الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤١٥
الحديث رقم ٦٤١٥ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب مثل الدنيا في الآخرة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ
٦٤١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
ذَكَرَ ابنُ عُمر رضي الله عنهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بمنكبه -وهو مَجْمَع العَضُد والكَتِف- وقال له: كن في الدنيا كأنك غريب، قَدِمَ بلدًا لا مَسْكن لَهُ فيه يؤويه، ولا ساكن يسليه، خالٍ عن الأهل والعيال والعلائق، التي هي سبب الاشتغال عن الخالق، بل كن أشدَّ من الغريب وهو عابر السبيل المار على الطريق طالبًا وطنه؛ لأن الغريب قد يسكن في بلاد الغُرْبة ويُقيم فيها، بخلاف عابر السبيل القاصد للبلد، فإن من شأنه التخفف وعدم التوقف، والحرص على وصول بلده، فكما أن المسافر لا يحتاج إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المَحل.
فعمل ابن عمر بهذه النصيحة وكان يقول: إذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وعُدَّ نفسك في أهل القبور، ولأن العمرَ لا يخلو عن صحة ومرض؛
فبادر أيام صحتك بالطاعة لمرضك؛ واغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها المرض، واغتنم حياتك في الدنيا، فاجمع فيها ما ينفعك بعد موتك.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
٦٤١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
قَوْلُهُ (بَابُ مَثَلِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ بَعْضُ لَفْظِ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ رَفَعَهُ وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ، وَسَنَدُهُ إِلَى التَّابِعِيِّ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَرِّجْ لِلْمُسْتَوْرِدِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَإِنَّ قَدْرَ السَّوْطِ مِنَ الْجَنَّةِ إِذَا كَانَ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا فَيَكُونُ الَّذِي يُسَاوِيهَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ دُونَ قَدْرِ السَّوْطِ فَيُوَافِقُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمُسْتَوْرِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتِهَا، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ فَلَا قَدْرَ لَهَا وَلَا خَطَرَ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّقْرِيبِ، وَإِلَّا فَلَا نِسْبَةَ بَيْنَ الْمُتَنَاهِي وَبَيْنَ مَا لَا يَتَنَاهَى، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْإِصْبَعِ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا خَطَرَ، وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الدُّنْيَا كَالْمَاءِ الَّذِي يَعْلَقُ فِي الْإصْبُعِ مِنَ الْبَحْرِ، وَالْآخِرَةَ كَسَائِرِ الْبَحْرِ.
(تَنْبِيه): اخْتُلِفَ فِي يَاءِ يَرْجِعُ فَذَكَرَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ رَوَوْهُ بِالْمُثَنَّاةِ قَالَ فَجَعَلُوا الْفِعْلَ لِلْإِصْبَعِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَرَوَاهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ قَالَ فَجَعَلُوا الْفِعْلَ لِلْيَمِّ قُلْتُ أَوْ لِلْوَاضِعِ
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا، وَعَلَى هَذَا فَتُفْتَحُ الْهَمْزَةُ فِي (أنَّمَا) مُحَافَظَةً عَلَى لَفْظِ التِّلَاوَةِ، فَإِنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ .. إِلَخْ، وَلَوْلَا مَا وَقَعَ مِنْ سِيَاقِ بَقِيَّةِ الْآيَةِ لَجَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ أَرَادَ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْقِتَالِ وَهِيَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ .. الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمُرَادُ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَخْتَصُّ بِدَارِ الدُّنْيَا مِنْ تَصَرُّفٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الطَّاعَةِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِمَّا يُقِيمُ الْأَوَدَ وَيُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ فَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا وَالزِّينَةُ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ مِمَّا هُوَ خَارِجٌ عَنْ ذَاتِ الشَّيْءِ مِمَّا يُحَسَّنُ بِهِ الشَّيْءُ وَالتَّفَاخُرُ يَقَعُ بِالنَّسَبِ غَالِبًا كَعَادَةِ الْعَرَبِ وَالتَّكَاثُرُ ذُكِرَ مُتَعَلَّقُهُ فِي الْآيَةِ وَصُورَةُ هَذَا الْمِثَالِ أَنَّ الْمَرْءَ يُولَدُ فَيَنْشَأُ فَيَقْوَى فَيَكْسِبُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ وَيَرْأَسُ ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الِانْحِطَاطِ فَيَشِيبُ وَيَضْعُفُ وَيَسْقَمُ وَتُصِيبُهُ النَّوَائِبُ مِنْ مَرَضٍ وَنَقْصٍ مَالٍ وَعِزٍّ ثُمَّ يَمُوتُ فَيَضْمَحِلُّ أَمْرُهُ وَيَصِيرُ مَالُهُ لِغَيْرِهِ وَتُغَيَّرُ رُسُومُهُ فَحَالُهُ كَحَالِ أَرْضٍ أَصَابَهَا مَطَرٌ فَنَبَتَ عَلَيْهَا الْعُشْبُ نَبَاتًا مُعْجِبًا أَنِيقًا ثُمَّ هَاجَ أَيْ يَبِسَ وَاصْفَرَّ ثُمَّ تَحَطَّمَ وَتَفَرَّقَ إِلَى أَنِ اضْمَحَلَّ.
قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْكُفَّارِ، فَقِيلَ: جَمْعُ كَافِرٍ بِاللَّهِ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ تَعْظِيمًا لِلدُّنْيَا وَإِعْجَابًا بِمَحَاسِنِهَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمُ الزُّرَّاعُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَفَرَ الْحَبَّ فِي الْأَرْضِ أَيْ سَتَرَهُ بِهَا وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْبَصَرِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾) أي: مباهاة بهما، والتَّكاثر: ادِّعاء الاستكثارِ (﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾) بعد خضرتهِ (﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾) متفتِّتًا. شبَّه حال الدُّنيا وسرعة تقضيها مع قلَّة جدواهَا بنباتٍ أنبتَهُ الغيثُ فاستوى وقويَ، وأُعْجب به الكفَّار الجاحدونَ لنعمةِ الله فيما رزقَهم من الغيثِ والنَّبات، فبعثَ عليه العاهةَ فهاج واصفرَّ وصار حُطامًا عقوبةً لهم على جحودِهِم كما فعلَ بأصحاب الجنَّة، وصاحب الجنَّتين، وقيل: الكفَّار: الزُّرَّاع. وقال العمادُ بنُ كثير: أي: أعجب الزُّرَّاع نباتُ ذلك الزَّرع الَّذي نبت بالغيثِ، وكما يعجب الزُّرَّاع ذلك كذلك تُعجب الحياة الدُّنيا الكفَّار (١)، فإنَّهم أحرص شيءٍ عليها، وأميل النَّاس إليها، ثمَّ يهيجُ فتراه مصفرًّا، ثمَّ يكون حطامًا، أي: يهيجُ ذلك الزَّرع فتراهُ مصفرًّا بعدمَا كان أخضر نضرًا، ثمَّ يصير يبسًا متحطِّمًا؛ هكذا الحياة الدُّنيا تكون أوَّلًا شابًّة، ثمَّ تكتهلُ، ثمَّ تكون عجوزًا شَوهاء، والإنسانُ كذلك يكون في أوَّل عمرهِ وعنفوانِ شبابهِ غضًّا طريًّا ليِّن الأعطافِ بَهيَّ المنظرِ، ثمَّ إنَّه يشرعُ في الكُهُولة فتتغيَّر طباعُه ويفقدُ بعض قِواه، ثمَّ يكبر فيصيرُ شيخًا كبيرًا ضعيف القوى، قليل الحركةِ، يعجز عن المشي (٢) اليسير، ولمّا كان هذا المثلُ دالًّا على زوال الدُّنيا وانقضائها، والآخرة كائنةٌ لا محالة حذَّر من أمرها ورغَّب فيما فيها من الخيراتِ، فقال: (﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾) للكفَّار (﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ﴾) للمؤمنين (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]) لمن ركنَ إليها واعتمدَ عليها. قال ذو النُّون المصريُّ: يا معشر المريدين لا تطلبوا الدُّنيا، وإنْ طلبتموها فلا تحبُّوها، فإنَّ الزَّاد منها والمَقيلُ في غيرها، وسقط من قوله «﴿وَزِينَةٌ﴾ … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ، وقال عَقِب قوله ﴿وَلَهْوٌ﴾: «إلى قوله: ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾».
٦٤١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي حازم سلمة بنِ دينار (عَنْ سَهْلٍ) بفتح السين، ابن سعدٍ السَّاعديِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ) بلام التَّأكيد
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ويَمُرُّ بِنا فَقَالَ اللَّهُمَّ:
(لَا عَيْشَ إلاّ عِيْشُ الآخِرَهْ ... فاغْفِرْ لِلأنْصارِ والمُهاجِرَهْ)
(انْظُر الحَدِيث ٧٩٧٣ وطرفه) .
مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن الْمِقْدَام بِكَسْر الْمِيم الْعجلِيّ والفضيل بن سُلَيْمَان النميري بِضَم النُّون وَفتح الْمِيم مصغر النمر، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي سَلمَة بن دِينَار.
والْحَدِيث مضى فِي فضل الْأَنْصَار. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن بزيغ.
قَوْله: (وَهُوَ يحْفر) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحْفر الخَنْدَق. فَإِن قلت: تقدم فِي فضل الْأَنْصَار: خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وهم يحفرون؟ .
قلت: الْجمع بَينهمَا بِأَن يُقَال: كَانَ مِنْهُم من يحْفر مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَمِنْهُم من كَانَ ينْقل التُّرَاب.
تابَعَهُ سَهْلُ بنُ سَعْدٍ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِثْلَهُ
قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا يحْتَاج إِلَى نظر، وَقَالَ غَيره: هَذَا لَيْسَ بموجود فِي نسخ البُخَارِيّ فَيَنْبَغِي إِسْقَاطه.
٢ - (بابُ مَثَلِ الدُّنْيا فِي الآخِرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب مترجم بقوله: مثل الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة. قَوْله: (مثل الدُّنْيَا) كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله: فِي الْآخِرَة مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره: مثل الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَة، وَكلمَة: فِي تأتى بِمَعْنى: إِلَى، كَافِي قَوْله تَعَالَى: { (١٤) فَردُّوا أَيْديهم فِي أَفْوَاههم} (إِبْرَاهِيم: ٩) أَي: إِلَى أَفْوَاههم. وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره: كَمثل لَا شَيْء، أَلا ترى أَن قدر سَوط فِي الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا! على مَا يَجِيء فِي حَدِيث الْبَاب؟ وَقَالَ بَعضهم: هَذِه التَّرْجَمَة بعض لفظ حَدِيث أخرجه مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق قيس بن أبي حَازِم عَن الْمُسْتَوْرد بن شَدَّاد رَفعه: (وَالله مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إلَاّ مثل مَا يَجْعَل أحدكُم إصبعه فِي اليم فَلْينْظر بِمَ يرجع) .
قلت: لَا وَجه أصلا فِي الَّذِي ذكره، وَلَا خطر ببال البُخَارِيّ هَذَا، وَإِنَّمَا وضع هَذِه التَّرْجَمَة ثمَّ ذكر حَدِيث سهل لِأَنَّهُ يطابقها فِي الْمَعْنى، وَلَا يخفى ذَلِك إلَاّ على الْقَاصِر فِي الْفَهم.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: {اعْلَمُو اْ أَنَّمَا الْحَيَواةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الَاْمْوَالِ وَالَاْوْلْادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِى الَاْخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَواةُ الدُّنْيَآ إِلَاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} (الْحَدِيد: ٠٢) [/ ح.
وَقَوله بِالرَّفْع عطف على قَوْله: مثل الدُّنْيَا، وَهَذَا هَكَذَا بِالسوقِ إِلَى قَوْله: {مَتَاع الْغرُور} فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: {إِنَّمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا لعب وَلَهو} إِلَى قَوْله: {مَتَاع الْغرُور} وَأول الْآيَة: {اعلموا أَنما الْحَيَاة الدُّنْيَا} وَالْمرَاد بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا هُنَا مَا يخْتَص بدار الدُّنْيَا من تصرف، وَأما مَا كَانَ فِيهَا من الطَّاعَة وَمَا لَا بدل مِنْهُ مِمَّا يُقيم الأود ويعين على الطَّاعَة فَلَيْسَ مرَادا هُنَا. قَوْله: {وزينة} وَهِي مَا يتزين بِهِ مِمَّا هُوَ خَارج عَن ذَات الشَّيْء مِمَّا يحسن بِهِ الشَّيْء. قَوْله: {وتفاخر} هَذَا غَالِبا يكون بِالنّسَبِ كعادة الْعَرَب. قَوْله: {وتكاثر فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد} حَيْثُ يَقُولُونَ: نَحن أَكثر مَالا وَولدا من بني فلَان، فيتفاخرون بذلك. قَوْله: {كَمثل غيث} أَي: زرع {أعجب الْكفَّار} أَي: الزراع {نَبَاته} وهم الَّذين يكفرون الْبذر أَي يغطونه، وَقيل: هم من كفر لِأَن الدُّنْيَا تعجبهم. قَوْله: {ثمَّ يهيج} أَي: يجِف وَيبقى حطاماً يتحطم، وَهَذَا مثل الدُّنْيَا وزوالها. قَوْله: {عَذَاب شَدِيد} أَي: الْأَعْدَاء الله تَعَالَى. قَوْله: {ومغفرة} أَي: لأوليائه. قَوْله: {وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور} تَأْكِيد لما سبق أَي: تغر من ركن إِلَيْهَا وَأما التقى فَهِيَ لَهُ بَلَاغ إِلَى الْآخِرَة.
٥١٤٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة حَدثنَا عبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازِمِ عنْ أبيهِ عنْ سَهْلِ قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: (مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَمَا فِيها، ولَغَدْوَةٌ فِي سَبيلِ الله أوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَمَا فِيها.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث من حَيْثُ إِن قدر مَوضِع سَوط إِذا كَانَ خيرا من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا تكون الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَة كلا شَيْء كَمَا ذَكرْنَاهُ.
وَعبد الْعَزِيز يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة بن دِينَار عَن سهل بن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ رَضِي الله عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن يحيى بن يحيى.
قَوْله: (ولغدوة) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (فِي سَبِيل الله) أَعم من الْجِهَاد. قَوْله: (أَو رَوْحَة) ، كلمة: أَو: للتنويع لَا لشك الرَّاوِي.
٣ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كُنْ فِي الدُّنْيا كأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عابِرُ سَبِيلٍ))
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كن فِي الدُّنْيَا)
إِلَى آخِره، وَهَذِه تَرْجَمَة بِبَعْض حَدِيث الْبَاب. قيل: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن حَدِيث الْبَاب مَرْفُوع، وَأَن من رَوَاهُ مَوْقُوفا قصر فِيهِ.
٤ - (بابٌ فِي الأمَلِ وطُولِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْهَاء الأمل عَن الْعَمَل، والأمل مَذْمُوم لجَمِيع النَّاس إلَاّ الْعلمَاء فلولا أملهم وَطوله لما صنفوا وَلما ألفوا، وَقد نبه عَلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ بقوله:
(وآمال الرِّجَال لَهُم فضوح ... سوى أمل المُصَنّف ذِي الْعُلُوم)
وَالْفرق بَين الأمل وَالتَّمَنِّي أَن الأمل مَا يقوم بِسَبَب وَالتَّمَنِّي بِخِلَافِهِ، وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء: إِن الْإِنْسَان لَا يَنْفَكّ عَن الأمل فَإِن فَاتَهُ الأمل عول على التَّمَنِّي وَقيل: كَثْرَة التَّمَنِّي تخلق الْعقل وتفسد الدّين وتطرد القناعة، وَقَالَ الشَّاعِر:
(الله أصدق والآمال كَاذِبَة ... وَجل هَذَا المنى فِي الصَّدْر وسواس)
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: { (٣) فَمن زحزح عَن النَّار وادخل الْجنَّة. . مَتَاع الْغرُور} (آل عمرَان: ٥٨١) . إِلَى قَوْله: {ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فَسَوف يعلمُونَ} (الْحجر: ٣) .
هَاتَانِ الْآيَتَانِ: الأولى: مسوقة بِتَمَامِهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ هَكَذَا: {فَمن زحزح عَن النَّار وادخل الْجنَّة فقد فَازَ} الْآيَة. وَالثَّانيَِة: فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيرهَا مسوقة. إِلَى آخرهَا. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا {ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا} ... الْآيَة وَبَين الْآيَتَيْنِ سقط لفظ: قَوْله، فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه مُنَاسبَة الْآيَة الأولى بالترجمة صدرها وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {كل نفس ذائقة الْمَوْت} أَو عجزها وَهُوَ {وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا الامتاع الْغرُور} وَهَذَا يبين أَن مُتَعَلق الأمل لَيْسَ بِشَيْء قَوْله: {فَمن زحزح} أَي: أبعد قَوْله: {فَازَ} أَي: نجا. قَوْله: {ذرهم} الْأَمر فِيهِ للتهديد أَي: ذَر الْمُشْركين يَا مُحَمَّد يَأْكُلُوا فِي هَذِه الدُّنْيَا ويتمتعوا من لذاتها إِلَى أَجلهم الَّذِي أجل لَهُم، وَفِيه زجر عَن الانهماك فِي ملاذ الدُّنْيَا. قَوْله: {ويلههم الأمل} أَي: يشغلهم عَن عمل الْآخِرَة.
وَقَالَ عَلِيٌّ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيا مُدْبِرَةً وارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَة ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُما بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أبْناءِ الآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أبْناءِ الدُّنْيا، فإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسابَ، وغَداً حِسابٌ وَلَا عَمَلَ.
أَي: قَالَ عَليّ بن أبي طَالب، وَهَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ، ومطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من أَوله لِأَن الدُّنْيَا لما كَانَت مُدبرَة فالأمل فِيهَا مَذْمُوم، وَمن كَلَام عَليّ هَذَا أَخذ بعض الْحُكَمَاء قَوْله: الدُّنْيَا مُدبرَة وَالْآخِرَة مقبلة فَعجب لمن يقبل على الْمُدبرَة وَيُدبر عَن الْمُقبلَة. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : روينَا فِي كتاب أبي اللَّيْث السَّمرقَنْدِي، رَحمَه الله قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (صَلَاح أول هَذِه الْأمة بالزهد وَالْيَقِين وَيهْلك آخرهَا بالبخل والأمل) قلت: روى هَذَا الحَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَفعه، أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا، وَأثر عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه ابْن الْمُبَارك فِي (رقائقه) وَرَوَاهُ نعيم بن حَمَّاد عَن سُلَيْمَان ابْن خَلاد: حَدثنَا سُفْيَان عَن زبيد اليامي عَن مهَاجر الطَّبَرِيّ عَنهُ. قَوْله: (فَإِن الْيَوْم عمل) ، قيل الْيَوْم لَيْسَ عملا بل فِيهِ الْعَمَل وَلَا يُمكن تَقْدِير: فِي وإلَاّ وَجب نصب عمل. وَأجِيب: بِأَنَّهُ جعله نفس الْعَمَل مُبَالغَة كَقَوْلِهِم: أَبُو حنيفَة فقه ونهاره صَائِم. قَوْله: (وَلَا حِسَاب) بِالْفَتْح أَي: لَا حِسَاب فِيهِ. وَيجوز بِالرَّفْع أَي: لَيْسَ فِي الْيَوْم حِسَاب، وَمثله شَاذ عِنْد النُّحَاة، وَهَذَا حجَّة عَلَيْهِم.
٧١٤٦ - حدّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخبرنَا يَحْيَى عنْ سُفْيانَ قَالَ: حدّثني أبي عنْ مُنذرٍ عنْ رَبِيعِ بنِ خُثَيْمٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: خَط النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطا مُرَبَّعاً، وخَطَّ خَطًّا فِي الوَسَطِ خارِجاً منْهُ، وخَطَّ خُطُطاً صِغاراً إِلَى هاذا الَّذِي فِي الوَسَطِ مِنْ جانبِهِ الّذِي فِي الوَسَطِ، وَقَالَ: (هاذَا الإنْسانُ وهاذَا أجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ أَو: قَدْ أحاطَ بِهِ: وهاذَا الذِي هُوَ خارِجٌ أمَلُهُ وهاذِهِ الخَطُطُ الصِّغَارُ الأعْرَاضُ، فإنْ أخْطأهُ هاذَا نَهَشَهُ هاذَا وإنْ أخْطأهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ مِثَال أمل الْإِنْسَان وأجله والأعراض الَّتِي تعرض عَلَيْهِ وَمَوته عِنْد وَاحِد مِنْهَا، فَإِن سلم مِنْهَا فيأتيه الْمَوْت عِنْد انْقِضَاء أَجله.
ويحيي هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ يروي عَن أَبِيه سعيد بن مَسْرُوق، وَسَعِيد بن مَسْرُوق، وَسَعِيد يروي عَن مُنْذر على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من الْإِنْذَار ابْن يعلى على وزن يرضى بِفَتْح الْيَاء الثَّوْريّ الْكُوفِي يروي عَن ربيع بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن خثيم بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالميم الثَّوْريّ أَيْضا.
وَهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة ثوريون كوفيون، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن ابْن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرقَاق عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
٦٤١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
قَوْلُهُ (بَابُ مَثَلِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ بَعْضُ لَفْظِ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ رَفَعَهُ وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ، وَسَنَدُهُ إِلَى التَّابِعِيِّ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَرِّجْ لِلْمُسْتَوْرِدِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَإِنَّ قَدْرَ السَّوْطِ مِنَ الْجَنَّةِ إِذَا كَانَ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا فَيَكُونُ الَّذِي يُسَاوِيهَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ دُونَ قَدْرِ السَّوْطِ فَيُوَافِقُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمُسْتَوْرِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتِهَا، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ فَلَا قَدْرَ لَهَا وَلَا خَطَرَ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّقْرِيبِ، وَإِلَّا فَلَا نِسْبَةَ بَيْنَ الْمُتَنَاهِي وَبَيْنَ مَا لَا يَتَنَاهَى، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْإِصْبَعِ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا خَطَرَ، وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الدُّنْيَا كَالْمَاءِ الَّذِي يَعْلَقُ فِي الْإصْبُعِ مِنَ الْبَحْرِ، وَالْآخِرَةَ كَسَائِرِ الْبَحْرِ.
(تَنْبِيه): اخْتُلِفَ فِي يَاءِ يَرْجِعُ فَذَكَرَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ رَوَوْهُ بِالْمُثَنَّاةِ قَالَ فَجَعَلُوا الْفِعْلَ لِلْإِصْبَعِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَرَوَاهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ قَالَ فَجَعَلُوا الْفِعْلَ لِلْيَمِّ قُلْتُ أَوْ لِلْوَاضِعِ
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا، وَعَلَى هَذَا فَتُفْتَحُ الْهَمْزَةُ فِي (أنَّمَا) مُحَافَظَةً عَلَى لَفْظِ التِّلَاوَةِ، فَإِنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ .. إِلَخْ، وَلَوْلَا مَا وَقَعَ مِنْ سِيَاقِ بَقِيَّةِ الْآيَةِ لَجَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ أَرَادَ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْقِتَالِ وَهِيَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ .. الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمُرَادُ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَخْتَصُّ بِدَارِ الدُّنْيَا مِنْ تَصَرُّفٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الطَّاعَةِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِمَّا يُقِيمُ الْأَوَدَ وَيُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ فَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا وَالزِّينَةُ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ مِمَّا هُوَ خَارِجٌ عَنْ ذَاتِ الشَّيْءِ مِمَّا يُحَسَّنُ بِهِ الشَّيْءُ وَالتَّفَاخُرُ يَقَعُ بِالنَّسَبِ غَالِبًا كَعَادَةِ الْعَرَبِ وَالتَّكَاثُرُ ذُكِرَ مُتَعَلَّقُهُ فِي الْآيَةِ وَصُورَةُ هَذَا الْمِثَالِ أَنَّ الْمَرْءَ يُولَدُ فَيَنْشَأُ فَيَقْوَى فَيَكْسِبُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ وَيَرْأَسُ ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الِانْحِطَاطِ فَيَشِيبُ وَيَضْعُفُ وَيَسْقَمُ وَتُصِيبُهُ النَّوَائِبُ مِنْ مَرَضٍ وَنَقْصٍ مَالٍ وَعِزٍّ ثُمَّ يَمُوتُ فَيَضْمَحِلُّ أَمْرُهُ وَيَصِيرُ مَالُهُ لِغَيْرِهِ وَتُغَيَّرُ رُسُومُهُ فَحَالُهُ كَحَالِ أَرْضٍ أَصَابَهَا مَطَرٌ فَنَبَتَ عَلَيْهَا الْعُشْبُ نَبَاتًا مُعْجِبًا أَنِيقًا ثُمَّ هَاجَ أَيْ يَبِسَ وَاصْفَرَّ ثُمَّ تَحَطَّمَ وَتَفَرَّقَ إِلَى أَنِ اضْمَحَلَّ.
قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْكُفَّارِ، فَقِيلَ: جَمْعُ كَافِرٍ بِاللَّهِ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ تَعْظِيمًا لِلدُّنْيَا وَإِعْجَابًا بِمَحَاسِنِهَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمُ الزُّرَّاعُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَفَرَ الْحَبَّ فِي الْأَرْضِ أَيْ سَتَرَهُ بِهَا وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْبَصَرِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾) أي: مباهاة بهما، والتَّكاثر: ادِّعاء الاستكثارِ (﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾) بعد خضرتهِ (﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾) متفتِّتًا. شبَّه حال الدُّنيا وسرعة تقضيها مع قلَّة جدواهَا بنباتٍ أنبتَهُ الغيثُ فاستوى وقويَ، وأُعْجب به الكفَّار الجاحدونَ لنعمةِ الله فيما رزقَهم من الغيثِ والنَّبات، فبعثَ عليه العاهةَ فهاج واصفرَّ وصار حُطامًا عقوبةً لهم على جحودِهِم كما فعلَ بأصحاب الجنَّة، وصاحب الجنَّتين، وقيل: الكفَّار: الزُّرَّاع. وقال العمادُ بنُ كثير: أي: أعجب الزُّرَّاع نباتُ ذلك الزَّرع الَّذي نبت بالغيثِ، وكما يعجب الزُّرَّاع ذلك كذلك تُعجب الحياة الدُّنيا الكفَّار (١)، فإنَّهم أحرص شيءٍ عليها، وأميل النَّاس إليها، ثمَّ يهيجُ فتراه مصفرًّا، ثمَّ يكون حطامًا، أي: يهيجُ ذلك الزَّرع فتراهُ مصفرًّا بعدمَا كان أخضر نضرًا، ثمَّ يصير يبسًا متحطِّمًا؛ هكذا الحياة الدُّنيا تكون أوَّلًا شابًّة، ثمَّ تكتهلُ، ثمَّ تكون عجوزًا شَوهاء، والإنسانُ كذلك يكون في أوَّل عمرهِ وعنفوانِ شبابهِ غضًّا طريًّا ليِّن الأعطافِ بَهيَّ المنظرِ، ثمَّ إنَّه يشرعُ في الكُهُولة فتتغيَّر طباعُه ويفقدُ بعض قِواه، ثمَّ يكبر فيصيرُ شيخًا كبيرًا ضعيف القوى، قليل الحركةِ، يعجز عن المشي (٢) اليسير، ولمّا كان هذا المثلُ دالًّا على زوال الدُّنيا وانقضائها، والآخرة كائنةٌ لا محالة حذَّر من أمرها ورغَّب فيما فيها من الخيراتِ، فقال: (﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾) للكفَّار (﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ﴾) للمؤمنين (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]) لمن ركنَ إليها واعتمدَ عليها. قال ذو النُّون المصريُّ: يا معشر المريدين لا تطلبوا الدُّنيا، وإنْ طلبتموها فلا تحبُّوها، فإنَّ الزَّاد منها والمَقيلُ في غيرها، وسقط من قوله «﴿وَزِينَةٌ﴾ … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ، وقال عَقِب قوله ﴿وَلَهْوٌ﴾: «إلى قوله: ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾».
٦٤١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي حازم سلمة بنِ دينار (عَنْ سَهْلٍ) بفتح السين، ابن سعدٍ السَّاعديِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ) بلام التَّأكيد
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ويَمُرُّ بِنا فَقَالَ اللَّهُمَّ:
(لَا عَيْشَ إلاّ عِيْشُ الآخِرَهْ ... فاغْفِرْ لِلأنْصارِ والمُهاجِرَهْ)
(انْظُر الحَدِيث ٧٩٧٣ وطرفه) .
مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن الْمِقْدَام بِكَسْر الْمِيم الْعجلِيّ والفضيل بن سُلَيْمَان النميري بِضَم النُّون وَفتح الْمِيم مصغر النمر، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي سَلمَة بن دِينَار.
والْحَدِيث مضى فِي فضل الْأَنْصَار. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن بزيغ.
قَوْله: (وَهُوَ يحْفر) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحْفر الخَنْدَق. فَإِن قلت: تقدم فِي فضل الْأَنْصَار: خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وهم يحفرون؟ .
قلت: الْجمع بَينهمَا بِأَن يُقَال: كَانَ مِنْهُم من يحْفر مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَمِنْهُم من كَانَ ينْقل التُّرَاب.
تابَعَهُ سَهْلُ بنُ سَعْدٍ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِثْلَهُ
قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا يحْتَاج إِلَى نظر، وَقَالَ غَيره: هَذَا لَيْسَ بموجود فِي نسخ البُخَارِيّ فَيَنْبَغِي إِسْقَاطه.
٢ - (بابُ مَثَلِ الدُّنْيا فِي الآخِرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب مترجم بقوله: مثل الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة. قَوْله: (مثل الدُّنْيَا) كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله: فِي الْآخِرَة مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره: مثل الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَة، وَكلمَة: فِي تأتى بِمَعْنى: إِلَى، كَافِي قَوْله تَعَالَى: { (١٤) فَردُّوا أَيْديهم فِي أَفْوَاههم} (إِبْرَاهِيم: ٩) أَي: إِلَى أَفْوَاههم. وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره: كَمثل لَا شَيْء، أَلا ترى أَن قدر سَوط فِي الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا! على مَا يَجِيء فِي حَدِيث الْبَاب؟ وَقَالَ بَعضهم: هَذِه التَّرْجَمَة بعض لفظ حَدِيث أخرجه مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق قيس بن أبي حَازِم عَن الْمُسْتَوْرد بن شَدَّاد رَفعه: (وَالله مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إلَاّ مثل مَا يَجْعَل أحدكُم إصبعه فِي اليم فَلْينْظر بِمَ يرجع) .
قلت: لَا وَجه أصلا فِي الَّذِي ذكره، وَلَا خطر ببال البُخَارِيّ هَذَا، وَإِنَّمَا وضع هَذِه التَّرْجَمَة ثمَّ ذكر حَدِيث سهل لِأَنَّهُ يطابقها فِي الْمَعْنى، وَلَا يخفى ذَلِك إلَاّ على الْقَاصِر فِي الْفَهم.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: {اعْلَمُو اْ أَنَّمَا الْحَيَواةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الَاْمْوَالِ وَالَاْوْلْادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِى الَاْخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَواةُ الدُّنْيَآ إِلَاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} (الْحَدِيد: ٠٢) [/ ح.
وَقَوله بِالرَّفْع عطف على قَوْله: مثل الدُّنْيَا، وَهَذَا هَكَذَا بِالسوقِ إِلَى قَوْله: {مَتَاع الْغرُور} فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: {إِنَّمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا لعب وَلَهو} إِلَى قَوْله: {مَتَاع الْغرُور} وَأول الْآيَة: {اعلموا أَنما الْحَيَاة الدُّنْيَا} وَالْمرَاد بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا هُنَا مَا يخْتَص بدار الدُّنْيَا من تصرف، وَأما مَا كَانَ فِيهَا من الطَّاعَة وَمَا لَا بدل مِنْهُ مِمَّا يُقيم الأود ويعين على الطَّاعَة فَلَيْسَ مرَادا هُنَا. قَوْله: {وزينة} وَهِي مَا يتزين بِهِ مِمَّا هُوَ خَارج عَن ذَات الشَّيْء مِمَّا يحسن بِهِ الشَّيْء. قَوْله: {وتفاخر} هَذَا غَالِبا يكون بِالنّسَبِ كعادة الْعَرَب. قَوْله: {وتكاثر فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد} حَيْثُ يَقُولُونَ: نَحن أَكثر مَالا وَولدا من بني فلَان، فيتفاخرون بذلك. قَوْله: {كَمثل غيث} أَي: زرع {أعجب الْكفَّار} أَي: الزراع {نَبَاته} وهم الَّذين يكفرون الْبذر أَي يغطونه، وَقيل: هم من كفر لِأَن الدُّنْيَا تعجبهم. قَوْله: {ثمَّ يهيج} أَي: يجِف وَيبقى حطاماً يتحطم، وَهَذَا مثل الدُّنْيَا وزوالها. قَوْله: {عَذَاب شَدِيد} أَي: الْأَعْدَاء الله تَعَالَى. قَوْله: {ومغفرة} أَي: لأوليائه. قَوْله: {وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور} تَأْكِيد لما سبق أَي: تغر من ركن إِلَيْهَا وَأما التقى فَهِيَ لَهُ بَلَاغ إِلَى الْآخِرَة.
٥١٤٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة حَدثنَا عبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازِمِ عنْ أبيهِ عنْ سَهْلِ قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: (مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَمَا فِيها، ولَغَدْوَةٌ فِي سَبيلِ الله أوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَمَا فِيها.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث من حَيْثُ إِن قدر مَوضِع سَوط إِذا كَانَ خيرا من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا تكون الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَة كلا شَيْء كَمَا ذَكرْنَاهُ.
وَعبد الْعَزِيز يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة بن دِينَار عَن سهل بن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ رَضِي الله عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن يحيى بن يحيى.
قَوْله: (ولغدوة) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (فِي سَبِيل الله) أَعم من الْجِهَاد. قَوْله: (أَو رَوْحَة) ، كلمة: أَو: للتنويع لَا لشك الرَّاوِي.
٣ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كُنْ فِي الدُّنْيا كأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عابِرُ سَبِيلٍ))
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كن فِي الدُّنْيَا)
إِلَى آخِره، وَهَذِه تَرْجَمَة بِبَعْض حَدِيث الْبَاب. قيل: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن حَدِيث الْبَاب مَرْفُوع، وَأَن من رَوَاهُ مَوْقُوفا قصر فِيهِ.
٤ - (بابٌ فِي الأمَلِ وطُولِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْهَاء الأمل عَن الْعَمَل، والأمل مَذْمُوم لجَمِيع النَّاس إلَاّ الْعلمَاء فلولا أملهم وَطوله لما صنفوا وَلما ألفوا، وَقد نبه عَلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ بقوله:
(وآمال الرِّجَال لَهُم فضوح ... سوى أمل المُصَنّف ذِي الْعُلُوم)
وَالْفرق بَين الأمل وَالتَّمَنِّي أَن الأمل مَا يقوم بِسَبَب وَالتَّمَنِّي بِخِلَافِهِ، وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء: إِن الْإِنْسَان لَا يَنْفَكّ عَن الأمل فَإِن فَاتَهُ الأمل عول على التَّمَنِّي وَقيل: كَثْرَة التَّمَنِّي تخلق الْعقل وتفسد الدّين وتطرد القناعة، وَقَالَ الشَّاعِر:
(الله أصدق والآمال كَاذِبَة ... وَجل هَذَا المنى فِي الصَّدْر وسواس)
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: { (٣) فَمن زحزح عَن النَّار وادخل الْجنَّة. . مَتَاع الْغرُور} (آل عمرَان: ٥٨١) . إِلَى قَوْله: {ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فَسَوف يعلمُونَ} (الْحجر: ٣) .
هَاتَانِ الْآيَتَانِ: الأولى: مسوقة بِتَمَامِهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ هَكَذَا: {فَمن زحزح عَن النَّار وادخل الْجنَّة فقد فَازَ} الْآيَة. وَالثَّانيَِة: فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيرهَا مسوقة. إِلَى آخرهَا. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا {ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا} ... الْآيَة وَبَين الْآيَتَيْنِ سقط لفظ: قَوْله، فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه مُنَاسبَة الْآيَة الأولى بالترجمة صدرها وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {كل نفس ذائقة الْمَوْت} أَو عجزها وَهُوَ {وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا الامتاع الْغرُور} وَهَذَا يبين أَن مُتَعَلق الأمل لَيْسَ بِشَيْء قَوْله: {فَمن زحزح} أَي: أبعد قَوْله: {فَازَ} أَي: نجا. قَوْله: {ذرهم} الْأَمر فِيهِ للتهديد أَي: ذَر الْمُشْركين يَا مُحَمَّد يَأْكُلُوا فِي هَذِه الدُّنْيَا ويتمتعوا من لذاتها إِلَى أَجلهم الَّذِي أجل لَهُم، وَفِيه زجر عَن الانهماك فِي ملاذ الدُّنْيَا. قَوْله: {ويلههم الأمل} أَي: يشغلهم عَن عمل الْآخِرَة.
وَقَالَ عَلِيٌّ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيا مُدْبِرَةً وارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَة ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُما بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أبْناءِ الآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أبْناءِ الدُّنْيا، فإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسابَ، وغَداً حِسابٌ وَلَا عَمَلَ.
أَي: قَالَ عَليّ بن أبي طَالب، وَهَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ، ومطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من أَوله لِأَن الدُّنْيَا لما كَانَت مُدبرَة فالأمل فِيهَا مَذْمُوم، وَمن كَلَام عَليّ هَذَا أَخذ بعض الْحُكَمَاء قَوْله: الدُّنْيَا مُدبرَة وَالْآخِرَة مقبلة فَعجب لمن يقبل على الْمُدبرَة وَيُدبر عَن الْمُقبلَة. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : روينَا فِي كتاب أبي اللَّيْث السَّمرقَنْدِي، رَحمَه الله قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (صَلَاح أول هَذِه الْأمة بالزهد وَالْيَقِين وَيهْلك آخرهَا بالبخل والأمل) قلت: روى هَذَا الحَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَفعه، أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا، وَأثر عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه ابْن الْمُبَارك فِي (رقائقه) وَرَوَاهُ نعيم بن حَمَّاد عَن سُلَيْمَان ابْن خَلاد: حَدثنَا سُفْيَان عَن زبيد اليامي عَن مهَاجر الطَّبَرِيّ عَنهُ. قَوْله: (فَإِن الْيَوْم عمل) ، قيل الْيَوْم لَيْسَ عملا بل فِيهِ الْعَمَل وَلَا يُمكن تَقْدِير: فِي وإلَاّ وَجب نصب عمل. وَأجِيب: بِأَنَّهُ جعله نفس الْعَمَل مُبَالغَة كَقَوْلِهِم: أَبُو حنيفَة فقه ونهاره صَائِم. قَوْله: (وَلَا حِسَاب) بِالْفَتْح أَي: لَا حِسَاب فِيهِ. وَيجوز بِالرَّفْع أَي: لَيْسَ فِي الْيَوْم حِسَاب، وَمثله شَاذ عِنْد النُّحَاة، وَهَذَا حجَّة عَلَيْهِم.
٧١٤٦ - حدّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخبرنَا يَحْيَى عنْ سُفْيانَ قَالَ: حدّثني أبي عنْ مُنذرٍ عنْ رَبِيعِ بنِ خُثَيْمٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: خَط النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطا مُرَبَّعاً، وخَطَّ خَطًّا فِي الوَسَطِ خارِجاً منْهُ، وخَطَّ خُطُطاً صِغاراً إِلَى هاذا الَّذِي فِي الوَسَطِ مِنْ جانبِهِ الّذِي فِي الوَسَطِ، وَقَالَ: (هاذَا الإنْسانُ وهاذَا أجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ أَو: قَدْ أحاطَ بِهِ: وهاذَا الذِي هُوَ خارِجٌ أمَلُهُ وهاذِهِ الخَطُطُ الصِّغَارُ الأعْرَاضُ، فإنْ أخْطأهُ هاذَا نَهَشَهُ هاذَا وإنْ أخْطأهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ مِثَال أمل الْإِنْسَان وأجله والأعراض الَّتِي تعرض عَلَيْهِ وَمَوته عِنْد وَاحِد مِنْهَا، فَإِن سلم مِنْهَا فيأتيه الْمَوْت عِنْد انْقِضَاء أَجله.
ويحيي هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ يروي عَن أَبِيه سعيد بن مَسْرُوق، وَسَعِيد بن مَسْرُوق، وَسَعِيد يروي عَن مُنْذر على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من الْإِنْذَار ابْن يعلى على وزن يرضى بِفَتْح الْيَاء الثَّوْريّ الْكُوفِي يروي عَن ربيع بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن خثيم بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالميم الثَّوْريّ أَيْضا.
وَهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة ثوريون كوفيون، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن ابْن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرقَاق عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن