الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٥٩٥
الحديث رقم ٦٥٩٥ من كتاب «كتاب القدر» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: كتاب القدر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ
٦٥٩٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وفي مسلمٍ من حديث أبي هريرة: «وإنَّ الرَّجل ليعمل الزَّمان الطَّويل بعمل أهل النَّار، ثمَّ يختم له بعملِ أهل الجنَّة». وعند أحمد من وجهٍ آخر عن أبي هريرة: «سبعين سنة»، وعنده أيضًا عن عائشة مرفوعًا: «إنَّ الرَّجُلَ ليَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ الجنَّةِ وَهو مَكتُوبٌ في الكِتَابِ الأوَّلِ من أهلِ النَّارِ، فإذا كَانَ قَبل مَوتِه تَحوَّل فَعَمِل بعملِ أهل (١) النَّار، فمات فدخلَها» الحديثَ، وفيه: أنَّ في تقدير الأعمال ما هو سابقٌ ولاحقٌ، فالسَّابق ما في علمِ الله تعالى، واللَّاحق ما يقدَّرُ على الجنينِ في بطن أمِّهِ كما في هذا الحديث، وهذا هو الَّذي يقبل النَّسخ.
٦٥٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الإمام أبو أيوب الواشحيُّ البصريُّ، قاضي مكة قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ ﵁) سقط لأبي ذرٍّ «ابن أنس» و «ابن مالك» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: وَكَّلَ اللهُ) ﷿ (٢) بتشديد الكاف (بِالرَّحِمِ مَلَكًا) وفي الحديث السَّابق: «ثمَّ يبعث الله ملكًا» [خ¦٦٥٩٤] (فَيَقُولُ) عند نزولِ النُّطفة في الرَّحم التماسًا لإتمام الخلقة: (أَيْ) بسكون الياء، أي: يا (رَبِّ) هذه (نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ) هذه (عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ) هذه (مُضْغَةٌ) ويجوز النَّصب فيها على إضمار فِعْلٍ، أي: خلقتَ، أو صارَ، والمراد: أنَّه يقول كلَّ كلمةٍ من ذلك الوقت الَّذي يصير فيه كذلك، فبين قولهِ: «أي رب نطفةٌ» وقولهِ: «علقةٌ» أربعون يومًا، كقولهِ: «يا ربِّ مضغة» لا في وقتٍ واحدٍ؛ إذ لا (٣) تكون النُّطفة علقةً مضغةً في ساعةٍ واحدةٍ.
وحديث ابن مسعود السَّابق [خ¦٦٥٩٤] يدلُّ على أنَّ الجنين يتقلَّب في مئة وعشرين يومًا في ثلاثة أطوار، كلُّ طورٍ منها في أربعين، ثمَّ بعد تكملتها ينفخ فيه الرُّوح، وقد ذكر الله تعالى هذه الأطوار الثَّلاثة من غير تقييدٍ بمدَّة في سورة الحج، وزاد في سورة المؤمنين بعد المضغة: ﴿فَخَلَقْنَا
الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] الآيةَ، ويؤخذ منها ومن حديث الباب أن تصير المضغةُ عظامًا بعد نفخ الرُّوح.
(فَإِذَا أَرَادَ اللهُ) ﷿ (أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا) أي: يأذن فيها أو يُتمَّها (قَالَ: أَيْ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «يا» (رَبِّ ذَكَرٌ) ولأبي ذرٍّ: «أذكر» (أَمْ أُنْثَى) وفي حديث حذيفة بن أَسِيْد عند مسلم: «إذا مرَّ بالنُّطفة ثلاث وأربعون -وفي نسخة: ثنتان وأربعون ليلة- بعثَ الله إليها ملكًا فصوَّرها وخلقَ سمعَها وبصرَها وجلدَها ولحمَها وعظمَها، ثمَّ قال: أذكرٌ أم أنثى؟ فيقضِي ربُّك ما يشاء ويكتبُ المَلَك». وعند الفِريابيِّ عن حذيفة بن أَسيد: «إذا وقعت النُّطفة في الرَّحم، ثمَّ استقرَّت أربعين ليلة، قال (١): فيجيء ملك الرَّحم فيدخل، فيصوِّرُ له عظمَه ولحمَه وشعرَه وبشره وسمعه وبصره، ثمَّ يقول: أي ربِّ ذكرٌ أو أنثى؟ … » الحديثَ. وهذا -كما قال عياض- ليس على ظاهره؛ لأنَّ التَّصوير إنَّما يقع في آخر الأربعين الثالثة، فالمعنى في قولهِ: «فصوَّرها» كتب الله ذلك، ثمَّ يفعله بعدُ بدليل قولهِ بعد ذلك: «أذكر أم أنثى» (أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، فَمَا الرِّزْقُ، فَمَا الأَجَلُ، فَيُكْتَبُ) بصيغة المبنيِّ للمفعول، أي: فيكتب الملكُ (كَذَلِكَ) المذكور من الشَّقاء والسَّعادة والرِّزق والأجل على جبهتهِ أو رأسهِ مثلًا، وهو (فِي بَطْنِ أُمِّهِ).
وفي الحديث: إن خلق السَّمع والبصر يقعُ والجنين في بطنِ أمِّه، وهو محمولٌ جزمًا على الأعضاءِ، ثمَّ على القوَّة الباصرة والسَّامعة؛ لأنَّها مُودعة فيهما، وأمَّا الإدراك فالَّذي يترجَّح أنَّه يتوقَّف على زوال الحجابِ المانع. وقال المظهريُّ: إنَّ الله تعالى يحوِّل الإنسان في بطن أمِّه حالة بعد حالة مع أنَّه تعالى قادرٌ على أن يخلقه في لمحةٍ، وذلك أنَّ في التَّحويل فوائد وعبرًا؛ منها أنَّه لو خلقه دفعةً لشقَّ على الأمِّ؛ لأنَّها لم تكن معتادة (٢) لذلك، فجعل أولًا نطفة لتعتاد بها مدَّة، ثمَّ علقة مدَّة، وهلمَّ جرًّا إلى الولادةِ. ومنها إظهار قدرةِ الله تعالى ونعمتهِ ليعبدوه ويشكروا له حيث قلبهم من تلك الأطوارِ إلى كونهم (٣) إنسانًا حسن الصُّورة متحلِّيًا بالعقلِ والشَّهامة متزيِّنًا بالفهمِ والفطانةِ. ومنها إرشاد النَّاس وتنبيههم على كمالِ قدرتهِ على الحشرِ والنَّشر؛ لأنَّ من قدر على
خلقِ الإنسان من ماءٍ مَهين، ثمَّ من علقةٍ ومضغةٍ مهيَّأة لنفخ الرُّوح فيه، يقدرُ على صيرورتهِ ترابًا ونَفْخِ الرُّوح فيه، وحشرِه في المحشر للحسابِ والجزاءِ.
(٢) (بابٌ) (١) بالتَّنوين في فرعِ «اليونينيَّة» كهي. قال الحافظُ ابن حجرٍ: خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هذا باب، وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا قولُ من لم يمسَّ شيئًا من الإعراب، والتَّنوين يكون في المعرَبِ، ولفظ «باب» هنا مفرد فكيف ينوَّن، والتَّقدير: هذا باب يذكر فيه (جَفَّ القَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ) ﷿ (٢)، وأجابَ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ الكِرْمانيَّ قد جوَّز (٣) في كلِّ ما لم يكن مضافًا التَّنوين والجزم على قصد السُّكون؛ لأنَّه للتَّعداد، وقد أكثر المصنِّفون من الفقهاءِ والعلماءِ حتَّى النُّحاة وغيرهم في تصانيفهم ذكر «باب» بغير إضافةٍ، وكذا ذكرُ «فصل» و «فرع»، و «تنبيه»، ونحو ذلك، وكلُّه يحتاج إلى تقديرٍ، وقول الشَّارح: «باب» هو بالتَّنوين لا يستلزم نفي التَّقدير، وقد سلَّم العينيُّ هذا المقدَّر فقال في «باب المحاربين» في (٤) قوله «بابٌ» بالتَّنوين لا يكون إلَّا بالتَّقدير؛ لأنَّ المعرَب هو جزءُ المركَّب، والمفردُ وحده لا ينوَّن. انتهى.
وجفافُ القلمِ كنايةٌ عن الفراغِ من الكتابةِ، فهو -كما قال الطِّيبيُّ- من إطلاقِ اللَّازم على الملزومِ؛ لأنَّ الفراغَ من الكتابةِ يستلزمُ جفافَ القلمِ عن مدادهِ مخاطبةً لنا بما نعهدُ، وقوله: على علمه أي: حكمهِ؛ لأنَّ معلومَهُ لا بدَّ أن يقعَ، فعلمُه بمعلومٍ (٥) يستلزمُ الحكم بوقوعهِ.
وفي حديث عبدِ الله بن عمر عند أحمد، وصحَّحه ابن حِبَّان من طريق عبدِ الله بن الدَّيلميِّ،
عنه، مرفوعًا: «إنَّ الله ﷿ خلقَ خلقهُ في ظلمةٍ، ثمَّ أَلقى عليهِم من نورِهِ، فمَن أصابَهُ مِن نورِهِ يومئذٍ اهتدَى، ومَن أخطأَهُ ضلَّ» فلذلكَ (١) أقولُ: جفَّ القلمُ على علمِ الله، والقائلُ: «أقول» هو عبدُ الله بن عمر، كما عند أحمدَ وابنِ حبَّان من طريقٍ أُخرى عن ابنِ الدَّيلميِّ (٢).
ويذكر أنَّ عبدَ الله بنَ طاهر أمير خُراسان للمأمونِ سألَ الحسين بنَ الفضلِ عن قولهِ تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] وقولهِ ﷺ: «جفَّ القلمُ» فقال: هي شُؤون يبدِيها لا شُؤون يبتدِيها، فقامَ إليه وقبَّل رأسه.
(وقولهِ) تعالى: (﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]) حالٌ من الجلالة، أي: كائنًا على علمٍ منه، أو حالٌ من المفعول، أي: أضلَّه وهو عالمٌ، وهذا أشنع له، فعلى الأوَّل المعنى: أضله الله تعالى على علمهِ في الأزلِ وهو حكمُه عند ظهورهِ، وعلى الثَّاني: أضلَّه بعد أن أعلمَه وبيَّن له فلم يقبلْ.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، ممَّا وصله المؤلِّف في أوائل «النِّكاح» [خ¦٥٠٧٦] (قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ) وعند الطَّبرانيِّ من حديثِ ابن عبَّاس: «واعلمْ أنَّ القلمَ قدْ جفَّ بما هوَ كائنٌ»، وفي حديث الحسن بن عليٍّ عند الفِريابيِّ: «رُفِع الكتابُ وجفَّ القلمُ».
(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ في تفسير قولهِ تعالى: (﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾) من قولهِ تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] ممَّا وصله ابنُ أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه، أي: (سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ) أي: يرغبون في الطَّاعات، فيبادرُونها بما سبقَ لهم من السَّعادة بتقديرِ الله، وقال (٣) الكِرْمانيُّ: فإن قلت: تفسير ابن عبَّاس يدلُّ على أنَّ السَّعادة (٤) سابقة، والآية على أنَّ السَّعادة مسبوقةٌ؟ وأجابَ بأنَّ معنى الآية: أنَّهم سبقوا لأجلِ السَّعادة لا أنَّهم سَبقوا السَّعادة.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وفي مسلمٍ من حديث أبي هريرة: «وإنَّ الرَّجل ليعمل الزَّمان الطَّويل بعمل أهل النَّار، ثمَّ يختم له بعملِ أهل الجنَّة». وعند أحمد من وجهٍ آخر عن أبي هريرة: «سبعين سنة»، وعنده أيضًا عن عائشة مرفوعًا: «إنَّ الرَّجُلَ ليَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ الجنَّةِ وَهو مَكتُوبٌ في الكِتَابِ الأوَّلِ من أهلِ النَّارِ، فإذا كَانَ قَبل مَوتِه تَحوَّل فَعَمِل بعملِ أهل (١) النَّار، فمات فدخلَها» الحديثَ، وفيه: أنَّ في تقدير الأعمال ما هو سابقٌ ولاحقٌ، فالسَّابق ما في علمِ الله تعالى، واللَّاحق ما يقدَّرُ على الجنينِ في بطن أمِّهِ كما في هذا الحديث، وهذا هو الَّذي يقبل النَّسخ.
٦٥٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الإمام أبو أيوب الواشحيُّ البصريُّ، قاضي مكة قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ ﵁) سقط لأبي ذرٍّ «ابن أنس» و «ابن مالك» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: وَكَّلَ اللهُ) ﷿ (٢) بتشديد الكاف (بِالرَّحِمِ مَلَكًا) وفي الحديث السَّابق: «ثمَّ يبعث الله ملكًا» [خ¦٦٥٩٤] (فَيَقُولُ) عند نزولِ النُّطفة في الرَّحم التماسًا لإتمام الخلقة: (أَيْ) بسكون الياء، أي: يا (رَبِّ) هذه (نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ) هذه (عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ) هذه (مُضْغَةٌ) ويجوز النَّصب فيها على إضمار فِعْلٍ، أي: خلقتَ، أو صارَ، والمراد: أنَّه يقول كلَّ كلمةٍ من ذلك الوقت الَّذي يصير فيه كذلك، فبين قولهِ: «أي رب نطفةٌ» وقولهِ: «علقةٌ» أربعون يومًا، كقولهِ: «يا ربِّ مضغة» لا في وقتٍ واحدٍ؛ إذ لا (٣) تكون النُّطفة علقةً مضغةً في ساعةٍ واحدةٍ.
وحديث ابن مسعود السَّابق [خ¦٦٥٩٤] يدلُّ على أنَّ الجنين يتقلَّب في مئة وعشرين يومًا في ثلاثة أطوار، كلُّ طورٍ منها في أربعين، ثمَّ بعد تكملتها ينفخ فيه الرُّوح، وقد ذكر الله تعالى هذه الأطوار الثَّلاثة من غير تقييدٍ بمدَّة في سورة الحج، وزاد في سورة المؤمنين بعد المضغة: ﴿فَخَلَقْنَا
الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] الآيةَ، ويؤخذ منها ومن حديث الباب أن تصير المضغةُ عظامًا بعد نفخ الرُّوح.
(فَإِذَا أَرَادَ اللهُ) ﷿ (أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا) أي: يأذن فيها أو يُتمَّها (قَالَ: أَيْ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «يا» (رَبِّ ذَكَرٌ) ولأبي ذرٍّ: «أذكر» (أَمْ أُنْثَى) وفي حديث حذيفة بن أَسِيْد عند مسلم: «إذا مرَّ بالنُّطفة ثلاث وأربعون -وفي نسخة: ثنتان وأربعون ليلة- بعثَ الله إليها ملكًا فصوَّرها وخلقَ سمعَها وبصرَها وجلدَها ولحمَها وعظمَها، ثمَّ قال: أذكرٌ أم أنثى؟ فيقضِي ربُّك ما يشاء ويكتبُ المَلَك». وعند الفِريابيِّ عن حذيفة بن أَسيد: «إذا وقعت النُّطفة في الرَّحم، ثمَّ استقرَّت أربعين ليلة، قال (١): فيجيء ملك الرَّحم فيدخل، فيصوِّرُ له عظمَه ولحمَه وشعرَه وبشره وسمعه وبصره، ثمَّ يقول: أي ربِّ ذكرٌ أو أنثى؟ … » الحديثَ. وهذا -كما قال عياض- ليس على ظاهره؛ لأنَّ التَّصوير إنَّما يقع في آخر الأربعين الثالثة، فالمعنى في قولهِ: «فصوَّرها» كتب الله ذلك، ثمَّ يفعله بعدُ بدليل قولهِ بعد ذلك: «أذكر أم أنثى» (أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، فَمَا الرِّزْقُ، فَمَا الأَجَلُ، فَيُكْتَبُ) بصيغة المبنيِّ للمفعول، أي: فيكتب الملكُ (كَذَلِكَ) المذكور من الشَّقاء والسَّعادة والرِّزق والأجل على جبهتهِ أو رأسهِ مثلًا، وهو (فِي بَطْنِ أُمِّهِ).
وفي الحديث: إن خلق السَّمع والبصر يقعُ والجنين في بطنِ أمِّه، وهو محمولٌ جزمًا على الأعضاءِ، ثمَّ على القوَّة الباصرة والسَّامعة؛ لأنَّها مُودعة فيهما، وأمَّا الإدراك فالَّذي يترجَّح أنَّه يتوقَّف على زوال الحجابِ المانع. وقال المظهريُّ: إنَّ الله تعالى يحوِّل الإنسان في بطن أمِّه حالة بعد حالة مع أنَّه تعالى قادرٌ على أن يخلقه في لمحةٍ، وذلك أنَّ في التَّحويل فوائد وعبرًا؛ منها أنَّه لو خلقه دفعةً لشقَّ على الأمِّ؛ لأنَّها لم تكن معتادة (٢) لذلك، فجعل أولًا نطفة لتعتاد بها مدَّة، ثمَّ علقة مدَّة، وهلمَّ جرًّا إلى الولادةِ. ومنها إظهار قدرةِ الله تعالى ونعمتهِ ليعبدوه ويشكروا له حيث قلبهم من تلك الأطوارِ إلى كونهم (٣) إنسانًا حسن الصُّورة متحلِّيًا بالعقلِ والشَّهامة متزيِّنًا بالفهمِ والفطانةِ. ومنها إرشاد النَّاس وتنبيههم على كمالِ قدرتهِ على الحشرِ والنَّشر؛ لأنَّ من قدر على
خلقِ الإنسان من ماءٍ مَهين، ثمَّ من علقةٍ ومضغةٍ مهيَّأة لنفخ الرُّوح فيه، يقدرُ على صيرورتهِ ترابًا ونَفْخِ الرُّوح فيه، وحشرِه في المحشر للحسابِ والجزاءِ.
(٢) (بابٌ) (١) بالتَّنوين في فرعِ «اليونينيَّة» كهي. قال الحافظُ ابن حجرٍ: خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هذا باب، وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا قولُ من لم يمسَّ شيئًا من الإعراب، والتَّنوين يكون في المعرَبِ، ولفظ «باب» هنا مفرد فكيف ينوَّن، والتَّقدير: هذا باب يذكر فيه (جَفَّ القَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ) ﷿ (٢)، وأجابَ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ الكِرْمانيَّ قد جوَّز (٣) في كلِّ ما لم يكن مضافًا التَّنوين والجزم على قصد السُّكون؛ لأنَّه للتَّعداد، وقد أكثر المصنِّفون من الفقهاءِ والعلماءِ حتَّى النُّحاة وغيرهم في تصانيفهم ذكر «باب» بغير إضافةٍ، وكذا ذكرُ «فصل» و «فرع»، و «تنبيه»، ونحو ذلك، وكلُّه يحتاج إلى تقديرٍ، وقول الشَّارح: «باب» هو بالتَّنوين لا يستلزم نفي التَّقدير، وقد سلَّم العينيُّ هذا المقدَّر فقال في «باب المحاربين» في (٤) قوله «بابٌ» بالتَّنوين لا يكون إلَّا بالتَّقدير؛ لأنَّ المعرَب هو جزءُ المركَّب، والمفردُ وحده لا ينوَّن. انتهى.
وجفافُ القلمِ كنايةٌ عن الفراغِ من الكتابةِ، فهو -كما قال الطِّيبيُّ- من إطلاقِ اللَّازم على الملزومِ؛ لأنَّ الفراغَ من الكتابةِ يستلزمُ جفافَ القلمِ عن مدادهِ مخاطبةً لنا بما نعهدُ، وقوله: على علمه أي: حكمهِ؛ لأنَّ معلومَهُ لا بدَّ أن يقعَ، فعلمُه بمعلومٍ (٥) يستلزمُ الحكم بوقوعهِ.
وفي حديث عبدِ الله بن عمر عند أحمد، وصحَّحه ابن حِبَّان من طريق عبدِ الله بن الدَّيلميِّ،
عنه، مرفوعًا: «إنَّ الله ﷿ خلقَ خلقهُ في ظلمةٍ، ثمَّ أَلقى عليهِم من نورِهِ، فمَن أصابَهُ مِن نورِهِ يومئذٍ اهتدَى، ومَن أخطأَهُ ضلَّ» فلذلكَ (١) أقولُ: جفَّ القلمُ على علمِ الله، والقائلُ: «أقول» هو عبدُ الله بن عمر، كما عند أحمدَ وابنِ حبَّان من طريقٍ أُخرى عن ابنِ الدَّيلميِّ (٢).
ويذكر أنَّ عبدَ الله بنَ طاهر أمير خُراسان للمأمونِ سألَ الحسين بنَ الفضلِ عن قولهِ تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] وقولهِ ﷺ: «جفَّ القلمُ» فقال: هي شُؤون يبدِيها لا شُؤون يبتدِيها، فقامَ إليه وقبَّل رأسه.
(وقولهِ) تعالى: (﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]) حالٌ من الجلالة، أي: كائنًا على علمٍ منه، أو حالٌ من المفعول، أي: أضلَّه وهو عالمٌ، وهذا أشنع له، فعلى الأوَّل المعنى: أضله الله تعالى على علمهِ في الأزلِ وهو حكمُه عند ظهورهِ، وعلى الثَّاني: أضلَّه بعد أن أعلمَه وبيَّن له فلم يقبلْ.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، ممَّا وصله المؤلِّف في أوائل «النِّكاح» [خ¦٥٠٧٦] (قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ) وعند الطَّبرانيِّ من حديثِ ابن عبَّاس: «واعلمْ أنَّ القلمَ قدْ جفَّ بما هوَ كائنٌ»، وفي حديث الحسن بن عليٍّ عند الفِريابيِّ: «رُفِع الكتابُ وجفَّ القلمُ».
(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ في تفسير قولهِ تعالى: (﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾) من قولهِ تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] ممَّا وصله ابنُ أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه، أي: (سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ) أي: يرغبون في الطَّاعات، فيبادرُونها بما سبقَ لهم من السَّعادة بتقديرِ الله، وقال (٣) الكِرْمانيُّ: فإن قلت: تفسير ابن عبَّاس يدلُّ على أنَّ السَّعادة (٤) سابقة، والآية على أنَّ السَّعادة مسبوقةٌ؟ وأجابَ بأنَّ معنى الآية: أنَّهم سبقوا لأجلِ السَّعادة لا أنَّهم سَبقوا السَّعادة.