«لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٢٠

الحديث رقم ٦٤٢٠ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٤٢٠ في صحيح البخاري

«لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا، وَطُولِ الْأَمَلِ» قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَأَبُو سَلَمَةَ.

إسناد حديث البخاري رقم ٦٤٢٠

٦٤٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

⦗٩٠⦘

وَسَلَّمَ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٤٢٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٤٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الأَمَلِ قَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَأَبُو سَلَمَةَ"

٦٤٢١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قال رسول الله : "يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ حُبُّ الْمَالِ وَطُولُ الْعُمُرِ" رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ.

قَوْلُهُ (بَابُ مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ لِقولِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ قَوْلُهُ لِقولِهِ - تَعَالَى -، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ يَعْنِي الشَّيْبَ وَثَبَتَ قَوْلُهُ يَعْنِي الشَّيْبَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِيهِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّيْبُ لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي سِنِّ الْكُهُولَةِ فَمَا بَعْدَهَا وَهُوَ عَلَامَةٌ لِمُفَارَقَةِ سِنِّ الصِّبَى الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ اللَّهْوِ. وَقَالَ عَلِيٌّ: الْمُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ .

وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمُرَادِ بِالتَّعْمِيرِ فِي الْآيَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ مَسْرُوقٍ وَغَيْرِهِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾.

وَالثَّانِي: سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَلَا الْآيَةَ، وَرُوَاتُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا ابْنَ خُثَيْمٍ فَهُوَ صَدُوقٌ وَفِيهِ ضَعْفٌ.

وَالثَّالِثُ: سَبْعُونَ سَنَةً أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، فَقَالَ: نَزَلَتْ تَعْيِيرًا لِأَبْنَاءِ السَّبْعِينَ. وَفِي إِسْنَادِهِ يَحْيَى بْنُ مَيْمُونٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.

الرَّابِعُ: سِتُّونَ وَتَمَسَّكَ قَائِلُهُ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَوَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ التَّصْرِيحُ بِالْمُرَادِ فَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ لِابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً، ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مِثْلَهُ.

الْخَامِسُ: التَّرَدُّدُ بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ مَنْ عُمِّرَ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ غِفَارٍ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ مَنْ بَلَغَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَمُحَمَّدٌ الْغِفَارِيُّ هُوَ ابْنُ مَعْنٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي لَفْظِهِ كَمَا اخْتُلِفَ عَلَى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ فِي لَفْظِهِ.

وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا حَدِيثُ مُعْتَرَكِ الْمَنَايَا مَا بَيْنَ سِتِّينَ وَسَبْعِينَ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ ضَعِيفٌ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَشَيْخُهُ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ آخَرُ، وَذَكَرْتُ أَنَّ عُمَرَ مُدَلِّسٌ وَأَنَّهُ أَوْرَدَهُ بِالْعَنْعَنَةِ وَبَيَّنْتُ عُذْرَ الْبُخَارِيِّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وُجِدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُصَرَّحٍ فِيهِ بِالسَّمَاعِ وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ بِنَحْوِهِ وَهَذَا الرَّجُلُ الْمُبْهَمُ هُوَ مَعْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيُّ فَهِيَ مُتَابَعَةٌ قَوِيَّةٌ لِعُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ

أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَعْمَرٍ وَوَقَعَ لِشَيْخِهِ فِيهِ وَهَمٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَيَانِهِ.

قَوْلُهُ (أَعْذَرَ اللَّهُ) الْإِعْذَارُ إِزَالَةُ الْعُذْرِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ اعْتِذَارٌ كَأَنْ يَقُولَ لَوْ مُدَّ لِي فِي الْأَجَلِ لَفَعَلْتُ مَا أُمِرْتُ بِهِ يُقَالُ أَعْذَرَ إِلَيْهِ إِذَا بَلَّغَهُ أَقْصَى الْغَايَةِ فِي الْعُذْرِ وَمَكَّنَهُ مِنْهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الطَّاعَةِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا بِالْعُمُرِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ حِينَئِذٍ إِلَّا الِاسْتِغْفَارُ وَالطَّاعَةُ وَالْإِقْبَالُ عَلَى الْآخِرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَنِسْبَةُ الْإِعْذَارِ إِلَى اللَّهِ مَجَازِيَّةٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْ لِلْعَبْدِ سَبَبًا فِي الِاعْتِذَارِ يَتَمَسَّكُ بِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ إِلَّا بَعْدَ حُجَّةٍ.

قَوْلُهُ (أَخَّرَ أَجَلَهُ) يَعْنِي أَطَالَهُ (حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً) وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى يَبْلُغَ سِتِّينَ سَنَةً أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ (تَابَعَهُ أَبُو حَازِمٍ، وَابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ) أَمَّا مُتَابَعَةُ أَبِي حَازِمٍ وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ فَأَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَذَا أَخْرَجَهُ الْحُفَّاظُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَخَالَفَهُمْ هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ فَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَإِدْخَالُهُ بَيْنَ سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ رَجُلًا مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. وَأَمَّا طَرِيقُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ سِتُّونَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا كَانَتِ السِّتُّونَ حَدًّا لِهَذَا؛ لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنَ الْمُعْتَرَكِ وَهِيَ سِنُّ الْإِنَابَةِ وَالْخُشُوعِ وَتَرَقُّبِ الْمَنِيَّةِ. فَهَذَا إِعْذَارٌ بَعْدَ إِعْذَارٍ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ حَتَّى نَقَلَهُمْ مِنْ حَالَةِ الْجَهْلِ إِلَى حَالَةِ الْعِلْمِ ثُمَّ أَعْذَرَ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يُعَاقِبْهُمْ إِلَّا بَعْدَ الْحُجَجِ الْوَاضِحَةِ وَإِنْ كَانُوا فُطِرُوا عَلَى حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ لَكِنَّهُمْ أُمِرُوا بِمُجَاهِدَةِ النَّفْسِ فِي ذَلِكَ لِيَمَتثَّلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ وَيَنْزَجِرُوا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ.

وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اسْتِكْمَالَ السِّتِّينَ مَظِنَّةٌ لِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ.

قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْأَسْنَانُ أَرْبَعَةٌ سِنُّ الطُّفُولِيَّةِ ثُمَّ الشَّبَابِ ثُمَّ الْكُهُولَةِ ثُمَّ الشَّيْخُوخَةِ وَهِيَ آخِرُ الْأَسْنَانِ، وَغَالِبُ مَا يَكُونُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ ضَعْفُ الْقُوَّةِ بِالنَّقْصِ وَالِانْحِطَاطِ فَيَنْبَغِي لَهُ الْإِقْبَالُ عَلَى الْآخِرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْحَالَةِ الْأُولَى مِنَ النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ. وَقَدِ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَنِ اسْتَكْمَلَ سِتِّينَ فَلَمْ يَحُجَّ مَعَ الْقُدْرَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُقَصِّرًا وَيَأْثَمُ إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ، بِخِلَافِ مَا دُونَ ذَلِكَ.

قَالَ لَّيْثُ: عن يُونُسُ - وَابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَأَبُو سَلَمَةَ.

الحديث الثاني:

قَوْلُهُ (يُونُسُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ.

قَوْلُهُ (لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا، وَطُولِ الْأَمَلِ) الْمُرَادُ بِالْأَمَلِ هُنَا مَحَبَّةُ طُولِ الْعُمُرِ فَسَّرَهُ حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي بَعْدَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ وَسَمَّاهُ شَابًّا إِشَارَةً إِلَى قُوَّةِ اسْتِحْكَامِ حُبِّهِ لِلْمَالِ أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ وَالْمُطَابَقَةِ.

قَوْلُهُ (قَالَ لَيْثٌ، عَنْ يُونُسَ، وَابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ) هُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ (وَأَبُو سَلَمَةَ) يَعْنِي كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. أَمَّا رِوَايَةُ لَيْثٍ وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ الْمَالِ بَدَلَ الدُّنْيَا. وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ طُولِ الْحَيَاةِ وَحُبِّ الْمَالِ. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ذلك، والرَّابع إلى تمام السَّبعين وذلك زمان الشَّيخوخة، والخامسُ إلى آخر العُمر قال: وقد يتقدَّم ما ذكرنا من السِّنين (١) ويتأخَّر.

(تَابَعَهُ) أي: تابعَ معن بن محمد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بنُ دينار، ممَّا رواه النَّسائيُّ عن يعقوب بن عبد الرَّحمن، عن أبي حازم (وَ) تابع مَعْنًا أيضًا (ابْنُ عَجْلَانَ) محمَّد، فيما رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط» عن عبد الرَّزَّاق، عن معمرٍ، عن منصور بنِ المُعتمر، عن محمَّد بن عجلان كلاهما (عَنِ المَقْبُرِيِّ) أبي سعيدٍ ذكوان، عن أبي هُريرة بلفظ «مَنْ أتتْ عليهِ (٢) ستُّون سنةً فقد أعذرَ اللهُ إليه في العمرِ».

٦٤٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) الأمويُّ -نزلَ مكَّة- قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ (٣): سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: لَا يَزَالُ قَلْبُ) المرءِ (الكَبِيرِ) أي: الشَّيخ (شَابًّا) قويًّا (فِي اثْنَتَيْنِ) أي: خصلتين (فِي حُبِّ الدُّنْيَا) المال (وَ) محبَّة (طُولِ الأَمَلِ) أي: العُمر، كما فُسِّرا (٤) في الحديث السَّابق [خ¦٦٤٢١]، وأشار إلى قوَّة استحكام حبِّه للمال، أو هو من باب المشاكلة والمطابقة. وقال في «المصابيح»: فيه إيهام الطِّباق بين الكبير والشَّابّ، والاستعارة في شابًّا، والتَّوشيع في قوله: «في اثنتين … » إلى آخره، إذ هو عبارةٌ عن أن يأتيَ في عجُزِ الكلام بمثنَّى مفسَّر بمعطوفٍ ومعطوفٍ عليه كقوله:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٤٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الأَمَلِ قَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَأَبُو سَلَمَةَ"

٦٤٢١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قال رسول الله : "يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ حُبُّ الْمَالِ وَطُولُ الْعُمُرِ" رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ.

قَوْلُهُ (بَابُ مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ لِقولِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ قَوْلُهُ لِقولِهِ - تَعَالَى -، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ يَعْنِي الشَّيْبَ وَثَبَتَ قَوْلُهُ يَعْنِي الشَّيْبَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِيهِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّيْبُ لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي سِنِّ الْكُهُولَةِ فَمَا بَعْدَهَا وَهُوَ عَلَامَةٌ لِمُفَارَقَةِ سِنِّ الصِّبَى الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ اللَّهْوِ. وَقَالَ عَلِيٌّ: الْمُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ .

وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمُرَادِ بِالتَّعْمِيرِ فِي الْآيَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ مَسْرُوقٍ وَغَيْرِهِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾.

وَالثَّانِي: سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَلَا الْآيَةَ، وَرُوَاتُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا ابْنَ خُثَيْمٍ فَهُوَ صَدُوقٌ وَفِيهِ ضَعْفٌ.

وَالثَّالِثُ: سَبْعُونَ سَنَةً أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، فَقَالَ: نَزَلَتْ تَعْيِيرًا لِأَبْنَاءِ السَّبْعِينَ. وَفِي إِسْنَادِهِ يَحْيَى بْنُ مَيْمُونٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.

الرَّابِعُ: سِتُّونَ وَتَمَسَّكَ قَائِلُهُ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَوَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ التَّصْرِيحُ بِالْمُرَادِ فَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ لِابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً، ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مِثْلَهُ.

الْخَامِسُ: التَّرَدُّدُ بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ مَنْ عُمِّرَ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ غِفَارٍ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ مَنْ بَلَغَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَمُحَمَّدٌ الْغِفَارِيُّ هُوَ ابْنُ مَعْنٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي لَفْظِهِ كَمَا اخْتُلِفَ عَلَى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ فِي لَفْظِهِ.

وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا حَدِيثُ مُعْتَرَكِ الْمَنَايَا مَا بَيْنَ سِتِّينَ وَسَبْعِينَ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ ضَعِيفٌ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَشَيْخُهُ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ آخَرُ، وَذَكَرْتُ أَنَّ عُمَرَ مُدَلِّسٌ وَأَنَّهُ أَوْرَدَهُ بِالْعَنْعَنَةِ وَبَيَّنْتُ عُذْرَ الْبُخَارِيِّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وُجِدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُصَرَّحٍ فِيهِ بِالسَّمَاعِ وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ بِنَحْوِهِ وَهَذَا الرَّجُلُ الْمُبْهَمُ هُوَ مَعْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيُّ فَهِيَ مُتَابَعَةٌ قَوِيَّةٌ لِعُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ

أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَعْمَرٍ وَوَقَعَ لِشَيْخِهِ فِيهِ وَهَمٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَيَانِهِ.

قَوْلُهُ (أَعْذَرَ اللَّهُ) الْإِعْذَارُ إِزَالَةُ الْعُذْرِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ اعْتِذَارٌ كَأَنْ يَقُولَ لَوْ مُدَّ لِي فِي الْأَجَلِ لَفَعَلْتُ مَا أُمِرْتُ بِهِ يُقَالُ أَعْذَرَ إِلَيْهِ إِذَا بَلَّغَهُ أَقْصَى الْغَايَةِ فِي الْعُذْرِ وَمَكَّنَهُ مِنْهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الطَّاعَةِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا بِالْعُمُرِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ حِينَئِذٍ إِلَّا الِاسْتِغْفَارُ وَالطَّاعَةُ وَالْإِقْبَالُ عَلَى الْآخِرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَنِسْبَةُ الْإِعْذَارِ إِلَى اللَّهِ مَجَازِيَّةٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْ لِلْعَبْدِ سَبَبًا فِي الِاعْتِذَارِ يَتَمَسَّكُ بِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ إِلَّا بَعْدَ حُجَّةٍ.

قَوْلُهُ (أَخَّرَ أَجَلَهُ) يَعْنِي أَطَالَهُ (حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً) وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى يَبْلُغَ سِتِّينَ سَنَةً أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ (تَابَعَهُ أَبُو حَازِمٍ، وَابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ) أَمَّا مُتَابَعَةُ أَبِي حَازِمٍ وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ فَأَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَذَا أَخْرَجَهُ الْحُفَّاظُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَخَالَفَهُمْ هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ فَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَإِدْخَالُهُ بَيْنَ سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ رَجُلًا مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. وَأَمَّا طَرِيقُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ سِتُّونَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا كَانَتِ السِّتُّونَ حَدًّا لِهَذَا؛ لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنَ الْمُعْتَرَكِ وَهِيَ سِنُّ الْإِنَابَةِ وَالْخُشُوعِ وَتَرَقُّبِ الْمَنِيَّةِ. فَهَذَا إِعْذَارٌ بَعْدَ إِعْذَارٍ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ حَتَّى نَقَلَهُمْ مِنْ حَالَةِ الْجَهْلِ إِلَى حَالَةِ الْعِلْمِ ثُمَّ أَعْذَرَ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يُعَاقِبْهُمْ إِلَّا بَعْدَ الْحُجَجِ الْوَاضِحَةِ وَإِنْ كَانُوا فُطِرُوا عَلَى حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ لَكِنَّهُمْ أُمِرُوا بِمُجَاهِدَةِ النَّفْسِ فِي ذَلِكَ لِيَمَتثَّلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ وَيَنْزَجِرُوا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ.

وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اسْتِكْمَالَ السِّتِّينَ مَظِنَّةٌ لِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ.

قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْأَسْنَانُ أَرْبَعَةٌ سِنُّ الطُّفُولِيَّةِ ثُمَّ الشَّبَابِ ثُمَّ الْكُهُولَةِ ثُمَّ الشَّيْخُوخَةِ وَهِيَ آخِرُ الْأَسْنَانِ، وَغَالِبُ مَا يَكُونُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ ضَعْفُ الْقُوَّةِ بِالنَّقْصِ وَالِانْحِطَاطِ فَيَنْبَغِي لَهُ الْإِقْبَالُ عَلَى الْآخِرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْحَالَةِ الْأُولَى مِنَ النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ. وَقَدِ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَنِ اسْتَكْمَلَ سِتِّينَ فَلَمْ يَحُجَّ مَعَ الْقُدْرَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُقَصِّرًا وَيَأْثَمُ إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ، بِخِلَافِ مَا دُونَ ذَلِكَ.

قَالَ لَّيْثُ: عن يُونُسُ - وَابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَأَبُو سَلَمَةَ.

الحديث الثاني:

قَوْلُهُ (يُونُسُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ.

قَوْلُهُ (لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا، وَطُولِ الْأَمَلِ) الْمُرَادُ بِالْأَمَلِ هُنَا مَحَبَّةُ طُولِ الْعُمُرِ فَسَّرَهُ حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي بَعْدَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ وَسَمَّاهُ شَابًّا إِشَارَةً إِلَى قُوَّةِ اسْتِحْكَامِ حُبِّهِ لِلْمَالِ أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ وَالْمُطَابَقَةِ.

قَوْلُهُ (قَالَ لَيْثٌ، عَنْ يُونُسَ، وَابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ) هُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ (وَأَبُو سَلَمَةَ) يَعْنِي كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. أَمَّا رِوَايَةُ لَيْثٍ وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ الْمَالِ بَدَلَ الدُّنْيَا. وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ طُولِ الْحَيَاةِ وَحُبِّ الْمَالِ. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ذلك، والرَّابع إلى تمام السَّبعين وذلك زمان الشَّيخوخة، والخامسُ إلى آخر العُمر قال: وقد يتقدَّم ما ذكرنا من السِّنين (١) ويتأخَّر.

(تَابَعَهُ) أي: تابعَ معن بن محمد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بنُ دينار، ممَّا رواه النَّسائيُّ عن يعقوب بن عبد الرَّحمن، عن أبي حازم (وَ) تابع مَعْنًا أيضًا (ابْنُ عَجْلَانَ) محمَّد، فيما رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط» عن عبد الرَّزَّاق، عن معمرٍ، عن منصور بنِ المُعتمر، عن محمَّد بن عجلان كلاهما (عَنِ المَقْبُرِيِّ) أبي سعيدٍ ذكوان، عن أبي هُريرة بلفظ «مَنْ أتتْ عليهِ (٢) ستُّون سنةً فقد أعذرَ اللهُ إليه في العمرِ».

٦٤٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) الأمويُّ -نزلَ مكَّة- قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ (٣): سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: لَا يَزَالُ قَلْبُ) المرءِ (الكَبِيرِ) أي: الشَّيخ (شَابًّا) قويًّا (فِي اثْنَتَيْنِ) أي: خصلتين (فِي حُبِّ الدُّنْيَا) المال (وَ) محبَّة (طُولِ الأَمَلِ) أي: العُمر، كما فُسِّرا (٤) في الحديث السَّابق [خ¦٦٤٢١]، وأشار إلى قوَّة استحكام حبِّه للمال، أو هو من باب المشاكلة والمطابقة. وقال في «المصابيح»: فيه إيهام الطِّباق بين الكبير والشَّابّ، والاستعارة في شابًّا، والتَّوشيع في قوله: «في اثنتين … » إلى آخره، إذ هو عبارةٌ عن أن يأتيَ في عجُزِ الكلام بمثنَّى مفسَّر بمعطوفٍ ومعطوفٍ عليه كقوله:

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد