الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٥٠٠
الحديث رقم ٦٥٠٠ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من جاهد نفسه في طاعة الله.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٥٠٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ:
يبين النبي صلى الله عليه وسلم حق الله على العباد، وحق العباد على الله، وأن حق الله على العباد أن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئًا،
وأن حق العباد على الله هو أن لا يُعذب الموحدين الذين لا يشركون به شيئًا.
ثم إن معاذا قال: يا رسول الله، ألا أبشر الناس ليفرحوا ويستبشروا بهذا الفضل؟
فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم خشية أن يعتمدوا عليها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
- تَعَالَى -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ أَنْ يَسْمَعَهُ النَّاسُ وَيَرَوْهُ لِيُعَظِّمُوهُ وَتَعْلُوَ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُمْ حَصَلَ لَهُ مَا قَصَدَ، وَكَانَ ذَلِكَ جَزَاءَهُ عَلَى عَمَلِهِ ; وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ سَمَّعَ بِعُيُوبِ النَّاسِ وَأَذَاعَهَا أَظْهَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُ وَسَمَّعَهُ الْمَكْرُوهَ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ نَسَبَ إِلَى نَفْسِهِ عَمَلًا صَالِحًا لَمْ يَفْعَلْهُ وَادَّعَى خَيْرًا لَمْ يَصْنَعْهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَفْضَحُهُ وَيُظْهِرُ كَذِبَهُ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ يُرَائي النَّاسَ بِعَمَلِهِ أَرَاهُ اللَّهُ ثَوَابَ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَحَرَمَهُ إِيَّاهُ، وقِيلَ: مَعْنَى سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ شَهَّرَهُ أَوْ مَلَأَ أَسْمَاعَ النَّاسِ بِسُوءِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْقِيَامَةِ بِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ خُبْثِ السَّرِيرَةِ.
قُلْتُ: وَرَدَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ التَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالدَّارِمِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هِنْدٍ الدَّارِيِّ رَفَعَهُ مَنْ قَامَ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ رَاءَى اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسَمَّعَ بِهِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ بن مالك نحوه، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُومُ فِي الدُّنْيَا مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ إِلَّا سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ إِخْفَاءِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، لَكِنْ قَدْ يُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ عَلَى إِرَادَتِهِ الِاقْتِدَاءَ بِهِ، وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يُسْتَثْنَى مِنِ اسْتِحْبَابِ إِخْفَاءِ الْعَمَلِ مَنْ يُظْهِرُهُ لِيُقْتَدَى بِهِ أَوْ لِيُنْتَفَعَ بِهِ كَكِتَابَةِ الْعِلْمِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ سَهْلٍ الْمَاضِي فِي الْجُمُعَةِ لِتَأْتَمُّوا بِي وَلْتَعْلَمُوا صَلَاتِي. قَالَ الطَّبَرِيُّ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَتَهَجَّدُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَيَتَظَاهَرُونَ بِمَحَاسِنِ أَعْمَالِهِمْ لِيُقْتَدَى بِهِمْ. قَالَ: فَمَنْ كَانَ إِمَامًا يُسْتَنُّ بِعَمَلِهِ عَالِمًا بِمَا لِلَّهِ عَلَيْهِ قَاهِرًا لِشَيْطَانِهِ اسْتَوَى مَا ظَهَرَ مِنْ عَمَلِهِ وَمَا خَفِيَ؛ لِصِحَّةِ قَصْدِهِ، وَمَنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَالْإِخْفَاءُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى عَمَلُ السَّلَفِ. فَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ، فَقَالَ: إِنَّهُ أَوَّابٌ، قَالَ: فَإِذَا هُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ.
وَمِنَ الثَّانِي حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تُسْمِعْنِي وَأَسْمِعْ رَبَّكَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
٣٧ - بَاب مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ
٦٥٠٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ.
قَوْلُهُ: بَابُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ﷿ يَعْنِي بَيَانَ فَضْلِ مَنْ جَاهَدَ، وَالْمُرَادُ بِالْمُجَاهَدَةِ كَفُّ النَّفْسِ
عَنْ إِرَادَتِهَا مِنَ الشَّغْلِ بِغَيْرِ الْعِبَادَةِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ الْبَابِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: جِهَادُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْمَلُ. قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ * وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ الْآيَةَ. وَيَقَعُ بِمَنْعِ النَّفْسِ عَنِ الْمَعَاصِي، وَبِمَنْعِهَا مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَبِمَنْعِهَا مِنَ الْإِكْثَارِ مِنَ الشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَةِ لِتَتَوَفَّرَ لَهَا فِي الْآخِرَةِ. قُلْتُ: وَلِئَلَّا يَعْتَادَ الْإِكْثَارَ فَيَأْلَفَهُ فَيَجُرُّهُ إِلَى الشُّبُهَاتِ فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَقَعَ فِي الْحَرَامِ. وَنَقَلَ الْقُشَيْرِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي بِدَايَتِهِ صَاحِبَ مُجَاهِدَةٍ لَمْ يَجِدْ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ شِمَّةً.
وَعَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ بُجَيْدٍ: مَنْ كَرُمَ عَلَيْهِ دِينُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: أَصْلُ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ فَطْمُهَا عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ، وَحَمْلُهَا عَلَى غَيْرِ هَوَاهَا، وَلِلنَّفْسِ صِفَتَانِ: انْهِمَاكٌ فِي الشَّهَوَاتِ، وَامْتِنَاعٌ عَنِ الطَّاعَاتِ، فَالْمُجَاهَدَةُ تَقَعُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: جِهَادُ النَّفْسِ دَاخِلٌ فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ الْأَعْدَاءَ ثَلَاثَةٌ: رَأْسُهُمُ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ النَّفْسُ؛ لِأَنَّهَا تَدْعُو إِلَى اللَّذَّاتِ الْمُفْضِيَةِ بِصَاحِبِهَا إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ الَّذِي يُسْخِطُ الرَّبَّ، وَالشَّيْطَانُ هُوَ الْمُعِينُ لَهَا عَلَى ذَلِكَ وَيُزَيِّنُهُ لَهَا، فَمَنْ خَالَفَ هَوَى نَفْسِهِ قَمَعَ شَيْطَانَهُ، فَمُجَاهَدَتُهُ نَفْسَهُ حَمْلُهَا عَلَى اتِّبَاعِ أَوَامِرِ اللَّهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَإِذَا قَوِيَ الْعَبْدُ عَلَى ذَلِكَ سَهُلَ عَلَيْهِ جِهَادُ أَعْدَاءِ الدِّينِ، فَالْأَوَّلُ الْجِهَادُ الْبَاطِنُ، وَالثَّانِي الْجِهَادُ الظَّاهِرُ، وَجِهَادُ النَّفْسِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: حَمْلُهَا عَلَى تَعَلُّمِ أُمُورِ الدِّينِ، ثُمَّ حَمْلُهَا عَلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ، ثُمَّ حَمْلُهَا عَلَى تَعْلِيمِ مَنْ لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ الدُّعَاءُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَقِتَالِ مَنْ خَالَفَ دِينَهُ وَجَحَدَ نِعَمَهُ. وَأَقْوَى الْمُعِينِ عَلَى جِهَادِ النَّفْسِ جِهَادُ الشَّيْطَانِ بِدَفْعِ مَا يُلْقِي إِلَيْهِ مِنَ الشُّبْهَةِ وَالشَّكِّ، ثُمَّ تَحْسِينِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، ثُمَّ مَا يُفْضِي الْإِكْثَارُ مِنْهُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ. وَتَمَامُ ذَلِكَ مِنَ الْمُجَاهَدَةِ أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا لِنَفْسِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، فَإِنَّهُ مَتَى غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ اسْتَهْوَاهُ شَيْطَانُهُ وَنَفْسُهُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ: هَمَّامٌ هُوَ ابْنُ يَحْيَى.
قَوْلُهُ: (أَنَسٌ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) هَكَذَا رَوَاهُ هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَمُقْتَضَاهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ مُعَاذٍ، وَخَالَفَهُ هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ - وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ - يَا مُعَاذُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَتْبَعَ رِوَايَةَ هِشَامٍ رِوَايَةَ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ ذَكَرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَاحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ذُكِرَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ حَمَلَهُ عَنْ مُعَاذٍ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَقَدْ أَشَرْتُ فِي شَرْحِهِ فِي الْعِلْمِ إِلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ حَمَلَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ، عَنْ مُعَاذٍ، أَوْ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ مُعَاذٍ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ رُجِّحَ لِي أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ وَإِنِ اتَّحَدَ مَخْرَجُهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ وَمَتْنُهُمَا فِي كَوْنِ مُعَاذٍ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ لِلِاخْتِلَافِ فِيمَا وَرَدَا فِيهِ، وَهُوَ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ فِي حَقِّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَحَقِّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ، وَالْمَاضِي فِيمَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَكَذَا رِوَايَةُ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، وَأَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي الْعَوَّامِ كُلُّهُمْ عَنْ مُعَاذٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَرِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَنَحْوُهَا رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ
مُعَاذٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ هِشَامٍ الَّتِي فِي الْعِلْمِ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ اسْمِ الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ مُعَاذٍ نَحْوُ حَدِيثِ الْبَابِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَتَيْنَا مُعَاذًا فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا مِنْ غَرَائِبِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ.
قَوْلُهُ: بَيْنَا أَنَا رَدِيفٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ اللِّبَاسِ قَبْلَ الْأَدَبِ بِبَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ لِلْبَعِيرِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ،
وَآخِرُة بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ هِيَ الْعُودُ الَّذِي يُجْعَلُ خَلْفَ الرَّاكِبِ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي شِدَّةِ قُرْبِهِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ أَنَّهُ ضَبَطَ مَا رَوَاهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ هَدَّابِ بْنِ خَالِدٍ وَهُوَ هُدْبَةُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِسَنَدِهِ هَذَا مُؤْخَرَةُ بَدَلَ آخِرَةُ وَهِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْخَاءِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذٍ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْجِهَادِ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنَمٍ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ يَعْفُورٌ رَسَنُهُ مِنْ لِيفٍ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِآخِرَةِ الرَّحْلِ مَوْضِعُ آخِرَةِ الرَّحْلِ لِلتَّصْرِيحِ هُنَا بِكَوْنِهِ كَانَ عَلَى حِمَارٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ النَّوَوِيُّ، وَمَشَى ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَى أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَوَّامِ عِنْدَ أَحْمَدَ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ وَلَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: رَسُولَ اللَّهِ بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ وَحَرْف النِّدَاءِ مَحْذُوفٌ، وَوَقَعَ فِي الْعِلْمِ بِإِثْبَاتِهِ.
قَوْلُهُ: ثُمَّ سَارَ سَاعَةً) فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْعِلْمِ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ يَا مُعَاذُ لَمْ يَقَعِ النِّدَاءُ الثَّانِي عَلَى الْفَوْرِ بَلْ بَعْدَ سَاعَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثُمَّ قَالَ.
قَوْلُهُ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: قَالَ هَلْ تَدْرِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بَعْدَ قَوْلِهِ وَسَعْدَيْكَ الثَّانِيَةِ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرِي وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ هَمَّامٍ الْمَاضِيَةِ فِي الِاسْتِئْذَانِ بَعْدَ الْمَرَّةِ الْأُولَى ثُمَّ قَالَ مِثْلَهُ ثَلَاثًا أَيِ النِّدَاءَ وَالْإِجَابَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُهُ فِي الْعِلْمِ، وَهُوَ لِتَأْكِيدِ الِاهْتِمَامِ بِمَا يُخْبِرُهُ بِهِ وَيُبَالِغُ فِي تَفَهُّمِهِ وَضَبْطِهِ.
قَوْلُهُ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ) الْحَقُّ كُلُّ مَوْجُودٍ مُتَحَقِّقٍ، أَوْ مَا سَيُوجَدُ لَا مَحَالَةَ، وَيُقَالُ لِلْكَلَامِ الصِّدْقِ حَقٌّ لِأَنَّ وُقُوعَهُ مُتَحَقِّقٌ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ، وَكَذَا الْحَقُّ الْمُسْتَحَقُّ عَلَى الْغَيْرِ إِذَا كَانَ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مِمَّا جَعَلَهُ مُحَتَّمًا عَلَيْهِمْ، قَالَهُ ابْنُ التَّيْمِيِّ فِي التَّحْرِيرِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ هُوَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ وَأَلْزَمَهُمْ إِيَّاهُ بِخِطَابِهِ.
قَوْلُهُ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) الْمُرَادُ بِالْعِبَادَةِ عَمَلُ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَعَاصِي، وَعَطَفَ عَلَيْهَا عَدَمَ الشِّرْكِ لِأَنَّهُ تَمَامُ التَّوْحِيدِ، وَالْحِكْمَةُ فِي عَطْفِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ أَنَّ بَعْضَ الْكَفَرَةِ كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ آلِهَةً أُخْرَى، فَاشْتَرَطَ نَفْيَ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْجُمْلَةَ حَالِيَّةٌ وَالتَّقْدِيرُ: يَعْبُدُونَهُ فِي حَالِ عَدَمِ الْإِشْرَاكِ بِهِ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ عِبَادَةُ اللَّهِ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وَتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْجَوَابِ فَمَا حَقُّ الْعِبَادِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَعَبَّرَ بِالْفِعْلِ وَلَمْ يُعَبِّرْ بِالْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟ الضَّمِيرُ لَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ. فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا يُعَذِّبَهُمْ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَوَّامِ مِثْلُهُ وَزَادَ وَيَغْفِرَ لَهُمْ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ أَنْ يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ، فَحُقَّ ذَلِكَ، وَوَجَبَ بِحُكْمِ وَعْدِهِ الصِّدْقِ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ فِي الْخَبَرِ وَلَا الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ، فَاللَّهُ ﷾ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِحُكْمِ الْأَمْرِ، إِذْ لَا آمِرَ فَوْقَهُ وَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ لِأَنَّهُ كَاشِفٌ لَا مُوجِبٌ انْتَهَى. وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ بِظَاهِرِهِ، وَلَا مُتَمَسَّكَ لَهُمْ فِيهِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ عِدَّةُ أَجْوِبَةٍ غَيْرُ هَذِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ هُنَا الْمُتَحَقِّقُ الثَّابِتُ، أَوِ الْجَدِيرُ، لِأَنَّ إِحْسَانَ الرَّبِّ لِمَنْ لَمْ يَتَّخِذْ رَبًّا سِوَاهُ جَدِيرٌ فِي الْحِكْمَةِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَالْوَاجِبِ فِي تَحَقُّقِهِ وَتَأَكُّدِهِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وتحريك شفتيهِ بحضور النَّاس، وكلُّ واحدٍ منها (١) قد يراءى به باعتبار الدِّين وباعتبار الدُّنيا، وحُكم الرِّياء بغير العبادات حُكم طالب المال والجاه، وحُكم محض الرِّياء بالعبادةِ إبطالها، وإن اجتمعَ قصد الرِّياء وقصد العبادةِ أعطي الحكم للأقوى، فيحتملُ الوجهين (٢) في إسقاطِ الفرض به، والمُصرُّ (٣) على إطلاعِ الغير على عبادتهِ إن كان لغرضٍ دُنيويٍّ كإفضائهِ إلى الاحترامِ، أو شبهه فهو مذمومٌ، وإن كان لغرضٍ أُخروي كالفرحِ بإظهارِ الله جميله وسترِه قبيحه، أو لرجاء الاقتداءِ به فممدوحٌ، وعليه يُحمل ما يحدِّث (٤) به الأكابرُ من الطَّاعات، وليس من الرِّياء سترُ المعصية بل ممدوحٌ، وإن (٥) عَرض له الرِّياء في أثناءِ العبادة، ثمَّ زالَ قبل فراغها لم يَضرّ، ومتى عَلِم من نفسه القوَّة أظهر القُربة، وقد قيل: اعملْ ولو خفت عجبًا مستغفرًا منه.
والحديث أخرجهُ مسلمٌ في آخر الكتاب، وابن ماجه في «الزُّهد»، والله الموفِّق.
(٣٧) (بابُ) فضل (مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ) ﷿.
٦٥٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الهاء وسكون المهملة بعدها موحدة، ابن الأسود
القيسيُّ البصريُّ، ويقال له: هَدَّاب -بفتح أوله وتشديد ثانيه- قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى بن دينارٍ العَوْذِيُّ -بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم، ولأبي ذرٍّ: «بينا» بإسقاطها (أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ ﷺ) راكبًا خلفه (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ) بمدِّ الهمزة وكسر الخاء المعجمة، و «الرَّحْل» بالحاء المهملة الساكنة، العود الَّذي يَستند إليه الرَّاكب من خلفه، وذكره للمبالغة في شدَّة قُربه ليكون أوقع في نفس سامعه أنَّه ضبطه، وفي رواية عَمرو بن ميمون عن معاذٍ: «كنتُ رِدْف النَّبيِّ ﷺ على حمارٍ يُقال له: عُفير … ». فيحتملُ أن يكون المراد بـ «آخرة الرَّحل»: موضع آخرة الرَّحل، للتَّصريح بأنَّه كان على حمارٍ (فَقَالَ لي: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ) «لبَّيك» بالتَّثنية، أي: إجابةً بعد إجابةٍ، وهو نصب على المصدرِ (وَسَعْدَيْكَ) أي: ساعدت طاعتَك مساعدةً بعد مساعدةٍ، وإسعادًا بعد إسعادٍ منصوبٌ أيضًا كـ «لبَّيك»، ولأبي ذرٍّ: «رسولَ الله» بحذف أداة النِّداء (ثُمَّ سَارَ) ﵊ (سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَُ) بنَ جبلٍ (١) (قُلْتُ (٢): لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) بحذف حرف النِّداء كالثَّالثة (٣) (ثُمَّ سَارَ سَاعَةً (٤)، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَُ بْنَ جَبَلٍ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) بتكرار ندائه ثلاثًا للتَّأكيد (قَالَ) ﷺ لي (٥): (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ) ﷿، أي: ما يستحقُّه تعالى (عَلَى عِبَادِهِ) ممَّا حتَّمه عليهم؟ (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ) صلواتُ الله عليه وسلامه: (حَقُّ اللهِ) ﷿ (عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ) بأنْ يُطيعوه ويجتنبُوا معاصيهِ (وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) عطف على السَّابق؛ لأنَّه تمام التَّوحيد، والجملة حاليَّة، أي: يعبدونَه في حالِ عدمِ (٦) الإشراك به (٧) (ثُمَّ سَارَ) ﵊ (سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) بحذف حرف النِّداء أيضًا
(قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ) تعالى الَّذي وعدَهم به من الثَّواب والجزاء المتحقّق الثَّابت وقوعه؛ إذ (١) لا خُلْفَ لوعدهِ (إِذَا فَعَلُوهُ؟) أي: المذكور من العبادةِ وعدمِ الإشراك (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ) وفي رواية ابن حبانٍ من طريق عَمرو بن ميمون: «أنْ يغفرَ لهم ولا يعذِّبهم»، وفي رواية أبي عثمان: «يدخلَهم الجنَّة» أي: لا يعذِّبهم إذا اجتنبوا الكبائرَ والمناهِي وأتوا بالمأموراتِ.
والحديث هنا رواه همَّامٌ عن أنسٍ عن معاذ، فهو من مسند معاذٍ (٢)، وخالفه هشامٌ الدَّستَُوائيُّ عن قتادةَ فقال: عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ، فيكون من مسند أنسٍ (٣). قال في «الفتح»: والمعتمد الأوَّل، وهو من الأحاديث الَّتي أخرجها البخاريُّ في ثلاثةِ مواضع عن شيخٍ واحدٍ، بسندٍ واحدٍ، وهي قليلةٌ جدًّا في كتابه، وأضافَ إليه في «الاستئذان» [خ¦٦٢٦٧] موسى بنَ إسماعيل، وقد تتبَّع بعضُهم ما أخرجَهُ في موضعٍ واحدٍ فبلغَ عدَّتها زيادة على العشرين، وفي (٤) بعضها تصرَّف في المتن بالاختصار منه (٥).
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ أنَّ فيه مجاهدة النَّفس في التَّوحيد، وجهاد المرء نفسه هو الجهادُ الأكبر، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] أي: علم أنَّ له مقامًا يوم القيامة لحساب ربِّه، ونهى النَّفس الأمَّارة بالسُّوء عن الهوى المردي (٦)، أي: زجرها عن اتِّباع الشَّهوات، فالمجاهدة تُزيل الأخلاقَ الذَّميمة، وتحصِّلُ الأخلاقَ الحميدةَ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] أي: مناهجنَا الحميدة، وأصلُ المجاهدةِ (٧) ومَلاكها (٨) فطمُ النَّفس عن المألوفاتِ، وحملها على
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
النَّاس الَّذين أَرَادَ نيل الْمنزلَة عِنْدهم، وَلَا ثَوَاب لَهُ فِي الْآخِرَة. قَوْله: (وَمن يرائي) بِضَم الْيَاء وبالمد وَكسر الْهمزَة وَالثَّانيَِة مثلهَا وَثبتت الْيَاء فِي آخر كل مِنْهُمَا للإشباع أَي: من يرائي بِعَمَلِهِ النَّاس (يرائي الله بِهِ) أَي يطلعهم على أَنه فعل ذَلِك لَهُم لَا لوجهه فَاسْتحقَّ سخط الله عَلَيْهِ. وَفِيه: من المشاكلة مَا لَا يخفى.
٧٣ - (بابُ مَنْ جاهَدَ نَفْسَهُ فِي طاعَةِ الله)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من جَاهد من المجاهدة، وَهِي: كف النَّفس عَن إرادتها مِمَّا يشغلها بِغَيْر الْعِبَادَة.
٠٠٥٦ - حدّثنا هُدْبَةُ بنُ خالِدٍ حدّثنا هَمَّامٌ حدّثنا قَتادَة حدّثنا أنَسُ بنُ مالِكٍ عنْ مُعاذٍ ابنِ جَبَلٍ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: بَيْنَما أَنا رَدِيفُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنهُ إلَاّ آخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: (يَا مُعاذُ {) . قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسولَ الله وسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سارَ ساعَةً ثُمَّ قَالَ: (يَا مُعاذُ} ) قُلْتُ: لبيْكَ رسولَ الله وسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سارَ ساعَةً ثُمَّ قَالَ: (يَا مُعاذُ بنَ جَبَلٍ {) قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسَعْديْكَ. قَالَ: (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلى عِبادِهِ؟) قُلْتُ: الله ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: (حَقُّ الله عَلى عِبادِهِ أنْ يعْبُدُوهُ وَلَا يشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) ثُمَّ سارَ ساعَةً، ثُمَّ قَالَ: (يَا مُعاذُ بن جَبَلٍ) قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسُولَ الله وسَعْدَيْك. قَالَ: (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ العِبادِ عَلى الله إِذا فَعَلُوهُ؟) قُلْتُ: الله ورسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: (حَقُّ العِبادِ على الله أنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ مجاهدة النَّفس بِالتَّوْحِيدِ، وَجِهَاد الْمَرْء نَفسه هُوَ الْجِهَاد الْأَكْبَر.
وَهَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن قد مر فِي كتاب اللبَاس فِي بَاب مُجَرّد عقيب: بَاب حمل صَاحب الدَّابَّة غَيره بَين يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن هدبة بن خَالِد عَن همام بن يحيى عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَنَظِيره مضى عَن أنس فِي آخر كتاب الْعلم فِي: بَاب من خص بِالْعلمِ قوما.
قَوْله: (رَدِيف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الرديف هُوَ الرَّاكِب خلف الرَّاكِب. قَوْله: (إلَاّ آخِرَة الرحل) الْآخِرَة على وزن الفاعلة وَهِي الْعود الَّذِي يسْتَند إِلَيْهِ الرَّاكِب من خَلفه، وَأَرَادَ بِذكرِهِ الْمُبَالغَة فِي شدَّة قربه ليَكُون أوقع فِي نفس سامعه لكَونه أضبط، وَأما تكريره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَلَيْهِ ثَلَاثًا فلتأكيد الاهتمام بِمَا يُخبرهُ ولتكميل تنبه معَاذ فِيمَا يسمعهُ، والرحل سرج الْجمل. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الرحل رَحل الْجمل وَهُوَ أَصْغَر من القتب. قَوْله: (لبيْك) قد مضى الْكَلَام فِيهِ مرَارًا أَنه من التَّلْبِيَة وَهِي إِجَابَة الْمُنَادِي أَي: إجَابَتِي لَك يَا رَسُول الله} مَأْخُوذ من لب بِالْمَكَانِ وألب إِذا قَامَ بِهِ، وَلم يسْتَعْمل إلَاّ على لفظ التَّثْنِيَة فِي معنى التكرير، أَي: إِجَابَة بعد إِجَابَة وَهُوَ مَنْصُوب على الْمصدر بعامل لَا يظْهر، كأنّك قلت: ألب إلباباً بعد إلباب. قَوْله: (وَسَعْديك) أَي: ساعدت طَاعَتك مساعدة بعد مساعدة وإسعاداً بعد إسعاد، وَلِهَذَا ثنى، وَهُوَ أَيْضا من المصادر المنصوبة بِفعل لَا يظْهر فِي الِاسْتِعْمَال، وَقَالَ الْجرْمِي: لم يسمع سعدك مُفردا. قَوْله: (لبيْك رَسُول الله) أَي: يَا رَسُول الله، حذف فِيهِ حرف النداء، وَفِي الْعلم بإثباته. قَوْله: (فَقَالَ: يَا معَاذ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ثمَّ قَالَ: يَا معَاذ، قَوْله: (هَل تَدْرِي مَا حق الله على عباده) الْحق كل مَوْجُود مُتَحَقق أَو: مَا سيوجد لَا محَالة. قَوْله: (أَن يعبدوه) أَي: أَن يوحدوه. قَوْله: (وَلَا يشركوا بِهِ شَيْئا) ، تَفْسِيره وَقيل: المُرَاد بِالْعبَادَة عمل الطَّاعَات وَاجْتنَاب الْمعاصِي. قَوْله: (مَا حق الْعباد على الله؟) يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون خرج مخرج الْمُقَابلَة فِي اللَّفْظ كَقَوْلِه تَعَالَى: {ومكروا ومكر الله} (آل عمرَان: ٤٥) وَالثَّانِي: أَن يكون أَرَادَ حَقًا شَرْعِيًّا لَا وَاجِبا بِالْعقلِ كَقَوْل الْمُعْتَزلَة، وَقيل: معنى الْحق الْمُسْتَحق الثَّابِت أَو الجدير، وَهُوَ كالواجب فِي تحَققه، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: حق الْعباد على الله هُوَ مَا وعدهم بِهِ من الثَّوَاب وَالْجَزَاء.
٨٣ - (بابُ التَّواضُعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل التَّوَاضُع، وَهُوَ إِظْهَار التنزل عَن مرتبته. وَقيل: هُوَ تَعْظِيم من فَوْقه من أَرْبَاب الْفَضَائِل، وَفِي (رقائق) : ابْن الْمُبَارك عَن معَاذ بن جبل أَنه قَالَ: لن يبلغ ذرْوَة الْإِيمَان حَتَّى تكون الضعة أحب إِلَيْهِ من الشّرف، وَمَا قل من الدُّنْيَا أحب إِلَيْهِ مِمَّا كثر.
١٠٥٦ - حدّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ حدّثنا زُهَيْرٌ حدّثنا حُمَيْدٌ عنْ أَنسٍ رَضِي الله عَنهُ: كَانَ لِ لنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ناقَةٌ.
قَالَ: وحدّثني مُحَمَّدٌ أخبرنَا الفَزارِيُّ وأبُو خالِدٍ الأحْمَرُ عنْ حُمَيْدٍ الطَّويلِ عنْ أنَس قَالَ: كانَتْ ناقَةٌ لِرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تُسَمَّى العَضْباءَ، وكانَتْ لَا تُسْبَقُ فَجاءَ أعْرابِيٌّ عَلى قَعُودٍ لهُ فَسَبَقَها، فاشْتَدَّ ذالِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، وقالُوا: سُبِقَتِ العَضْباءُ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إنَّ حَقًّا عَلى الله أنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيا إلَاّ وَضَعَهُ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي طرق هَذَا الحَدِيث عِنْد النَّسَائِيّ بِلَفْظ: حق على الله أَن لَا يرفع شَيْء نَفسه فِي الدُّنْيَا إلَاّ وَضعه، فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى ذمّ الترفع والحض على التَّوَاضُع، والإعلام بِأَن أُمُور الدُّنْيَا نَاقِصَة غير كَامِلَة.
وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أبي غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن حميد الطَّوِيل بن أبي حميد عَن أنس بن مَالك. وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن سَلام، قَالَه الكلاباذي: عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وبالراء عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر سُلَيْمَان بن حَيَّان بتَشْديد الْيَاء، آخر الْحُرُوف الْأَزْدِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب نَاقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِنَّهُ أخرجه بِالطَّرِيقِ الأول بِعَين إِسْنَاده وَمَتنه عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل عَن زُهَيْر عَن حميد عَن مَالك ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (العضباء) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وبالمد النَّاقة المشقوقة الْأذن، وَلَكِن نَاقَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم تكن مشقوقة الْأذن لَكِن صَار هَذَا لقبالها. قَوْله: (لَا تسبق) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (على قعُود) بِفَتْح الْقَاف وَهُوَ الْبكر من الْإِبِل حِين يُمكن ظَهره للرُّكُوب وَأدنى ذَلِك سنتَانِ.
٢٠٥٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ عُثْمانَ حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ حَدثنِي شَرِيكُ بنُ عَبْدِ الله بن أبي نَمِرٍ عنْ عَطاءٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إنَّ الله قَالَ: مَنْ عاداى لِي وَليًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إليَّ عَبْدِي بِشْيءٍ أحَبَّ إليَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أحِبَّهُ، فَإِذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويدَهُ الّتي يَبْطُشُ بِها، وَرِجْلَهُ الّتي يَمْشِي بهَا، وإنْ سألَنِي لأعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي وَمَا تَرَدَّدْتُ عنْ شَيْءٍ أَنا فاعِلُهُ تَرَدّدِي عنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ يَكْرَهُ الموْتَ وَأَنا أكْرَهُ إساءَتَهُ لأعِيذَنَّهُ) .
قيل: لَا مُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث والترجمة حَتَّى قَالَ الدَّاودِيّ: لَيْسَ هَذَا الحَدِيث من التَّوَاضُع فِي شَيْء. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : لَا أَدْرِي مَا مطابقته لَهَا لِأَنَّهُ لَا ذكر فِيهِ للتواضع وَلَا لما يقرب مِنْهُ، وَقيل: الْمُنَاسب إِدْخَاله فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ: مجاهدة الْمَرْء نَفسه فِي طَاعَة الله، وَأَجَابُوا عَن ذَلِك، فَقَالَ الْكرْمَانِي: التَّقَرُّب بالنوافل لَا يكون إلَاّ بغاية التَّوَاضُع والتذلل للرب تَعَالَى.
قلت: قد سبقه بِهَذَا صَاحب (التَّلْوِيح) : فَإِنَّهُ قَالَ: التَّقَرُّب إِلَى الله بالنوافل حَتَّى يستحقوا الْمحبَّة من الله تَعَالَى لَا يكون إلَاّ بغاية التَّوَاضُع والتذلل للرب عز وَجل، ثمَّ قَالَ: وَفِيه بعد، لِأَن النَّوَافِل إِنَّمَا يُزكي ثَوَابهَا عِنْد الله لمن حَافظ على فَرَائِضه، وَقيل: التَّرْجَمَة مستفادة مِمَّا قَالَ: كنت سَمعه، وَمن التَّرَدُّد، وَقَالَ بَعضهم: تستفاد التَّرْجَمَة من لَازم قَوْله: (من عادى لي
وليا) لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الزّجر عَن معاداة الْأَوْلِيَاء المستلزم لموالاتهم، وموالاة جَمِيع الْأَوْلِيَاء لَا تتأتى إلَاّ بغاية التَّوَاضُع، إِذْ فيهم الْأَشْعَث الأغبر الَّذِي لَا يؤبه لَهُ. انْتهى.
قلت: دلَالَة الإلتزام مهجورة، لِأَنَّهَا لَو كَانَت مُعْتَبرَة لزم أَن يكون للفظ الْوَاحِد مدلولات غير متناهية، وَيُقَال لهَذَا الْقَائِل: تُرِيدُ اللُّزُوم الْبَين أَو مُطلق اللُّزُوم؟ وأيّاماً كَانَ فدلالة الِالْتِزَام مهجورة، فَإِن أردْت اللُّزُوم الْبَين فَهُوَ يخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص، فَلَا يكَاد ينصبط الْمَدْلُول، وَإِن أردْت مُطلق اللُّزُوم فاللوازم لَا تتناهى، فَيمْتَنع إِفَادَة اللَّفْظ إِيَّاهَا، فَلَا يَقع كَلَامه جَوَابا.
وَمُحَمّد بن عُثْمَان بن كَرَامَة بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف الرَّاء الْعجلِيّ بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة الْكُوفِي مَاتَ بِبَغْدَاد سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من صغَار شُيُوخ البُخَارِيّ، وَقد شَاركهُ فِي كثير من مشايخه. مِنْهُم: خَالِد بن مخلد شَيْخه فِي هَذَا الحَدِيث فقد أخرج عَنهُ البُخَارِيّ بِغَيْر وَاسِطَة أَيْضا فِي: بَاب الِاسْتِعَاذَة من الْجُبْن فِي كتاب الدَّعْوَات. وخَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام البَجلِيّ، وَيُقَال الْقَطوَانِي الْكُوفِي مَاتَ بِالْكُوفَةِ فِي محرم سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَسليمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب الْقرشِي التَّيْمِيّ مَاتَ سنة سبع وَسبعين وَمِائَة، وَشريك بن عبد الله بن أبي نمر بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور الْقرشِي، وَيُقَال: اللَّيْثِيّ، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة. فَإِن قلت: خَالِد فِيهِ مقَال، فَعَن أَحْمد لَهُ مَنَاكِير، وَعَن أبي حَاتِم: لَا يحْتَج بِهِ. وَأخرج ابْن عدي عشرَة أَحَادِيث من حَدِيثه استنكرها مِنْهَا حَدِيث الْبَاب، وَشريك أَيْضا فِيهِ مقَال، وَهُوَ رَاوِي حَدِيث الْمِعْرَاج الَّذِي زَاد فِيهِ وَنقص وَقدم وَأخر وَتفرد بأَشْيَاء لم يُتَابع عَلَيْهَا.
قلت: أما خَالِد فَعَن ابْن معِين: مَا بِهِ بَأْس، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: صَدُوق وَلكنه تشيع وَهُوَ عِنْدِي، إِن شَاءَ الله، لَا بَأْس بِهِ. وَأما شريك فَعَن يحيى بن معِين وَالنَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث، وَعَطَاء هُوَ ابْن يسَار ضد الْيَمين وَوَقع فِي بعض النّسخ كَذَلِك، وَقيل: هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَالْأول أصح. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (إِن الله قَالَ) هَذَا من الْأَحَادِيث الإلهية الَّتِي تسمى: القدسية، وَقد مر الْكَلَام فِيهَا عَن قريب، وَقد وَقع فِي بعض طرقه: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حدث بِهِ عَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، عَن الله عز وَجل. قَوْله: (لي) ، صفة لقَوْله: وليا، لكنه لما قدم صَار حَالا. قَوْله: (وليا) ، الْوَلِيّ: هُوَ الْعَالم بِاللَّه المواظب على طَاعَته المخلص فِي عِبَادَته. فَإِن قلت: قَوْله: (عادى) من المعاداة وَهُوَ من بَاب المفاعلة الَّتِي تقع من الْجَانِبَيْنِ، وَمن شَأْن الْوَلِيّ الْحلم والاجتناب عَن المعاداة والصفح عَمَّن يجهل عَلَيْهِ.
قلت: أُجِيب بِأَن المعاداة لم تَنْحَصِر فِي الْخُصُومَة، والمعاداة الدُّنْيَوِيَّة مثلا، بل تقع عَن بغض ينشأ عَن التعصب: كالرافضي فِي بغضه لأبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، والمبتدع فِي بغضه للسني، فَتَقَع المعاداة من الْجَانِبَيْنِ، أما من جَانب الْوَلِيّ فللَّه، وَفِي الله وَأما من الْجَانِب الآخر فَظَاهر. انْتهى.
قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف، فَإِذا قُلْنَا: إِن فَاعل يَأْتِي بِمَعْنى فعل كَمَا فِي قَوْله عز وَجل: {وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم} (آل عمرَان: ٣٣١) بِمَعْنى: اسرعوا يحصل الْجَواب. قَوْله: (فقد آذنته) بِالْمدِّ وَفتح الْمُعْجَمَة بعد هانون أَي: أعلمته من الإيذان، وَهُوَ الْإِعْلَام. قَوْله: (بِالْحَرْبِ) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بِحَرب، وَوَقع فِي حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (من عادى لي والياً فقد اسْتحلَّ محاربتي) وَفِي حَدِيث معَاذ: (فقد بارز الله بالمحاربة) ، وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة وَأنس: (فقد بارزني) . فَإِن قيل: الْمُحَاربَة من الْجَانِبَيْنِ والمخلوق فِي أسر الْخَالِق؟ قيل لَهُ: أطلق الْحَرْب وَأَرَادَ لَازمه، أَي: أعمل بِهِ مَا يعمله الْعَدو الْمُحَارب. قَوْله: (أحب) بِالرَّفْع وَالنّصب، قَالَه الْكرْمَانِي.
قلت: وَجه الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ أحب، وَوجه النصب وَالْمرَاد بِهِ الْفَتْح صفة لقَوْله: (بِشَيْء) فَيكون مَفْتُوحًا فِي مَوضِع الْجَرّ وَيدخل فِي قَوْله: (مِمَّا افترضت عَلَيْهِ) جَمِيع الْفَرَائِض فَرَائض الْعين وفرائض الْكِفَايَة. قَوْله: (وَمَا يزَال) كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: وَمَا زَالَ، بِصِيغَة الْمَاضِي. قَوْله: (يتَقرَّب إِلَيّ) ، بتَشْديد الْيَاء، وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة: يتحبب، والتقرب طلب الْقرب، وَقَالَ الْقشيرِي: قرب العَبْد من ربه يَقع أَولا بإيمانه ثمَّ بإحسانه، وَقرب الرب من عَبده مَا يَخُصُّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا من عرفانه، وَفِي الْآخِرَة من رضوانه، وَفِيمَا بَين ذَلِك من وُجُوه لطفه وامتنانه، وَلَا يتم قرب العَبْد من الْحق إلَاّ ببعده من الْخلق. قَالَ: وَقرب الرب بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة عَام للنَّاس، وباللطف والنصرة خَاص بالخواص، وبالتأنيس خَاص بالأولياء. قَوْله: (بالنوافل) ، المُرَاد بهَا: مَا كَانَت حاوية للفرائض مُشْتَمِلَة عَلَيْهَا ومكملة لَهَا، وَلَيْسَ المُرَاد كَون النَّوَافِل مُطلقًا. قَوْله: (أحبه) هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: حَتَّى أحببته. قَوْله: (كنت
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
- تَعَالَى -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ أَنْ يَسْمَعَهُ النَّاسُ وَيَرَوْهُ لِيُعَظِّمُوهُ وَتَعْلُوَ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُمْ حَصَلَ لَهُ مَا قَصَدَ، وَكَانَ ذَلِكَ جَزَاءَهُ عَلَى عَمَلِهِ ; وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ سَمَّعَ بِعُيُوبِ النَّاسِ وَأَذَاعَهَا أَظْهَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُ وَسَمَّعَهُ الْمَكْرُوهَ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ نَسَبَ إِلَى نَفْسِهِ عَمَلًا صَالِحًا لَمْ يَفْعَلْهُ وَادَّعَى خَيْرًا لَمْ يَصْنَعْهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَفْضَحُهُ وَيُظْهِرُ كَذِبَهُ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ يُرَائي النَّاسَ بِعَمَلِهِ أَرَاهُ اللَّهُ ثَوَابَ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَحَرَمَهُ إِيَّاهُ، وقِيلَ: مَعْنَى سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ شَهَّرَهُ أَوْ مَلَأَ أَسْمَاعَ النَّاسِ بِسُوءِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْقِيَامَةِ بِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ خُبْثِ السَّرِيرَةِ.
قُلْتُ: وَرَدَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ التَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالدَّارِمِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هِنْدٍ الدَّارِيِّ رَفَعَهُ مَنْ قَامَ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ رَاءَى اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسَمَّعَ بِهِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ بن مالك نحوه، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُومُ فِي الدُّنْيَا مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ إِلَّا سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ إِخْفَاءِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، لَكِنْ قَدْ يُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ عَلَى إِرَادَتِهِ الِاقْتِدَاءَ بِهِ، وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يُسْتَثْنَى مِنِ اسْتِحْبَابِ إِخْفَاءِ الْعَمَلِ مَنْ يُظْهِرُهُ لِيُقْتَدَى بِهِ أَوْ لِيُنْتَفَعَ بِهِ كَكِتَابَةِ الْعِلْمِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ سَهْلٍ الْمَاضِي فِي الْجُمُعَةِ لِتَأْتَمُّوا بِي وَلْتَعْلَمُوا صَلَاتِي. قَالَ الطَّبَرِيُّ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَتَهَجَّدُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَيَتَظَاهَرُونَ بِمَحَاسِنِ أَعْمَالِهِمْ لِيُقْتَدَى بِهِمْ. قَالَ: فَمَنْ كَانَ إِمَامًا يُسْتَنُّ بِعَمَلِهِ عَالِمًا بِمَا لِلَّهِ عَلَيْهِ قَاهِرًا لِشَيْطَانِهِ اسْتَوَى مَا ظَهَرَ مِنْ عَمَلِهِ وَمَا خَفِيَ؛ لِصِحَّةِ قَصْدِهِ، وَمَنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَالْإِخْفَاءُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى عَمَلُ السَّلَفِ. فَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ، فَقَالَ: إِنَّهُ أَوَّابٌ، قَالَ: فَإِذَا هُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ.
وَمِنَ الثَّانِي حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تُسْمِعْنِي وَأَسْمِعْ رَبَّكَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
٣٧ - بَاب مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ
٦٥٠٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ.
قَوْلُهُ: بَابُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ﷿ يَعْنِي بَيَانَ فَضْلِ مَنْ جَاهَدَ، وَالْمُرَادُ بِالْمُجَاهَدَةِ كَفُّ النَّفْسِ
عَنْ إِرَادَتِهَا مِنَ الشَّغْلِ بِغَيْرِ الْعِبَادَةِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ الْبَابِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: جِهَادُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْمَلُ. قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ * وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ الْآيَةَ. وَيَقَعُ بِمَنْعِ النَّفْسِ عَنِ الْمَعَاصِي، وَبِمَنْعِهَا مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَبِمَنْعِهَا مِنَ الْإِكْثَارِ مِنَ الشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَةِ لِتَتَوَفَّرَ لَهَا فِي الْآخِرَةِ. قُلْتُ: وَلِئَلَّا يَعْتَادَ الْإِكْثَارَ فَيَأْلَفَهُ فَيَجُرُّهُ إِلَى الشُّبُهَاتِ فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَقَعَ فِي الْحَرَامِ. وَنَقَلَ الْقُشَيْرِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي بِدَايَتِهِ صَاحِبَ مُجَاهِدَةٍ لَمْ يَجِدْ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ شِمَّةً.
وَعَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ بُجَيْدٍ: مَنْ كَرُمَ عَلَيْهِ دِينُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: أَصْلُ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ فَطْمُهَا عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ، وَحَمْلُهَا عَلَى غَيْرِ هَوَاهَا، وَلِلنَّفْسِ صِفَتَانِ: انْهِمَاكٌ فِي الشَّهَوَاتِ، وَامْتِنَاعٌ عَنِ الطَّاعَاتِ، فَالْمُجَاهَدَةُ تَقَعُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: جِهَادُ النَّفْسِ دَاخِلٌ فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ الْأَعْدَاءَ ثَلَاثَةٌ: رَأْسُهُمُ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ النَّفْسُ؛ لِأَنَّهَا تَدْعُو إِلَى اللَّذَّاتِ الْمُفْضِيَةِ بِصَاحِبِهَا إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ الَّذِي يُسْخِطُ الرَّبَّ، وَالشَّيْطَانُ هُوَ الْمُعِينُ لَهَا عَلَى ذَلِكَ وَيُزَيِّنُهُ لَهَا، فَمَنْ خَالَفَ هَوَى نَفْسِهِ قَمَعَ شَيْطَانَهُ، فَمُجَاهَدَتُهُ نَفْسَهُ حَمْلُهَا عَلَى اتِّبَاعِ أَوَامِرِ اللَّهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَإِذَا قَوِيَ الْعَبْدُ عَلَى ذَلِكَ سَهُلَ عَلَيْهِ جِهَادُ أَعْدَاءِ الدِّينِ، فَالْأَوَّلُ الْجِهَادُ الْبَاطِنُ، وَالثَّانِي الْجِهَادُ الظَّاهِرُ، وَجِهَادُ النَّفْسِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: حَمْلُهَا عَلَى تَعَلُّمِ أُمُورِ الدِّينِ، ثُمَّ حَمْلُهَا عَلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ، ثُمَّ حَمْلُهَا عَلَى تَعْلِيمِ مَنْ لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ الدُّعَاءُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَقِتَالِ مَنْ خَالَفَ دِينَهُ وَجَحَدَ نِعَمَهُ. وَأَقْوَى الْمُعِينِ عَلَى جِهَادِ النَّفْسِ جِهَادُ الشَّيْطَانِ بِدَفْعِ مَا يُلْقِي إِلَيْهِ مِنَ الشُّبْهَةِ وَالشَّكِّ، ثُمَّ تَحْسِينِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، ثُمَّ مَا يُفْضِي الْإِكْثَارُ مِنْهُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ. وَتَمَامُ ذَلِكَ مِنَ الْمُجَاهَدَةِ أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا لِنَفْسِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، فَإِنَّهُ مَتَى غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ اسْتَهْوَاهُ شَيْطَانُهُ وَنَفْسُهُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ: هَمَّامٌ هُوَ ابْنُ يَحْيَى.
قَوْلُهُ: (أَنَسٌ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) هَكَذَا رَوَاهُ هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَمُقْتَضَاهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ مُعَاذٍ، وَخَالَفَهُ هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ - وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ - يَا مُعَاذُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَتْبَعَ رِوَايَةَ هِشَامٍ رِوَايَةَ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ ذَكَرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَاحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ذُكِرَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ حَمَلَهُ عَنْ مُعَاذٍ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَقَدْ أَشَرْتُ فِي شَرْحِهِ فِي الْعِلْمِ إِلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ حَمَلَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ، عَنْ مُعَاذٍ، أَوْ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ مُعَاذٍ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ رُجِّحَ لِي أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ وَإِنِ اتَّحَدَ مَخْرَجُهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ وَمَتْنُهُمَا فِي كَوْنِ مُعَاذٍ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ لِلِاخْتِلَافِ فِيمَا وَرَدَا فِيهِ، وَهُوَ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ فِي حَقِّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَحَقِّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ، وَالْمَاضِي فِيمَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَكَذَا رِوَايَةُ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، وَأَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي الْعَوَّامِ كُلُّهُمْ عَنْ مُعَاذٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَرِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَنَحْوُهَا رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ
مُعَاذٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ هِشَامٍ الَّتِي فِي الْعِلْمِ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ اسْمِ الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ مُعَاذٍ نَحْوُ حَدِيثِ الْبَابِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَتَيْنَا مُعَاذًا فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا مِنْ غَرَائِبِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ.
قَوْلُهُ: بَيْنَا أَنَا رَدِيفٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ اللِّبَاسِ قَبْلَ الْأَدَبِ بِبَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ لِلْبَعِيرِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ،
وَآخِرُة بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ هِيَ الْعُودُ الَّذِي يُجْعَلُ خَلْفَ الرَّاكِبِ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي شِدَّةِ قُرْبِهِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ أَنَّهُ ضَبَطَ مَا رَوَاهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ هَدَّابِ بْنِ خَالِدٍ وَهُوَ هُدْبَةُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِسَنَدِهِ هَذَا مُؤْخَرَةُ بَدَلَ آخِرَةُ وَهِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْخَاءِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذٍ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْجِهَادِ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنَمٍ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ يَعْفُورٌ رَسَنُهُ مِنْ لِيفٍ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِآخِرَةِ الرَّحْلِ مَوْضِعُ آخِرَةِ الرَّحْلِ لِلتَّصْرِيحِ هُنَا بِكَوْنِهِ كَانَ عَلَى حِمَارٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ النَّوَوِيُّ، وَمَشَى ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَى أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَوَّامِ عِنْدَ أَحْمَدَ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ وَلَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: رَسُولَ اللَّهِ بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ وَحَرْف النِّدَاءِ مَحْذُوفٌ، وَوَقَعَ فِي الْعِلْمِ بِإِثْبَاتِهِ.
قَوْلُهُ: ثُمَّ سَارَ سَاعَةً) فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْعِلْمِ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ يَا مُعَاذُ لَمْ يَقَعِ النِّدَاءُ الثَّانِي عَلَى الْفَوْرِ بَلْ بَعْدَ سَاعَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثُمَّ قَالَ.
قَوْلُهُ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: قَالَ هَلْ تَدْرِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بَعْدَ قَوْلِهِ وَسَعْدَيْكَ الثَّانِيَةِ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرِي وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ هَمَّامٍ الْمَاضِيَةِ فِي الِاسْتِئْذَانِ بَعْدَ الْمَرَّةِ الْأُولَى ثُمَّ قَالَ مِثْلَهُ ثَلَاثًا أَيِ النِّدَاءَ وَالْإِجَابَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُهُ فِي الْعِلْمِ، وَهُوَ لِتَأْكِيدِ الِاهْتِمَامِ بِمَا يُخْبِرُهُ بِهِ وَيُبَالِغُ فِي تَفَهُّمِهِ وَضَبْطِهِ.
قَوْلُهُ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ) الْحَقُّ كُلُّ مَوْجُودٍ مُتَحَقِّقٍ، أَوْ مَا سَيُوجَدُ لَا مَحَالَةَ، وَيُقَالُ لِلْكَلَامِ الصِّدْقِ حَقٌّ لِأَنَّ وُقُوعَهُ مُتَحَقِّقٌ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ، وَكَذَا الْحَقُّ الْمُسْتَحَقُّ عَلَى الْغَيْرِ إِذَا كَانَ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مِمَّا جَعَلَهُ مُحَتَّمًا عَلَيْهِمْ، قَالَهُ ابْنُ التَّيْمِيِّ فِي التَّحْرِيرِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ هُوَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ وَأَلْزَمَهُمْ إِيَّاهُ بِخِطَابِهِ.
قَوْلُهُ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) الْمُرَادُ بِالْعِبَادَةِ عَمَلُ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَعَاصِي، وَعَطَفَ عَلَيْهَا عَدَمَ الشِّرْكِ لِأَنَّهُ تَمَامُ التَّوْحِيدِ، وَالْحِكْمَةُ فِي عَطْفِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ أَنَّ بَعْضَ الْكَفَرَةِ كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ آلِهَةً أُخْرَى، فَاشْتَرَطَ نَفْيَ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْجُمْلَةَ حَالِيَّةٌ وَالتَّقْدِيرُ: يَعْبُدُونَهُ فِي حَالِ عَدَمِ الْإِشْرَاكِ بِهِ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ عِبَادَةُ اللَّهِ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وَتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْجَوَابِ فَمَا حَقُّ الْعِبَادِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَعَبَّرَ بِالْفِعْلِ وَلَمْ يُعَبِّرْ بِالْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟ الضَّمِيرُ لَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ. فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا يُعَذِّبَهُمْ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَوَّامِ مِثْلُهُ وَزَادَ وَيَغْفِرَ لَهُمْ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ أَنْ يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ، فَحُقَّ ذَلِكَ، وَوَجَبَ بِحُكْمِ وَعْدِهِ الصِّدْقِ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ فِي الْخَبَرِ وَلَا الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ، فَاللَّهُ ﷾ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِحُكْمِ الْأَمْرِ، إِذْ لَا آمِرَ فَوْقَهُ وَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ لِأَنَّهُ كَاشِفٌ لَا مُوجِبٌ انْتَهَى. وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ بِظَاهِرِهِ، وَلَا مُتَمَسَّكَ لَهُمْ فِيهِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ عِدَّةُ أَجْوِبَةٍ غَيْرُ هَذِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ هُنَا الْمُتَحَقِّقُ الثَّابِتُ، أَوِ الْجَدِيرُ، لِأَنَّ إِحْسَانَ الرَّبِّ لِمَنْ لَمْ يَتَّخِذْ رَبًّا سِوَاهُ جَدِيرٌ فِي الْحِكْمَةِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَالْوَاجِبِ فِي تَحَقُّقِهِ وَتَأَكُّدِهِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وتحريك شفتيهِ بحضور النَّاس، وكلُّ واحدٍ منها (١) قد يراءى به باعتبار الدِّين وباعتبار الدُّنيا، وحُكم الرِّياء بغير العبادات حُكم طالب المال والجاه، وحُكم محض الرِّياء بالعبادةِ إبطالها، وإن اجتمعَ قصد الرِّياء وقصد العبادةِ أعطي الحكم للأقوى، فيحتملُ الوجهين (٢) في إسقاطِ الفرض به، والمُصرُّ (٣) على إطلاعِ الغير على عبادتهِ إن كان لغرضٍ دُنيويٍّ كإفضائهِ إلى الاحترامِ، أو شبهه فهو مذمومٌ، وإن كان لغرضٍ أُخروي كالفرحِ بإظهارِ الله جميله وسترِه قبيحه، أو لرجاء الاقتداءِ به فممدوحٌ، وعليه يُحمل ما يحدِّث (٤) به الأكابرُ من الطَّاعات، وليس من الرِّياء سترُ المعصية بل ممدوحٌ، وإن (٥) عَرض له الرِّياء في أثناءِ العبادة، ثمَّ زالَ قبل فراغها لم يَضرّ، ومتى عَلِم من نفسه القوَّة أظهر القُربة، وقد قيل: اعملْ ولو خفت عجبًا مستغفرًا منه.
والحديث أخرجهُ مسلمٌ في آخر الكتاب، وابن ماجه في «الزُّهد»، والله الموفِّق.
(٣٧) (بابُ) فضل (مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ) ﷿.
٦٥٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الهاء وسكون المهملة بعدها موحدة، ابن الأسود
القيسيُّ البصريُّ، ويقال له: هَدَّاب -بفتح أوله وتشديد ثانيه- قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى بن دينارٍ العَوْذِيُّ -بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم، ولأبي ذرٍّ: «بينا» بإسقاطها (أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ ﷺ) راكبًا خلفه (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ) بمدِّ الهمزة وكسر الخاء المعجمة، و «الرَّحْل» بالحاء المهملة الساكنة، العود الَّذي يَستند إليه الرَّاكب من خلفه، وذكره للمبالغة في شدَّة قُربه ليكون أوقع في نفس سامعه أنَّه ضبطه، وفي رواية عَمرو بن ميمون عن معاذٍ: «كنتُ رِدْف النَّبيِّ ﷺ على حمارٍ يُقال له: عُفير … ». فيحتملُ أن يكون المراد بـ «آخرة الرَّحل»: موضع آخرة الرَّحل، للتَّصريح بأنَّه كان على حمارٍ (فَقَالَ لي: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ) «لبَّيك» بالتَّثنية، أي: إجابةً بعد إجابةٍ، وهو نصب على المصدرِ (وَسَعْدَيْكَ) أي: ساعدت طاعتَك مساعدةً بعد مساعدةٍ، وإسعادًا بعد إسعادٍ منصوبٌ أيضًا كـ «لبَّيك»، ولأبي ذرٍّ: «رسولَ الله» بحذف أداة النِّداء (ثُمَّ سَارَ) ﵊ (سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَُ) بنَ جبلٍ (١) (قُلْتُ (٢): لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) بحذف حرف النِّداء كالثَّالثة (٣) (ثُمَّ سَارَ سَاعَةً (٤)، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَُ بْنَ جَبَلٍ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) بتكرار ندائه ثلاثًا للتَّأكيد (قَالَ) ﷺ لي (٥): (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ) ﷿، أي: ما يستحقُّه تعالى (عَلَى عِبَادِهِ) ممَّا حتَّمه عليهم؟ (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ) صلواتُ الله عليه وسلامه: (حَقُّ اللهِ) ﷿ (عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ) بأنْ يُطيعوه ويجتنبُوا معاصيهِ (وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) عطف على السَّابق؛ لأنَّه تمام التَّوحيد، والجملة حاليَّة، أي: يعبدونَه في حالِ عدمِ (٦) الإشراك به (٧) (ثُمَّ سَارَ) ﵊ (سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) بحذف حرف النِّداء أيضًا
(قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ) تعالى الَّذي وعدَهم به من الثَّواب والجزاء المتحقّق الثَّابت وقوعه؛ إذ (١) لا خُلْفَ لوعدهِ (إِذَا فَعَلُوهُ؟) أي: المذكور من العبادةِ وعدمِ الإشراك (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ) وفي رواية ابن حبانٍ من طريق عَمرو بن ميمون: «أنْ يغفرَ لهم ولا يعذِّبهم»، وفي رواية أبي عثمان: «يدخلَهم الجنَّة» أي: لا يعذِّبهم إذا اجتنبوا الكبائرَ والمناهِي وأتوا بالمأموراتِ.
والحديث هنا رواه همَّامٌ عن أنسٍ عن معاذ، فهو من مسند معاذٍ (٢)، وخالفه هشامٌ الدَّستَُوائيُّ عن قتادةَ فقال: عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ، فيكون من مسند أنسٍ (٣). قال في «الفتح»: والمعتمد الأوَّل، وهو من الأحاديث الَّتي أخرجها البخاريُّ في ثلاثةِ مواضع عن شيخٍ واحدٍ، بسندٍ واحدٍ، وهي قليلةٌ جدًّا في كتابه، وأضافَ إليه في «الاستئذان» [خ¦٦٢٦٧] موسى بنَ إسماعيل، وقد تتبَّع بعضُهم ما أخرجَهُ في موضعٍ واحدٍ فبلغَ عدَّتها زيادة على العشرين، وفي (٤) بعضها تصرَّف في المتن بالاختصار منه (٥).
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ أنَّ فيه مجاهدة النَّفس في التَّوحيد، وجهاد المرء نفسه هو الجهادُ الأكبر، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] أي: علم أنَّ له مقامًا يوم القيامة لحساب ربِّه، ونهى النَّفس الأمَّارة بالسُّوء عن الهوى المردي (٦)، أي: زجرها عن اتِّباع الشَّهوات، فالمجاهدة تُزيل الأخلاقَ الذَّميمة، وتحصِّلُ الأخلاقَ الحميدةَ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] أي: مناهجنَا الحميدة، وأصلُ المجاهدةِ (٧) ومَلاكها (٨) فطمُ النَّفس عن المألوفاتِ، وحملها على
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
النَّاس الَّذين أَرَادَ نيل الْمنزلَة عِنْدهم، وَلَا ثَوَاب لَهُ فِي الْآخِرَة. قَوْله: (وَمن يرائي) بِضَم الْيَاء وبالمد وَكسر الْهمزَة وَالثَّانيَِة مثلهَا وَثبتت الْيَاء فِي آخر كل مِنْهُمَا للإشباع أَي: من يرائي بِعَمَلِهِ النَّاس (يرائي الله بِهِ) أَي يطلعهم على أَنه فعل ذَلِك لَهُم لَا لوجهه فَاسْتحقَّ سخط الله عَلَيْهِ. وَفِيه: من المشاكلة مَا لَا يخفى.
٧٣ - (بابُ مَنْ جاهَدَ نَفْسَهُ فِي طاعَةِ الله)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من جَاهد من المجاهدة، وَهِي: كف النَّفس عَن إرادتها مِمَّا يشغلها بِغَيْر الْعِبَادَة.
٠٠٥٦ - حدّثنا هُدْبَةُ بنُ خالِدٍ حدّثنا هَمَّامٌ حدّثنا قَتادَة حدّثنا أنَسُ بنُ مالِكٍ عنْ مُعاذٍ ابنِ جَبَلٍ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: بَيْنَما أَنا رَدِيفُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنهُ إلَاّ آخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: (يَا مُعاذُ {) . قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسولَ الله وسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سارَ ساعَةً ثُمَّ قَالَ: (يَا مُعاذُ} ) قُلْتُ: لبيْكَ رسولَ الله وسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سارَ ساعَةً ثُمَّ قَالَ: (يَا مُعاذُ بنَ جَبَلٍ {) قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسَعْديْكَ. قَالَ: (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلى عِبادِهِ؟) قُلْتُ: الله ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: (حَقُّ الله عَلى عِبادِهِ أنْ يعْبُدُوهُ وَلَا يشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) ثُمَّ سارَ ساعَةً، ثُمَّ قَالَ: (يَا مُعاذُ بن جَبَلٍ) قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسُولَ الله وسَعْدَيْك. قَالَ: (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ العِبادِ عَلى الله إِذا فَعَلُوهُ؟) قُلْتُ: الله ورسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: (حَقُّ العِبادِ على الله أنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ مجاهدة النَّفس بِالتَّوْحِيدِ، وَجِهَاد الْمَرْء نَفسه هُوَ الْجِهَاد الْأَكْبَر.
وَهَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن قد مر فِي كتاب اللبَاس فِي بَاب مُجَرّد عقيب: بَاب حمل صَاحب الدَّابَّة غَيره بَين يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن هدبة بن خَالِد عَن همام بن يحيى عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَنَظِيره مضى عَن أنس فِي آخر كتاب الْعلم فِي: بَاب من خص بِالْعلمِ قوما.
قَوْله: (رَدِيف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الرديف هُوَ الرَّاكِب خلف الرَّاكِب. قَوْله: (إلَاّ آخِرَة الرحل) الْآخِرَة على وزن الفاعلة وَهِي الْعود الَّذِي يسْتَند إِلَيْهِ الرَّاكِب من خَلفه، وَأَرَادَ بِذكرِهِ الْمُبَالغَة فِي شدَّة قربه ليَكُون أوقع فِي نفس سامعه لكَونه أضبط، وَأما تكريره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَلَيْهِ ثَلَاثًا فلتأكيد الاهتمام بِمَا يُخبرهُ ولتكميل تنبه معَاذ فِيمَا يسمعهُ، والرحل سرج الْجمل. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الرحل رَحل الْجمل وَهُوَ أَصْغَر من القتب. قَوْله: (لبيْك) قد مضى الْكَلَام فِيهِ مرَارًا أَنه من التَّلْبِيَة وَهِي إِجَابَة الْمُنَادِي أَي: إجَابَتِي لَك يَا رَسُول الله} مَأْخُوذ من لب بِالْمَكَانِ وألب إِذا قَامَ بِهِ، وَلم يسْتَعْمل إلَاّ على لفظ التَّثْنِيَة فِي معنى التكرير، أَي: إِجَابَة بعد إِجَابَة وَهُوَ مَنْصُوب على الْمصدر بعامل لَا يظْهر، كأنّك قلت: ألب إلباباً بعد إلباب. قَوْله: (وَسَعْديك) أَي: ساعدت طَاعَتك مساعدة بعد مساعدة وإسعاداً بعد إسعاد، وَلِهَذَا ثنى، وَهُوَ أَيْضا من المصادر المنصوبة بِفعل لَا يظْهر فِي الِاسْتِعْمَال، وَقَالَ الْجرْمِي: لم يسمع سعدك مُفردا. قَوْله: (لبيْك رَسُول الله) أَي: يَا رَسُول الله، حذف فِيهِ حرف النداء، وَفِي الْعلم بإثباته. قَوْله: (فَقَالَ: يَا معَاذ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ثمَّ قَالَ: يَا معَاذ، قَوْله: (هَل تَدْرِي مَا حق الله على عباده) الْحق كل مَوْجُود مُتَحَقق أَو: مَا سيوجد لَا محَالة. قَوْله: (أَن يعبدوه) أَي: أَن يوحدوه. قَوْله: (وَلَا يشركوا بِهِ شَيْئا) ، تَفْسِيره وَقيل: المُرَاد بِالْعبَادَة عمل الطَّاعَات وَاجْتنَاب الْمعاصِي. قَوْله: (مَا حق الْعباد على الله؟) يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون خرج مخرج الْمُقَابلَة فِي اللَّفْظ كَقَوْلِه تَعَالَى: {ومكروا ومكر الله} (آل عمرَان: ٤٥) وَالثَّانِي: أَن يكون أَرَادَ حَقًا شَرْعِيًّا لَا وَاجِبا بِالْعقلِ كَقَوْل الْمُعْتَزلَة، وَقيل: معنى الْحق الْمُسْتَحق الثَّابِت أَو الجدير، وَهُوَ كالواجب فِي تحَققه، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: حق الْعباد على الله هُوَ مَا وعدهم بِهِ من الثَّوَاب وَالْجَزَاء.
٨٣ - (بابُ التَّواضُعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل التَّوَاضُع، وَهُوَ إِظْهَار التنزل عَن مرتبته. وَقيل: هُوَ تَعْظِيم من فَوْقه من أَرْبَاب الْفَضَائِل، وَفِي (رقائق) : ابْن الْمُبَارك عَن معَاذ بن جبل أَنه قَالَ: لن يبلغ ذرْوَة الْإِيمَان حَتَّى تكون الضعة أحب إِلَيْهِ من الشّرف، وَمَا قل من الدُّنْيَا أحب إِلَيْهِ مِمَّا كثر.
١٠٥٦ - حدّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ حدّثنا زُهَيْرٌ حدّثنا حُمَيْدٌ عنْ أَنسٍ رَضِي الله عَنهُ: كَانَ لِ لنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ناقَةٌ.
قَالَ: وحدّثني مُحَمَّدٌ أخبرنَا الفَزارِيُّ وأبُو خالِدٍ الأحْمَرُ عنْ حُمَيْدٍ الطَّويلِ عنْ أنَس قَالَ: كانَتْ ناقَةٌ لِرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تُسَمَّى العَضْباءَ، وكانَتْ لَا تُسْبَقُ فَجاءَ أعْرابِيٌّ عَلى قَعُودٍ لهُ فَسَبَقَها، فاشْتَدَّ ذالِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، وقالُوا: سُبِقَتِ العَضْباءُ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إنَّ حَقًّا عَلى الله أنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيا إلَاّ وَضَعَهُ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي طرق هَذَا الحَدِيث عِنْد النَّسَائِيّ بِلَفْظ: حق على الله أَن لَا يرفع شَيْء نَفسه فِي الدُّنْيَا إلَاّ وَضعه، فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى ذمّ الترفع والحض على التَّوَاضُع، والإعلام بِأَن أُمُور الدُّنْيَا نَاقِصَة غير كَامِلَة.
وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أبي غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن حميد الطَّوِيل بن أبي حميد عَن أنس بن مَالك. وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن سَلام، قَالَه الكلاباذي: عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وبالراء عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر سُلَيْمَان بن حَيَّان بتَشْديد الْيَاء، آخر الْحُرُوف الْأَزْدِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب نَاقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِنَّهُ أخرجه بِالطَّرِيقِ الأول بِعَين إِسْنَاده وَمَتنه عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل عَن زُهَيْر عَن حميد عَن مَالك ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (العضباء) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وبالمد النَّاقة المشقوقة الْأذن، وَلَكِن نَاقَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم تكن مشقوقة الْأذن لَكِن صَار هَذَا لقبالها. قَوْله: (لَا تسبق) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (على قعُود) بِفَتْح الْقَاف وَهُوَ الْبكر من الْإِبِل حِين يُمكن ظَهره للرُّكُوب وَأدنى ذَلِك سنتَانِ.
٢٠٥٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ عُثْمانَ حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ حَدثنِي شَرِيكُ بنُ عَبْدِ الله بن أبي نَمِرٍ عنْ عَطاءٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إنَّ الله قَالَ: مَنْ عاداى لِي وَليًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إليَّ عَبْدِي بِشْيءٍ أحَبَّ إليَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أحِبَّهُ، فَإِذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويدَهُ الّتي يَبْطُشُ بِها، وَرِجْلَهُ الّتي يَمْشِي بهَا، وإنْ سألَنِي لأعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي وَمَا تَرَدَّدْتُ عنْ شَيْءٍ أَنا فاعِلُهُ تَرَدّدِي عنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ يَكْرَهُ الموْتَ وَأَنا أكْرَهُ إساءَتَهُ لأعِيذَنَّهُ) .
قيل: لَا مُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث والترجمة حَتَّى قَالَ الدَّاودِيّ: لَيْسَ هَذَا الحَدِيث من التَّوَاضُع فِي شَيْء. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : لَا أَدْرِي مَا مطابقته لَهَا لِأَنَّهُ لَا ذكر فِيهِ للتواضع وَلَا لما يقرب مِنْهُ، وَقيل: الْمُنَاسب إِدْخَاله فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ: مجاهدة الْمَرْء نَفسه فِي طَاعَة الله، وَأَجَابُوا عَن ذَلِك، فَقَالَ الْكرْمَانِي: التَّقَرُّب بالنوافل لَا يكون إلَاّ بغاية التَّوَاضُع والتذلل للرب تَعَالَى.
قلت: قد سبقه بِهَذَا صَاحب (التَّلْوِيح) : فَإِنَّهُ قَالَ: التَّقَرُّب إِلَى الله بالنوافل حَتَّى يستحقوا الْمحبَّة من الله تَعَالَى لَا يكون إلَاّ بغاية التَّوَاضُع والتذلل للرب عز وَجل، ثمَّ قَالَ: وَفِيه بعد، لِأَن النَّوَافِل إِنَّمَا يُزكي ثَوَابهَا عِنْد الله لمن حَافظ على فَرَائِضه، وَقيل: التَّرْجَمَة مستفادة مِمَّا قَالَ: كنت سَمعه، وَمن التَّرَدُّد، وَقَالَ بَعضهم: تستفاد التَّرْجَمَة من لَازم قَوْله: (من عادى لي
وليا) لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الزّجر عَن معاداة الْأَوْلِيَاء المستلزم لموالاتهم، وموالاة جَمِيع الْأَوْلِيَاء لَا تتأتى إلَاّ بغاية التَّوَاضُع، إِذْ فيهم الْأَشْعَث الأغبر الَّذِي لَا يؤبه لَهُ. انْتهى.
قلت: دلَالَة الإلتزام مهجورة، لِأَنَّهَا لَو كَانَت مُعْتَبرَة لزم أَن يكون للفظ الْوَاحِد مدلولات غير متناهية، وَيُقَال لهَذَا الْقَائِل: تُرِيدُ اللُّزُوم الْبَين أَو مُطلق اللُّزُوم؟ وأيّاماً كَانَ فدلالة الِالْتِزَام مهجورة، فَإِن أردْت اللُّزُوم الْبَين فَهُوَ يخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص، فَلَا يكَاد ينصبط الْمَدْلُول، وَإِن أردْت مُطلق اللُّزُوم فاللوازم لَا تتناهى، فَيمْتَنع إِفَادَة اللَّفْظ إِيَّاهَا، فَلَا يَقع كَلَامه جَوَابا.
وَمُحَمّد بن عُثْمَان بن كَرَامَة بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف الرَّاء الْعجلِيّ بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة الْكُوفِي مَاتَ بِبَغْدَاد سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من صغَار شُيُوخ البُخَارِيّ، وَقد شَاركهُ فِي كثير من مشايخه. مِنْهُم: خَالِد بن مخلد شَيْخه فِي هَذَا الحَدِيث فقد أخرج عَنهُ البُخَارِيّ بِغَيْر وَاسِطَة أَيْضا فِي: بَاب الِاسْتِعَاذَة من الْجُبْن فِي كتاب الدَّعْوَات. وخَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام البَجلِيّ، وَيُقَال الْقَطوَانِي الْكُوفِي مَاتَ بِالْكُوفَةِ فِي محرم سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَسليمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب الْقرشِي التَّيْمِيّ مَاتَ سنة سبع وَسبعين وَمِائَة، وَشريك بن عبد الله بن أبي نمر بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور الْقرشِي، وَيُقَال: اللَّيْثِيّ، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة. فَإِن قلت: خَالِد فِيهِ مقَال، فَعَن أَحْمد لَهُ مَنَاكِير، وَعَن أبي حَاتِم: لَا يحْتَج بِهِ. وَأخرج ابْن عدي عشرَة أَحَادِيث من حَدِيثه استنكرها مِنْهَا حَدِيث الْبَاب، وَشريك أَيْضا فِيهِ مقَال، وَهُوَ رَاوِي حَدِيث الْمِعْرَاج الَّذِي زَاد فِيهِ وَنقص وَقدم وَأخر وَتفرد بأَشْيَاء لم يُتَابع عَلَيْهَا.
قلت: أما خَالِد فَعَن ابْن معِين: مَا بِهِ بَأْس، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: صَدُوق وَلكنه تشيع وَهُوَ عِنْدِي، إِن شَاءَ الله، لَا بَأْس بِهِ. وَأما شريك فَعَن يحيى بن معِين وَالنَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث، وَعَطَاء هُوَ ابْن يسَار ضد الْيَمين وَوَقع فِي بعض النّسخ كَذَلِك، وَقيل: هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَالْأول أصح. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (إِن الله قَالَ) هَذَا من الْأَحَادِيث الإلهية الَّتِي تسمى: القدسية، وَقد مر الْكَلَام فِيهَا عَن قريب، وَقد وَقع فِي بعض طرقه: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حدث بِهِ عَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، عَن الله عز وَجل. قَوْله: (لي) ، صفة لقَوْله: وليا، لكنه لما قدم صَار حَالا. قَوْله: (وليا) ، الْوَلِيّ: هُوَ الْعَالم بِاللَّه المواظب على طَاعَته المخلص فِي عِبَادَته. فَإِن قلت: قَوْله: (عادى) من المعاداة وَهُوَ من بَاب المفاعلة الَّتِي تقع من الْجَانِبَيْنِ، وَمن شَأْن الْوَلِيّ الْحلم والاجتناب عَن المعاداة والصفح عَمَّن يجهل عَلَيْهِ.
قلت: أُجِيب بِأَن المعاداة لم تَنْحَصِر فِي الْخُصُومَة، والمعاداة الدُّنْيَوِيَّة مثلا، بل تقع عَن بغض ينشأ عَن التعصب: كالرافضي فِي بغضه لأبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، والمبتدع فِي بغضه للسني، فَتَقَع المعاداة من الْجَانِبَيْنِ، أما من جَانب الْوَلِيّ فللَّه، وَفِي الله وَأما من الْجَانِب الآخر فَظَاهر. انْتهى.
قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف، فَإِذا قُلْنَا: إِن فَاعل يَأْتِي بِمَعْنى فعل كَمَا فِي قَوْله عز وَجل: {وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم} (آل عمرَان: ٣٣١) بِمَعْنى: اسرعوا يحصل الْجَواب. قَوْله: (فقد آذنته) بِالْمدِّ وَفتح الْمُعْجَمَة بعد هانون أَي: أعلمته من الإيذان، وَهُوَ الْإِعْلَام. قَوْله: (بِالْحَرْبِ) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بِحَرب، وَوَقع فِي حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (من عادى لي والياً فقد اسْتحلَّ محاربتي) وَفِي حَدِيث معَاذ: (فقد بارز الله بالمحاربة) ، وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة وَأنس: (فقد بارزني) . فَإِن قيل: الْمُحَاربَة من الْجَانِبَيْنِ والمخلوق فِي أسر الْخَالِق؟ قيل لَهُ: أطلق الْحَرْب وَأَرَادَ لَازمه، أَي: أعمل بِهِ مَا يعمله الْعَدو الْمُحَارب. قَوْله: (أحب) بِالرَّفْع وَالنّصب، قَالَه الْكرْمَانِي.
قلت: وَجه الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ أحب، وَوجه النصب وَالْمرَاد بِهِ الْفَتْح صفة لقَوْله: (بِشَيْء) فَيكون مَفْتُوحًا فِي مَوضِع الْجَرّ وَيدخل فِي قَوْله: (مِمَّا افترضت عَلَيْهِ) جَمِيع الْفَرَائِض فَرَائض الْعين وفرائض الْكِفَايَة. قَوْله: (وَمَا يزَال) كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: وَمَا زَالَ، بِصِيغَة الْمَاضِي. قَوْله: (يتَقرَّب إِلَيّ) ، بتَشْديد الْيَاء، وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة: يتحبب، والتقرب طلب الْقرب، وَقَالَ الْقشيرِي: قرب العَبْد من ربه يَقع أَولا بإيمانه ثمَّ بإحسانه، وَقرب الرب من عَبده مَا يَخُصُّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا من عرفانه، وَفِي الْآخِرَة من رضوانه، وَفِيمَا بَين ذَلِك من وُجُوه لطفه وامتنانه، وَلَا يتم قرب العَبْد من الْحق إلَاّ ببعده من الْخلق. قَالَ: وَقرب الرب بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة عَام للنَّاس، وباللطف والنصرة خَاص بالخواص، وبالتأنيس خَاص بالأولياء. قَوْله: (بالنوافل) ، المُرَاد بهَا: مَا كَانَت حاوية للفرائض مُشْتَمِلَة عَلَيْهَا ومكملة لَهَا، وَلَيْسَ المُرَاد كَون النَّوَافِل مُطلقًا. قَوْله: (أحبه) هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: حَتَّى أحببته. قَوْله: (كنت