«مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ الْقِدْرِ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٦٦٥

الحديث رقم ٥٦٦٥ من كتاب «كتاب المرضى» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول المريض إني وجع أو وا رأساه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٦٦٥ في صحيح البخاري

«مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ الْقِدْرِ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَا الْحَلَّاقَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ أَمَرَنِي بِالْفِدَاءِ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٥٦٦٥

٥٦٦٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ وَأَيُّوبَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ،

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٦٦٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرُّكُوبِ وَالضَّمِيرُ لِلْحِمَارِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ بَيِّنٌ.

وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ جَاءَنِي النَّبِيُّ يَعُودُنِي لَيْسَ بِرَاكِبِ بَغْلٍ وَلَا بِرْذَوْنٍ هَذَا الْقَدْرُ أَفْرَدَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَجَعَلَهُ الْحُمَيْدِيُّ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوَّلُهُ: مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا مَاشِيَانِ وَأَظُنُّ الَّذِي صَنَعَهُ هُوَ الصَّوَابُ.

١٦ - بَاب ما رخص للمريض أن يقول: إِنِّي وَجِعٌ، أَوْ وَا رَأْسَاهْ، أَوْ اشْتَدَّ بِي الْوَجَعُ

وَقَوْلِ أَيُّوبَ : ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

٥٦٦٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَأَيُّوبَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قال: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ الْقِدْرِ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَا الْحَلَّاقَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ أَمَرَنِي بِالْفِدَاءِ.

٥٦٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَبُو زَكَرِيَّاءَ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ وَارَأْسَاهْ. فَقال رسول الله : "ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرَ لَكِ وَأَدْعُوَ لَكِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَا ثُكْلِيَاهْ وَاللَّهِ إِنِّي لَاظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّساً بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ. فَقال النبي : "بَلْ أَنَا وَا رَأْسَاهْ لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ ثُمَّ قُلْتُ يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ".

[الحديث ٥٦٦٦ - طرفه في: ٧٢١٧]

٥٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ وَهُوَ يُوعَكُ فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي فَقُلْتُ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكاً شَدِيداً قَالَ أَجَلْ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ قَالَ لَكَ أَجْرَانِ قَالَ نَعَمْ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ إِلاَّ حَطَّ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا".

٥٦٦٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي زَمَنَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقُلْتُ بَلَغَ بِي مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ لَا قُلْتُ بِالشَّطْرِ قَالَ لَا قُلْتُ الثُّلُثُ قَالَ الثُّلُثُ كَثِيرٌ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَلَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ".

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا رُخِّصَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقُولَ إِنِّي وَجِعٌ أَوْ وَارَأْسَاهُ أَوِ اشْتَدَّ بِي الْوَجَعُ، وَقَوْلُ أَيُّوبَ : ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أَمَّا قَوْلُهُ إِنِّي وَجِعٌ فَتَرْجَمَ بِهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ

هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى أَسْمَاءَ - يَعْنِي بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَهِيَ أُمُّهُمَا - وَأَسْمَاءُ وَجِعَةٌ، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟ قَالَتْ: وَجِعْتُ الْحَدِيثَ. وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا رَوَى صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَارَأْسَاهُ فَصَرِيحٌ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: اشْتَدَّ بِي الْوَجَعُ، فَهُوَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ الَّذِي فِي آخِرِ الْبَابِ، وَأَمَّا قَوْلُ أَيُّوبَ فَاعْتَرَضَ ابْنُ التِّينِ، ذَكَرَهُ فِي التَّرْجَمَةِ، فَقَالَ: هَذَا لَا يُنَاسِبُ التَّبْوِيبَ، لِأَنَّ أَيُّوبَ إِنَّمَا قَالَهُ دَاعِيًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِلْمَخْلُوقِينَ.

قُلْتُ: لَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مُطْلَقَ الشَّكْوَى لَا يُمْنَعُ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الدُّعَاءَ بِكَشْفِ الْبَلَاءِ يَقْدَحُ فِي الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ، فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الطَّلَبَ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ مَمْنُوعًا، بَلْ فِيهِ زِيَادَةُ عِبَادَةٍ، لِمَا ثَبَتَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الْمَعْصُومِ، وَأَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَثْبَتَ لَهُ اسْمَ الصَّبْرِ مَعَ ذَلِكَ، وَقَدْ رُوِّينَا فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ فِي فَوَائِدِ مَيْمُونَةَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: أَنَّ أَيُّوبَ لَمَّا طَالَ بَلَاؤُهُ رَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، غَيْرَ رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَيُّوبَ - يَعْنِي فَجَزِعَ مِنْ قَوْلِهِ - وَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ مَا بِهِ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ نُمَيْرٍ مَو قُوفًا عَلَيْهِ نَحْوُهُ، وَقَالَ فِيهِ: فَجَزِعَ مِنْ قَوْلِهِمَا جَزَعًا شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: بِعِزَّتِكَ لَا أَرْفَعُ رَأْسِي حَتَّى تَكْشِفَ عَنِّي، وَسَجَدَ، فَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى كَشَفَ عَنْهُ. فَكَأَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الَّذِي يَجُوزُ مِنْ شَكْوَى الْمَرِيضِ مَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ الطَّلَبِ مِنَ اللَّهِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ طَرِيقِ التَّسَخُّطِ لِلْقَدْرِ وَالتَّضَجُّرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْأَلَمَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى رَفْعِهِ، وَالنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى وِجْدَانِ ذَلِكَ فَلَا يُسْتَطَاعُ تَغْيِيرُهَا عَمَّا جُبِلَتْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ الْعَبْدُ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُ فِي حَالِ الْمُصِيبَةِ مَا لَهُ سَبِيلٌ إِلَى تَرْكِهِ كَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّأَوُّهِ وَالْجَزَعِ الزَّائِدِ كَأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ مَعَانِي أَهْلِ الصَّبْرِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ التَّشَكِّي فَلَيْسَ مَذْمُومًا حَتَّى يَحْصُلَ التَّسَخُّطُ لِلْمَقْدُورِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ شَكْوَى الْعَبْدِ رَبَّهُ، وَشَكْوَاهُ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُهُ النَّاسِ عَلَى سَبِيلِ التَّضَجُّرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَوَى أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنِينُ الْمَرِيضِ شَكْوَى، وَجَزَمَ أَبُو الطَّيِّبِ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ أَنِينَ الْمَرِيضِ وَتَأَوُّهَهُ مَكْرُوهٌ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ مَا ثَبَتَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ، وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ ذَلِكَ. ثُمَّ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ، ثُمَّ قَالَ: فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِالْكَرَاهَةِ خِلَافَ الْأَوْلَى، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالذِّكْرِ أَوْلَى اهـ. وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوهُ بِالْمَعْنَى مِنْ كَوْنِ كَثْرَةِ الشَّكْوَى تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْيَقِينِ، وَتُشْعِرُ بِالتَّسَخُّطِ لِلْقَضَاءِ، وَتُورِثُ شَمَاتَةَ الْأَعْدَاءِ. وَأَمَّا إِخْبَارُ الْمَرِيضِ صَدِيقَهُ أَوْ طَبِيبَهُ عَنْ حَالِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ اتِّفَاقًا، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ: حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي حَلْقِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ إِذَا آذَاهُ الْقَمْلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَقَوْلُهُ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ، هُوَ مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ لِنِسْبَةِ الْأَذَى لِلْهَوَامِّ، وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ اسْمٌ لِلْحَشَرَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَهُمُّ أَنْ تَدُبَّ، وَإِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الرَّأْسِ اخْتَصَّتْ بِالْقَمْلِ.

الثَّانِي حَدِيثُ عَائِشَةَ

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَبُو زَكَرِيَّا)، هُوَ النَّيْسَابُورِيُّ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ فِي الزَّكَاةِ وَالْوَكَالَةِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْأَحْلَامِ، وَأَكْثَرَ عَنْهُ مُسْلِمٌ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَأنَّ أَحْمَدَ كَانَ يَتَمَنَّى لَوْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ إِلَى نَيْسَابُورَ لِيَسْمَعَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَكِنْ

أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ.

قَوْلُهُ: (وَا رَأْسَاهُ) هُوَ تَفَجُّعٌ عَلَى الرَّأْسِ لِشِدَّةِ مَا وَقَعَ بِهِ مِنَ أَلْمِ الصُّدَاعِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ: رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ جِنَازَةٍ مِنَ الْبَقِيعِ فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي وَأَنَا أَقُولُ: وَا رَأْسَاهُ.

قَوْلُهُ: (ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ) ذَاكِ بِكَسْرِ الْكَافِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُ الْمَرَضُ مِنَ الْمَوْتِ، أَيْ: لَوْ مُتَّ وَأَنَا حَيٌّ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ جَوَابُ عَائِشَةَ، وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ قَالَ: مَا ضَرَّكَ لَوْ مُتَ قَبْلِي فَكَفَّنْتُكَ ثُمَّ صَلَّيْتُ عَلَيْكَ وَدَفَنْتُكَ، وَقَوْلُهَا: وَاثُكْلَيَاهُ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَبِكَسْرِهَا مَعَ التَّحْتَانِيَّةِ الْخَفِيفَةِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ هَاءٌ لِلنُّدْبَةِ، وَأَصْلُ الثَّكَلِ فَقْدُ الْوَلَدِ أَوْ مَنْ يَعِزُّ عَلَى الْفَاقِدِ، وَلَيْسَتْ حَقِيقَهُ هُنَا مُرَادَةً، بَلْ هُوَ كَلَامٌ كَانَ يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ عِنْدَ حُصُولِ الْمُصِيبَةِ أَوْ تَوَقُّعِهَا. وَقَوْلُهَا: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي كَأَنَّهَا أَخَذَتْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ لَهَا: لَوْ مُتِّ قَبْلِي، وَقَوْلُهَا: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: ذَاكَ بِغَيْرِ لَامٍ أَيْ مَوْتُهَا لَظَلَلْتُ آخِرَ يَوْمِكِ مُعَرِّسًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَالتَّخْفِيفِ، يُقَالُ: أَعْرَسَ وَعَرَّسَ إِذَا بَنَى عَلَى زَوْجَتِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ جِمَاعٍ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، فَإِنَّ التَّعْرِيسَ النُّزُولُ بِلَيْلٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ: لَكَأَنِّي بِكَ وَاللَّهِ لَوْ قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَقَدْ رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي فَأَعْرَسْتُ بِبَعْضِ نِسَائِكِ.

قَالَتْ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَقَوْلُهُا: بَلِ أَنَا وَا رَأْسَاهُ، هِيَ كَلِمَةُ إِضْرَابٍ، وَالْمَعْنَى: دَعِي ذِكْرَ مَا تَجِدِينَهُ مِنْ وَجَعِ رَأْسِكِ وَاشْتَغِلِي بِي، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ: ثُمَّ بُدِئَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ .

قَوْلُهُ: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ أَرَدْتُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ: أَوْ وَدِدْتُ، بَدَلَ: أَرَدْتُ.

قَوْلُهُ: (أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْوَاوِ وَأَلِفِ الْوَصْلِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَوِ ابْنِهِ بِلَفْظِ أَوِ الَّتِي لِلشَّكِّ، وأَوْ لِلتَّخْيِيرِ، وَفِي أُخْرَى: أَوِ آتِيهِ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمَعْنَى الْمَجِيءِ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ تَصْوِيبَهَا وَخَطَأَهُ. وَقَالَ: وَيُوَضِّحُ الصَّوَابَ قَوْلُهُا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: ادْعِي لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَجِيئَهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ كَانَ مُتَعَسِّرًا؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ حُضُورِ الصَّلَاةِ مَعَ قُرْبِ مَكَانِهَا مِنْ بَيْتِهِ. قُلْتُ: فِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ، لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ مَرَضِهِ وَقَدِ اسْتَمَرَّ يُصَلِّي بِهِمْ وَهُوَ مَرِيضٌ وَيَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَانْقَطَعَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَقَدْ هَمَمْتُ إِلَخْ، وَقَعَ بَعْدَ الْمُفَاوَضَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَائِشَةَ بِمُدَّةٍ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ بِخِلَافِهِ.

وَيُؤَيِّدُ أَيْضًا مَا فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ مَقَامُ اسْتِمَالَةِ قَلْبِ عَائِشَةَ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ يُفَوَّضُ لِأَبِيكِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِحُضُورِ أَخِيكِ، هَذَا إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعَهْدِ الْعَهْدَ بِالْخِلَافَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِحْضَارَ بَعْضِ مَحَارِمِهَا حَتَّى لَوِ احْتَاجَ إِلَى قَضَاءِ حَاجَةٍ أَوِ الْإِرْسَالَ إِلَى أَحَدٍ لَوَجَدَ مَنْ يُبَادِرُ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَأَعْهَدُ)، أَيْ: أُوصِي.

قَوْلُهُ: (أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ) أَيْ لِئَلَّا يَقُولَ، أَوْ كَرَاهَةُ أَنْ يَقُولَ.

قَوْلُهُ: (أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ) بِضَمِّ النُّونِ جَمْعُ مُتَمَنِّي بِكَسْرِهَا، وَأَصْلُ الْمُتَمَنِّيُونَ فَاسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلَى الْيَاءِ فَحُذِفَتْ فَاجْتَمَعَتْ كَسْرَةُ النُّونِ بَعْدَهَا الْوَاوُ فَضُمَّتِ النُّونُ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْغَيْرَةِ، وَفِيهِ مُدَاعَبَةُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ وَالْإِفْضَاءُ إِلَيْهِمْ بِمَا يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَفِيهِ أَنَّ ذِكْرَ الْوَجَعِ لَيْسَ بِشِكَايَةٍ، فَكَمْ مِنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

اسمَ الصَّبر مع ذلك (١)، فلعلَّ مراد المؤلِّف: أنَّ الَّذي يجوزُ من الشَّكوى ما كان على طريقِ الطَّلب من الله تعالى.

٥٦٦٥ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بنُ عُقبة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله (وَأَيُّوبَ) السَّختيانِيِّ كلاهُما (عَنْ مُجَاهِدٍ) المفسِّر (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريِّ عالمِ (٢) الكوفةِ (عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بضمِّ العين المهملة وسكون الجيم وفتح الرَّاء، من أصحاب الشَّجرة () أنَّه قال: (مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ القِدْرِ) زادَ في «المغازي» [خ¦٤١٩٠] والقملُ يتناثرُ على رأسِي (فَقَالَ) : (أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟) بفتح الهاء والواو وبعد الألف ميم مشددة، جمعُ: هامَّة بتشديدها، اسمٌ للحشراتِ لأنَّها تهمُّ، أي: تدبُّ، وإذا أُضيفت إلى الرَّأسِ اختصَّت بالقَمْلِ فكأنَّه قال: أيؤذِيك قمل رأسك (قُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول اللهِ، يُؤذيني (فَدَعَا) (الحَلَّاقَ فَحَلَقَهُ) أي: حلقَ شعرَ رأسي (ثُمَّ أَمَرَنِي بِالفِدَاءِ) وفي «الحجِّ» «فقال: احلقْ رأسكَ وصُم ثلاثةَ أيَّامٍ، أو أطعِم ستَّةَ مساكينَ، أو انسك بشاةٍ» [خ¦١٨١٤] وفي «بابِ النُّسْك (٣) شاةٌ» من «كتاب الحجِّ» «فأمرهُ أن يحلقَ وهو بالحُديبيَة، ولم يتبيَّن لهم أنَّهم يحلُّون» [خ¦١٨١٧].

ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمة في قوله: «أيؤذِيكَ هوَامُّ رَأسِك؟ قلت: نعم» وليس إِخباره بإيذائها له شَكوى، بل لبيان الواقعِ والاسترشاد لما فيه نفعه.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرُّكُوبِ وَالضَّمِيرُ لِلْحِمَارِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ بَيِّنٌ.

وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ جَاءَنِي النَّبِيُّ يَعُودُنِي لَيْسَ بِرَاكِبِ بَغْلٍ وَلَا بِرْذَوْنٍ هَذَا الْقَدْرُ أَفْرَدَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَجَعَلَهُ الْحُمَيْدِيُّ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوَّلُهُ: مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا مَاشِيَانِ وَأَظُنُّ الَّذِي صَنَعَهُ هُوَ الصَّوَابُ.

١٦ - بَاب ما رخص للمريض أن يقول: إِنِّي وَجِعٌ، أَوْ وَا رَأْسَاهْ، أَوْ اشْتَدَّ بِي الْوَجَعُ

وَقَوْلِ أَيُّوبَ : ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

٥٦٦٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَأَيُّوبَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قال: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ الْقِدْرِ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَا الْحَلَّاقَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ أَمَرَنِي بِالْفِدَاءِ.

٥٦٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَبُو زَكَرِيَّاءَ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ وَارَأْسَاهْ. فَقال رسول الله : "ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرَ لَكِ وَأَدْعُوَ لَكِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَا ثُكْلِيَاهْ وَاللَّهِ إِنِّي لَاظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّساً بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ. فَقال النبي : "بَلْ أَنَا وَا رَأْسَاهْ لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ ثُمَّ قُلْتُ يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ".

[الحديث ٥٦٦٦ - طرفه في: ٧٢١٧]

٥٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ وَهُوَ يُوعَكُ فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي فَقُلْتُ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكاً شَدِيداً قَالَ أَجَلْ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ قَالَ لَكَ أَجْرَانِ قَالَ نَعَمْ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ إِلاَّ حَطَّ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا".

٥٦٦٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي زَمَنَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقُلْتُ بَلَغَ بِي مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ لَا قُلْتُ بِالشَّطْرِ قَالَ لَا قُلْتُ الثُّلُثُ قَالَ الثُّلُثُ كَثِيرٌ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَلَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ".

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا رُخِّصَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقُولَ إِنِّي وَجِعٌ أَوْ وَارَأْسَاهُ أَوِ اشْتَدَّ بِي الْوَجَعُ، وَقَوْلُ أَيُّوبَ : ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أَمَّا قَوْلُهُ إِنِّي وَجِعٌ فَتَرْجَمَ بِهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ

هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى أَسْمَاءَ - يَعْنِي بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَهِيَ أُمُّهُمَا - وَأَسْمَاءُ وَجِعَةٌ، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟ قَالَتْ: وَجِعْتُ الْحَدِيثَ. وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا رَوَى صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَارَأْسَاهُ فَصَرِيحٌ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: اشْتَدَّ بِي الْوَجَعُ، فَهُوَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ الَّذِي فِي آخِرِ الْبَابِ، وَأَمَّا قَوْلُ أَيُّوبَ فَاعْتَرَضَ ابْنُ التِّينِ، ذَكَرَهُ فِي التَّرْجَمَةِ، فَقَالَ: هَذَا لَا يُنَاسِبُ التَّبْوِيبَ، لِأَنَّ أَيُّوبَ إِنَّمَا قَالَهُ دَاعِيًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِلْمَخْلُوقِينَ.

قُلْتُ: لَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مُطْلَقَ الشَّكْوَى لَا يُمْنَعُ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الدُّعَاءَ بِكَشْفِ الْبَلَاءِ يَقْدَحُ فِي الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ، فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الطَّلَبَ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ مَمْنُوعًا، بَلْ فِيهِ زِيَادَةُ عِبَادَةٍ، لِمَا ثَبَتَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الْمَعْصُومِ، وَأَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَثْبَتَ لَهُ اسْمَ الصَّبْرِ مَعَ ذَلِكَ، وَقَدْ رُوِّينَا فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ فِي فَوَائِدِ مَيْمُونَةَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: أَنَّ أَيُّوبَ لَمَّا طَالَ بَلَاؤُهُ رَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، غَيْرَ رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَيُّوبَ - يَعْنِي فَجَزِعَ مِنْ قَوْلِهِ - وَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ مَا بِهِ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ نُمَيْرٍ مَو قُوفًا عَلَيْهِ نَحْوُهُ، وَقَالَ فِيهِ: فَجَزِعَ مِنْ قَوْلِهِمَا جَزَعًا شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: بِعِزَّتِكَ لَا أَرْفَعُ رَأْسِي حَتَّى تَكْشِفَ عَنِّي، وَسَجَدَ، فَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى كَشَفَ عَنْهُ. فَكَأَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الَّذِي يَجُوزُ مِنْ شَكْوَى الْمَرِيضِ مَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ الطَّلَبِ مِنَ اللَّهِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ طَرِيقِ التَّسَخُّطِ لِلْقَدْرِ وَالتَّضَجُّرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْأَلَمَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى رَفْعِهِ، وَالنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى وِجْدَانِ ذَلِكَ فَلَا يُسْتَطَاعُ تَغْيِيرُهَا عَمَّا جُبِلَتْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ الْعَبْدُ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُ فِي حَالِ الْمُصِيبَةِ مَا لَهُ سَبِيلٌ إِلَى تَرْكِهِ كَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّأَوُّهِ وَالْجَزَعِ الزَّائِدِ كَأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ مَعَانِي أَهْلِ الصَّبْرِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ التَّشَكِّي فَلَيْسَ مَذْمُومًا حَتَّى يَحْصُلَ التَّسَخُّطُ لِلْمَقْدُورِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ شَكْوَى الْعَبْدِ رَبَّهُ، وَشَكْوَاهُ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُهُ النَّاسِ عَلَى سَبِيلِ التَّضَجُّرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَوَى أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنِينُ الْمَرِيضِ شَكْوَى، وَجَزَمَ أَبُو الطَّيِّبِ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ أَنِينَ الْمَرِيضِ وَتَأَوُّهَهُ مَكْرُوهٌ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ مَا ثَبَتَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ، وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ ذَلِكَ. ثُمَّ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ، ثُمَّ قَالَ: فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِالْكَرَاهَةِ خِلَافَ الْأَوْلَى، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالذِّكْرِ أَوْلَى اهـ. وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوهُ بِالْمَعْنَى مِنْ كَوْنِ كَثْرَةِ الشَّكْوَى تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْيَقِينِ، وَتُشْعِرُ بِالتَّسَخُّطِ لِلْقَضَاءِ، وَتُورِثُ شَمَاتَةَ الْأَعْدَاءِ. وَأَمَّا إِخْبَارُ الْمَرِيضِ صَدِيقَهُ أَوْ طَبِيبَهُ عَنْ حَالِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ اتِّفَاقًا، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ: حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي حَلْقِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ إِذَا آذَاهُ الْقَمْلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَقَوْلُهُ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ، هُوَ مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ لِنِسْبَةِ الْأَذَى لِلْهَوَامِّ، وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ اسْمٌ لِلْحَشَرَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَهُمُّ أَنْ تَدُبَّ، وَإِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الرَّأْسِ اخْتَصَّتْ بِالْقَمْلِ.

الثَّانِي حَدِيثُ عَائِشَةَ

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَبُو زَكَرِيَّا)، هُوَ النَّيْسَابُورِيُّ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ فِي الزَّكَاةِ وَالْوَكَالَةِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْأَحْلَامِ، وَأَكْثَرَ عَنْهُ مُسْلِمٌ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَأنَّ أَحْمَدَ كَانَ يَتَمَنَّى لَوْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ إِلَى نَيْسَابُورَ لِيَسْمَعَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَكِنْ

أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ.

قَوْلُهُ: (وَا رَأْسَاهُ) هُوَ تَفَجُّعٌ عَلَى الرَّأْسِ لِشِدَّةِ مَا وَقَعَ بِهِ مِنَ أَلْمِ الصُّدَاعِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ: رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ جِنَازَةٍ مِنَ الْبَقِيعِ فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي وَأَنَا أَقُولُ: وَا رَأْسَاهُ.

قَوْلُهُ: (ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ) ذَاكِ بِكَسْرِ الْكَافِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُ الْمَرَضُ مِنَ الْمَوْتِ، أَيْ: لَوْ مُتَّ وَأَنَا حَيٌّ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ جَوَابُ عَائِشَةَ، وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ قَالَ: مَا ضَرَّكَ لَوْ مُتَ قَبْلِي فَكَفَّنْتُكَ ثُمَّ صَلَّيْتُ عَلَيْكَ وَدَفَنْتُكَ، وَقَوْلُهَا: وَاثُكْلَيَاهُ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَبِكَسْرِهَا مَعَ التَّحْتَانِيَّةِ الْخَفِيفَةِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ هَاءٌ لِلنُّدْبَةِ، وَأَصْلُ الثَّكَلِ فَقْدُ الْوَلَدِ أَوْ مَنْ يَعِزُّ عَلَى الْفَاقِدِ، وَلَيْسَتْ حَقِيقَهُ هُنَا مُرَادَةً، بَلْ هُوَ كَلَامٌ كَانَ يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ عِنْدَ حُصُولِ الْمُصِيبَةِ أَوْ تَوَقُّعِهَا. وَقَوْلُهَا: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي كَأَنَّهَا أَخَذَتْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ لَهَا: لَوْ مُتِّ قَبْلِي، وَقَوْلُهَا: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: ذَاكَ بِغَيْرِ لَامٍ أَيْ مَوْتُهَا لَظَلَلْتُ آخِرَ يَوْمِكِ مُعَرِّسًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَالتَّخْفِيفِ، يُقَالُ: أَعْرَسَ وَعَرَّسَ إِذَا بَنَى عَلَى زَوْجَتِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ جِمَاعٍ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، فَإِنَّ التَّعْرِيسَ النُّزُولُ بِلَيْلٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ: لَكَأَنِّي بِكَ وَاللَّهِ لَوْ قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَقَدْ رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي فَأَعْرَسْتُ بِبَعْضِ نِسَائِكِ.

قَالَتْ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَقَوْلُهُا: بَلِ أَنَا وَا رَأْسَاهُ، هِيَ كَلِمَةُ إِضْرَابٍ، وَالْمَعْنَى: دَعِي ذِكْرَ مَا تَجِدِينَهُ مِنْ وَجَعِ رَأْسِكِ وَاشْتَغِلِي بِي، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ: ثُمَّ بُدِئَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ .

قَوْلُهُ: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ أَرَدْتُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ: أَوْ وَدِدْتُ، بَدَلَ: أَرَدْتُ.

قَوْلُهُ: (أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْوَاوِ وَأَلِفِ الْوَصْلِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَوِ ابْنِهِ بِلَفْظِ أَوِ الَّتِي لِلشَّكِّ، وأَوْ لِلتَّخْيِيرِ، وَفِي أُخْرَى: أَوِ آتِيهِ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمَعْنَى الْمَجِيءِ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ تَصْوِيبَهَا وَخَطَأَهُ. وَقَالَ: وَيُوَضِّحُ الصَّوَابَ قَوْلُهُا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: ادْعِي لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَجِيئَهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ كَانَ مُتَعَسِّرًا؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ حُضُورِ الصَّلَاةِ مَعَ قُرْبِ مَكَانِهَا مِنْ بَيْتِهِ. قُلْتُ: فِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ، لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ مَرَضِهِ وَقَدِ اسْتَمَرَّ يُصَلِّي بِهِمْ وَهُوَ مَرِيضٌ وَيَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَانْقَطَعَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَقَدْ هَمَمْتُ إِلَخْ، وَقَعَ بَعْدَ الْمُفَاوَضَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَائِشَةَ بِمُدَّةٍ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ بِخِلَافِهِ.

وَيُؤَيِّدُ أَيْضًا مَا فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ مَقَامُ اسْتِمَالَةِ قَلْبِ عَائِشَةَ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ يُفَوَّضُ لِأَبِيكِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِحُضُورِ أَخِيكِ، هَذَا إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعَهْدِ الْعَهْدَ بِالْخِلَافَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِحْضَارَ بَعْضِ مَحَارِمِهَا حَتَّى لَوِ احْتَاجَ إِلَى قَضَاءِ حَاجَةٍ أَوِ الْإِرْسَالَ إِلَى أَحَدٍ لَوَجَدَ مَنْ يُبَادِرُ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَأَعْهَدُ)، أَيْ: أُوصِي.

قَوْلُهُ: (أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ) أَيْ لِئَلَّا يَقُولَ، أَوْ كَرَاهَةُ أَنْ يَقُولَ.

قَوْلُهُ: (أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ) بِضَمِّ النُّونِ جَمْعُ مُتَمَنِّي بِكَسْرِهَا، وَأَصْلُ الْمُتَمَنِّيُونَ فَاسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلَى الْيَاءِ فَحُذِفَتْ فَاجْتَمَعَتْ كَسْرَةُ النُّونِ بَعْدَهَا الْوَاوُ فَضُمَّتِ النُّونُ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْغَيْرَةِ، وَفِيهِ مُدَاعَبَةُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ وَالْإِفْضَاءُ إِلَيْهِمْ بِمَا يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَفِيهِ أَنَّ ذِكْرَ الْوَجَعِ لَيْسَ بِشِكَايَةٍ، فَكَمْ مِنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

اسمَ الصَّبر مع ذلك (١)، فلعلَّ مراد المؤلِّف: أنَّ الَّذي يجوزُ من الشَّكوى ما كان على طريقِ الطَّلب من الله تعالى.

٥٦٦٥ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بنُ عُقبة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله (وَأَيُّوبَ) السَّختيانِيِّ كلاهُما (عَنْ مُجَاهِدٍ) المفسِّر (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريِّ عالمِ (٢) الكوفةِ (عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بضمِّ العين المهملة وسكون الجيم وفتح الرَّاء، من أصحاب الشَّجرة () أنَّه قال: (مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ القِدْرِ) زادَ في «المغازي» [خ¦٤١٩٠] والقملُ يتناثرُ على رأسِي (فَقَالَ) : (أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟) بفتح الهاء والواو وبعد الألف ميم مشددة، جمعُ: هامَّة بتشديدها، اسمٌ للحشراتِ لأنَّها تهمُّ، أي: تدبُّ، وإذا أُضيفت إلى الرَّأسِ اختصَّت بالقَمْلِ فكأنَّه قال: أيؤذِيك قمل رأسك (قُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول اللهِ، يُؤذيني (فَدَعَا) (الحَلَّاقَ فَحَلَقَهُ) أي: حلقَ شعرَ رأسي (ثُمَّ أَمَرَنِي بِالفِدَاءِ) وفي «الحجِّ» «فقال: احلقْ رأسكَ وصُم ثلاثةَ أيَّامٍ، أو أطعِم ستَّةَ مساكينَ، أو انسك بشاةٍ» [خ¦١٨١٤] وفي «بابِ النُّسْك (٣) شاةٌ» من «كتاب الحجِّ» «فأمرهُ أن يحلقَ وهو بالحُديبيَة، ولم يتبيَّن لهم أنَّهم يحلُّون» [خ¦١٨١٧].

ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمة في قوله: «أيؤذِيكَ هوَامُّ رَأسِك؟ قلت: نعم» وليس إِخباره بإيذائها له شَكوى، بل لبيان الواقعِ والاسترشاد لما فيه نفعه.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله