«لَا آكُلُ مُتَّكِئًا.»

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٩٨

الحديث رقم ٥٣٩٨ من كتاب «كتاب الأطعمة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الأكل متكئا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٣٩٨ في صحيح البخاري

«لَا آكُلُ مُتَّكِئًا.»

إسناد حديث البخاري رقم ٥٣٩٨

٥٣٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٣٩٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ فَلَا يُشْرِكُهُ الشَّيْطَانُ فَيَكْفِيهِ الْقَلِيلُ، وَالْكَافِرُ لَا يُسَمِّي فَيُشْرِكُهُ الشَّيْطَانُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ قَبْلُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ إِنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ.

الْخَامِسُ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَقِلُّ حِرْصُهُ عَلَى الطَّعَامِ فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ وَفِي مَأْكَلِهِ فَيَشْبَعُ مِنَ الْقَلِيلِ، وَالْكَافِرُ طَامِحُ الْبَصَرِ إِلَى الْمَأْكَلِ كَالْأَنْعَامِ فَلَا يَشْبَعُهُ الْقَلِيلُ، وَهَذَا يُمْكِنُ ضَمُّهُ إِلَى الَّذِي قَبْلَهُ وَيُجْعَلَانِ جَوَابًا وَاحِدًا مَرْكَبًا.

السَّادِسُ: قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُخْتَارُ إنَّ الْمُرَادَ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَإنَّ أَكْثَرَ الْكُفَّارِ يَأْكُلُونَ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ مِثْلَ مِعَى الْمُؤْمِنِ اهـ، وَيَدُلُّ عَلَى تَفَاوُتِ الْأَمْعَاءِ مَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَهْلِ التَّشْرِيحِ أَنَّ أَمْعَاءَ الْإِنْسَانِ سَبْعَةٌ: الْمَعِدَةُ، ثُمَّ ثَلَاثَةُ أَمْعَاءٍ بَعْدَهَا مُتَّصِلَةٌ بِهَا: الْبَوَّابُ، ثُمَّ الصَّائِمُ. ثُمَّ الرَّقِيقُ وَالثَّلَاثَةُ رِقَاقٌ، ثُمَّ الْأَعْوَرُ، وَالْقَوْلُونُ، وَالْمُسْتَقِيمُ وَكُلُّهَا غِلَاظٌ. فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ الْكَافِرَ لِكَوْنِهِ يَأْكُلُ بِشَرَاهَةٍ لَا يُشْبِعُهُ إِلَّا مِلْءُ أَمْعَائِهِ السَّبْعَةِ، وَالْمُؤْمِنُ يُشْبِعُهُ مِلْءُ مِعًى وَاحِدٍ. وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ عَنِ الْأَطِبَّاءِ فِي تَسْمِيَةِ الْأَمْعَاءِ السَّبْعَةِ أَنَّهَا الْمَعِدَةُ، ثُمَّ ثَلَاثَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِهَا رِقَاقٌ وَهِيَ الِاثْنَا عَشْرِيُّ، وَالصَّائِمُ، وَالْقَوْلُونُ، ثُمَّ ثَلَاثَةٌ غِلَاظٌ وَهِيَ الْفَانَفِيُّ بِنُونٍ وَفَاءَيْنِ أَوْ قَافَيْنِ، وَالْمُسْتَقِيمُ، وَالْأَعْوَرُ.

السَّابِعُ: قَالَ النَّوَوِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالسَّبْعَةِ فِي الْكَافِرِ صِفَاتٍ هِيَ الْحِرْصُ وَالشَّرَهُ وَطُولُ الْأَمَلِ وَالطَّمَعُ وَسُوءُ الطَّبْعِ وَالْحَسَدُ وَحُبُّ السِّمَنِ، وَبِالْوَاحِدِ فِي الْمُؤْمِنِ سَدَّ خَلَّتِهِ.

الثَّامِنُ: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: شَهَوَاتُ الطَّعَامِ سَبْعٌ. شَهْوَةُ الطَّبْعِ، وَشَهْوَةُ النَّفْسِ، وَشَهْوَةُ الْعَيْنِ، وَشَهْوَةُ الْفَمِ، وَشَهْوَةُ الْأُذُنِ، وَشَهْوَةُ الْأَنْفِ، وَشَهْوَةُ الْجُوعِ وَهِيَ الضَّرُورِيَّةُ الَّتِي يَأْكُلُ بِهَا الْمُؤْمِنُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَأْكُلُ بِالْجَمِيعِ. ثُمَّ رَأَيْتُ أَصْلَ مَا ذَكَرَهُ فِي كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ مُلَخَّصًا وَهُوَ أَنَّ الْأَمْعَاءَ السَّبْعَةَ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَالشَّهْوَةِ وَالْحَاجَةِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا وَالْحَثُّ عَلَى الزُّهْدِ فِيهَا وَالْقَنَاعَةُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ الْعُقَلَاءُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ يَتَمَدَّحُونَ بِقِلَّةِ الْأَكْلِ وَيَذُمُّونَ كَثْرَةَ الْأَكْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ أَنَّهَا قَالَتْ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ لِابْنِ أَبِي زَرْعٍ وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ وَقَالَ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ:

فَإِنَّكَ إِنْ أَعْطَيْتَ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ … وَفَرْجَكَ نَالَا مُنْتَهَى الذَّمِّ أَجْمَعَا

وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيلَ إِنَّ النَّاسَ فِي الْأَكْلِ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ: طَائِفَةٌ تَأْكُلُ كُلَّ مَطْعُومٍ مِنْ حَاجَةٍ وَغَيْرِ حَاجَةٍ وَهَذَا فِعْلُ أَهْلِ الْجَهْلِ، وَطَائِفَةٌ تَأْكُلُ عِنْدَ الْجُوعِ بِقَدْرِ مَا يَسُدُّ الْجُوعَ حَسْبُ، وَطَائِفَةٌ يُجَوِّعُونَ أَنْفُسَهُمْ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ قَمْعَ شَهْوَةِ النَّفْسِ وَإِذَا أَكَلُوا أَكَلُوا مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ اهـ مُلَخَّصًا. وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَنْزِيلِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ وَهُوَ لَائِقٌ بِالْقَوْلِ الثَّانِي.

١٣ - بَاب الْأَكْلِ مُتَّكِئًا

٥٣٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا آكُلُ مُتَّكِئًا.

[الحديث ٥٣٩٨ - ٥٣٩٩]

٥٣٩٩ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ.

قَوْلُهُ (بَابُ الْأَكْلِ مُتَّكِئًا) أَيْ مَا حُكْمُهُ؟ وَإِنَّمَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَهْيٌ صَرِيحٌ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) كَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فَقَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ فَكَانَ لِأَبِي نُعَيْمٍ فِيهِ شَيْخَانِ.

قَوْلُهُ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ) أَيِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْهَمْدَانِيِّ بِسُكُونِ الْمِيمِ الْوَادِعِيِّ الْكُوفِيِّ، ثِقَةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ (سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّ رِوَايَةَ رُقَيَّةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأقْمَرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ لِتَصْرِيحِ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ فِي رِوَايَةِ مِسْعَرٍ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَبِي جُحَيْفَةَ بِدُونِ وَاسِطَةٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ عَوْنِ أَوَّلًا عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ لَقِيَ أَبَاهُ، أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَثَبَّتَهُ فِيهِ عَوْنٌ.

قَوْلُهُ (إِنِّي لَا آكُلُ مُتَّكِئًا) ذَكَرَ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي بَعْدَهَا لَهُ سَبَبًا مُخْتَصَرًا وَلَفْظُهُ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: اللَّفْظُ الثَّانِي أَبْلَغُ مِنَ الْأَوَّلِ فِي الْإِثْبَاتِ، وَأَمَّا فِي النَّفْيِ فَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ اهـ. وَكَانَ سَبَبُ هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةَ الْأَعْرَابِيِّ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يسْرٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ شَاةٌ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ، فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ذَلِكَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ مَلَكٌ لَمْ يَأْتِهِ قَبْلَهَا فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يُخَيِّرُكُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا نَبِيًّا، قَالَ فَنَظَرَ إِلَى جِبْرِيلَ كَالْمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ تَوَاضَعْ، فَقَالَ: بَلْ عَبْدًا نَبِيًّا. قَالَ فَمَا أَكَلَ مُتَّكِئًا اهـ. وَهَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.

وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ مَا رُئِيَ النَّبِيُّ يَأْكُلُ مُتَّكِئًا قَطُّ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ مَا أَكَلَ النَّبِيُّ مُتَّكِئًا إِلَّا مَرَّةً ثُمَّ نَزَعَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَرَّةَ الَّتِي فِي أَثَرَ مُجَاهِدٌ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ شَاهِينَ فِي نَاسِخِهِ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ جِبْرِيلَ رَأَى النَّبِيُّ يَأْكُلُ مُتَّكِئًا فَنَهَاهُ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا نَهَاهُ جِبْرِيلُ عَنِ الْأَكْلِ مُتَّكِئًا لَمْ يَأْكُلْ مُتَّكِئًا بَعْدَ ذَلِكَ وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الِاتِّكَاءِ فَقِيلَ: أَنْ يَتَمَكَّنَ فِي الْجُلُوسِ لِلْأَكْلِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ، وَقِيلَ أَنْ يَمِيلَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَقِيلَ: أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى مِنَ الْأَرْضِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ تَحْسَبُ الْعَامَّةُ أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ الْآكِلُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى الْوِطَاءِ الَّذِي تَحْتَهُ، قَالَ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ إِنَى لَا أَقْعُدُ مُتَّكِئًا عَلَى الْوِطَاءِ عِنْدَ الْأَكْلِ فِعْلَ مَنْ يَسْتَكْثِرُ مِنَ الطَّعَامِ، فَإِنِّي لَا آكُلُ إِلَّا الْبُلْغَةَ مِنَ الزَّادِ فَلِذَلِكَ أَقْعُدُ مُسْتَوْفِزًا.

وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ أَكَلَ تَمْرًا وَهُوَ مُقْعٍ وَفِي رِوَايَةٍ وَهُوَ مُحْتَفِزٍ وَالْمُرَادُ الْجُلُوسُ عَلَى وَرِكَيْهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: زَجَرَ النَّبِيُّ أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عِنْدَ الْأَكْلِ، قَالَ مَالِكٌ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الِاتِّكَاءِ. قُلْتُ: وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ مِنْ مَالِكٍ إِلَى كَرَاهَةِ كُلِّ مَا يُعَدُّ الْآكِلُ فِيهِ مُتَّكِئًا، وَلَا يَخْتَصُّ بِصِفَةٍ بِعَيْنِهَا. وَجَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَفْسِيرِ الِاتِّكَاءِ بِأَنَّهُ الْمَيْلِ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ لِإِنْكَارِ الْخَطَّابِيُّ ذَلِكَ. وَحَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ أنَّ مَنْ فَسَّرَ الِاتِّكَاءَ بِالْمِيلِ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ بِأَنَّهُ لَا يَنْحَدِرُ فِي مَجَارِي الطَّعَامِ سَهْلًا وَلَا يُسِيغُهُ هَنِيئًا وَرُبَّمَا تَأَذَّى بِهِ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي حُكْمِ الْأَكْلِ مُتَّكِئًا فَزَعَمَ ابْنُ الْقَاصِّ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَصَائِصِ النَّبَوِيَّةِ، وَتَعَقَّبَهُ الْبَيْهَقِيُّ فَقَالَ: قَدْ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٣٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السين (١) المهملة وفتح العين المهملة بعدها راء، ابن كدامٍ العامريُّ الكوفيُّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ) بن عَمرو بن الحارث بن معاوية الهَمْدانيِّ الوادعيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ) وهبَ بن عبد الله السُّوائيَّ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنِّي) إذا أكلتُ (لَا آكُلُ مُتَّكِئًا) أي: متمكِّنًا من الأكلِ فعل من يريدُ الاستكثار منه، ولكنْ آكل العُلْقَة من الطَّعام فأقعدُ له مستوفزًا، وثبتَ لفظة: «إنِّي» للكُشميهنيِّ، وليس لابن الأقمر في البخاريِّ سوى هذا الحديث.

وعند ابنِ شاهين من مرسل عطاء بنِ يسار: أنَّ جبريل رأى النَّبيَّ يأكل متكئًا فنهاه. ومن حديث أنس أنَّ النَّبيَّ لمَّا نهاهُ جبريلُ عن الأكل متَّكئًا لم يأكل متَّكئًا بعد ذلك.

وعند (٢) ابنِ أبي شيبة عن مجاهدٍ: ما أكل النَّبيُّ متكئًا إلَّا مرَّةً واحدةً فقال: «اللَّهمَّ إنِّي عبدُك ورسولُك». وهذا مرسلٌ.

٥٣٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمر (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ).

قال في «الفتح»: وسببُ هذا الحديث قصَّة الأعرابيِّ المذكور (٣) في حديثِ عبد الله بن بسر (٤)

عند ابن ماجه والطَّبرانيِّ بإسنادٍ حسنٍ قال: أهديتُ للنَّبيِّ شاةً فجثا على ركبتيهِ يأكلُ، فقال له أعرابيٌّ: ما هذه الجلسة؟ فقال: «إنَّ الله جعلني عبدًا (١) كريمًا ولم يجعلْني جبَّارًا عنيدًا».

واستنبط من هذه الأحاديث: كراهة الأكل متَّكئًا لأنَّه من فعل المتعظِّمين، وأصله مأخوذٌ من ملوكِ العجم.

وأخرج ابنُ أبي شيبة عن ابن عبَّاس وخالدِ بن الوليد وعبيدة السَّلماني ومحمَّد بن سيرين وعطاء بن يسار والزُّهريِّ جواز ذلك مطلقًا، وإذا ثبت أنَّه مكروهٌ أو خلاف الأولى فليكنْ الآكل جاثيًا على ركبتيهِ وظهورِ قدميه، أو ينصبُ الرِّجل اليمنى ويجلسُ على اليسرى.

واختُلف في علَّة الكراهة فروى ابنُ أبي شيبة من طريق إبراهيم النَّخعيِّ قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا المتَّكأة مخافة أن تعظمَ بطونهم.

وحكى ابن الأثيرِ: أنَّ من فسَّر الاتِّكاء بالميلِ على أحدِ الشِّقَّين تأوَّله على مذهب الطِّبِّ بأنَّه لا ينحدرُ في مجارِي الطَّعام سهلًا، ولا يسيغُه هنيئًا وربَّما تأذَّى به.

(١٤) (بابُ) جوازِ أكل (الشِّوَاءِ (٢). وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في قصَّة إبراهيم : (فـ ﴿جَاء بِعِجْلٍ﴾) ولد البقرة، وكان مالَ إبراهيم (٣) (﴿حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] أَيْ: مَشْوِيٍّ) بالحجارةِ المحمَّاة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ فَلَا يُشْرِكُهُ الشَّيْطَانُ فَيَكْفِيهِ الْقَلِيلُ، وَالْكَافِرُ لَا يُسَمِّي فَيُشْرِكُهُ الشَّيْطَانُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ قَبْلُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ إِنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ.

الْخَامِسُ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَقِلُّ حِرْصُهُ عَلَى الطَّعَامِ فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ وَفِي مَأْكَلِهِ فَيَشْبَعُ مِنَ الْقَلِيلِ، وَالْكَافِرُ طَامِحُ الْبَصَرِ إِلَى الْمَأْكَلِ كَالْأَنْعَامِ فَلَا يَشْبَعُهُ الْقَلِيلُ، وَهَذَا يُمْكِنُ ضَمُّهُ إِلَى الَّذِي قَبْلَهُ وَيُجْعَلَانِ جَوَابًا وَاحِدًا مَرْكَبًا.

السَّادِسُ: قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُخْتَارُ إنَّ الْمُرَادَ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَإنَّ أَكْثَرَ الْكُفَّارِ يَأْكُلُونَ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ مِثْلَ مِعَى الْمُؤْمِنِ اهـ، وَيَدُلُّ عَلَى تَفَاوُتِ الْأَمْعَاءِ مَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَهْلِ التَّشْرِيحِ أَنَّ أَمْعَاءَ الْإِنْسَانِ سَبْعَةٌ: الْمَعِدَةُ، ثُمَّ ثَلَاثَةُ أَمْعَاءٍ بَعْدَهَا مُتَّصِلَةٌ بِهَا: الْبَوَّابُ، ثُمَّ الصَّائِمُ. ثُمَّ الرَّقِيقُ وَالثَّلَاثَةُ رِقَاقٌ، ثُمَّ الْأَعْوَرُ، وَالْقَوْلُونُ، وَالْمُسْتَقِيمُ وَكُلُّهَا غِلَاظٌ. فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ الْكَافِرَ لِكَوْنِهِ يَأْكُلُ بِشَرَاهَةٍ لَا يُشْبِعُهُ إِلَّا مِلْءُ أَمْعَائِهِ السَّبْعَةِ، وَالْمُؤْمِنُ يُشْبِعُهُ مِلْءُ مِعًى وَاحِدٍ. وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ عَنِ الْأَطِبَّاءِ فِي تَسْمِيَةِ الْأَمْعَاءِ السَّبْعَةِ أَنَّهَا الْمَعِدَةُ، ثُمَّ ثَلَاثَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِهَا رِقَاقٌ وَهِيَ الِاثْنَا عَشْرِيُّ، وَالصَّائِمُ، وَالْقَوْلُونُ، ثُمَّ ثَلَاثَةٌ غِلَاظٌ وَهِيَ الْفَانَفِيُّ بِنُونٍ وَفَاءَيْنِ أَوْ قَافَيْنِ، وَالْمُسْتَقِيمُ، وَالْأَعْوَرُ.

السَّابِعُ: قَالَ النَّوَوِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالسَّبْعَةِ فِي الْكَافِرِ صِفَاتٍ هِيَ الْحِرْصُ وَالشَّرَهُ وَطُولُ الْأَمَلِ وَالطَّمَعُ وَسُوءُ الطَّبْعِ وَالْحَسَدُ وَحُبُّ السِّمَنِ، وَبِالْوَاحِدِ فِي الْمُؤْمِنِ سَدَّ خَلَّتِهِ.

الثَّامِنُ: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: شَهَوَاتُ الطَّعَامِ سَبْعٌ. شَهْوَةُ الطَّبْعِ، وَشَهْوَةُ النَّفْسِ، وَشَهْوَةُ الْعَيْنِ، وَشَهْوَةُ الْفَمِ، وَشَهْوَةُ الْأُذُنِ، وَشَهْوَةُ الْأَنْفِ، وَشَهْوَةُ الْجُوعِ وَهِيَ الضَّرُورِيَّةُ الَّتِي يَأْكُلُ بِهَا الْمُؤْمِنُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَأْكُلُ بِالْجَمِيعِ. ثُمَّ رَأَيْتُ أَصْلَ مَا ذَكَرَهُ فِي كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ مُلَخَّصًا وَهُوَ أَنَّ الْأَمْعَاءَ السَّبْعَةَ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَالشَّهْوَةِ وَالْحَاجَةِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا وَالْحَثُّ عَلَى الزُّهْدِ فِيهَا وَالْقَنَاعَةُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ الْعُقَلَاءُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ يَتَمَدَّحُونَ بِقِلَّةِ الْأَكْلِ وَيَذُمُّونَ كَثْرَةَ الْأَكْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ أَنَّهَا قَالَتْ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ لِابْنِ أَبِي زَرْعٍ وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ وَقَالَ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ:

فَإِنَّكَ إِنْ أَعْطَيْتَ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ … وَفَرْجَكَ نَالَا مُنْتَهَى الذَّمِّ أَجْمَعَا

وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيلَ إِنَّ النَّاسَ فِي الْأَكْلِ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ: طَائِفَةٌ تَأْكُلُ كُلَّ مَطْعُومٍ مِنْ حَاجَةٍ وَغَيْرِ حَاجَةٍ وَهَذَا فِعْلُ أَهْلِ الْجَهْلِ، وَطَائِفَةٌ تَأْكُلُ عِنْدَ الْجُوعِ بِقَدْرِ مَا يَسُدُّ الْجُوعَ حَسْبُ، وَطَائِفَةٌ يُجَوِّعُونَ أَنْفُسَهُمْ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ قَمْعَ شَهْوَةِ النَّفْسِ وَإِذَا أَكَلُوا أَكَلُوا مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ اهـ مُلَخَّصًا. وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَنْزِيلِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ وَهُوَ لَائِقٌ بِالْقَوْلِ الثَّانِي.

١٣ - بَاب الْأَكْلِ مُتَّكِئًا

٥٣٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا آكُلُ مُتَّكِئًا.

[الحديث ٥٣٩٨ - ٥٣٩٩]

٥٣٩٩ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ.

قَوْلُهُ (بَابُ الْأَكْلِ مُتَّكِئًا) أَيْ مَا حُكْمُهُ؟ وَإِنَّمَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَهْيٌ صَرِيحٌ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) كَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فَقَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ فَكَانَ لِأَبِي نُعَيْمٍ فِيهِ شَيْخَانِ.

قَوْلُهُ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ) أَيِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْهَمْدَانِيِّ بِسُكُونِ الْمِيمِ الْوَادِعِيِّ الْكُوفِيِّ، ثِقَةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ (سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّ رِوَايَةَ رُقَيَّةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأقْمَرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ لِتَصْرِيحِ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ فِي رِوَايَةِ مِسْعَرٍ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَبِي جُحَيْفَةَ بِدُونِ وَاسِطَةٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ عَوْنِ أَوَّلًا عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ لَقِيَ أَبَاهُ، أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَثَبَّتَهُ فِيهِ عَوْنٌ.

قَوْلُهُ (إِنِّي لَا آكُلُ مُتَّكِئًا) ذَكَرَ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي بَعْدَهَا لَهُ سَبَبًا مُخْتَصَرًا وَلَفْظُهُ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: اللَّفْظُ الثَّانِي أَبْلَغُ مِنَ الْأَوَّلِ فِي الْإِثْبَاتِ، وَأَمَّا فِي النَّفْيِ فَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ اهـ. وَكَانَ سَبَبُ هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةَ الْأَعْرَابِيِّ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يسْرٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ شَاةٌ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ، فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ذَلِكَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ مَلَكٌ لَمْ يَأْتِهِ قَبْلَهَا فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يُخَيِّرُكُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا نَبِيًّا، قَالَ فَنَظَرَ إِلَى جِبْرِيلَ كَالْمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ تَوَاضَعْ، فَقَالَ: بَلْ عَبْدًا نَبِيًّا. قَالَ فَمَا أَكَلَ مُتَّكِئًا اهـ. وَهَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.

وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ مَا رُئِيَ النَّبِيُّ يَأْكُلُ مُتَّكِئًا قَطُّ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ مَا أَكَلَ النَّبِيُّ مُتَّكِئًا إِلَّا مَرَّةً ثُمَّ نَزَعَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَرَّةَ الَّتِي فِي أَثَرَ مُجَاهِدٌ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ شَاهِينَ فِي نَاسِخِهِ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ جِبْرِيلَ رَأَى النَّبِيُّ يَأْكُلُ مُتَّكِئًا فَنَهَاهُ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا نَهَاهُ جِبْرِيلُ عَنِ الْأَكْلِ مُتَّكِئًا لَمْ يَأْكُلْ مُتَّكِئًا بَعْدَ ذَلِكَ وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الِاتِّكَاءِ فَقِيلَ: أَنْ يَتَمَكَّنَ فِي الْجُلُوسِ لِلْأَكْلِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ، وَقِيلَ أَنْ يَمِيلَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَقِيلَ: أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى مِنَ الْأَرْضِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ تَحْسَبُ الْعَامَّةُ أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ الْآكِلُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى الْوِطَاءِ الَّذِي تَحْتَهُ، قَالَ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ إِنَى لَا أَقْعُدُ مُتَّكِئًا عَلَى الْوِطَاءِ عِنْدَ الْأَكْلِ فِعْلَ مَنْ يَسْتَكْثِرُ مِنَ الطَّعَامِ، فَإِنِّي لَا آكُلُ إِلَّا الْبُلْغَةَ مِنَ الزَّادِ فَلِذَلِكَ أَقْعُدُ مُسْتَوْفِزًا.

وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ أَكَلَ تَمْرًا وَهُوَ مُقْعٍ وَفِي رِوَايَةٍ وَهُوَ مُحْتَفِزٍ وَالْمُرَادُ الْجُلُوسُ عَلَى وَرِكَيْهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: زَجَرَ النَّبِيُّ أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عِنْدَ الْأَكْلِ، قَالَ مَالِكٌ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الِاتِّكَاءِ. قُلْتُ: وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ مِنْ مَالِكٍ إِلَى كَرَاهَةِ كُلِّ مَا يُعَدُّ الْآكِلُ فِيهِ مُتَّكِئًا، وَلَا يَخْتَصُّ بِصِفَةٍ بِعَيْنِهَا. وَجَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَفْسِيرِ الِاتِّكَاءِ بِأَنَّهُ الْمَيْلِ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ لِإِنْكَارِ الْخَطَّابِيُّ ذَلِكَ. وَحَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ أنَّ مَنْ فَسَّرَ الِاتِّكَاءَ بِالْمِيلِ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ بِأَنَّهُ لَا يَنْحَدِرُ فِي مَجَارِي الطَّعَامِ سَهْلًا وَلَا يُسِيغُهُ هَنِيئًا وَرُبَّمَا تَأَذَّى بِهِ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي حُكْمِ الْأَكْلِ مُتَّكِئًا فَزَعَمَ ابْنُ الْقَاصِّ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَصَائِصِ النَّبَوِيَّةِ، وَتَعَقَّبَهُ الْبَيْهَقِيُّ فَقَالَ: قَدْ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٣٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السين (١) المهملة وفتح العين المهملة بعدها راء، ابن كدامٍ العامريُّ الكوفيُّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ) بن عَمرو بن الحارث بن معاوية الهَمْدانيِّ الوادعيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ) وهبَ بن عبد الله السُّوائيَّ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنِّي) إذا أكلتُ (لَا آكُلُ مُتَّكِئًا) أي: متمكِّنًا من الأكلِ فعل من يريدُ الاستكثار منه، ولكنْ آكل العُلْقَة من الطَّعام فأقعدُ له مستوفزًا، وثبتَ لفظة: «إنِّي» للكُشميهنيِّ، وليس لابن الأقمر في البخاريِّ سوى هذا الحديث.

وعند ابنِ شاهين من مرسل عطاء بنِ يسار: أنَّ جبريل رأى النَّبيَّ يأكل متكئًا فنهاه. ومن حديث أنس أنَّ النَّبيَّ لمَّا نهاهُ جبريلُ عن الأكل متَّكئًا لم يأكل متَّكئًا بعد ذلك.

وعند (٢) ابنِ أبي شيبة عن مجاهدٍ: ما أكل النَّبيُّ متكئًا إلَّا مرَّةً واحدةً فقال: «اللَّهمَّ إنِّي عبدُك ورسولُك». وهذا مرسلٌ.

٥٣٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمر (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ).

قال في «الفتح»: وسببُ هذا الحديث قصَّة الأعرابيِّ المذكور (٣) في حديثِ عبد الله بن بسر (٤)

عند ابن ماجه والطَّبرانيِّ بإسنادٍ حسنٍ قال: أهديتُ للنَّبيِّ شاةً فجثا على ركبتيهِ يأكلُ، فقال له أعرابيٌّ: ما هذه الجلسة؟ فقال: «إنَّ الله جعلني عبدًا (١) كريمًا ولم يجعلْني جبَّارًا عنيدًا».

واستنبط من هذه الأحاديث: كراهة الأكل متَّكئًا لأنَّه من فعل المتعظِّمين، وأصله مأخوذٌ من ملوكِ العجم.

وأخرج ابنُ أبي شيبة عن ابن عبَّاس وخالدِ بن الوليد وعبيدة السَّلماني ومحمَّد بن سيرين وعطاء بن يسار والزُّهريِّ جواز ذلك مطلقًا، وإذا ثبت أنَّه مكروهٌ أو خلاف الأولى فليكنْ الآكل جاثيًا على ركبتيهِ وظهورِ قدميه، أو ينصبُ الرِّجل اليمنى ويجلسُ على اليسرى.

واختُلف في علَّة الكراهة فروى ابنُ أبي شيبة من طريق إبراهيم النَّخعيِّ قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا المتَّكأة مخافة أن تعظمَ بطونهم.

وحكى ابن الأثيرِ: أنَّ من فسَّر الاتِّكاء بالميلِ على أحدِ الشِّقَّين تأوَّله على مذهب الطِّبِّ بأنَّه لا ينحدرُ في مجارِي الطَّعام سهلًا، ولا يسيغُه هنيئًا وربَّما تأذَّى به.

(١٤) (بابُ) جوازِ أكل (الشِّوَاءِ (٢). وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في قصَّة إبراهيم : (فـ ﴿جَاء بِعِجْلٍ﴾) ولد البقرة، وكان مالَ إبراهيم (٣) (﴿حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] أَيْ: مَشْوِيٍّ) بالحجارةِ المحمَّاة.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده