الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦٢٣
الحديث رقم ٦٦٢٣ من كتاب «كتاب الأيمان والنذور» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: كتاب الأيمان والنذور.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٦٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا. وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ.
[الحديث ٦٦٢٢ - أطرافه في: ٦٧٧٢، ٧١٤٦، ٧١٤٧]
٦٦٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ "عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ الأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ "وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ قَالَ ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ نَلْبَثَ ثُمَّ أُتِيَ بِثَلَاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى فَحَمَلَنَا عَلَيْهَا فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا أَوْ قَالَ بَعْضُنَا وَاللَّهِ لَا يُبَارَكُ لَنَا أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ حَمَلَنَا فَارْجِعُوا بِنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنُذَكِّرُهُ فَأَتَيْنَاهُ فَقَالَ مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ بَلْ اللَّهُ حَمَلَكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي"
٦٦٢٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ "هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
٦٦٢٥ - وَقال رسول الله ﷺ: "وَاللَّهِ لَانْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ"
[الحديث ٦٦٢٥ - طرفه في: ٦٦٢٦]
٦٦٢٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عِكْرِمَةَ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "مَنْ اسْتَلَجَّ فِي أَهْلِهِ بِيَمِينٍ فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا لِيَبَرَّ يَعْنِي الْكَفَّارَةَ"
قَوْلُهُ: قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ لَفْظِ بَابُ وَهُوَ مُقَدَّرٌ، وَثَبَتَ لِبَعْضِهِمْ كَالْإِسْمَاعِيلِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الْآيَةَ وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِهِ تَشْكُرُونَ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّ الْمَذْكُورَ مِنَ الْآيَةِ هُنَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْآيَةِ فَقَدْ تَرْجَمَ بِهِ فِي أَوَّلِ كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ، فَقَالَ: لِقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ نَعَمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَاقَ الْآيَةَ كُلَّهَا أَوَّلًا، ثُمَّ سَاقَ بَعْضَهَا حَيْثُ احْتَاجَ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿بِاللَّغْوِ﴾ قَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ فِي الْأَصْلِ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْأَيْمَانِ مَا يُورَدُ عَنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ فَيَجْرِي مَجْرَى اللِّغَاءِ وَهُوَ صَوْتُ الْعَصَافِيرِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ.
قَوْلُهُ: (عَقَّدْتُمْ) قُرِئَ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِهَا، وَأَصْلُهُ الْعَقْدُ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ أَطْرَافِ الشَّيْءِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْأَجْسَامِ وَيُسْتَعَارُ لِلْمَعَانِي نَحْوَ عَقْدِ الْبَيْعِ وَالْمُعَاهَدَةِ، قَالَ عَطَاءٌ:
مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ أَكَّدْتُمْ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:
الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ كَانَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ عَنْ أَبِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ ذِكْرُ مَنْ رَوَاهُ مَرْفُوعًا، وَقَدْ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدِ وَقَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: هَذَا خَطَأٌ وَالصَّحِيحُ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَانُ، وَوَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَكُنْ يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ قَطُّ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ إِلَخْ) قِيلَ: إِنَّ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ عِنْدَ حَلِفِهِ أَنْ لَا يَصِلَ مِسْطَحًا بِشَيْءٍ فَنَزَلَتْ ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ الْآيَةَ، فَعَادَ إِلَى مِسْطَحٍ مَا كَانَ يَنْفَعُهُ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي تَفْسِيرِ النُّورِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى النَّقْلِ الْمَذْكُورِ مُسْنَدًا، ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ نَقْلًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ حَلَفَ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَحٍ لِخَوْضِهِ فِي الْإِفْكِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ) وَافَقَهُ وَكِيعٌ، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ وَوَافَقَهُ سُفْيَانُ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ مِنْ كِتَابِ كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ: الْحَسَنُ هُوَ ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ يَعْنِي ابْنَ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَقِيلَ: بَيْنَ حَبِيبٍ، وَعَبْدِ شَمْسٍ رَبِيعَةُ، وَكُنْيَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو سَعِيدٍ وَهُوَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَقِيلَ: كَانَ اسْمُهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ عَبْدَ كُلَالٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالتَّخْفِيفِ، وَقَدْ شَهِدَ فَتُوحَ الْعِرَاقِ، وَكَانَ فَتْحُ سِجِسْتَانَ عَلَى يَدَيْهِ، أَرْسَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ لِعُثْمَانَ عَلَى السَّرِيَّةِ فَفَتَحَهَا وَفَتَحَ غَيْرَهَا. وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا بِسَنَةٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيِ الْوِلَايَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ) يَأْتِي شَرْحُهُ أَيْضًا فِي بَابُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ: (غَيْلَانُ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ هُوَ ابْنُ جَرِيرٍ الْأَزْدِيُّ الْكُوفِيُّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَأَبُو بُرْدَةَ هُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ أَيْضًا فِي بَابُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ.
الحديث الرَّابِعُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ.
قَوْلُهُ: (هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَاللَّهِ لَأَنْ يَلِجَ) هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ فَقَالَ بِالْفَاءِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ.
وَقَوْلُهُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، لَكِنْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ كَرَّرَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ هَذَا الْقَدْرَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَخْرَجَهَا مِنْ صَحِيفَةِ هَمَّامٍ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْهُ ; وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ حَدِيثَ نَحْنُ الْآخِرُونَ هُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ فِي النُّسْخَةِ وَكَانَ هَمَّامٌ يَعْطِفُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ الْأَحَادِيثِ بِقَوْلِهِ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَكَ فِي ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ مَسْلَكَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي مَسْلَكُ مُسْلِمٍ، فَإِنَّهُ بَعْدَ قَوْلِ هَمَّامٍ هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ فَذَكَرَ عِدَّةَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ هَذِهِ النُّسْخَةِ وَهُوَ مَسْلَكٌ وَاضِحٌ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَلَمْ يَطَّرِدْ لَهُ فِي ذَلِكَ عَمَلٌ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ هَذِهِ النُّسْخَةِ فِي الطَّهَارَةِ وَفِي الْبُيُوعِ وَفِي النَّفَقَاتِ وَفِي الشَّهَادَاتِ وَفِي الصُّلْحِ وَقِصَّةِ مُوسَى وَالتَّفْسِيرِ وَخَلْقِ آدَمَ وَالِاسْتِئْذَانِ، وَفِي الْجِهَادِ فِي مَوَاضِعَ، وَفِي الطِّبِّ وَاللِّبَاسِ
وَغَيْرِهِمَا فَلَمْ يُصَدِّرْ شَيْئًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ بِقَوْلِهِ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ جَوَازَ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ فَحَدَّثَ بِهِمَا جَمِيعًا كَمَا سَمِعَهُمَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَحَادِيثَ فِي أَوَائِلِهِمَا ذَكَرَهَا عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي سَمِعَهُ. قُلْتُ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْوُضُوءِ وَفِي أَوَائِلِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَأَنْ يَلِجَّ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ اللَّامُ الْمُؤَكِّدَةُ لِلْقَسَمِ، وَيَلِجَّ بِكَسْرِ اللَّامِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا بَعْدَهَا جِيمٌ مِنَ اللَّجَاجِ، وَهُوَ أَنْ يَتَمَادَى فِي الْأَمْرِ وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ، وَأَصْلُ اللَّجَاجِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْإِصْرَارُ عَلَى الشَّيْءِ مُطْلَقًا، يُقَالُ: لَجِجْتُ أَلَجُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ فِي الْمَاضِي وَفَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ، وَيَجُوزُ الْعَكْسُ.
قَوْلُهُ: أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ سَقَطَ قَوْلُهُ: فِي أَهْلِهِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ الْمَعْمَرِيِّ، عَنْ مَعْمَرٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ.
قَوْلُهُ: (آثَمُ) بِالْمَدِّ أَيْ أَشَدُّ إِثْمًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا تَتَعَلَّقُ بِأَهْلِهِ بِحَيْثُ يَتَضَرَّرُونَ بِعَدَمِ حِنْثِهِ فِيهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ فَيَفْعَلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنْ قَالَ: لَا أَحْنَثُ بَلْ أَتَوَرَّعُ عَنِ ارْتِكَابِ الْحِنْثِ خَشْيَةَ الْإِثْمِ فَهُوَ مُخْطِئٌ بِهَذَا الْقَوْلِ، بَلِ اسْتِمْرَارُهُ عَلَى عَدَمِ الْحِنْثِ وَإِقَامَةِ الضَّرَرِ لِأَهْلِهِ أَكْثَرُ إِثْمًا مِنَ الْحِنْثِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَنْزِيلِهِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْحِنْثُ لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: آثَمُ بِصِيغَةِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فَهُوَ لِقَصْدِ مُقَابَلَةِ اللَّفْظِ عَلَى زَعْمِ الْحَالِفِ أَوْ تَوَهُّمِهِ فَإِنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنَّ عَلَيْهِ إِثْمًا فِي الْحِنْثِ مَعَ أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: الْإِثْمُ فِي اللَّجَاجِ أَكْثَرُ مِنَ الْإِثْمِ فِي الْحِنْثِ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِهِ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ كَانَ أَدْخَلَ فِي الْوِزْرِ، وَأَفْضَى إِلَى الْإِثْمِ مِنَ الْحِنْثِ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ اللَّهَ عُرْضَةً لِيَمِينِهِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: وَآثَمُ اسْمُ تَفْضِيلٍ وَأَصْلُهُ أَنْ يُطْلَقَ لِلَّاجِ فِي الْإِثْمِ، فَأُطْلِقَ لِمَنْ يَلِجُّ فِي مُوجِبِ الْإِثْمِ اتِّسَاعًا قَالَ: وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّجُ مِنَ الْحِنْثِ خَشْيَةَ الْإِثْمِ وَيَرَى ذَلِكَ، فَاللَّجَاجُ أَيْضًا إِثْمٌ عَلَى زَعْمِهِ وَحُسْبَانِهِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا يَبْعُدُ أَنْ تَخْرُجَ أَفْعَلُ عَنْ بَابِهَا كَقَوْلِهِمُ الصَّيْفُ أَحَرُّ مِنَ الشِّتَاءِ، وَيَصِيرُ الْمَعْنَى أَنَّ الْإِثْمَ فِي اللَّجَاجِ فِي بَابِهِ أَبْلَغُ مِنْ ثَوَابِ إِعْطَاءِ الْكَفَّارَةِ فِي بَابِهِ، قَالَ: وَفَائِدَةُ ذِكْرِ أَهْلِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِلْمُبَالَغَةِ وَهِيَ مَزِيدُ الشَّفَاعَةِ لِاسْتِهْجَانِ اللَّجَاجِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَهْلِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي غَيْرِهِمْ مُسْتَهْجَنًا فَفِي حَقِّهِمْ أَشَدَّ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْحَانِثِ فَرْضٌ قَالَ: وَمَعْنَى يَلِجُّ أَنْ يُقِيمَ عَلَى تَرْكِ الْكَفَّارَةِ كَذَا قَالَ، وَالصَّوَابُ عَلَى تَرْكِ الْحِنْثِ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَقَعُ التَّمَادِي عَلَى حُكْمِ الْيَمِينِ، وَبِهِ يَقَعُ الضَّرَرُ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) جَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ بِأَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَصَنِيعُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورُ قَبْلَهُ، وَيَحْيَى بْنُ صَالِحٍ هُوَ الْوُحَاظِيُّ بِتَخْفِيفِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَ الْأَلِفِ ظَاءٌ مُشَالَةٌ مُعْجَمَةٌ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ بِلَا وَاسِطَةٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَبِوَاسِطَةٍ فِي الْحَجِّ، وَشَيْخُهُ مُعَاوِيَةُ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَعِكْرِمَةُ هُوَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كَذَا أَسْنَدَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، وَخَالَفَهُ مَعْمَرٌ فَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، فَأَرْسَلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ لَكِنَّهُ سَاقَهُ بِلَفْظِ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ مَعْمَرٍ، وَإِذَا كَانَ لَمْ يَضْبِطِ الْمَتْنَ فَلَا يُتَعَجَّبُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَضْبِطِ الْإِسْنَادَ.
قَوْلُهُ: (مَنِ اسْتَلَجَّ) اسْتَفْعَلَ مِنَ اللَّجَاجِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اسْتَلْجَجَ بِإِظْهَارِ الْإِدْغَامِ وَهِيَ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا لِيَبَرَّ يَعْنِي الْكَفَّارَةَ) وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ، وَكَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِلَامٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ، ثُمَّ رَاءٌ مُشَدَّدَةٌ وَاللَّامُ لَامُ الْأَمْرِ بِلَفْظِ أَمْرِ الْغَائِبِ مِنَ الْبِرِّ أَوِ الْإِبْرَارِ، وَيَعْنِي بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ تَفْسِيرُ الْبِرِّ، وَالتَّقْدِيرُ لِيَتْرُكَ اللَّجَاجَ وَيَبَرَّ، ثُمَّ فَسَّرَ الْبِرَّ بِالْكَفَّارَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَتْرُكُ اللَّجَاجَ فِيمَا حَلَفَ وَيَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَيَحْصُلُ لَهُ الْبِرُّ بِأَدَاءِ الْكَفَّارَةِ عَنِ الْيَمِينِ الَّذِي حَلَفَهُ إِذَا حَنِثَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي أَهْلِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ تَصْوِيرِهِ بِأَنْ يَحْلِفَ أَنْ يَضُرَّ أَهْلَهُ مَثَلًا فَيَلِجُّ فِي ذَلِكَ الْيَمِينِ، وَيَقْصِدُ إِيقَاعَ الْإِضْرَارِ بِهِمْ لِتَنْحَلَّ يَمِينُهُ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: دَعِ اللَّجَاجَ فِي ذَلِكَ وَاحْنَثْ فِي هَذَا الْيَمِينِ، وَاتْرُكْ إِضْرَارَهُمْ وَيَحْصُلُ لَكَ الْبِرُّ، فَإِنَّكَ إِنْ أَصْرَرْتَ عَلَى الْإِضْرَارِ بِهِمْ كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمُ إِثْمًا مِنْ حِنْثِكَ فِي الْيَمِينِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ لَيْسَ تُغْنِي الْكَفَّارَةُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ، وَتُغْنِي بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَالْكَفَّارَةُ بِالرَّفْعِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تُغْنِي عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُرَادِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَوْضَحُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ وَجَّهَ الثَّانِيَةَ بِأَنَّ الْمُفَضَّلَ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الِاسْتِيلَاجَ أَعْظَمُ إِثْمًا مِنَ الْحِنْثِ وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ الْإِثْمَ لَا تُغْنِي عَنْهُ كَفَّارَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ، وَفِيهِ إِذَا اسْتَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّهُ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ وَهُوَ اسْتَفْعَلَ مِنَ اللَّجَاجِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ، وَيَرَى أَنَّ غَيْرَهُ خَيْرٌ مِنْهُ فَيُقِيمُ عَلَى يَمِينِهِ وَلَا يَحْنَثُ فَيُكَفِّرُ فَذَلِكَ آثَمُ لَهُ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَرَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِيهَا مُصِيبٌ فَيَلِجُّ وَلَا يُكَفِّرُهَا انْتَهَى. وَانْتُزِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ.
وَقَدْ قُيِّدَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ بِالْأَهْلِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى وَهُوَ مُنْتَزَعٌ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ عِيَاضٍ، وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ضُبِطَ فِي بَعْضِ الْأُمَّهَاتِ تُغْنِي بِالتَّاءِ الْمَضْمُومَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَفِي الْأَصْلِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهِ بِالتَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَعَلَيْهِ عَلَامَةُ الْأَصِيلِيِّ وَفِيهِ بُعْدٌ، وَوَجَدْنَاهُ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَهُوَ أَقْرَبُ، وَعِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ يَعْنِي لَيْسَ الْكَفَّارَةُ وَهُوَ عِنْدِي أَشْبَهُهَا إِذَا كَانَتْ لَيْسَ اسْتِثْنَاءً بِمَعْنَى إِلَّا أَيْ إِذَا لَجَّ فِي يَمِينِهِ كَانَ أَعْظَمَ إِثْمًا إِلَّا أَنْ يُكَفِّرَ.
قُلْتُ: وَهَذَا أَحْسَنُ لَوْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَةُ، إِنَّمَا الَّذِي فِي النُّسَخِ كُلِّهَا بِتَقْدِيمِ لَيْسَ عَلَى يَعْنِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ بِحَذْفِ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَآخِرُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَا جَائِزَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْيَمِينِ الْغَمُوسِ ; لِأَنَّ الْحَالِفَ بِهَا لَا يُسَمَّى مُسْتَلِجًّا فِي أَهْلِهِ، بَلْ صُورَتُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنْ يُحْسِنَ إِلَى أَهْلِهِ وَلَا يَضُرَّهُمْ، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَحْنَثَ وَيَلِجَّ فِي ذَلِكَ فَيَضُرَّهُمْ وَلَا يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ، فَهَذَا مُسْتَلِجٌّ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثِمٌ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا تُغْنِي الْكَفَّارَةُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَحُطُّ عَنْهُ إِثْمَ إِسَاءَتِهِ إِلَى أَهْلِهِ وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْيَمِينِ الَّتِي حَلَفَهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَوْلُهُ: لَيْسَ تُغْنِي الْكَفَّارَةُ كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ إِثْمَهُ فِي قَصْدِهِ أَنْ لَا يَبَرَّ وَلَا يَفْعَلَ الْخَيْرَ، فَلَوْ كَفَّرَ لَمْ تَرْفَعِ الْكَفَّارَةُ سَبْقَ ذَلِكَ الْقَصْدِ، وَبَعْضُهُمْ ضَبَطَهُ بِفَتْحِ نُونِ يُغْنِي وَهُوَ بِمَعْنَى يَتْرُكُ أَيْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُتْرَكَ.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قَوْلُهُ: لَيْسَ تُغْنِي الْكَفَّارَةُ بِالْمُعْجَمَةِ يَعْنِي مَعَ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فِي الْأَيْمَانِ، قَالَ: وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ كَذَا قَالَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ يَعْنِي الْقَابِسِيَّ لَيْسَ يَعْنِي الْكَفَّارَةَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِتَأْوِيلِ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ يَسْتَدِيمُ عَلَى لَجَاجِهِ، وَيَمْتَنِعُ مِنَ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانَتْ خَيْرًا مِنَ التَّمَادِي.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْحِنْثَ فِي الْيَمِينِ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَادِي إِذَا كَانَ فِي الْحِنْثِ مَصْلَحَةٌ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حُكْمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ حَرَامٍ فَيَمِينُهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والحديث أخرجَه البخاريُّ أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧١٤٦] وفي «الكفَّارات» [خ¦٦٧٢٢]، ومسلم في «الأيمان»، وأبو داود في «الخَرَاج»، والتِّرمذيُّ في «الأيمان»، وأخرج النَّسائيُّ قصَّة الإمارة في «القضاءِ والسِّير»، وقصَّة اليمين في «الأيمان».
٦٦٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد عارم بنُ الفضل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنُ درهم الأزديُّ الأزرق، أحدُ الأعلام (عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية، وفتح الجيم من جرير (١)، الأزديِّ البصريِّ من صغارِ التَّابعين (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدةِ، اسمُه الحارث أو عامر (٢) (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبدِ الله بن قيسٍ الأشعريٍّ، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ) رجالٍ دون العشرةِ (مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ) جمع: أشعرِيّ، نسبةً إلى الأشعر بن أُدَدَ بن يشجُب، وقيل له: الأشعر لأنَّ أمَّه ولدتْهُ أشعرَ (أَسْتَحْمِلُهُ) أي: أطلبُ منه ما يحملنَا من الإبل، ويحملُ أثقالنَا لأجلِ غزوةِ تبوك (فَقَالَ) ﷺ: (وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، قَالَ) أبو موسى: (ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ نَلْبَثَ، ثُمَّ أُتِيَ) بضم الهمزة، أي: النَّبيُّ ﷺ (بِثَلَاثِ ذَوْدٍ) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة، ما بين الثَّلاث إلى العشرة، وقال أبو عُبيد (٣): هي من الإناث، فلذا قال: بثلاثِ ذودٍ، ولم
يقلْ: بثلاثةِ ذودٍ (غُرِّ الذُّرَى) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء، جمع: أغرّ، وهو الأبيضُ الحسن، و «الذُّرَى» بضم الذال المعجمة وفتح الراء، جمع: ذُِروة -بالكسر والضم- وذروة كلِّ شيءٍ أعلاهُ، والمراد هنا: الأسنمةُ (فَحَمَلَنَا) بفتح الفاء والحاء والميم واللام (عَلَيْهَا فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا -أَوْ قَالَ بَعْضُنَا-: وَاللهِ لَا يُبَارَكُ لَنَا) فيها (أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا) بفتح اللام (فَارْجِعُوا بِنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنُذَكِّرُهُ) بضم النون وكسر الكاف مشددة (١)، بيمينهِ (فَأَتَيْنَاهُ) فذكَرنا له (فَقَالَ: مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ بَلِ اللهُ) ﷿ (حَمَلَكُمْ) أي: إنَّما أعطيتُكم من مالِ الله، أو بأمرِ الله؛ لأنَّه كان يُعطي بالوحي (٢) (وَإِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) منها (٣) (أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي) أي: لا أحلفُ على موجبِ يمين (٤)؛ لأنَّ اليمين موجبة (٥)، والموجبُ هو الَّذي انعقدَ عليه الحلف، وخبر «إنَّ» جملة «لا أحلف»، وجواب القسم محذوفٌ سدَّ مسدَّ خبر «إنَّ» ويحتملُ أن يكون «لا أحلفُ» جواب القسمِ، وخبر «إنَّ» القَسَمُ وجوابه، و «إنْ شاء الله» جملةٌ معترضةٌ لا محلَّ لها، وقدَّم استثناء المشيئةِ وكان موضعُه عقب جواب القسم (٦)، وذلك أنَّ جوابَ القسم جاء بـ «لا» وعقبه الاستثناء بـ «إلَّا»، فلو تأخَّر استثناءُ (٧) المشيئةِ حتَّى يجيء الكلام: والله لا أحلفُ على يمينٍ فأرى غيرَها خيرًا منها إلَّا أتيتُ الَّذي هو خيرٌ إن شاء الله؛ لاحتملَ أن يرجعَ إلى قولهِ: «أتيتُ» أو إلى قولهِ: «هو خيرٌ» فلمَّا قدَّمه انتفَى هذا التَّخيُّل (٨)، وأيضًا ففِي تقدِيمه اهتمامٌ به؛ لأنَّه استثناءٌ مأمورٌ به شرعًا، وينبغِي أن يُبادر بالمأمورِ به، والتَّعليق بالمشيئةِ هنا الظَّاهر أنَّه للتبرُّك، وإلَّا فحقيقتُه ترفع القسمَ المقصود هنا؛ لتأكيدِ الحكم وتقريرِهِ، وهل يحكم على اليمينِ المقيَّدة بتعليقِ المشيئة إذا قصد بها التَّعليق أنَّها منعقدةٌ أو لم تنعقدْ أصلًا؟ فيه خلافٌ لأصحابنا. وقوله: «أو أتيتُ»
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا. وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ.
[الحديث ٦٦٢٢ - أطرافه في: ٦٧٧٢، ٧١٤٦، ٧١٤٧]
٦٦٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ "عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ الأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ "وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ قَالَ ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ نَلْبَثَ ثُمَّ أُتِيَ بِثَلَاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى فَحَمَلَنَا عَلَيْهَا فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا أَوْ قَالَ بَعْضُنَا وَاللَّهِ لَا يُبَارَكُ لَنَا أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ حَمَلَنَا فَارْجِعُوا بِنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنُذَكِّرُهُ فَأَتَيْنَاهُ فَقَالَ مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ بَلْ اللَّهُ حَمَلَكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي"
٦٦٢٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ "هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
٦٦٢٥ - وَقال رسول الله ﷺ: "وَاللَّهِ لَانْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ"
[الحديث ٦٦٢٥ - طرفه في: ٦٦٢٦]
٦٦٢٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عِكْرِمَةَ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "مَنْ اسْتَلَجَّ فِي أَهْلِهِ بِيَمِينٍ فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا لِيَبَرَّ يَعْنِي الْكَفَّارَةَ"
قَوْلُهُ: قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ لَفْظِ بَابُ وَهُوَ مُقَدَّرٌ، وَثَبَتَ لِبَعْضِهِمْ كَالْإِسْمَاعِيلِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الْآيَةَ وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِهِ تَشْكُرُونَ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّ الْمَذْكُورَ مِنَ الْآيَةِ هُنَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْآيَةِ فَقَدْ تَرْجَمَ بِهِ فِي أَوَّلِ كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ، فَقَالَ: لِقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ نَعَمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَاقَ الْآيَةَ كُلَّهَا أَوَّلًا، ثُمَّ سَاقَ بَعْضَهَا حَيْثُ احْتَاجَ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿بِاللَّغْوِ﴾ قَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ فِي الْأَصْلِ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْأَيْمَانِ مَا يُورَدُ عَنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ فَيَجْرِي مَجْرَى اللِّغَاءِ وَهُوَ صَوْتُ الْعَصَافِيرِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ.
قَوْلُهُ: (عَقَّدْتُمْ) قُرِئَ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِهَا، وَأَصْلُهُ الْعَقْدُ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ أَطْرَافِ الشَّيْءِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْأَجْسَامِ وَيُسْتَعَارُ لِلْمَعَانِي نَحْوَ عَقْدِ الْبَيْعِ وَالْمُعَاهَدَةِ، قَالَ عَطَاءٌ:
مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ أَكَّدْتُمْ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:
الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ كَانَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ عَنْ أَبِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ ذِكْرُ مَنْ رَوَاهُ مَرْفُوعًا، وَقَدْ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدِ وَقَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: هَذَا خَطَأٌ وَالصَّحِيحُ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَانُ، وَوَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَكُنْ يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ قَطُّ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ إِلَخْ) قِيلَ: إِنَّ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ عِنْدَ حَلِفِهِ أَنْ لَا يَصِلَ مِسْطَحًا بِشَيْءٍ فَنَزَلَتْ ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ الْآيَةَ، فَعَادَ إِلَى مِسْطَحٍ مَا كَانَ يَنْفَعُهُ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي تَفْسِيرِ النُّورِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى النَّقْلِ الْمَذْكُورِ مُسْنَدًا، ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ نَقْلًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ حَلَفَ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَحٍ لِخَوْضِهِ فِي الْإِفْكِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ) وَافَقَهُ وَكِيعٌ، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ وَوَافَقَهُ سُفْيَانُ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ مِنْ كِتَابِ كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ: الْحَسَنُ هُوَ ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ يَعْنِي ابْنَ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَقِيلَ: بَيْنَ حَبِيبٍ، وَعَبْدِ شَمْسٍ رَبِيعَةُ، وَكُنْيَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو سَعِيدٍ وَهُوَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَقِيلَ: كَانَ اسْمُهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ عَبْدَ كُلَالٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالتَّخْفِيفِ، وَقَدْ شَهِدَ فَتُوحَ الْعِرَاقِ، وَكَانَ فَتْحُ سِجِسْتَانَ عَلَى يَدَيْهِ، أَرْسَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ لِعُثْمَانَ عَلَى السَّرِيَّةِ فَفَتَحَهَا وَفَتَحَ غَيْرَهَا. وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا بِسَنَةٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيِ الْوِلَايَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ) يَأْتِي شَرْحُهُ أَيْضًا فِي بَابُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ: (غَيْلَانُ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ هُوَ ابْنُ جَرِيرٍ الْأَزْدِيُّ الْكُوفِيُّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَأَبُو بُرْدَةَ هُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ أَيْضًا فِي بَابُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ.
الحديث الرَّابِعُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ.
قَوْلُهُ: (هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَاللَّهِ لَأَنْ يَلِجَ) هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ فَقَالَ بِالْفَاءِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ.
وَقَوْلُهُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، لَكِنْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ كَرَّرَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ هَذَا الْقَدْرَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَخْرَجَهَا مِنْ صَحِيفَةِ هَمَّامٍ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْهُ ; وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ حَدِيثَ نَحْنُ الْآخِرُونَ هُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ فِي النُّسْخَةِ وَكَانَ هَمَّامٌ يَعْطِفُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ الْأَحَادِيثِ بِقَوْلِهِ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَكَ فِي ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ مَسْلَكَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي مَسْلَكُ مُسْلِمٍ، فَإِنَّهُ بَعْدَ قَوْلِ هَمَّامٍ هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ فَذَكَرَ عِدَّةَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ هَذِهِ النُّسْخَةِ وَهُوَ مَسْلَكٌ وَاضِحٌ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَلَمْ يَطَّرِدْ لَهُ فِي ذَلِكَ عَمَلٌ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ هَذِهِ النُّسْخَةِ فِي الطَّهَارَةِ وَفِي الْبُيُوعِ وَفِي النَّفَقَاتِ وَفِي الشَّهَادَاتِ وَفِي الصُّلْحِ وَقِصَّةِ مُوسَى وَالتَّفْسِيرِ وَخَلْقِ آدَمَ وَالِاسْتِئْذَانِ، وَفِي الْجِهَادِ فِي مَوَاضِعَ، وَفِي الطِّبِّ وَاللِّبَاسِ
وَغَيْرِهِمَا فَلَمْ يُصَدِّرْ شَيْئًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ بِقَوْلِهِ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ جَوَازَ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ فَحَدَّثَ بِهِمَا جَمِيعًا كَمَا سَمِعَهُمَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَحَادِيثَ فِي أَوَائِلِهِمَا ذَكَرَهَا عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي سَمِعَهُ. قُلْتُ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْوُضُوءِ وَفِي أَوَائِلِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَأَنْ يَلِجَّ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ اللَّامُ الْمُؤَكِّدَةُ لِلْقَسَمِ، وَيَلِجَّ بِكَسْرِ اللَّامِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا بَعْدَهَا جِيمٌ مِنَ اللَّجَاجِ، وَهُوَ أَنْ يَتَمَادَى فِي الْأَمْرِ وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ، وَأَصْلُ اللَّجَاجِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْإِصْرَارُ عَلَى الشَّيْءِ مُطْلَقًا، يُقَالُ: لَجِجْتُ أَلَجُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ فِي الْمَاضِي وَفَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ، وَيَجُوزُ الْعَكْسُ.
قَوْلُهُ: أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ سَقَطَ قَوْلُهُ: فِي أَهْلِهِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ الْمَعْمَرِيِّ، عَنْ مَعْمَرٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ.
قَوْلُهُ: (آثَمُ) بِالْمَدِّ أَيْ أَشَدُّ إِثْمًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا تَتَعَلَّقُ بِأَهْلِهِ بِحَيْثُ يَتَضَرَّرُونَ بِعَدَمِ حِنْثِهِ فِيهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ فَيَفْعَلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنْ قَالَ: لَا أَحْنَثُ بَلْ أَتَوَرَّعُ عَنِ ارْتِكَابِ الْحِنْثِ خَشْيَةَ الْإِثْمِ فَهُوَ مُخْطِئٌ بِهَذَا الْقَوْلِ، بَلِ اسْتِمْرَارُهُ عَلَى عَدَمِ الْحِنْثِ وَإِقَامَةِ الضَّرَرِ لِأَهْلِهِ أَكْثَرُ إِثْمًا مِنَ الْحِنْثِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَنْزِيلِهِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْحِنْثُ لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: آثَمُ بِصِيغَةِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فَهُوَ لِقَصْدِ مُقَابَلَةِ اللَّفْظِ عَلَى زَعْمِ الْحَالِفِ أَوْ تَوَهُّمِهِ فَإِنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنَّ عَلَيْهِ إِثْمًا فِي الْحِنْثِ مَعَ أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: الْإِثْمُ فِي اللَّجَاجِ أَكْثَرُ مِنَ الْإِثْمِ فِي الْحِنْثِ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِهِ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ كَانَ أَدْخَلَ فِي الْوِزْرِ، وَأَفْضَى إِلَى الْإِثْمِ مِنَ الْحِنْثِ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ اللَّهَ عُرْضَةً لِيَمِينِهِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: وَآثَمُ اسْمُ تَفْضِيلٍ وَأَصْلُهُ أَنْ يُطْلَقَ لِلَّاجِ فِي الْإِثْمِ، فَأُطْلِقَ لِمَنْ يَلِجُّ فِي مُوجِبِ الْإِثْمِ اتِّسَاعًا قَالَ: وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّجُ مِنَ الْحِنْثِ خَشْيَةَ الْإِثْمِ وَيَرَى ذَلِكَ، فَاللَّجَاجُ أَيْضًا إِثْمٌ عَلَى زَعْمِهِ وَحُسْبَانِهِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا يَبْعُدُ أَنْ تَخْرُجَ أَفْعَلُ عَنْ بَابِهَا كَقَوْلِهِمُ الصَّيْفُ أَحَرُّ مِنَ الشِّتَاءِ، وَيَصِيرُ الْمَعْنَى أَنَّ الْإِثْمَ فِي اللَّجَاجِ فِي بَابِهِ أَبْلَغُ مِنْ ثَوَابِ إِعْطَاءِ الْكَفَّارَةِ فِي بَابِهِ، قَالَ: وَفَائِدَةُ ذِكْرِ أَهْلِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِلْمُبَالَغَةِ وَهِيَ مَزِيدُ الشَّفَاعَةِ لِاسْتِهْجَانِ اللَّجَاجِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَهْلِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي غَيْرِهِمْ مُسْتَهْجَنًا فَفِي حَقِّهِمْ أَشَدَّ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْحَانِثِ فَرْضٌ قَالَ: وَمَعْنَى يَلِجُّ أَنْ يُقِيمَ عَلَى تَرْكِ الْكَفَّارَةِ كَذَا قَالَ، وَالصَّوَابُ عَلَى تَرْكِ الْحِنْثِ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَقَعُ التَّمَادِي عَلَى حُكْمِ الْيَمِينِ، وَبِهِ يَقَعُ الضَّرَرُ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) جَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ بِأَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَصَنِيعُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورُ قَبْلَهُ، وَيَحْيَى بْنُ صَالِحٍ هُوَ الْوُحَاظِيُّ بِتَخْفِيفِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَ الْأَلِفِ ظَاءٌ مُشَالَةٌ مُعْجَمَةٌ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ بِلَا وَاسِطَةٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَبِوَاسِطَةٍ فِي الْحَجِّ، وَشَيْخُهُ مُعَاوِيَةُ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَعِكْرِمَةُ هُوَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كَذَا أَسْنَدَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، وَخَالَفَهُ مَعْمَرٌ فَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، فَأَرْسَلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ لَكِنَّهُ سَاقَهُ بِلَفْظِ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ مَعْمَرٍ، وَإِذَا كَانَ لَمْ يَضْبِطِ الْمَتْنَ فَلَا يُتَعَجَّبُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَضْبِطِ الْإِسْنَادَ.
قَوْلُهُ: (مَنِ اسْتَلَجَّ) اسْتَفْعَلَ مِنَ اللَّجَاجِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اسْتَلْجَجَ بِإِظْهَارِ الْإِدْغَامِ وَهِيَ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا لِيَبَرَّ يَعْنِي الْكَفَّارَةَ) وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ، وَكَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِلَامٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ، ثُمَّ رَاءٌ مُشَدَّدَةٌ وَاللَّامُ لَامُ الْأَمْرِ بِلَفْظِ أَمْرِ الْغَائِبِ مِنَ الْبِرِّ أَوِ الْإِبْرَارِ، وَيَعْنِي بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ تَفْسِيرُ الْبِرِّ، وَالتَّقْدِيرُ لِيَتْرُكَ اللَّجَاجَ وَيَبَرَّ، ثُمَّ فَسَّرَ الْبِرَّ بِالْكَفَّارَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَتْرُكُ اللَّجَاجَ فِيمَا حَلَفَ وَيَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَيَحْصُلُ لَهُ الْبِرُّ بِأَدَاءِ الْكَفَّارَةِ عَنِ الْيَمِينِ الَّذِي حَلَفَهُ إِذَا حَنِثَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي أَهْلِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ تَصْوِيرِهِ بِأَنْ يَحْلِفَ أَنْ يَضُرَّ أَهْلَهُ مَثَلًا فَيَلِجُّ فِي ذَلِكَ الْيَمِينِ، وَيَقْصِدُ إِيقَاعَ الْإِضْرَارِ بِهِمْ لِتَنْحَلَّ يَمِينُهُ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: دَعِ اللَّجَاجَ فِي ذَلِكَ وَاحْنَثْ فِي هَذَا الْيَمِينِ، وَاتْرُكْ إِضْرَارَهُمْ وَيَحْصُلُ لَكَ الْبِرُّ، فَإِنَّكَ إِنْ أَصْرَرْتَ عَلَى الْإِضْرَارِ بِهِمْ كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمُ إِثْمًا مِنْ حِنْثِكَ فِي الْيَمِينِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ لَيْسَ تُغْنِي الْكَفَّارَةُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ، وَتُغْنِي بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَالْكَفَّارَةُ بِالرَّفْعِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تُغْنِي عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُرَادِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَوْضَحُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ وَجَّهَ الثَّانِيَةَ بِأَنَّ الْمُفَضَّلَ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الِاسْتِيلَاجَ أَعْظَمُ إِثْمًا مِنَ الْحِنْثِ وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ الْإِثْمَ لَا تُغْنِي عَنْهُ كَفَّارَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ، وَفِيهِ إِذَا اسْتَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّهُ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ وَهُوَ اسْتَفْعَلَ مِنَ اللَّجَاجِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ، وَيَرَى أَنَّ غَيْرَهُ خَيْرٌ مِنْهُ فَيُقِيمُ عَلَى يَمِينِهِ وَلَا يَحْنَثُ فَيُكَفِّرُ فَذَلِكَ آثَمُ لَهُ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَرَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِيهَا مُصِيبٌ فَيَلِجُّ وَلَا يُكَفِّرُهَا انْتَهَى. وَانْتُزِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ.
وَقَدْ قُيِّدَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ بِالْأَهْلِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى وَهُوَ مُنْتَزَعٌ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ عِيَاضٍ، وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ضُبِطَ فِي بَعْضِ الْأُمَّهَاتِ تُغْنِي بِالتَّاءِ الْمَضْمُومَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَفِي الْأَصْلِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهِ بِالتَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَعَلَيْهِ عَلَامَةُ الْأَصِيلِيِّ وَفِيهِ بُعْدٌ، وَوَجَدْنَاهُ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَهُوَ أَقْرَبُ، وَعِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ يَعْنِي لَيْسَ الْكَفَّارَةُ وَهُوَ عِنْدِي أَشْبَهُهَا إِذَا كَانَتْ لَيْسَ اسْتِثْنَاءً بِمَعْنَى إِلَّا أَيْ إِذَا لَجَّ فِي يَمِينِهِ كَانَ أَعْظَمَ إِثْمًا إِلَّا أَنْ يُكَفِّرَ.
قُلْتُ: وَهَذَا أَحْسَنُ لَوْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَةُ، إِنَّمَا الَّذِي فِي النُّسَخِ كُلِّهَا بِتَقْدِيمِ لَيْسَ عَلَى يَعْنِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ بِحَذْفِ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَآخِرُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَا جَائِزَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْيَمِينِ الْغَمُوسِ ; لِأَنَّ الْحَالِفَ بِهَا لَا يُسَمَّى مُسْتَلِجًّا فِي أَهْلِهِ، بَلْ صُورَتُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنْ يُحْسِنَ إِلَى أَهْلِهِ وَلَا يَضُرَّهُمْ، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَحْنَثَ وَيَلِجَّ فِي ذَلِكَ فَيَضُرَّهُمْ وَلَا يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ، فَهَذَا مُسْتَلِجٌّ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثِمٌ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا تُغْنِي الْكَفَّارَةُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَحُطُّ عَنْهُ إِثْمَ إِسَاءَتِهِ إِلَى أَهْلِهِ وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْيَمِينِ الَّتِي حَلَفَهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَوْلُهُ: لَيْسَ تُغْنِي الْكَفَّارَةُ كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ إِثْمَهُ فِي قَصْدِهِ أَنْ لَا يَبَرَّ وَلَا يَفْعَلَ الْخَيْرَ، فَلَوْ كَفَّرَ لَمْ تَرْفَعِ الْكَفَّارَةُ سَبْقَ ذَلِكَ الْقَصْدِ، وَبَعْضُهُمْ ضَبَطَهُ بِفَتْحِ نُونِ يُغْنِي وَهُوَ بِمَعْنَى يَتْرُكُ أَيْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُتْرَكَ.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قَوْلُهُ: لَيْسَ تُغْنِي الْكَفَّارَةُ بِالْمُعْجَمَةِ يَعْنِي مَعَ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فِي الْأَيْمَانِ، قَالَ: وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ كَذَا قَالَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ يَعْنِي الْقَابِسِيَّ لَيْسَ يَعْنِي الْكَفَّارَةَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِتَأْوِيلِ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ يَسْتَدِيمُ عَلَى لَجَاجِهِ، وَيَمْتَنِعُ مِنَ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانَتْ خَيْرًا مِنَ التَّمَادِي.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْحِنْثَ فِي الْيَمِينِ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَادِي إِذَا كَانَ فِي الْحِنْثِ مَصْلَحَةٌ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حُكْمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ حَرَامٍ فَيَمِينُهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والحديث أخرجَه البخاريُّ أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧١٤٦] وفي «الكفَّارات» [خ¦٦٧٢٢]، ومسلم في «الأيمان»، وأبو داود في «الخَرَاج»، والتِّرمذيُّ في «الأيمان»، وأخرج النَّسائيُّ قصَّة الإمارة في «القضاءِ والسِّير»، وقصَّة اليمين في «الأيمان».
٦٦٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد عارم بنُ الفضل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنُ درهم الأزديُّ الأزرق، أحدُ الأعلام (عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية، وفتح الجيم من جرير (١)، الأزديِّ البصريِّ من صغارِ التَّابعين (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدةِ، اسمُه الحارث أو عامر (٢) (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبدِ الله بن قيسٍ الأشعريٍّ، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ) رجالٍ دون العشرةِ (مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ) جمع: أشعرِيّ، نسبةً إلى الأشعر بن أُدَدَ بن يشجُب، وقيل له: الأشعر لأنَّ أمَّه ولدتْهُ أشعرَ (أَسْتَحْمِلُهُ) أي: أطلبُ منه ما يحملنَا من الإبل، ويحملُ أثقالنَا لأجلِ غزوةِ تبوك (فَقَالَ) ﷺ: (وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، قَالَ) أبو موسى: (ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ نَلْبَثَ، ثُمَّ أُتِيَ) بضم الهمزة، أي: النَّبيُّ ﷺ (بِثَلَاثِ ذَوْدٍ) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة، ما بين الثَّلاث إلى العشرة، وقال أبو عُبيد (٣): هي من الإناث، فلذا قال: بثلاثِ ذودٍ، ولم
يقلْ: بثلاثةِ ذودٍ (غُرِّ الذُّرَى) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء، جمع: أغرّ، وهو الأبيضُ الحسن، و «الذُّرَى» بضم الذال المعجمة وفتح الراء، جمع: ذُِروة -بالكسر والضم- وذروة كلِّ شيءٍ أعلاهُ، والمراد هنا: الأسنمةُ (فَحَمَلَنَا) بفتح الفاء والحاء والميم واللام (عَلَيْهَا فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا -أَوْ قَالَ بَعْضُنَا-: وَاللهِ لَا يُبَارَكُ لَنَا) فيها (أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا) بفتح اللام (فَارْجِعُوا بِنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنُذَكِّرُهُ) بضم النون وكسر الكاف مشددة (١)، بيمينهِ (فَأَتَيْنَاهُ) فذكَرنا له (فَقَالَ: مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ بَلِ اللهُ) ﷿ (حَمَلَكُمْ) أي: إنَّما أعطيتُكم من مالِ الله، أو بأمرِ الله؛ لأنَّه كان يُعطي بالوحي (٢) (وَإِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) منها (٣) (أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي) أي: لا أحلفُ على موجبِ يمين (٤)؛ لأنَّ اليمين موجبة (٥)، والموجبُ هو الَّذي انعقدَ عليه الحلف، وخبر «إنَّ» جملة «لا أحلف»، وجواب القسم محذوفٌ سدَّ مسدَّ خبر «إنَّ» ويحتملُ أن يكون «لا أحلفُ» جواب القسمِ، وخبر «إنَّ» القَسَمُ وجوابه، و «إنْ شاء الله» جملةٌ معترضةٌ لا محلَّ لها، وقدَّم استثناء المشيئةِ وكان موضعُه عقب جواب القسم (٦)، وذلك أنَّ جوابَ القسم جاء بـ «لا» وعقبه الاستثناء بـ «إلَّا»، فلو تأخَّر استثناءُ (٧) المشيئةِ حتَّى يجيء الكلام: والله لا أحلفُ على يمينٍ فأرى غيرَها خيرًا منها إلَّا أتيتُ الَّذي هو خيرٌ إن شاء الله؛ لاحتملَ أن يرجعَ إلى قولهِ: «أتيتُ» أو إلى قولهِ: «هو خيرٌ» فلمَّا قدَّمه انتفَى هذا التَّخيُّل (٨)، وأيضًا ففِي تقدِيمه اهتمامٌ به؛ لأنَّه استثناءٌ مأمورٌ به شرعًا، وينبغِي أن يُبادر بالمأمورِ به، والتَّعليق بالمشيئةِ هنا الظَّاهر أنَّه للتبرُّك، وإلَّا فحقيقتُه ترفع القسمَ المقصود هنا؛ لتأكيدِ الحكم وتقريرِهِ، وهل يحكم على اليمينِ المقيَّدة بتعليقِ المشيئة إذا قصد بها التَّعليق أنَّها منعقدةٌ أو لم تنعقدْ أصلًا؟ فيه خلافٌ لأصحابنا. وقوله: «أو أتيتُ»