الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦١٩
الحديث رقم ٦٦١٩ من كتاب «كتاب القدر» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾
٦٦١٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ. قَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. قَالَ: دَعْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَا تُطِيقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَفْسِيرِ الْحَيْلُولَةِ الَّتِي فِي الْآيَةِ بِالتَّقَلُّبِ الَّذِي فِي الْخَبَرِ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الرَّاغِبُ، وَقَالَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ يُلْقِي فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ مُرَادِهِ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَوَرَدَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: يَحُولُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ، وَيَحُولُ بَيْنَ الْكَافِرِ وَبَيْنَ الْهُدَى.
والْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فِي الْبَابِ سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ قَرِيبًا، وَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ: عَنْ سَالِمٍ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَكَذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَشَذَّ النُّفَيْلِيُّ، فَقَالَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: عَنْ مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ بَدَلَ سَالِمٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ دَاسَةَ.
والْحَدِيثُ الثَّانِي مَضَى فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ، وَيَأْتِي مُسْتَوْعَبًا فِي الْفِتَنِ.
وَقَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ تَرْجَمَةَ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْجِهَادِ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ يَكُنْهُ بِهَاءِ ضَمِيرٍ لِلْأَكْثَرِ، وَكَذَا فِي إِنْ لَمْ يَكُنْهُ وَوَقَعَ فِيهِمَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِلَفْظِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ بِالْفَصْلِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فَمَنَعَ الْأَوَّلَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا حَاصِلُهُ: مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْآيَةَ نَصٌّ فِي أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ، وَأَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ قَلْبِ الْكَافِرِ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ فَلَا يُكْسِبُهُ إِنْ لَمْ يُقْدِرْهُ عَلَيْهِ، بَلْ أَقْدَرَهُ عَلَى ضِدِّهِ وَهُوَ الْكُفْرُ، وَكَذَا فِي الْمُؤْمِنِ بِعَكْسِهِ، فَتَضَمَّنَتِ الْآيَةُ أَنَّهُ خَالِقُ جَمِيعِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَقْلِيبُ قَلْبِ عَبْدِهِ عَنْ إِيثَارِ الْإِيمَانِ إِلَى إِيثَارِ الْكُفْرِ وَعَكْسُهُ، قَالَ: وَكُلُّ فِعْلِ اللَّهِ عَدْلٌ فِيمَنْ أَضَلَّهُ وَخَذَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُمْ حَقًّا وَجَبَ لَهُمْ عَلَيْهِ. قَالَ: وَمُنَاسَبَةُ الثَّانِي لِلتَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ: إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَا تُطِيقُهُ يُرِيدُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ وَيَفْعَلُ فَإِنَّهُ لَا يُقْدِرُكَ عَلَى قَتْلِ مَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ سَيَجِيءُ إِلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ ; إِذْ لَوْ أَقْدَرَكَ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ انْقِلَابُ عِلْمِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
١٥ - بَاب ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ قَضَى
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ بِمُضِلِّينَ. إِلَّا مَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ
﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا
٦٦١٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الطَّاعُونِ فَقَالَ: كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ وَيَمْكُثُ فِيهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾: قَضَى فَسَّرَ كَتَبَ بِقَضَى وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِيهَا، وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا. وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَيُعَبَّرُ بِالْكِتَابَةِ عَنِ الْقَضَاءِ الْمُمْضَى كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أَيْ فِيمَا قَدَّرَهُ، وَمِنْهُ ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ يَعْنِي مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وقال مجاهدٌ أيضًا في تفسير قولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِي﴾ (﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]) أي: (قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا) وهذا وصله الفِريابيُّ عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وقيل: قدَّر أقواتَهم وأرزاقَهم، وهدَاهُم لمعاشِهم إنْ كانُوا أناسًا، ولمراعيهِم إنْ كانوا وحشًا، وعن ابن عبَّاس، والسُّديِّ، ومقاتل، والكلبيِّ (١) في قولهِ: ﴿فَهَدَى﴾ قال: عرَّفَ خلقَه كيف يأتي الذَّكر الأنثى، كما قال في طه: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي: الذَّكر للأنثى.
وقال (٢) عطاء: جعلَ لكلِّ دابَّة ما يصلحُها وهداهَا له. وقيل: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قدَّر لكلِّ حيوان ما يصلحُه فهداهُ إليه، وعرَّفه وجه الانتفاعِ به، يقال: إنَّ الأفعَى إذا أتتْ عليها ألفُ سنة عميتْ، وقد ألهمَها الله تعالى أنَّ مسحَ (٣) العينين بورقِ الرَّازيانج الغضِّ يردُّ إليها بصرَها، فربَّما كانت في برِّيَّة بينها وبين الرِّيف مسيرة أيَّامٍ، فتطوي تلك المسافة على طولها وعمَاها حتَّى تهجُمَ في بعض البساتين على الرَّازيانج لا تُخطئها، فتحكُّ به عينها (٤) فترجعُ باصرةً بإذن الله تعالى، وهداياتُ الإنسانِ إلى مصالحهِ من أغذيتهِ، وأدويتهِ، وأمورِ دُنياه ودِينه، وإلهاماتُ البهائمِ، والطُّيور، وهوامِّ الأرض باب (٥) واسعٌ، فسبحان ربِّي الأعلى وبحمدِهِ.
٦٦١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (الحَنْظَلِيُّ) بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة بينهما نون ساكنة، نسبةً إلى حنظلةَ بن مالك قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، ابنُ شُميل -بضم الشين المعجمة-
قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) بضم الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف فوقيَّة، المروزيُّ، ثمَّ البصريُّ، واسم أبي الفُرات عَمرو (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء، الأسلميِّ قاضِي مَرْوَ (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بفتح التحتية والميم والعين المهملة ساكنة، قاضِي مَرْوَ (١) أيضًا (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ) وهو بُثر (٢) مؤلمةٌ جدًّا تخرجُ من الآباطِ والمراق غالبًا مع اسودادٍ حواليهِ وخفقانٍ في القلبِ (فَقَالَ) ﷺ: (كَانَ) أي: الطَّاعون (عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ) ﷿ (عَلَى مَنْ يَشَاءُ) من عبادِه (فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: سبب الرَّحمة لهم لتضمُّنه مثل أجرِ الشُّهداء (مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ) بفتح اللام، وفي نسخةٍ بـ «اليونينيَّة»: «بلدة» بسكونها وهاء تأنيثٍ آخره (يَكُونُ فِيهِ) في البلدِ أو فيها (وَيَمْكُثُ فِيهِ) أو فيها (لَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فلا» (يَخْرُجُ مِنَ البَلَدِة) أو البلدِ حال كونهِ (صَابِرًا) على مَا يُصيبه (مُحْتَسِبًا) أجرَه عند (٣) الله (يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ) وقدَّره في الأزل (إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ) وإن لم يصبْه طعْنٌ، وهذا هو المرادُ من الحديثِ هنا.
وقد سبق في «كتاب الطِّب» [خ¦٥٧٣٤].
(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]) اللَّام في ﴿لِنَهْتَدِيَ﴾ لتوكيد النَّفي، و ﴿أَنْ﴾ وما في حيِّزها في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، والخبر محذوفٌ، وجواب ﴿لَوْلا﴾ مدلولٌ عليه بقولهِ: ﴿وَمَا كُنَّا﴾ تقديرُه: لولا هدايتُه لنا موجودةٌ لشقينَا، أو ما كنَّا مُهتدين، وقد دلَّت على أنَّ المهتدِي مَنْ هداهُ الله، وأنَّ من لم يهدِه الله لم يهتدِ، ومذهبُ المعتزلةِ أنَّ كلَّ ما فعل الله في حقِّ الأنبياء والأولياءِ من أنواعِ الهدايةِ والإرشاد فقد فعلهُ في حقِّ جميع الكفَّار والفسَّاق، وإنَّما حصلَ الامتيازُ بين المؤمن والكافرِ والمحقِّ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ. قَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. قَالَ: دَعْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَا تُطِيقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَفْسِيرِ الْحَيْلُولَةِ الَّتِي فِي الْآيَةِ بِالتَّقَلُّبِ الَّذِي فِي الْخَبَرِ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الرَّاغِبُ، وَقَالَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ يُلْقِي فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ مُرَادِهِ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَوَرَدَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: يَحُولُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ، وَيَحُولُ بَيْنَ الْكَافِرِ وَبَيْنَ الْهُدَى.
والْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فِي الْبَابِ سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ قَرِيبًا، وَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ: عَنْ سَالِمٍ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَكَذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَشَذَّ النُّفَيْلِيُّ، فَقَالَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: عَنْ مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ بَدَلَ سَالِمٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ دَاسَةَ.
والْحَدِيثُ الثَّانِي مَضَى فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ، وَيَأْتِي مُسْتَوْعَبًا فِي الْفِتَنِ.
وَقَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ تَرْجَمَةَ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْجِهَادِ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ يَكُنْهُ بِهَاءِ ضَمِيرٍ لِلْأَكْثَرِ، وَكَذَا فِي إِنْ لَمْ يَكُنْهُ وَوَقَعَ فِيهِمَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِلَفْظِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ بِالْفَصْلِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فَمَنَعَ الْأَوَّلَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا حَاصِلُهُ: مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْآيَةَ نَصٌّ فِي أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ، وَأَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ قَلْبِ الْكَافِرِ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ فَلَا يُكْسِبُهُ إِنْ لَمْ يُقْدِرْهُ عَلَيْهِ، بَلْ أَقْدَرَهُ عَلَى ضِدِّهِ وَهُوَ الْكُفْرُ، وَكَذَا فِي الْمُؤْمِنِ بِعَكْسِهِ، فَتَضَمَّنَتِ الْآيَةُ أَنَّهُ خَالِقُ جَمِيعِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَقْلِيبُ قَلْبِ عَبْدِهِ عَنْ إِيثَارِ الْإِيمَانِ إِلَى إِيثَارِ الْكُفْرِ وَعَكْسُهُ، قَالَ: وَكُلُّ فِعْلِ اللَّهِ عَدْلٌ فِيمَنْ أَضَلَّهُ وَخَذَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُمْ حَقًّا وَجَبَ لَهُمْ عَلَيْهِ. قَالَ: وَمُنَاسَبَةُ الثَّانِي لِلتَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ: إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَا تُطِيقُهُ يُرِيدُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ وَيَفْعَلُ فَإِنَّهُ لَا يُقْدِرُكَ عَلَى قَتْلِ مَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ سَيَجِيءُ إِلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ ; إِذْ لَوْ أَقْدَرَكَ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ انْقِلَابُ عِلْمِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
١٥ - بَاب ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ قَضَى
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ بِمُضِلِّينَ. إِلَّا مَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ
﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا
٦٦١٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الطَّاعُونِ فَقَالَ: كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ وَيَمْكُثُ فِيهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾: قَضَى فَسَّرَ كَتَبَ بِقَضَى وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِيهَا، وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا. وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَيُعَبَّرُ بِالْكِتَابَةِ عَنِ الْقَضَاءِ الْمُمْضَى كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أَيْ فِيمَا قَدَّرَهُ، وَمِنْهُ ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ يَعْنِي مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وقال مجاهدٌ أيضًا في تفسير قولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِي﴾ (﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]) أي: (قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا) وهذا وصله الفِريابيُّ عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وقيل: قدَّر أقواتَهم وأرزاقَهم، وهدَاهُم لمعاشِهم إنْ كانُوا أناسًا، ولمراعيهِم إنْ كانوا وحشًا، وعن ابن عبَّاس، والسُّديِّ، ومقاتل، والكلبيِّ (١) في قولهِ: ﴿فَهَدَى﴾ قال: عرَّفَ خلقَه كيف يأتي الذَّكر الأنثى، كما قال في طه: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي: الذَّكر للأنثى.
وقال (٢) عطاء: جعلَ لكلِّ دابَّة ما يصلحُها وهداهَا له. وقيل: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قدَّر لكلِّ حيوان ما يصلحُه فهداهُ إليه، وعرَّفه وجه الانتفاعِ به، يقال: إنَّ الأفعَى إذا أتتْ عليها ألفُ سنة عميتْ، وقد ألهمَها الله تعالى أنَّ مسحَ (٣) العينين بورقِ الرَّازيانج الغضِّ يردُّ إليها بصرَها، فربَّما كانت في برِّيَّة بينها وبين الرِّيف مسيرة أيَّامٍ، فتطوي تلك المسافة على طولها وعمَاها حتَّى تهجُمَ في بعض البساتين على الرَّازيانج لا تُخطئها، فتحكُّ به عينها (٤) فترجعُ باصرةً بإذن الله تعالى، وهداياتُ الإنسانِ إلى مصالحهِ من أغذيتهِ، وأدويتهِ، وأمورِ دُنياه ودِينه، وإلهاماتُ البهائمِ، والطُّيور، وهوامِّ الأرض باب (٥) واسعٌ، فسبحان ربِّي الأعلى وبحمدِهِ.
٦٦١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (الحَنْظَلِيُّ) بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة بينهما نون ساكنة، نسبةً إلى حنظلةَ بن مالك قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، ابنُ شُميل -بضم الشين المعجمة-
قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) بضم الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف فوقيَّة، المروزيُّ، ثمَّ البصريُّ، واسم أبي الفُرات عَمرو (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء، الأسلميِّ قاضِي مَرْوَ (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بفتح التحتية والميم والعين المهملة ساكنة، قاضِي مَرْوَ (١) أيضًا (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ) وهو بُثر (٢) مؤلمةٌ جدًّا تخرجُ من الآباطِ والمراق غالبًا مع اسودادٍ حواليهِ وخفقانٍ في القلبِ (فَقَالَ) ﷺ: (كَانَ) أي: الطَّاعون (عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ) ﷿ (عَلَى مَنْ يَشَاءُ) من عبادِه (فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: سبب الرَّحمة لهم لتضمُّنه مثل أجرِ الشُّهداء (مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ) بفتح اللام، وفي نسخةٍ بـ «اليونينيَّة»: «بلدة» بسكونها وهاء تأنيثٍ آخره (يَكُونُ فِيهِ) في البلدِ أو فيها (وَيَمْكُثُ فِيهِ) أو فيها (لَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فلا» (يَخْرُجُ مِنَ البَلَدِة) أو البلدِ حال كونهِ (صَابِرًا) على مَا يُصيبه (مُحْتَسِبًا) أجرَه عند (٣) الله (يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ) وقدَّره في الأزل (إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ) وإن لم يصبْه طعْنٌ، وهذا هو المرادُ من الحديثِ هنا.
وقد سبق في «كتاب الطِّب» [خ¦٥٧٣٤].
(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]) اللَّام في ﴿لِنَهْتَدِيَ﴾ لتوكيد النَّفي، و ﴿أَنْ﴾ وما في حيِّزها في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، والخبر محذوفٌ، وجواب ﴿لَوْلا﴾ مدلولٌ عليه بقولهِ: ﴿وَمَا كُنَّا﴾ تقديرُه: لولا هدايتُه لنا موجودةٌ لشقينَا، أو ما كنَّا مُهتدين، وقد دلَّت على أنَّ المهتدِي مَنْ هداهُ الله، وأنَّ من لم يهدِه الله لم يهتدِ، ومذهبُ المعتزلةِ أنَّ كلَّ ما فعل الله في حقِّ الأنبياء والأولياءِ من أنواعِ الهدايةِ والإرشاد فقد فعلهُ في حقِّ جميع الكفَّار والفسَّاق، وإنَّما حصلَ الامتيازُ بين المؤمن والكافرِ والمحقِّ