«قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي طَلْحَةَ: الْتَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٤٢٥

الحديث رقم ٥٤٢٥ من كتاب «كتاب الأطعمة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحيس.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: التمس غلاما من…

«قَالَ رَسُولُ اللهِ لِأَبِي طَلْحَةَ: الْتَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي. فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ. فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا، فَكُنْتُ أَرَاهُ يُحَوِّي وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ أَوْ بِكِسَاءٍ، ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ

⦗٧٧⦘

وَصَاعِهِمْ.»

سند حديث: ٥٤٢٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا…

٥٤٢٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ : أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح حديث: «قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: التمس غلاما من…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ مَأْدُومًا نَفْيُ كَوْنِهِ مُطْلَقًا، وَفِي وُجُودِ ذَلِكَ ثَلَاثًا مُطْلَقًا دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَنَاوُلِهِ وَإِبْقَائِهِ فِي الْبُيُوتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالطَّعَامِ مَا يُطْعَمُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ إِدَامٍ.

قَوْلُهُ (وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ: صَنَعْنَا لِلنَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ سُفْرَةً) تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَائِشَةَ مَوْصُولًا فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مُطَوَّلًا، وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ وَسَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ قَرِيبًا.

ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عَابِسٌ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ابْنُ رَبِيعَةَ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ، تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَيَلْتَبِسُ بِهِ عَابِسُ بْنُ رَبِيعَةَ الْغُطَيْفِيُّ صَحَابِيٌّ ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ وَقَالَ: لَهُ صُحْبَةٌ وَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، وَلَمْ أَجِدْ لَهُمْ عَنْهُ رِوَايَةً.

قَوْلُهُ (قَالَتْ مَا فَعَلَهُ إِلَّا فِي عَامٍ جَاعَ النَّاسُ فِيهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ) بَيَّنَتْ عَائِشَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ نُسِخَ، وَأَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ كَانَ خَاصًّا بِذَلِكَ الْعَامِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَتْهَا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَغَرَضُ الْبُخَارِيِّ مِنْهُ قَوْلُهَا وَإِنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ الْكُرَاعَ إِلَخْ فَإِنَّ فِيهِ بَيَانَ جَوَازِ ادِّخَارِ اللَّحْمِ وَأَكْلِ الْقَدِيدِ، وَثَبَتَ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ قِلَّةُ اللَّحْمِ عِنْدَهُمْ بِحَيْثُ إنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَشْبَعُونَ مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ) هُوَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، وَغَرَضُهُ تَصْرِيحُ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ بِإِخْبَارِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ لَهُ بِهِ وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ بِهِ.

تَابَعَهُ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَقَالَ حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: لَا.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَسُفْيَانُ الَّذِي قَبْلَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هُوَ الثَّوْرِيُّ كَمَا بَيَّنْتُهُ.

قَوْلُهُ (تَابَعَهُ مُحَمَّدٌ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) قِيلَ إِنَّ مُحَمَّدًا هَذَا هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ. وَقَدْ وَقَعَ لِي الْحَدِيثُ فِي مُسْنَدٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ وَلَفْظُهُ كُنَّا نَعْزِلُ عَنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَكُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الْهَدْيِ إِلَى الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ إِلَخْ) وَصَلَ الْمُصَنِّفُ أَصْلَ الْحَدِيثِ فِي بَابِ مَا يُؤْكَلُ مِنَ الْبُدْنِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ وَلَفْظُهُ كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثٍ. فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ فَقَالَ: كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، وَقَدْ ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِالسَّنَدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِهِ الْبُخَارِيُّ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ كُلُوا وَتَزَوَّدُوا قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَقَالَ جَابِرٌ حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ بِخِلَافِ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَ لَا وَالَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَإِنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى اخْتِلَافِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ وَلَمْ يَذْكُرَا تَرْجِيحًا، وَأَغْفَلَ ذَلِكَ شُرَّاحُ الْبُخَارِيِّ أَصْلًا فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ.

ثُمَّ لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا نَفْيَ الْحُكْمِ بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ جَابِرًا لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْتِمْرَارِ ذَلِكَ مِنْهُمْ حَتَّى قَدِمُوا، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الْهَدْيِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَيْ لِتَوَجُّهِنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ بَقَاؤُهَا مَعَهُمْ حَتَّى يَصِلُوا الْمَدِينَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لَكِنْ قَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ ذَبَحَ النَّبِيُّ أُضْحِيَّتَهُ ثُمَّ قَالَ لِي: يَا ثَوْبَانُ أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهُ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ادِّخَارُ طَعَامٍ لِغَدٍ، وَأَنَّ اسْمَ الْوِلَايَةِ لَا يَسْتَحِقُّ لِمَنِ ادَّخَرَ شَيْئًا وَلَوْ قَلَّ، وَأَنَّ مَنِ ادَّخَرَ أَسَاءَ الظَّنَّ بِاللَّهِ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كِفَايَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ ذَلِكَ.

٢٨ - بَاب الْحَيْسِ

٥٤٢٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٨) (بابُ الحَيْسِ) بالحاء المفتوحة والسين المهملتين بينهما تحتية ساكنة، وهو تمرٌ يُخْلَطُ بسمنٍ وأقطٍ فيعجنُ شديدًا ثمَّ يُنْدرُ نَواهُ، وربَّما جُعِلَ فيه سويقٌ، وقد حاسَهُ يَحِيسُهُ.

٥٤٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدنيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما (مَوْلَى المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ) بحاء وطاء مفتوحتين مهملتين بينهما نون ساكنة وآخره باء (١) موحدة (٢) (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل، زوج أمِّ أنس: (التَمِسْ) لي (غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي) بضم الدال (فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ) حال كونه (يُرْدِفُنِي) على الدَّابَّة (وَرَاءَهُ فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ كُلَّمَا نَزَلَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ) من (٣) الحزن (وَالحَزَنِ) بفتح الحاء المهملة والزاي: الهم، كذا في «القاموس» وغيره، لكن فرَّق البيضاويُّ بينهما: بأنَّ الهمَّ إنَّما يكون في الأمرِ المتوقَّع، والحزن فيما قد وقعَ. أو الهمُّ هو الحزن الَّذي يذيب الإنسان يقال: همَّني المرض بمعنى: أَذَابني، وسمَّى به ما يعتري الإنسان

من شدائد الغمِّ لأنَّه يذيبه أبلغ وأشدَّ من الحزن (وَالعَجْزِ) وهو ذهابُ القدرة (١)، وأصله: التَّأخر عن الشَّيء، مأخوذ من العَجُزِ، وهو مؤخَّر الشَّيء، وللزومهِ الضَّعف والقصورَ عن الإتيان بالشَّيء استعملَ في مقابله (٢) (وَالكَسَلِ) التَّثاقل (٣) عن الأمرِ، والفتورُ (٤) فيه مع وجودِ القدرة والدَّاعية إليه (وَالبُخْلِ) ضدُّ الكرم (وَالجُبْنِ) بضم الجيم وسكون الموحدة، أي: الخور (٥) مِنْ تَعَاطِي الحربِ ونحوها خوفًا على المهجةِ (وَضَلَعِ الدَّيْنِ) بفتح الضاد المعجمة واللام، يعني: ثقله حتَّى يميلَ بصاحبه عن الاستواءِ والاعتدالِ (وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) بفتح الغين المعجمة واللام والموحدة، وفي الرِّواية الأُخرى: «وقهرِ الرِّجال». قال التُّوربشتيُّ: ويراد بها الغلبة. وقال الطِّيبيُّ: قهر الرِّجال إمَّا أن تكون إضافته إلى الفاعل، أي: قهر الدَّائن إيَّاه، وغلبته عليه بالتَّقاضي (٦) وليس له ما يقضِي دينه، أو إلى المفعولِ بأنْ لا يكون له أحدٌ يُعاونه على قضاءِ ديونهِ من رجالهِ وأصحابهِ.

قال أنسٌ: (فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ) (حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ) قافلينَ (وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا) بالحاء المهملة والزاي، اختارَهَا من غنيمةِ خيبر (فَكُنْتُ أَرَاهُ) (يُحَوِّي) بضم التحتية وفتح المهملة وكسر الواو مشددة، أي: يجعلُ (لَهَا) حوية كساء محشوًّا يدارُ حولَ سنام الرَّاحلة يحفظُ راكبها من السُّقوط، ويستريح بالاستناد إليه (وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ -أَوْ: بِكِسَاءٍ-) والشَّكُّ من الرَّاوي، وثبتَ قوله: «لها» لأبي ذرٍّ وسقطَتْ (٧)

لغيره (١) (ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ) على الرَّاحلة (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ) موضعٍ بين خيبر والمدينة (صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ) بكسر النون وفتح الطاء كعنب، وبفتح النون وإسكان الطاء (٢)، والمراد: السُّفرة (ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا) من الحيس (وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا) أي: دخوله بصفيَّة (ثُمَّ أَقْبَلَ) قافلًا إلى المدينة (حَتَّى إِذَا بَدَا) ظهرَ (لَهُ أُحُدٌ) الجبل المكرَّم المعروف (قَالَ) : (هَذَا) أُحُدٌ (جَبَلٌ يُحِبُّنَا) حقيقةً بخلقِ الله تعالى فيه الإدراك كحنينِ الجذعِ أو مجازًا، أو بتقدير: أهل كـ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (وَنُحِبُّهُ) لأنَّه في أرض من نحبُّ وهم الأنصار (فَلَمَّا أَشْرَفَ) (عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ) الخليل (مَكَّةَ) وجبلا المدينة هما عَيْرٌ وأُحُدٌ، وأمَّا رواية: «ثور» فاستُشكلت من حيث إنَّه بمكة وفيه الغار الَّذي بات (٣) فيه (٤) النَّبيُّ لما هاجر، والقول: بأنَّ بالمدينة أيضًا جبلًا اسمه ثور أولى لما فيه من عدمِ توهيم الثِّقات، والمراد: تحريم (٥) التَّعظيم دون ما عداهُ من الأحكام المتعلِّقة بحرم مكَّة. نعم، مشهورُ مذهب المالكيَّة والشَّافعيَّة حرمةُ صيدِ المدينة، وقطعِ شجرها لكن من غير ضمانٍ.

ومباحث ذلك سبقت أواخر «الحجِّ».

(اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ) لأهل المدينة (فِي مُدِّهِمْ) بضم الميم وتشديد الدال المهملة، وهو ما يسعُ رطلًا وثلث رطلٍ أو رطلين (وَصَاعِهِمْ) وهو ما يسعُ أربعة أمدادٍ، وفي حديثٍ آخر: «وباركْ لنا في مدينتنَا» ولقد استجابَ الله دعاءَ حبيبهِ وجلب إليها في زمن الخلفاء الرَّاشدين من مشارقِ الأرض ومغاربها من كنوزِ كسرى وقيصر وخاقان ما لا يُحصى، وبارك الله تعالى في مكيالها بحيث يكفِي المدُّ فيها لمن (٦) لا يكفيهِ في غيرها، ولقد رأيتُ من ذلك الأمر الكبير، فأسألُ الله (٧) تعالى بوجهه

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ مَأْدُومًا نَفْيُ كَوْنِهِ مُطْلَقًا، وَفِي وُجُودِ ذَلِكَ ثَلَاثًا مُطْلَقًا دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَنَاوُلِهِ وَإِبْقَائِهِ فِي الْبُيُوتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالطَّعَامِ مَا يُطْعَمُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ إِدَامٍ.

قَوْلُهُ (وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ: صَنَعْنَا لِلنَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ سُفْرَةً) تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَائِشَةَ مَوْصُولًا فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مُطَوَّلًا، وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ وَسَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ قَرِيبًا.

ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عَابِسٌ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ابْنُ رَبِيعَةَ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ، تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَيَلْتَبِسُ بِهِ عَابِسُ بْنُ رَبِيعَةَ الْغُطَيْفِيُّ صَحَابِيٌّ ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ وَقَالَ: لَهُ صُحْبَةٌ وَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، وَلَمْ أَجِدْ لَهُمْ عَنْهُ رِوَايَةً.

قَوْلُهُ (قَالَتْ مَا فَعَلَهُ إِلَّا فِي عَامٍ جَاعَ النَّاسُ فِيهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ) بَيَّنَتْ عَائِشَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ نُسِخَ، وَأَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ كَانَ خَاصًّا بِذَلِكَ الْعَامِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَتْهَا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَغَرَضُ الْبُخَارِيِّ مِنْهُ قَوْلُهَا وَإِنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ الْكُرَاعَ إِلَخْ فَإِنَّ فِيهِ بَيَانَ جَوَازِ ادِّخَارِ اللَّحْمِ وَأَكْلِ الْقَدِيدِ، وَثَبَتَ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ قِلَّةُ اللَّحْمِ عِنْدَهُمْ بِحَيْثُ إنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَشْبَعُونَ مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ) هُوَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، وَغَرَضُهُ تَصْرِيحُ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ بِإِخْبَارِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ لَهُ بِهِ وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ بِهِ.

تَابَعَهُ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَقَالَ حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: لَا.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَسُفْيَانُ الَّذِي قَبْلَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هُوَ الثَّوْرِيُّ كَمَا بَيَّنْتُهُ.

قَوْلُهُ (تَابَعَهُ مُحَمَّدٌ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) قِيلَ إِنَّ مُحَمَّدًا هَذَا هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ. وَقَدْ وَقَعَ لِي الْحَدِيثُ فِي مُسْنَدٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ وَلَفْظُهُ كُنَّا نَعْزِلُ عَنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَكُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الْهَدْيِ إِلَى الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ إِلَخْ) وَصَلَ الْمُصَنِّفُ أَصْلَ الْحَدِيثِ فِي بَابِ مَا يُؤْكَلُ مِنَ الْبُدْنِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ وَلَفْظُهُ كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثٍ. فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ فَقَالَ: كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، وَقَدْ ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِالسَّنَدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِهِ الْبُخَارِيُّ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ كُلُوا وَتَزَوَّدُوا قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَقَالَ جَابِرٌ حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ بِخِلَافِ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَ لَا وَالَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَإِنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى اخْتِلَافِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ وَلَمْ يَذْكُرَا تَرْجِيحًا، وَأَغْفَلَ ذَلِكَ شُرَّاحُ الْبُخَارِيِّ أَصْلًا فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ.

ثُمَّ لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا نَفْيَ الْحُكْمِ بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ جَابِرًا لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْتِمْرَارِ ذَلِكَ مِنْهُمْ حَتَّى قَدِمُوا، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الْهَدْيِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَيْ لِتَوَجُّهِنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ بَقَاؤُهَا مَعَهُمْ حَتَّى يَصِلُوا الْمَدِينَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لَكِنْ قَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ ذَبَحَ النَّبِيُّ أُضْحِيَّتَهُ ثُمَّ قَالَ لِي: يَا ثَوْبَانُ أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهُ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ادِّخَارُ طَعَامٍ لِغَدٍ، وَأَنَّ اسْمَ الْوِلَايَةِ لَا يَسْتَحِقُّ لِمَنِ ادَّخَرَ شَيْئًا وَلَوْ قَلَّ، وَأَنَّ مَنِ ادَّخَرَ أَسَاءَ الظَّنَّ بِاللَّهِ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كِفَايَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ ذَلِكَ.

٢٨ - بَاب الْحَيْسِ

٥٤٢٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٨) (بابُ الحَيْسِ) بالحاء المفتوحة والسين المهملتين بينهما تحتية ساكنة، وهو تمرٌ يُخْلَطُ بسمنٍ وأقطٍ فيعجنُ شديدًا ثمَّ يُنْدرُ نَواهُ، وربَّما جُعِلَ فيه سويقٌ، وقد حاسَهُ يَحِيسُهُ.

٥٤٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدنيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما (مَوْلَى المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ) بحاء وطاء مفتوحتين مهملتين بينهما نون ساكنة وآخره باء (١) موحدة (٢) (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل، زوج أمِّ أنس: (التَمِسْ) لي (غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي) بضم الدال (فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ) حال كونه (يُرْدِفُنِي) على الدَّابَّة (وَرَاءَهُ فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ كُلَّمَا نَزَلَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ) من (٣) الحزن (وَالحَزَنِ) بفتح الحاء المهملة والزاي: الهم، كذا في «القاموس» وغيره، لكن فرَّق البيضاويُّ بينهما: بأنَّ الهمَّ إنَّما يكون في الأمرِ المتوقَّع، والحزن فيما قد وقعَ. أو الهمُّ هو الحزن الَّذي يذيب الإنسان يقال: همَّني المرض بمعنى: أَذَابني، وسمَّى به ما يعتري الإنسان

من شدائد الغمِّ لأنَّه يذيبه أبلغ وأشدَّ من الحزن (وَالعَجْزِ) وهو ذهابُ القدرة (١)، وأصله: التَّأخر عن الشَّيء، مأخوذ من العَجُزِ، وهو مؤخَّر الشَّيء، وللزومهِ الضَّعف والقصورَ عن الإتيان بالشَّيء استعملَ في مقابله (٢) (وَالكَسَلِ) التَّثاقل (٣) عن الأمرِ، والفتورُ (٤) فيه مع وجودِ القدرة والدَّاعية إليه (وَالبُخْلِ) ضدُّ الكرم (وَالجُبْنِ) بضم الجيم وسكون الموحدة، أي: الخور (٥) مِنْ تَعَاطِي الحربِ ونحوها خوفًا على المهجةِ (وَضَلَعِ الدَّيْنِ) بفتح الضاد المعجمة واللام، يعني: ثقله حتَّى يميلَ بصاحبه عن الاستواءِ والاعتدالِ (وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) بفتح الغين المعجمة واللام والموحدة، وفي الرِّواية الأُخرى: «وقهرِ الرِّجال». قال التُّوربشتيُّ: ويراد بها الغلبة. وقال الطِّيبيُّ: قهر الرِّجال إمَّا أن تكون إضافته إلى الفاعل، أي: قهر الدَّائن إيَّاه، وغلبته عليه بالتَّقاضي (٦) وليس له ما يقضِي دينه، أو إلى المفعولِ بأنْ لا يكون له أحدٌ يُعاونه على قضاءِ ديونهِ من رجالهِ وأصحابهِ.

قال أنسٌ: (فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ) (حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ) قافلينَ (وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا) بالحاء المهملة والزاي، اختارَهَا من غنيمةِ خيبر (فَكُنْتُ أَرَاهُ) (يُحَوِّي) بضم التحتية وفتح المهملة وكسر الواو مشددة، أي: يجعلُ (لَهَا) حوية كساء محشوًّا يدارُ حولَ سنام الرَّاحلة يحفظُ راكبها من السُّقوط، ويستريح بالاستناد إليه (وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ -أَوْ: بِكِسَاءٍ-) والشَّكُّ من الرَّاوي، وثبتَ قوله: «لها» لأبي ذرٍّ وسقطَتْ (٧)

لغيره (١) (ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ) على الرَّاحلة (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ) موضعٍ بين خيبر والمدينة (صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ) بكسر النون وفتح الطاء كعنب، وبفتح النون وإسكان الطاء (٢)، والمراد: السُّفرة (ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا) من الحيس (وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا) أي: دخوله بصفيَّة (ثُمَّ أَقْبَلَ) قافلًا إلى المدينة (حَتَّى إِذَا بَدَا) ظهرَ (لَهُ أُحُدٌ) الجبل المكرَّم المعروف (قَالَ) : (هَذَا) أُحُدٌ (جَبَلٌ يُحِبُّنَا) حقيقةً بخلقِ الله تعالى فيه الإدراك كحنينِ الجذعِ أو مجازًا، أو بتقدير: أهل كـ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (وَنُحِبُّهُ) لأنَّه في أرض من نحبُّ وهم الأنصار (فَلَمَّا أَشْرَفَ) (عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ) الخليل (مَكَّةَ) وجبلا المدينة هما عَيْرٌ وأُحُدٌ، وأمَّا رواية: «ثور» فاستُشكلت من حيث إنَّه بمكة وفيه الغار الَّذي بات (٣) فيه (٤) النَّبيُّ لما هاجر، والقول: بأنَّ بالمدينة أيضًا جبلًا اسمه ثور أولى لما فيه من عدمِ توهيم الثِّقات، والمراد: تحريم (٥) التَّعظيم دون ما عداهُ من الأحكام المتعلِّقة بحرم مكَّة. نعم، مشهورُ مذهب المالكيَّة والشَّافعيَّة حرمةُ صيدِ المدينة، وقطعِ شجرها لكن من غير ضمانٍ.

ومباحث ذلك سبقت أواخر «الحجِّ».

(اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ) لأهل المدينة (فِي مُدِّهِمْ) بضم الميم وتشديد الدال المهملة، وهو ما يسعُ رطلًا وثلث رطلٍ أو رطلين (وَصَاعِهِمْ) وهو ما يسعُ أربعة أمدادٍ، وفي حديثٍ آخر: «وباركْ لنا في مدينتنَا» ولقد استجابَ الله دعاءَ حبيبهِ وجلب إليها في زمن الخلفاء الرَّاشدين من مشارقِ الأرض ومغاربها من كنوزِ كسرى وقيصر وخاقان ما لا يُحصى، وبارك الله تعالى في مكيالها بحيث يكفِي المدُّ فيها لمن (٦) لا يكفيهِ في غيرها، ولقد رأيتُ من ذلك الأمر الكبير، فأسألُ الله (٧) تعالى بوجهه

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 3 صفر
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 22%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل