«كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ كَانَتْ لَنَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٤٨

الحديث رقم ٦٢٤٨ من كتاب «كتاب الاستئذان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٢٤٨ في صحيح البخاري

«كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: نَخْلٍ بِالْمَدِينَةِ فَتَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا، فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ، وَمَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ».

إسناد حديث البخاري رقم ٦٢٤٨

٦٢٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٢٤٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِأَتَمَّ مِنْ سِيَاقِهِ، وَلَفْظِهِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَزُورُ الْأَنْصَارَ فَيُسَلِّمُ عَلَى صِبْيَانِهِمْ وَيَمْسَحُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَيَدْعُو لَهُمْ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، بِخِلَافِ سِيَاقِ الْبَابِ حَيْثُ قَالَ: مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَاءِ الصِّبْيَانِ الْمَذْكُورِينَ.

وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ بِلَفْظِ غِلْمَانٍ بَدَلَ صِبْيَانٍ، وَوَقَعَ لِابْنِ السُّنِّيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ مَطَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ بِلَفْظِ: فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا صِبْيَانُ وَعُثْمَانُ وَاهٍ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: انْتَهَى إِلَيْنَا النَّبِيُّ وَأَنَا غُلَامٌ فِي الْغِلْمَانِ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَأَرْسَلَنِي بِرِسَالَةٍ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ حِفْظِ السِّرِّ وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ نَحْوُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَفْظُهُ: وَنَحْنُ صِبْيَانٌ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، وَأَرْسَلَنِي فِي حَاجَةٍ، وَجَلَسَ فِي الطَّرِيقِ يَنْتَظِرُنِي حَتَّى رَجَعْتُ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي السَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ تَدْرِيبُهُمْ عَلَى آدَابِ الشَّرِيعَةِ. وَفِيهِ طَرْحُ الْأَكَابِرِ رِدَاءَ الْكِبْرِ وَسُلُوكُ التَّوَاضُعِ وَلِينُ الْجَانِبِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ مَنْ سَلَّمَ عَلَى صَبِيٍّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الرَّدُّ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ، وَيَنْبَغِي لِوَلِيِّهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالرَّدِّ لِيَتَمَرَّنَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمْعٍ فِيهِمْ صَبِيٌّ فَرَدَّ الصَّبِيُّ دُونَهُمْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمُ الْفَرْضُ، وَكَذَا قَالَ شَيْخُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَرَدَّهُ الْمُسْتَظْهِرِيُّ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَصَحُّ لَا يُجْزِئُ، وَلَوِ ابْتَدَأَ الصَّبِيُّ بِالسَّلَامِ وَجَبَ عَلَى الْبَالِغِ الرَّدُّ عَلَى الصَّحِيحِ. قُلْتُ: وَيُسْتَثْنَى مِنَ السَّلَامِ عَلَى الصَّبِيِّ مَا لَوْ كَانَ وَضِيئًا وَخُشِيَ مِنَ السَّلَامِ عَلَيْهِ الِافْتِتَانُ فَلَا يُشْرَعُ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مُرَاهِقًا مُنْفَرِدًا.

١٦ - بَاب تَسْلِيمِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، وَالنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ

٦٢٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قُلْتُ لسهل: وَلِمَ؟ قَالَ: كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ - نَخْلٍ بِالْمَدِينَةِ - فَتَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا، فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ، وَمَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ.

٦٢٤٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قال رسول الله : "يَا عَائِشَةُ هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ قَالَتْ قُلْتُ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَرَى مَا لَا نَرَى تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ "

تَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَقَالَ يُونُسُ وَالنُّعْمَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ "وَبَرَكَاتُهُ"

قَوْلُهُ: (بَابُ تَسْلِيمِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، وَالنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى رَدِّ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُسَلِّمَ الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ. وَهُوَ مَقْطُوعٌ أَوْ مُعْضَلٌ، وَالْمُرَادُ بِجَوَازِهِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ، وَذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ يُؤْخَذُ الْجَوَازُ مِنْهُمَا، وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَهُوَ حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ: مَرَّ عَلَيْنَا النَّبِيُّ فِي نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ فَاكْتَفَى بِمَا هُوَ عَلَى شَرْطِهِ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: كَانَ

النَّبِيُّ لِلْعِصْمَةِ مَأْمُونًا مِنَ الْفِتْنَةِ، فَمَنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِالسَّلَامَةِ فَلْيُسَلِّمْ وَإِلَّا فَالصَّمْتُ أَسْلَمُ.

وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ مَرْفُوعًا: يُسَلِّمُ الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا يسَلِّمُ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ، وَسَنَدُهُ وَاهٍ، وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ مِثْلُهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ.

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَاسْمُ أَبِي حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِيَوْمِ بِزِيَادَةِ مُوَحَّدَةٍ فِي أَوَّلِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ: كُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَذَكَرَ سَبَبَ الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: كُنَّا نَفْرَحُ بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِسَهْلٍ: وَلِمَ)؟ بِكَسْرِ اللَّامِ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَالْقَائِلُ هُوَ أَبُو حَازِمٍ رَاوِي الْحَدِيثِ وَالْمُجِيبُ هُوَ سَهْلٌ.

قَوْلُهُ: (كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ) فِي الْجُمُعَةِ امْرَأَةٌ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا.

قَوْلُهُ: (تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا، وَبِتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: نَخْلٌ بِالْمَدِينَةِ) الْقَائِلُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَهُوَ الْقَعْنَبِيُّ، وَفَسَّرَ بُضَاعَةَ بِأَنَّهَا نَخْلٌ بِالْمَدِينَةِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّخْلِ الْبُسْتَانُ، وَلِذَلِكَ كَانَ يُؤْتَى مِنْهَا بِالسِّلْقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ أَنَّه كَانَتْ مَزْرَعَةً لِلْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَفَسَّرَهَا غَيْرُهُ بِأَنَّهَا دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَبِهَا بِئْرٌ مَشْهُورَةٌ وَبِهَا مَالٌ مِنْ أَمْوَالِ الْمَدِينَةِ، كَذَا قَالَ عِيَاضٌ وَمُرَادُهُ بِالْمَالِ الْبُسْتَانُ وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ بِئْرُ بُسْتَانٍ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ أَبِي سَعِيدٍ فِي حَدِيثِهِ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ أَنَّهَا كَانَتْ تُطْرَحُ فِيهَا خِرَقُ الْحُيَّضِ وَغَيْرُهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُطْرَحُ فِي الْبُسْتَانِ فَيُجْرِيهَا الْمَطَرُ وَنَحْوُهُ إِلَى الْبِئْرِ.

قُلْتُ: وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ أَنَّهُ رَأَى بِئْرَ بُضَاعَةَ وَزَرْعَهَا وَرَأَى مَاءَهَا وَبَسَطَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ سُنَنِهِ، وَادَّعَى لطَّحَاوِيُّ أَنَّهَا كَانَتْ سَيْحًا وَرَوَى ذَلِكَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِيعَابِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فِي قِدْرٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْقِدْرِ (وَتُكَرْكِرُ) أَيْ تَطْحَنُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْكَرْكَرَةُ الطَّحْنُ وَالْجَشُّ، وَأَصْلُهُ الْكَرُّ، وَضُوعِفَ لِتَكْرَارِ عَوْدِ الرَّحَى فِي الطَّحْنِ مَرَّةً أُخْرَى، وَقَدْ تَكُونُ الْكَرْكَرَةُ بِمَعْنَى الصَّوْتِ كَالْجَرْجَرَةِ، وَالْكَرْكَرَةُ أَيْضًا شِدَّةُ الصَّوْتِ لِلضَّحِكِ حَتَّى يَفْحُشَ وَهُوَ فَوْقَ الْقَرْقَرَةِ.

قَوْلُهُ: (حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ أَنَّهَا قَبْضَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ شَرْحِهِ هُنَاكَ.

الْحَدِيثَ الثَّانِي:

قَوْلُهُ: (ابْنُ مُقَاتِلٍ) هُوَ مُحَمَّدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (يَا عَائِشَةُ هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ الدَّاوُدِيَّ اعْتَرَضَ فَقَالَ: لَا يُقَالُ لِلْمَلَائِكَةِ رِجَالٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذَكَّرَهُمْ بِالتَّذْكِيرِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ عَلَى صُورَةِ الرَّجُلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: سَلَامُ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ وَالنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ جَائِزٌ إِذَا أُمِنَتِ الْفِتْنَةُ، وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَمَنَعَ مِنْهُ رَبِيعَةُ مُطْلَقًا. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يُشْرَعُ لِلنِّسَاءِ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ عَلَى الرِّجَالِ لِأَنَّهُنَّ مُنِعْنَ مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ، قَالُوا: وَيُسْتَثْنَى الْمَحْرَمُ فَيَجُوزُ لَهَا السَّلَامُ عَلَى مَحْرَمِهَا. قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَحُجَّةُ مَالِكٍ حَدِيثُ سَهْلٍ فِي الْبَابِ، فَإِنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ كَانُوا يَزُورُونَهَا وَتُطْعِمُهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ مَحَارِمِهَا انْتَهَى.

وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ كَانَ لِلرَّجُلِ زَوْجَةٌ أَوْ مَحْرَمٌ أَوْ أَمَةٌ فَكَالرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً نَظَرَ: إِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً يُخَافُ الِافْتِتَانُ بِهَا لَمْ يُشْرَعِ السَّلَامُ لَا ابْتِدَاءً وَلَا جَوَابًا، فَلَوِ ابْتَدَأَ أَحَدُهُمَا كُرِهَ لِلْآخَرِ الرَّدُّ، وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا لَا يُفْتَتَنُ بِهَا جَازَ. وَحَاصِلُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ التَّفْصِيلُ فِي الشَّابَّةِ بَيْنَ الْجَمَالِ وَعَدَمِهِ، فَإِنَّ الْجَمَالَ مَظِنَّةُ الِافْتِتَانِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٢٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) عبد العزيز (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ، واسمه سَلَمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلٍ) بفتح السين وسكون الهاء، ابن سعدٍ السَّاعديِّ الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الجُمُعَةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بيوم الجمعة» بزيادة الجارِّ. قال أبو حازمٍ: (قُلْتُ) لِسَهل مُستفهمًا: (وَلِمَ) كنتم تفرحون به؟ (قَالَ: كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ) قال الحافظُ ابن حجرٍ: لم أقفْ على اسمها (تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ) بضم الموحدة وحُكِي كسرها وفتح المعجمة المخففة وبعد الألف عين مهملة (قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ) عبد الله -شيخ المؤلِّف مفسِّرًا لبُضاعة (١) -: (نَخْلٌ) بستانٌ (بِالمَدِينَةِ) ولغير أبي ذرٍّ: «نخلٍ» بالجرِّ عطف بيان لبُضاعة، أو بدلًا منها. وقال غير ابن (٢) مَسْلَمة: إنَّ بُضاعةَ دُور بني ساعدة، وبها بئرٌ مشهورةٌ (فَتَأْخُذُ) العَجُوز (مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ) بكسر السين المهملة وسكون اللام بعدها قاف (فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ) بكسر القاف وسكون المهملة، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «في القدر» (وَتُكَرْكِرُ) بضم الفوقية وفتح الكاف وسكون الراء بعدها كاف أخرى مكسورة فراء أيضًا، تطحنُ (حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ) والكركرةُ -كما قال الخطَّابيُّ-: الطَّحن والجشُّ، وأصله الكرُّ فضُوعف لتكرارِ عودة الرَّحى في الطَّحن مرَّةً بعد أخرى (فَإِذَا صَلَّيْنَا الجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا) وسقطت الواو من «ونسلِّم» لأبي ذرٍّ (فَتُقَدِّمُهُ) أي: الطَّعام المذكور (إِلَيْنَا، فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ) أي: الطَّعام (وَمَا كُنَّا نَقِيلُ) بفتح النون وكسر القاف، من القيلولة، أي: نستريحُ نصف النَّهار (وَلَا نَتَغَدَّى) بالغين المعجمة، أي: لا نأكل أوَّل النَّهار (إِلَّا بَعْدَ) صلاة (الجُمُعَةِ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِأَتَمَّ مِنْ سِيَاقِهِ، وَلَفْظِهِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَزُورُ الْأَنْصَارَ فَيُسَلِّمُ عَلَى صِبْيَانِهِمْ وَيَمْسَحُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَيَدْعُو لَهُمْ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، بِخِلَافِ سِيَاقِ الْبَابِ حَيْثُ قَالَ: مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَاءِ الصِّبْيَانِ الْمَذْكُورِينَ.

وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ بِلَفْظِ غِلْمَانٍ بَدَلَ صِبْيَانٍ، وَوَقَعَ لِابْنِ السُّنِّيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ مَطَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ بِلَفْظِ: فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا صِبْيَانُ وَعُثْمَانُ وَاهٍ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: انْتَهَى إِلَيْنَا النَّبِيُّ وَأَنَا غُلَامٌ فِي الْغِلْمَانِ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَأَرْسَلَنِي بِرِسَالَةٍ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ حِفْظِ السِّرِّ وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ نَحْوُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَفْظُهُ: وَنَحْنُ صِبْيَانٌ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، وَأَرْسَلَنِي فِي حَاجَةٍ، وَجَلَسَ فِي الطَّرِيقِ يَنْتَظِرُنِي حَتَّى رَجَعْتُ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي السَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ تَدْرِيبُهُمْ عَلَى آدَابِ الشَّرِيعَةِ. وَفِيهِ طَرْحُ الْأَكَابِرِ رِدَاءَ الْكِبْرِ وَسُلُوكُ التَّوَاضُعِ وَلِينُ الْجَانِبِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ مَنْ سَلَّمَ عَلَى صَبِيٍّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الرَّدُّ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ، وَيَنْبَغِي لِوَلِيِّهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالرَّدِّ لِيَتَمَرَّنَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمْعٍ فِيهِمْ صَبِيٌّ فَرَدَّ الصَّبِيُّ دُونَهُمْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمُ الْفَرْضُ، وَكَذَا قَالَ شَيْخُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَرَدَّهُ الْمُسْتَظْهِرِيُّ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَصَحُّ لَا يُجْزِئُ، وَلَوِ ابْتَدَأَ الصَّبِيُّ بِالسَّلَامِ وَجَبَ عَلَى الْبَالِغِ الرَّدُّ عَلَى الصَّحِيحِ. قُلْتُ: وَيُسْتَثْنَى مِنَ السَّلَامِ عَلَى الصَّبِيِّ مَا لَوْ كَانَ وَضِيئًا وَخُشِيَ مِنَ السَّلَامِ عَلَيْهِ الِافْتِتَانُ فَلَا يُشْرَعُ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مُرَاهِقًا مُنْفَرِدًا.

١٦ - بَاب تَسْلِيمِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، وَالنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ

٦٢٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قُلْتُ لسهل: وَلِمَ؟ قَالَ: كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ - نَخْلٍ بِالْمَدِينَةِ - فَتَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا، فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ، وَمَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ.

٦٢٤٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قال رسول الله : "يَا عَائِشَةُ هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ قَالَتْ قُلْتُ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَرَى مَا لَا نَرَى تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ "

تَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَقَالَ يُونُسُ وَالنُّعْمَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ "وَبَرَكَاتُهُ"

قَوْلُهُ: (بَابُ تَسْلِيمِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، وَالنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى رَدِّ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُسَلِّمَ الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ. وَهُوَ مَقْطُوعٌ أَوْ مُعْضَلٌ، وَالْمُرَادُ بِجَوَازِهِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ، وَذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ يُؤْخَذُ الْجَوَازُ مِنْهُمَا، وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَهُوَ حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ: مَرَّ عَلَيْنَا النَّبِيُّ فِي نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ فَاكْتَفَى بِمَا هُوَ عَلَى شَرْطِهِ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: كَانَ

النَّبِيُّ لِلْعِصْمَةِ مَأْمُونًا مِنَ الْفِتْنَةِ، فَمَنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِالسَّلَامَةِ فَلْيُسَلِّمْ وَإِلَّا فَالصَّمْتُ أَسْلَمُ.

وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ مَرْفُوعًا: يُسَلِّمُ الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا يسَلِّمُ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ، وَسَنَدُهُ وَاهٍ، وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ مِثْلُهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ.

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَاسْمُ أَبِي حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِيَوْمِ بِزِيَادَةِ مُوَحَّدَةٍ فِي أَوَّلِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ: كُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَذَكَرَ سَبَبَ الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: كُنَّا نَفْرَحُ بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِسَهْلٍ: وَلِمَ)؟ بِكَسْرِ اللَّامِ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَالْقَائِلُ هُوَ أَبُو حَازِمٍ رَاوِي الْحَدِيثِ وَالْمُجِيبُ هُوَ سَهْلٌ.

قَوْلُهُ: (كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ) فِي الْجُمُعَةِ امْرَأَةٌ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا.

قَوْلُهُ: (تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا، وَبِتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: نَخْلٌ بِالْمَدِينَةِ) الْقَائِلُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَهُوَ الْقَعْنَبِيُّ، وَفَسَّرَ بُضَاعَةَ بِأَنَّهَا نَخْلٌ بِالْمَدِينَةِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّخْلِ الْبُسْتَانُ، وَلِذَلِكَ كَانَ يُؤْتَى مِنْهَا بِالسِّلْقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ أَنَّه كَانَتْ مَزْرَعَةً لِلْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَفَسَّرَهَا غَيْرُهُ بِأَنَّهَا دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَبِهَا بِئْرٌ مَشْهُورَةٌ وَبِهَا مَالٌ مِنْ أَمْوَالِ الْمَدِينَةِ، كَذَا قَالَ عِيَاضٌ وَمُرَادُهُ بِالْمَالِ الْبُسْتَانُ وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ بِئْرُ بُسْتَانٍ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ أَبِي سَعِيدٍ فِي حَدِيثِهِ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ أَنَّهَا كَانَتْ تُطْرَحُ فِيهَا خِرَقُ الْحُيَّضِ وَغَيْرُهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُطْرَحُ فِي الْبُسْتَانِ فَيُجْرِيهَا الْمَطَرُ وَنَحْوُهُ إِلَى الْبِئْرِ.

قُلْتُ: وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ أَنَّهُ رَأَى بِئْرَ بُضَاعَةَ وَزَرْعَهَا وَرَأَى مَاءَهَا وَبَسَطَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ سُنَنِهِ، وَادَّعَى لطَّحَاوِيُّ أَنَّهَا كَانَتْ سَيْحًا وَرَوَى ذَلِكَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِيعَابِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فِي قِدْرٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْقِدْرِ (وَتُكَرْكِرُ) أَيْ تَطْحَنُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْكَرْكَرَةُ الطَّحْنُ وَالْجَشُّ، وَأَصْلُهُ الْكَرُّ، وَضُوعِفَ لِتَكْرَارِ عَوْدِ الرَّحَى فِي الطَّحْنِ مَرَّةً أُخْرَى، وَقَدْ تَكُونُ الْكَرْكَرَةُ بِمَعْنَى الصَّوْتِ كَالْجَرْجَرَةِ، وَالْكَرْكَرَةُ أَيْضًا شِدَّةُ الصَّوْتِ لِلضَّحِكِ حَتَّى يَفْحُشَ وَهُوَ فَوْقَ الْقَرْقَرَةِ.

قَوْلُهُ: (حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ أَنَّهَا قَبْضَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ شَرْحِهِ هُنَاكَ.

الْحَدِيثَ الثَّانِي:

قَوْلُهُ: (ابْنُ مُقَاتِلٍ) هُوَ مُحَمَّدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (يَا عَائِشَةُ هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ الدَّاوُدِيَّ اعْتَرَضَ فَقَالَ: لَا يُقَالُ لِلْمَلَائِكَةِ رِجَالٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذَكَّرَهُمْ بِالتَّذْكِيرِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ عَلَى صُورَةِ الرَّجُلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: سَلَامُ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ وَالنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ جَائِزٌ إِذَا أُمِنَتِ الْفِتْنَةُ، وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَمَنَعَ مِنْهُ رَبِيعَةُ مُطْلَقًا. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يُشْرَعُ لِلنِّسَاءِ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ عَلَى الرِّجَالِ لِأَنَّهُنَّ مُنِعْنَ مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ، قَالُوا: وَيُسْتَثْنَى الْمَحْرَمُ فَيَجُوزُ لَهَا السَّلَامُ عَلَى مَحْرَمِهَا. قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَحُجَّةُ مَالِكٍ حَدِيثُ سَهْلٍ فِي الْبَابِ، فَإِنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ كَانُوا يَزُورُونَهَا وَتُطْعِمُهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ مَحَارِمِهَا انْتَهَى.

وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ كَانَ لِلرَّجُلِ زَوْجَةٌ أَوْ مَحْرَمٌ أَوْ أَمَةٌ فَكَالرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً نَظَرَ: إِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً يُخَافُ الِافْتِتَانُ بِهَا لَمْ يُشْرَعِ السَّلَامُ لَا ابْتِدَاءً وَلَا جَوَابًا، فَلَوِ ابْتَدَأَ أَحَدُهُمَا كُرِهَ لِلْآخَرِ الرَّدُّ، وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا لَا يُفْتَتَنُ بِهَا جَازَ. وَحَاصِلُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ التَّفْصِيلُ فِي الشَّابَّةِ بَيْنَ الْجَمَالِ وَعَدَمِهِ، فَإِنَّ الْجَمَالَ مَظِنَّةُ الِافْتِتَانِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٢٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) عبد العزيز (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ، واسمه سَلَمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلٍ) بفتح السين وسكون الهاء، ابن سعدٍ السَّاعديِّ الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الجُمُعَةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بيوم الجمعة» بزيادة الجارِّ. قال أبو حازمٍ: (قُلْتُ) لِسَهل مُستفهمًا: (وَلِمَ) كنتم تفرحون به؟ (قَالَ: كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ) قال الحافظُ ابن حجرٍ: لم أقفْ على اسمها (تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ) بضم الموحدة وحُكِي كسرها وفتح المعجمة المخففة وبعد الألف عين مهملة (قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ) عبد الله -شيخ المؤلِّف مفسِّرًا لبُضاعة (١) -: (نَخْلٌ) بستانٌ (بِالمَدِينَةِ) ولغير أبي ذرٍّ: «نخلٍ» بالجرِّ عطف بيان لبُضاعة، أو بدلًا منها. وقال غير ابن (٢) مَسْلَمة: إنَّ بُضاعةَ دُور بني ساعدة، وبها بئرٌ مشهورةٌ (فَتَأْخُذُ) العَجُوز (مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ) بكسر السين المهملة وسكون اللام بعدها قاف (فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ) بكسر القاف وسكون المهملة، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «في القدر» (وَتُكَرْكِرُ) بضم الفوقية وفتح الكاف وسكون الراء بعدها كاف أخرى مكسورة فراء أيضًا، تطحنُ (حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ) والكركرةُ -كما قال الخطَّابيُّ-: الطَّحن والجشُّ، وأصله الكرُّ فضُوعف لتكرارِ عودة الرَّحى في الطَّحن مرَّةً بعد أخرى (فَإِذَا صَلَّيْنَا الجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا) وسقطت الواو من «ونسلِّم» لأبي ذرٍّ (فَتُقَدِّمُهُ) أي: الطَّعام المذكور (إِلَيْنَا، فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ) أي: الطَّعام (وَمَا كُنَّا نَقِيلُ) بفتح النون وكسر القاف، من القيلولة، أي: نستريحُ نصف النَّهار (وَلَا نَتَغَدَّى) بالغين المعجمة، أي: لا نأكل أوَّل النَّهار (إِلَّا بَعْدَ) صلاة (الجُمُعَةِ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله