥) (بابُ خِيَارِ الأَمَةِ) إذا عَتقت وهي (تَحْتَ العَبْدِ) أو المُبَعَّضِ قبل الدُّخول أو بعده،

ومفهومه: أنَّ الأمة إذا كانت تحت حرٍّ فعتقتْ لم يكن لها خيارٌ. وهذا مذهب الشَّافعيَّة والمالكيَّة والجمهور لتضرُّرها بالمقام تحتَه (١) من جهة أنَّها تتعيَّر به لأنَّ العبدَ غير مكافئٍ للحرَّة في أكثر الأحكام، فإذا عتقتْ ثبتَ لها الخيار من البقاء في عِصمته أو المفارقة لأنَّها في وقتِ العقد عليها لم تكنْ من أهل الاختيار. وأُجيب بأنَّ الكفاءة إنَّما تعتبر في الابتداءِ لا في البقاء. وقال الحنفيَّة: يثبتُ لها الخيار إذا عتقتْ سواءٌ كانت تحت حرٍّ أم عبدٍ لأنَّها عند التَّزويج لم يكن لها رأيٌ لاتِّفاقهم على أنَّ لمولاها أن يزوِّجها بغيرِ رضاها، فإذا عتقتْ تجدَّدُ لها حال لم تكن قبل ذلك. وأُجيب بأنَّ ذلك لو كان مؤثِّرًا لثبتَ الخيار للبكر إذا زوَّجها أبوها ثمَّ بلغت رشيدةً وليس كذلك، فكذلك الأمة تحت الحرِّ فإنَّه لم يحدث لها بالعتقِ حال ترتفع به عن الحرِّ، ومنشأُ الخلاف الاختلاف في ترجيحِ إحدى الرِّوايتين المتعارضتين في زوج بريرة، هل كان حين أعتقتْ حرًّا أو عبدًا؟ وفي ترجيحِ المعنى المعلَّل به، ففي حديثِ الباب وغيره من «الصَّحيحين» من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّه كان عبدًا، ولم تختلفْ الرِّوايات عنه، وتمسَّك الحنفيَّة بحديث عائشة المرويِّ في «الصَّحيحين» و «السُّنن الأربعة» وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ.

قال الشَّيخ كمال الدِّين بن الهمام: والتَّرجيح يقتضِي في حديثِ عائشة ترجيحَ أنَّه كان حرًّا، وذلك أنَّ رُواة هذا الحديث عن عائشةَ ثلاثة: الأسود وعروة والقاسم، فأمَّا الأسود فلم يختلف فيه عن عائشة أنَّه كان حرًّا، وأمَّا عروة فعنه روايتان صحيحتان إحدَاهما أنَّه كان حرًّا والأخرى أنه كان عبدًا وأما عبد الرحمن بن القاسم فعنه أيضًا روايتان صحيحتان إحداهما أنه كان حرًّا (٢) والأُخرى بالشَّكِّ، ووجه آخر من التَّرجيح مُطلقٌ لا يختصُّ بالمرويِّ فيه عن عائشة، وهو أنَّ رواية: خيَّرَها وكان زوجها عبدًا، يحتملُ كون الواو فيه للعطف لا للحال، وحاصله: أنَّه إخبارٌ بالأمرين، وكونه اتَّصف بالرِّقِّ لا يستلزم كون ذلك كان حالَ عتقها، هذا بعدَ احتمال أن يرادَ بالعبدِ العتيق مجازًا باعتبارِ ما كان، وهو شائعٌ في العُرف، والَّذي لا مردَّ له من التَّرجيح أنَّ رواية كان حرًّا أنص (٣) مِن كان عبدًا، وتُثْبِت (٤) زيادةً فهي أولى، وأيضًا فهي مُثبتةٌ، وتلك كانت

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده