«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأُولَى مِنْ صَلَاةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٦

الحديث رقم ٦٢٦ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من انتظر الإقامة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٢٦ في صحيح البخاري

«كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ».

بَابٌ: بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ

إسناد حديث البخاري رقم ٦٢٦

٦٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٢٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِنَّ فِعْلَهُمَا يُؤَدِّي إِلَى تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا خَيَالٌ فَاسِدٌ مُنَابِذٌ لِلسُّنَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَزَمَنُهُمَا زَمَنٌ يَسِيرٌ لَا تَتَأَخَّرُ بِهِ الصَّلَاةُ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا.

قُلْتُ: وَمَجْمُوعُ الْأَدِلَّةِ يُرْشِدُ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَخْفِيفِهِمَا كَمَا فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي النَّدْبِ إِلَيْهِمَا رَجَاءُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ، وَكُلَّمَا كَانَ الْوَقْتُ أَشْرَفَ كَانَ ثَوَابُ الْعِبَادَةِ فِيهِ أَكْثَرَ، وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاضِحٍ. (تَنْبِيهَانِ): (أَحَدُهُمَا) مُطَابَقَةُ حَدِيثِ أَنَسٍ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ إِذَا كَانُوا يَبْتَدِرُونَ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَعَ قِصَرِ وَقْتِهَا، فَالْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّنَقلِ قَبْلَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ تَقَعُ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِرَكْعَتَيْنِ إِلَّا مَا ضَاهَى الْمَغْرِبَ فِي قِصَرِ الْوَقْتِ كَالصُّبْحِ.

(الثَّانِي): لَمْ تَتَّصِلْ لَنَا رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ - إِلَى الْآنَ. وَزَعَمَ مُغْلَطَايْ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ وَصَلَهَا فِي مُسْتَخْرَجِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ إِنَّمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ لَمْ تَتَّصِلْ لَنَا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ الطَّيَالِسِيُّ فِيمَا يَظْهَرُ لِي، وَقِيلَ هُوَ الْحَفَرِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ. وَقَدْ وَقَعَ لَنَا مَقْصُودُ رِوَايَتِهِمَا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي عَامِرٍ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

١٥ - بَاب مَنْ انْتَظَرَ الْإِقَامَةَ

٦٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ.

[الحديث ٦٢٦ - أطرافه في: ٦٣١٠، ١١٧٠، ١١٦٠، ١١٢٣، ٩٩٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ انْتَظَرَ الْإِقَامَةَ) مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ. وَأَوْرَدَهَا مَوْرِدَ الِاحْتِمَالِ تَنْبِيهًا عَلَى اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالْإِمَامِ، لِأَنَّ الْمَأْمُومَ مَنْدُوبٌ إِلَى إِحْرَازِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَارِكَ الْإِمَامَ فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: يُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الَّذِي وَرَدَ مِنَ الْحَضِّ عَلَى الِاسْتِبَاقِ إِلَى الْمَسْجِدِ هُوَ لِمَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ يَسْمَعُ الْإِقَامَةَ مِنْ دَارِهِ فَانْتِظَارُهُ لِلصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مُتَهَيِّئًا لَهَا كَانْتِظَارِهِ إِيَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَفِي مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ ثُمَّ لَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ) أَيْ فَرَغَ مِنَ الْأَذَانِ بِالسُّكُوتِ عَنْهُ، هَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الْمُعْتَمَدَةِ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمُوَحَّدَةِ. وَمَعْنَاهُ: صَبَّ الْأَذَانَ وَأَفْرَغَهُ فِي الْآذَانِ، وَمِنْهُ أَفْرَغَ فِي أُذُنِي كَلَامًا حَسَنَا. اهـ.

وَالرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ تَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ: إِنَّ سُوَيْدَ بْنَ نَصْرٍ - رَاوِيَهَا عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ - ضَبَطَهَا بِالْمُوَحَّدَةِ. وَأَفْرَطَ الصَّغَانِيُّ فِي الْعُبَابِ فَجَزَمَ أَنَّهَا بِالْمُوَحَّدَةِ، وَكَذَا ضَبَطَهَا فِي نُسْخَتِهِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَابَلَهَا عَلَى نُسْخَةِ الْفَرَبْرِيِّ، وَأَنَّ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُونَهَا بِالْمُثَنَّاةِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا تَصْحِيفٌ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ.

قَوْلُهُ (بِالْأُولَى أَيْ عَنِ الْأُولَى، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَكَتَ يُقَالُ: سَكَتَ عَنْ كَذَا إِذَا تَرَكَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْأُولَى الْأَذَانُ الَّذِي يُؤَذَّنُ بِهِ عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَهُوَ أَوَّلُ بِاعْتِبَارِ الْإِقَامَةِ، وَثَانٍ بِاعْتِبَارِ الْأَذَانِ الَّذِي قَبْلَ الْفَجْرِ، وَجَاءَهُ التَّأْنِيثُ إِمَّا مِنْ قِبَلِ مُؤَاخَاتِهِ لِلْإِقَامَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُنَادَاةَ أَوِ الدَّعْوَةَ التَّامَّةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوَنَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: إِذَا سَكَتَ عَنِ الْمَرَّةِ الْأُولَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الحافظ ابن حجرٍ: هو الطَّيالسيُّ فيما يظهر لي، وليس هو الحَفَريَّ (١) -بفتح المهملة والفاء- (عَنْ شُعْبَةَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا) أي: بين الأذان والإقامة للمغرب (إِلَّا قَلِيلٌ) فيه تقييد الإطلاق (٢) السَّابق في قوله: لم يكن بينهما شيءٌ، أو الشَّيء المنفيُّ في السَّابق (٣) الكثير كما مرَّ، والمثبت هنا القليل، ونفيُ الكثير يقتضي إثبات القليل، وقد وقع الاختلاف في صلاة الرَّكعتين قبل المغرب، والَّذي رجَّحه النَّوويُّ الاستحباب، وقال مالكٌ بعدمه، وعن أحمد الجواز، وقال الحنفيَّة: يفصل بين أذانيها بأدنى فصلٍ وهو سكتةٌ لأنَّ تأخيرها مكروهٌ، وقُدِّر زمن السَّكتة بثلاث خطواتٍ، كذا عند إمامهم الأعظم، وعن صاحبيه: بجلسةٍ خفيفةٍ كالَّتي بين الخطبتين، وتأتي بقيَّة مباحثه (٤) إن شاء الله تعالى في «التَّطوُّع» [خ¦١١٦٧].

(١٥) (بابُ مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ) للصَّلاة بعد أن سمع الأذان.

٦٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ) أمَّ المؤمنين (عَائِشَةَ) (قَالَتْ: كَانَ

رَسُولُ اللهِ إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة (بِـ) المناداة (الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ) أي: فرغ منها بالسُّكوت، وأوَّليَّتها باعتبار الإقامة، وأمَّا باعتبار الَّتي قبل الفجر فثانيةٌ، ويحتمل أن يكون التَّأنيث باعتبار تأويله بالمرَّة أو السَّاعة، أو لمؤاخاة الأذان للإقامة، وحكى السَّفاقسيُّ: أنَّه رُوِي: «سكب» بالمُوحَّدة، وأصله من سكبِ الماء وهو صبُّه، أي: صبَّ الأذان وأفرغه في الآذان، وجزم به الصَّغانيُّ، وبه ضبط نسخته الَّتي قال: إنَّه قابلها على نسخة الفَِرَبْريِّ، وادَّعى أنَّ المُثنَّاة تصحيفٌ من المحدِّثين، قال الحافظ ابن حجرٍ: وليس كما قال، ولم يثبت ذلك في شيءٍ من الطُّرق، وإنَّما ذكرها الخطَّابيُّ من طريق الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ فقال: إنَّ سويد بن نصرٍ راويها عن ابن المبارك عنه، ضبطها بالمُوحَّدة، وتعقَّب العينيُّ ابن حجرٍ بأنَّه لم يبيِّن وجه الرَّدِّ (١)، قال: وليس الصَّغانيُّ ممَّن

يُرَدُّ عليه في مثل هذا. انتهى. قلت: قال الدَّمامينيُّ: الرِّواية بالمُثنَّاة صحيحةٌ، وهي بيِّنة الصَّواب، والباء الَّتي في «بالأولى» بمعنى: «عن» مثل: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] فلا وجه لنسبة المحدِّثين إلى التَّصحيف. انتهى. وقال ابن بطَّالٍ والسَّفاقسيُّ: ولها -أي: «سكب» بالمُوحَّدة- وجهٌ من (١) الصَّواب، قال العينيُّ: بل هي عين الصَّواب لأنَّ «سكت» بالمُثنَّاة الفوقيَّة لا تُستعمَل بالمُوحَّدة، بل تُستعمَل بكلمة «من» أو «عن» و «سكب» بالمُوحَّدة استُعمِل هنا بالباء، ثمَّ أجاب عن مجيء الباء (٢) بمعنى: «عن» بأنَّ الأصل أن يُستعمَل كلُّ حرفٍ في بابه، ولا يُستعمَل في غير بابه إلَّا لنكتةٍ، وأيُّ نكتةٍ هنا؟ انتهى. وجواب «إذا» قوله: (قَامَ) أي: النَّبيُّ (فَرَكَعَ) ولأبي الوقت: «يركع» (رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ) بمُوحَّدةٍ وآخره نونٌ من الاستبانة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يستنير» بنونٍ وآخره راءٌ من الاستنارة (ثُمَّ اضْطَجَعَ) في بيته (عَلَى شِقِّهِ) أي: جنبه (الأَيْمَنِ) جريًا على عادته الشَّريفة في حبِّه التَّيامن في شأنه كلِّه، أو للتَّشريع لأنَّ النَّوم على الأيسر يستلزم استغراق النَّوم في غيره بخلافه هو لأنَّ عينه تنام ولا ينام قلبه، فعلى الأيمن أسرع للانتباه بالنِّسبة لنا، وهو نوم الصَّالحين، وعلى اليسار نوم الحكماء، وعلى الظَّهر نوم الجبَّارين والمتكبِّرين، وعلى الوجه نوم الكفَّار (حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ) استدلَّ به على الحضِّ على الاستباق إلى المسجد، وهو لمن كان على مسافةٍ من المسجد لا يسمع فيها الإقامة، وأمَّا من كان يسمع

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِنَّ فِعْلَهُمَا يُؤَدِّي إِلَى تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا خَيَالٌ فَاسِدٌ مُنَابِذٌ لِلسُّنَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَزَمَنُهُمَا زَمَنٌ يَسِيرٌ لَا تَتَأَخَّرُ بِهِ الصَّلَاةُ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا.

قُلْتُ: وَمَجْمُوعُ الْأَدِلَّةِ يُرْشِدُ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَخْفِيفِهِمَا كَمَا فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي النَّدْبِ إِلَيْهِمَا رَجَاءُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ، وَكُلَّمَا كَانَ الْوَقْتُ أَشْرَفَ كَانَ ثَوَابُ الْعِبَادَةِ فِيهِ أَكْثَرَ، وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاضِحٍ. (تَنْبِيهَانِ): (أَحَدُهُمَا) مُطَابَقَةُ حَدِيثِ أَنَسٍ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ إِذَا كَانُوا يَبْتَدِرُونَ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَعَ قِصَرِ وَقْتِهَا، فَالْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّنَقلِ قَبْلَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ تَقَعُ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِرَكْعَتَيْنِ إِلَّا مَا ضَاهَى الْمَغْرِبَ فِي قِصَرِ الْوَقْتِ كَالصُّبْحِ.

(الثَّانِي): لَمْ تَتَّصِلْ لَنَا رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ - إِلَى الْآنَ. وَزَعَمَ مُغْلَطَايْ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ وَصَلَهَا فِي مُسْتَخْرَجِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ إِنَّمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ لَمْ تَتَّصِلْ لَنَا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ الطَّيَالِسِيُّ فِيمَا يَظْهَرُ لِي، وَقِيلَ هُوَ الْحَفَرِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ. وَقَدْ وَقَعَ لَنَا مَقْصُودُ رِوَايَتِهِمَا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي عَامِرٍ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

١٥ - بَاب مَنْ انْتَظَرَ الْإِقَامَةَ

٦٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ.

[الحديث ٦٢٦ - أطرافه في: ٦٣١٠، ١١٧٠، ١١٦٠، ١١٢٣، ٩٩٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ انْتَظَرَ الْإِقَامَةَ) مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ. وَأَوْرَدَهَا مَوْرِدَ الِاحْتِمَالِ تَنْبِيهًا عَلَى اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالْإِمَامِ، لِأَنَّ الْمَأْمُومَ مَنْدُوبٌ إِلَى إِحْرَازِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَارِكَ الْإِمَامَ فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: يُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الَّذِي وَرَدَ مِنَ الْحَضِّ عَلَى الِاسْتِبَاقِ إِلَى الْمَسْجِدِ هُوَ لِمَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ يَسْمَعُ الْإِقَامَةَ مِنْ دَارِهِ فَانْتِظَارُهُ لِلصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مُتَهَيِّئًا لَهَا كَانْتِظَارِهِ إِيَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَفِي مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ ثُمَّ لَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ) أَيْ فَرَغَ مِنَ الْأَذَانِ بِالسُّكُوتِ عَنْهُ، هَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الْمُعْتَمَدَةِ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمُوَحَّدَةِ. وَمَعْنَاهُ: صَبَّ الْأَذَانَ وَأَفْرَغَهُ فِي الْآذَانِ، وَمِنْهُ أَفْرَغَ فِي أُذُنِي كَلَامًا حَسَنَا. اهـ.

وَالرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ تَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ: إِنَّ سُوَيْدَ بْنَ نَصْرٍ - رَاوِيَهَا عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ - ضَبَطَهَا بِالْمُوَحَّدَةِ. وَأَفْرَطَ الصَّغَانِيُّ فِي الْعُبَابِ فَجَزَمَ أَنَّهَا بِالْمُوَحَّدَةِ، وَكَذَا ضَبَطَهَا فِي نُسْخَتِهِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَابَلَهَا عَلَى نُسْخَةِ الْفَرَبْرِيِّ، وَأَنَّ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُونَهَا بِالْمُثَنَّاةِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا تَصْحِيفٌ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ.

قَوْلُهُ (بِالْأُولَى أَيْ عَنِ الْأُولَى، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَكَتَ يُقَالُ: سَكَتَ عَنْ كَذَا إِذَا تَرَكَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْأُولَى الْأَذَانُ الَّذِي يُؤَذَّنُ بِهِ عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَهُوَ أَوَّلُ بِاعْتِبَارِ الْإِقَامَةِ، وَثَانٍ بِاعْتِبَارِ الْأَذَانِ الَّذِي قَبْلَ الْفَجْرِ، وَجَاءَهُ التَّأْنِيثُ إِمَّا مِنْ قِبَلِ مُؤَاخَاتِهِ لِلْإِقَامَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُنَادَاةَ أَوِ الدَّعْوَةَ التَّامَّةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوَنَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: إِذَا سَكَتَ عَنِ الْمَرَّةِ الْأُولَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الحافظ ابن حجرٍ: هو الطَّيالسيُّ فيما يظهر لي، وليس هو الحَفَريَّ (١) -بفتح المهملة والفاء- (عَنْ شُعْبَةَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا) أي: بين الأذان والإقامة للمغرب (إِلَّا قَلِيلٌ) فيه تقييد الإطلاق (٢) السَّابق في قوله: لم يكن بينهما شيءٌ، أو الشَّيء المنفيُّ في السَّابق (٣) الكثير كما مرَّ، والمثبت هنا القليل، ونفيُ الكثير يقتضي إثبات القليل، وقد وقع الاختلاف في صلاة الرَّكعتين قبل المغرب، والَّذي رجَّحه النَّوويُّ الاستحباب، وقال مالكٌ بعدمه، وعن أحمد الجواز، وقال الحنفيَّة: يفصل بين أذانيها بأدنى فصلٍ وهو سكتةٌ لأنَّ تأخيرها مكروهٌ، وقُدِّر زمن السَّكتة بثلاث خطواتٍ، كذا عند إمامهم الأعظم، وعن صاحبيه: بجلسةٍ خفيفةٍ كالَّتي بين الخطبتين، وتأتي بقيَّة مباحثه (٤) إن شاء الله تعالى في «التَّطوُّع» [خ¦١١٦٧].

(١٥) (بابُ مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ) للصَّلاة بعد أن سمع الأذان.

٦٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ) أمَّ المؤمنين (عَائِشَةَ) (قَالَتْ: كَانَ

رَسُولُ اللهِ إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة (بِـ) المناداة (الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ) أي: فرغ منها بالسُّكوت، وأوَّليَّتها باعتبار الإقامة، وأمَّا باعتبار الَّتي قبل الفجر فثانيةٌ، ويحتمل أن يكون التَّأنيث باعتبار تأويله بالمرَّة أو السَّاعة، أو لمؤاخاة الأذان للإقامة، وحكى السَّفاقسيُّ: أنَّه رُوِي: «سكب» بالمُوحَّدة، وأصله من سكبِ الماء وهو صبُّه، أي: صبَّ الأذان وأفرغه في الآذان، وجزم به الصَّغانيُّ، وبه ضبط نسخته الَّتي قال: إنَّه قابلها على نسخة الفَِرَبْريِّ، وادَّعى أنَّ المُثنَّاة تصحيفٌ من المحدِّثين، قال الحافظ ابن حجرٍ: وليس كما قال، ولم يثبت ذلك في شيءٍ من الطُّرق، وإنَّما ذكرها الخطَّابيُّ من طريق الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ فقال: إنَّ سويد بن نصرٍ راويها عن ابن المبارك عنه، ضبطها بالمُوحَّدة، وتعقَّب العينيُّ ابن حجرٍ بأنَّه لم يبيِّن وجه الرَّدِّ (١)، قال: وليس الصَّغانيُّ ممَّن

يُرَدُّ عليه في مثل هذا. انتهى. قلت: قال الدَّمامينيُّ: الرِّواية بالمُثنَّاة صحيحةٌ، وهي بيِّنة الصَّواب، والباء الَّتي في «بالأولى» بمعنى: «عن» مثل: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] فلا وجه لنسبة المحدِّثين إلى التَّصحيف. انتهى. وقال ابن بطَّالٍ والسَّفاقسيُّ: ولها -أي: «سكب» بالمُوحَّدة- وجهٌ من (١) الصَّواب، قال العينيُّ: بل هي عين الصَّواب لأنَّ «سكت» بالمُثنَّاة الفوقيَّة لا تُستعمَل بالمُوحَّدة، بل تُستعمَل بكلمة «من» أو «عن» و «سكب» بالمُوحَّدة استُعمِل هنا بالباء، ثمَّ أجاب عن مجيء الباء (٢) بمعنى: «عن» بأنَّ الأصل أن يُستعمَل كلُّ حرفٍ في بابه، ولا يُستعمَل في غير بابه إلَّا لنكتةٍ، وأيُّ نكتةٍ هنا؟ انتهى. وجواب «إذا» قوله: (قَامَ) أي: النَّبيُّ (فَرَكَعَ) ولأبي الوقت: «يركع» (رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ) بمُوحَّدةٍ وآخره نونٌ من الاستبانة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يستنير» بنونٍ وآخره راءٌ من الاستنارة (ثُمَّ اضْطَجَعَ) في بيته (عَلَى شِقِّهِ) أي: جنبه (الأَيْمَنِ) جريًا على عادته الشَّريفة في حبِّه التَّيامن في شأنه كلِّه، أو للتَّشريع لأنَّ النَّوم على الأيسر يستلزم استغراق النَّوم في غيره بخلافه هو لأنَّ عينه تنام ولا ينام قلبه، فعلى الأيمن أسرع للانتباه بالنِّسبة لنا، وهو نوم الصَّالحين، وعلى اليسار نوم الحكماء، وعلى الظَّهر نوم الجبَّارين والمتكبِّرين، وعلى الوجه نوم الكفَّار (حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ) استدلَّ به على الحضِّ على الاستباق إلى المسجد، وهو لمن كان على مسافةٍ من المسجد لا يسمع فيها الإقامة، وأمَّا من كان يسمع

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد