الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨١٥
الحديث رقم ٦٨١٥ من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يرجم المجنون والمجنونة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٨١٦ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ.»
٦٨١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟، قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟، قَالَ: نَعَمْ، فَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَالتَّقْصِيرُ فِي تَرْكِ ذِكْرِ الْعُمْرَةِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَأَمَّا قِصَّةُ مَاعِزٍ فَجَاءَتْ مِنْ طُرُقٍ مُتَنَوِّعَةٍ بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ يُذْكَرْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ جَلَدَ، وَكَذَلِكَ الْغَامِدِيَّةُ وَالْجُهَنِيَّةُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ فِي مَاعِزٍ اذْهَبُوا فَارْجُمُوهُ، وَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَلْدَ، فَدَلَّ تَرْكُ ذِكْرِهِ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ وَدَلَّ عَدَمُ وُقُوعِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ.
وَمِنَ الْمَذَاهِبِ الْمُسْتَغْرَبَةِ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ حَزْمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، زَادَ ابْنُ حَزْمٍ: وَأَبِي ذَرٍّ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ خَاصٌّ بِالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ، وَأَمَّا الشَّابُّ فَيُجْلَدُ إِنْ لَمْ يُحْصَنْ وَيُرْجَمْ إِنْ أُحْصِنَ فَقَطْ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ فِي بَابِ رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا، وَقَالَ عِيَاضٌ: شَذَّتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَقَالَتِ: الْجَمْعُ عَلَى الشَّيْخِ الثَّيِّبِ دُونَ الشَّابِّ وَلَا أَصْلَ لَهُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ، كَذَا قَالَهُ وَنَفَى أَصْلَهُ، وَوَصْفَهُ بِالْبُطْلَانِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ طَرِيقَهُ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي بَابِ الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ دَلِيلَهُ فَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ بِلَفْظِ الشَّيْخِ فَفَهِمَ هَؤُلَاءِ مِنْ تَخْصِيصِ الشَّيْخِ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّابَّ أَعْذَرُ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ، فَهُوَ مَعْنًى مُنَاسِبٌ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالْبُطْلَانِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَاعْتَلَّ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ مَعَ حُكْمِهَا كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّةِ فَلَا يَنْفَكَّانِ، وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّ الْعَالَمِيَّةَ لَا تُنَافِي قِيَامَ الْعِلْمِ بِالذَّاتِ، سَلَّمْنَا، لَكِنَّ التِّلَاوَةَ أَمَارَةُ الْحُكْمِ فَيَدُلُّ وُجُودُهَا عَلَى ثُبُوتِهِ وَلَا دَلَالَةَ مِنْ مُجَرَّدِهَا عَلَى وُجُوبِ الدَّوَامِ فَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْأَمَارَةِ فِي طَرَفِ الدَّوَامِ انْتِفَاءُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، فَإِذَا نُسِخَتِ التِّلَاوَةُ وَلَمْ يَنْتَفِ الْمَدْلُولُ، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَهُوَ ابْنُ شَاهِينَ الْوَاسِطِيُّ، وَخَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ سُلَيْمَانُ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ سُورَةِ النُّورِ أَمْ بَعْدُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَمْ بَعْدَهَا وَفَائِدَةُ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ الرَّجْمَ إِنْ كَانَ وَقَعَ قَبْلَهَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُدَّعَى نَسْخُهُ بِالتَّنْصِيصِ فِيهَا عَلَى أَنَّ حَدَّ الزَّانِي الْجَلْدُ، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ بَعْدَهَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نَسْخِ الْجَلْدِ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَمْنُوعَ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ إِذَا جَاءَتْ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ الْمَشْهُورَةُ فَلَا وَأَيْضًا فَلَا نَسْخَ وَإِنَّمَا هُوَ مُخَصَّصٌ بِغَيْرِ الْمُحْصَنِ.
قَوْلُهُ: (لَا أَدْرِي) يَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّجْمَ وَقَعَ بَعْدَ سُورَةِ النُّورِ لِأَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَالرَّجْمُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ حَضَرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ سَنَةَ سَبْعٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا جَاءَ مَعَ أُمِّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعٍ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: أَخْبَرَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَخْبَرَنِي.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) أَيْ مِنْ بَنِي أَسْلَمَ الْقَبِيلَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَاسْمُ هَذَا الرَّجُلِ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ كَمَا سَيَأْتِي مُسَمًّى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ.
٢٢ - بَاب لَا يُرْجَمُ الْمَجْنُونُ وَالْمَجْنُونَةُ، وَقَالَ عَلِيٌّ، لِعُمَرَ ﵁: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ؟
٦٨١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الثَّواب؛ لقولهِ ﷺ للمرأة لما سألته: ألهذا حجٌّ؟ قال: «نعم ولك أجر (١)».
٦٨١٥ - ٦٨١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بن حَزْن، الإمام أبي محمد المخزوميِّ، أحد الأعلام، وسيِّد التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ) هو ماعز ابن مالك (رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ) حالٌ من «رسول الله ﷺ»، والجملة التَّالية معطوفةٌ على «أتى» (فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ) ﵊ (حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) بدالين أولاهما مشددة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «حتَّى ردَّ» بإسقاط الدَّال الثَّانية (فَلَمَّا شَهِدَ) أقرَّ (عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) ولأبي ذرٍّ: «أربع مرَّات» وجواب «لمَّا» قوله: (دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ) له: (أَبِكَ جُنُونٌ؟) بهمزة الاستفهام، و «جنون» مبتدأ، والجارّ متعلق بالخبر، والمسوِّغ للابتداء بالنَّكرة تقدُّم الخبر في الظَّرف وهمزة الاستفهام (قَالَ: لَا) ليس بي جنونٌ (قَالَ) ﷺ: (فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟) تزوَّجت (قَالَ: نَعَمْ) أحصنتُ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اذْهَبُوا بِهِ) الباء للتعدية أو الحال، أي: اذهبُوا مصاحبين له (فَارْجُمُوهُ) وقد تمسَّك بهذا (٢) الحنفيَّة والحنابلة في اشتراطِ الإقرار أربع مرَّات وأنَّه لا يكتفى بما دونها قياسًا على الشُّهود.
وأُجيب عن المالكيَّة والشَّافعيَّة في عدمِ اشتراطِ ذلك بما في حديثِ العسيفِ من قولهِ ﷺ: «واغْدُ يا أُنَيس إلى امرأةِ هذَا، فإن اعترفَتْ فارجُمْهَا» ولم يقلْ: فإنْ اعترفتْ أربع
مرَّاتٍ، وبحديث رجمِ الغامِديَّة -بالغين المعجمة والميم المكسورة بعدها دال مهملة- إذ لم ينقل أنَّه تكرَّر إقرارها، وأمَّا التِّكرار هنا فإنَّما (١) كان للاستثباتِ والتَّحقيق والاحتياط في درء الحدِّ بالشُّبهة (٢) كقولهِ: «أبكَ جنون؟» فإنَّه من التَّثبُّت؛ ليتحقَّق حاله أيضًا، فإنَّ الإنسان غالبًا لا يصرُّ على إقرارِ ما يقتضي هلاكه من غير سؤالٍ مع أنَّ له طريقًا إلى سقوط الإثم بالتَّوبة، وفي حديث أبي سعيدٍ عند مسلم: ثمَّ سأل قومه، فقالوا: ما (٣) نعلمُ به بأسًا إلَّا أنَّه أصابَ شيئًا يرى أنَّه (٤) لا يخرجه منه إلَّا أن يقامَ فيه الحدُّ، وهذا مبالغةٌ في تحقيق حاله، وفي صيانةِ دم المسلم، فيُبنى الأمرُ عليه لا على مجرَّد إقرارهِ بعدمِ الجنون، فإنَّه لو كان مجنونًا لم يُفِدْ قوله إنَّه ليس به جنون؛ لأنَّ إقرار المجنونِ غيرُ معتبرٍ، فهذه هي الحكمة في سؤاله عنه قومه. وقال القرطبيُّ: إنَّ ذلك قالَه لما ظهرَ عليه من الحال الَّذي يشبهُ حال المجنون، وذلك أنَّه دخل منتفشَ الشَّعر ليس عليه رداءٌ يقول: زنيت فطهِّرني كما في «صحيح مسلم» من حديث جابرِ بن سَمُرة، واسمُ المرأة الَّتي زنى بها فاطمةُ فتاةُ هَزَّال، وقيل: مُنِيرة، وفي «طبقات ابن سعد»: مُهَيرة.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ -بالسَّند السَّابق-: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ سَمِعَ جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللهِ) قال في «الفتح»: صرَّح يونس ومَعمر في روايتهما بأنَّه أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، فكأنَّ الحديث كان عند أبي سلمة عن أبي هريرة، كما عند سعيد بن المسيَّب، وعنده زيادة عليه عن جابرٍ (قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى) مكان صلاةِ العيد والجنائز، وخبرُ «كان» في المجرورِ، و «مَن» بمعنى «الَّذي»، وصلتُها جملة «رجمَه» (٥)، والمعنى: في جماعةِ مَن رجمَه، وأعاد الضَّمير على لفظ «من»، ولو أعاده على معناها لقال: فيمن رجموه، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: فرجمنَاه بالمصلَّى، فكنتُ فيمَن رجمَه، أو يقدَّر: فكنت فيمن
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
كَمَا فِي حَدِيث مَاعِز فَإِن اعْترف فِي مجْلِس وَاحِد ألف مرّة فَهُوَ اعْتِرَاف وَاحِد وَقَالَ ابْن أبي ليلى وَأحمد وَإِسْحَاق وَالثَّوْري وَالْحسن بن حييّ وَالْحكم بن عتيبة يجب باعترافه أَربع مَرَّات فِي مجْلِس وَاحِد وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يَكْفِي مرّة وَاحِدَة وَحَدِيث الْبَاب حجَّة عَلَيْهِمَا قَوْله " وَكَانَ قد أحصن " أَي وَكَانَ تزوج فَهُوَ مُحصن وَيجوز أحصن بِصِيغَة الْمَعْلُوم والمجهول -
٢٢ - (بابٌ لَا يُرْجَمُ المَجْنُونُ والمَجْنُونَةُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لَا يرْجم الرجل الْمَجْنُون وَلَا الْمَرْأَة الْمَجْنُونَة وَهَذَا إِذا وَقع الزِّنَا فِي حَالَة الْجُنُون، وَهَذَا إِجْمَاع، وَأما إِذا وَقع فِي حَالَة الصِّحَّة ثمَّ طَرَأَ الْجُنُون هَل يُؤَخر إِلَى وَقت الْإِفَاقَة؟ قَالَ الْجُمْهُور: لَا لِأَنَّهُ يُرَاد بِهِ التّلف بِخِلَاف الْجلد فَإِنَّهُ يقْصد بِهِ الإيلام فيؤخر حَتَّى يفِيق.
وَقَالَ عَلِيٌّ لِعُمَرَ: أما علِمْتَ أنَّ القَلَمَ رُفِعَ عنِ المَجْنُونِ حتَّى يُفِيقَ وعنِ الصَّبِيِّ حتَّى يُدْرِكَ وعنِ النَّائِمِ حتَّى يَسْتَيْقظَ؟ .
أَي: قَالَ عَليّ بن أبي طَالب لعمر بن الْخطاب، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ النَّسَائِيّ مَرْفُوعا فَقَالَ: أَنبأَنَا أَحْمد بن السَّرْح فِي حَدِيثه عَن ابْن وهب أَخْبرنِي جرير بن حَازِم عَن سُلَيْمَان بن مهْرَان عَن أبي ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: مر عَليّ بن أبي طَالب بمجنونة بني فلَان قد زنت، فَأمر عمر برجمها فَردهَا عَليّ وَقَالَ لعمر: أما تذكر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة: عَن الْمَجْنُون المغلوب على عقله، وَعَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ، وَعَن الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم قَالَ: صدقت، فخلاعنها.
٥١٨٦ - حدّثنا يَحْيَاى بنُ بُكَيْرٍ حدّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ أبي سلَمَةَ وسَعِيدِ بنِ المسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: أتَى رجُلٌ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ فِي المَسْجدِ فَناداهُ فَقَالَ: يَا رسولَ الله! إنِّي زَنَيْتُ، فأعْرَضَ عَنْهُ حتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ دعاهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (أبكَ جُنُونٌ) . قَالَ: لَا. قَالَ: (فَهَلْ أحْصَنْتَ؟) قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إذهَبُوا بِهِ فارْجُمُوهُ) . قَالَ ابنُ شِهابٍ: فَأَخْبرنِي مَنْ سَمِعَ جابرَ بنَ عَبْدِ الله قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْناهُ بالمُصَلَّى، فَلَمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجارَةُ هَربَ فأدْرَكْناهُ بالحَرَّةِ فَرَجَمْناهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أبك جُنُون؟) لِأَن الْمَفْهُوم مِنْهُ أَنه إِذا كَانَ مَجْنُونا لَا يرْجم.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة قَرِيبا وبعيداً.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن عبد الْملك بن شُعَيْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّجْم عَن مُحَمَّد بن عبد الله.
قَوْله: (أَتَى رجل) وَفِي رِوَايَة شُعَيْب بن اللَّيْث رجل من الْمُسلمين، وَفِي رِوَايَة ابْن مُسَافر: رجل من النَّاس، وَفِي رِوَايَة يُونُس وَمعمر: أَن رجلا من أسلم، وَفِي رِوَايَة جَابر بن سَمُرَة عِنْد مُسلم: رَأَيْت مَاعِز بن مَالك الْأَسْلَمِيّ حِين جِيءَ بِهِ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... الحَدِيث، وَفِيه: رجل قصير أعضل لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاء، وَفِي لفظ: ذُو عضلات، وَهُوَ جمع عضلة، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ مَا اجْتمع من اللَّحْم فِي أَعلَى بَاطِن السَّاق، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: كل عصبَة مَعهَا لحم فَهِيَ عضلة. قَوْله: (حَتَّى ردد عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني حَتَّى رد بدال وَاحِدَة. قَوْله: (أَربع مَرَّات) هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: أَربع شَهَادَات. قَوْله: (أبك جُنُون؟) وَفِي رِوَايَة شُعَيْب عَن عَاصِم فِي الطَّلَاق: وَهل بك جُنُون؟ وَقَالَ عِيَاض: فَائِدَة سُؤَاله: أبك جُنُون؟ استقراء لحاله واستبعاد أَن يلح عَاقل بالاعتراف بِمَا يَقْتَضِي إهلاكه، أَو لَعَلَّه يرجع عَن قَوْله. قَوْله: (فَهَل أحصنت؟) أَي: تزوجت.
قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) أَي: قَالَ مُحَمَّد بن
مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ رَاوِي الحَدِيث، وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور.
قَوْله: (فَأخْبرنَا) بِفَتْح الرَّاء. قَوْله: (من سمع) فَاعل أخبرنَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: من سمع قيل يشبه أَن يكون ذَلِك هُوَ أَبُو سَلمَة لما صرح باسمه فِي الرِّوَايَات الْأُخَر. قَوْله: (بالمصلى) أَي: مصلى الْجَنَائِز وَهُوَ بَقِيع الْغَرْقَد. قَوْله: (فَلَمَّا أذلقته) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وبالقاف أَي: فَلَمَّا أقلقته وأصابته بحرها. قَوْله: (بِالْحرَّةِ) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَهِي أَرض ذَات حِجَارَة سود. وَالْمَدينَة بَين حرتين.
٣٢ - (بابٌ لِلْعاهِرِ الحَجَرُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ للعاهر أَي: للزاني الْحجر أَي: الخيبة والحرمان، وَقيل: الرَّجْم.
٧١٨٦ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ حَدثنَا اللَّيثُ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا، قالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدٌ وابنُ زَمْعَةَ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (هُوَ لَكَ يَا عبْدُ بنُ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِراشِ، واحتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ) زَادَ لَنا قُتَيْبَةَ عنِ اللَّيْثِ: ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك. وَقد أخرجه مُخْتَصرا، وَمضى بِتَمَامِهِ فِي كتاب الْفَرَائِض فِي: بَاب الْوَلَد للْفراش حرَّة كَانَت أَو أمة، أخرجه عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص، وَابْن زَمعَة: هُوَ عبد بن زَمعَة، وَسَوْدَة: هِيَ بنت زَمعَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (زَاد لنا) يَعْنِي: قَالَ البُخَارِيّ زَاد لنا قُتَيْبَة بن سعيد أحد مشايخه عَن اللَّيْث بن سعد بعد قَوْله: قَوْله: (الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وزادنا.
٤٢ - (بابُ الرَّجْمِ فِي البَلاطِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الرَّجْم فِي البلاط، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بالبلاط وَالْبَاء فِيهِ ظرفية أَيْضا، وَهُوَ بِكَسْر الْبَاء وَفتحهَا وَقد اسْتعْمل فِي مَعَاني كَثِيرَة على مَا نذكرهُ الْآن، لَكِن المُرَاد بِهِ هَهُنَا مَوضِع مَعْرُوف عِنْد: بَاب الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، وَكَانَ مفروشاً بالبلاط يدل عَلَيْهِ كَلَام ابْن عمر فِي آخر حَدِيث الْبَاب: وَزعم بعض النَّاس أَن المُرَاد بالبلاط الْحجر الَّذِي يرْجم بِهِ، وَهُوَ مَا يفرش بِهِ الدّور حَتَّى اسْتشْكل ابْن بطال هَذِه التَّرْجَمَة فَقَالَ: البلاط وَغَيره سَوَاء، وَهُوَ بعيد، لِأَن المُرَاد بالبلاط مثل مَا ذَكرْنَاهُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: البلاط مَوضِع بِالْمَدِينَةِ بَين الْمَسْجِد النَّبَوِيّ والسوق، وَقيل: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ عدم اشْتِرَاط الْحفر للمرجوم لِأَن البلاط لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْحفر، وَهَذَا أَيْضا احْتِمَال بعيد، وَقد ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَمر فحفرت لماعز بن مَالك حفيرة فرجم فِيهَا، وَقَالَ ياقوت الْحَمَوِيّ فِي (الْمُشْتَرك) : البلاط بِفَتْح أَوله وبكسره قَرْيَة بغوطة دمشق، وبلاط عَوْسَجَة حصن من أَعمال شنتبرية بالأندلس، والبلاط أَيْضا مَدِينَة خربَتْ كَانَت قَصَبَة كورة الحوار من نواحي حلب، والبلاط مَوضِع بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ كَانَ مَجْلِسا للأسرى أَيَّام سيف الدولة بن حمدَان، ذكره أَبُو فراس فِي شعره، وَقَالَ أَيْضا البلاط مَوضِع بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مَوضِع مبلط بِالْحِجَارَةِ بَين مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، والسوق.
٩١٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُثْمانَ حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَد عنْ سلَيْمانَ حدّثني عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: أُتِيَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَهُودِيٍّ ويَهُودِيَّةٍ قَدْ أحْدَثا جَمِيعاً، فَقَالَ لَهُمْ: (مَا تَجِدُونَ فِي كِتابِكُمْ) قالُوا: إنَّ أحْبارَنا أحْدَثُوا تَحْمِيمَ الوَجْهِ والتَّجْبِيَةَ. قَالَ عَبْدُ الله بنُ سَلامٍ: ادْعُهُمْ يَا رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالتَّوْرَاةِ، فأُتِيَ بِها فَوَضع أحَدُهُمْ يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ وجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَها وَمَا بَعْدَها، فَقَالَ لهُ ابنُ سَلامٍ: إرْفَعْ يَدَكَ، فَإِذا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ، فأمَرَ بِهِما
رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرُجِما:
قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَرُجِما عِنْدَ البَلاطِ، فَرَأيْتُ اليَهُودِيَّ أجْنَأ عَلَيْها.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث وَمُحَمّد بن عُثْمَان شيخ البُخَارِيّ زَاد فِيهِ أَبُو ذَر بن كَرَامَة الْعجلِيّ الْكُوفِي وَهُوَ من أَفْرَاده، وخَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا الْقَطوَانِي الْكُوفِي، وَهُوَ أَيْضا أحد مَشَايِخ البخارى روى عَنهُ فِي مَوَاضِع بِلَا وَاسِطَة، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب مولى عبد الله بن أبي عَتيق.
والْحَدِيث رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة نَافِع أَن عبد الله بن عمر أخبرهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أُتِي بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّة قد زَنَيَا، فَانْطَلق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى جَاءَ يهود فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة على من زنى؟ قَالُوا: نسود وُجُوههمَا وَنُحَمِّمهُمَا وَنُخَالِف بَين وُجُوههمَا وَيُطَاف بهما، قَالَ: فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ إِن كُنْتُم صَادِقين، فجاؤوا بهَا فقرؤوها حَتَّى إِذا مروا بِآيَة الرَّجْم وضع الْفَتى الَّذِي يقْرَأ يَده على آيَة الرَّجْم وَقَرَأَ مَا بَين يَديهَا وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عبد الله بن سَلام، وَهُوَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَليرْفَعْ يَده، فَرَفعهَا فَإِذا تحتهَا آيَة الرَّجْم، فَأمر بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرجمهما. قَالَ عبد الله بن عمر: كنت فِيمَن رجمهما فَلَقَد رَأَيْته يَقِيهَا من الْحِجَارَة بِنَفسِهِ، وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة زيد بن أسلم عَن ابْن عمر: أَتَى نفر من الْيَهُود فدعو رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى الأسقف، فَأَتَاهُم فِي بَيت الْمدَارِس فَقَالُوا: إِن رجلا منا زنى بِامْرَأَة، فاحكم بَينهمَا، وَوَضَعُوا لَهُ وسَادَة فَجَلَسَ عَلَيْهَا فَقَالَ: ائْتُونِي بِالتَّوْرَاةِ، فَأتي بهَا فَنزع الوسادة من تَحْتَهُ وَوضع التَّوْرَاة عَلَيْهَا، وَقَالَ: آمَنت بك وبمن أنزلك. ثمَّ قَالَ: ائْتُونِي بأعلمكم، فَأتي بفتى شَاب، ثمَّ ذكر قصَّة الرَّجْم ... الحَدِيث.
قَوْله: (أُتِي) على صِيغَة الْمَجْهُول من الْإِتْيَان. قَوْله: (بِيَهُودِيٍّ) وَيَهُودِيَّة قَالَ الزّجاج: كَانَا من أهل خَيْبَر وَعَن ابْن الطلاع ذكر البُخَارِيّ أَنهم أهل ذمَّة. قَوْله: (أحدثا) أَي: زَنَيَا من أحدث إِذا زنى، وَيُقَال مَعْنَاهُ: فعلا فعلا فَاحِشا، وَأُرِيد بِهِ الزِّنَا. قَوْله: (إِن أحبارنا) أَي: علماءنا وَهُوَ جمع حبر وَهُوَ الْعَالم الَّذِي يزين الْكَلَام. قَوْله: (أَحْدَثُوا) أَي: ابتكروا، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ من الإحداث وَهُوَ الإبداء وَهُوَ الْإِظْهَار أَي: أظهرُوا تحميم الْوَجْه وَهُوَ تسجيمه بِالْجِيم أَي: تسويده بالفحم والحمم بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم المخففة، قَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ جمع حمة وَهِي الفحمة. قَوْله: (وَالتَّجْبِيَة) بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة من بَاب تخرجه وَهُوَ الإركاب معكوساً. وَقيل: أَن يحمل الزانيان على حمَار مُخَالفا بَين وُجُوههمَا. قَوْله: (فَأتى بهَا) أَي: بِالتَّوْرَاةِ قَوْله: (فَقَالَ لَهُ ابْن سَلام) هُوَ عبد الله بن سَلام. قَوْله: (أجنأ عَلَيْهَا) ، بِالْجِيم يُقَال: أجنا عَلَيْهِ يجنىء إجناء إِذا أكب عَلَيْهِ يَقِيه شَيْئا، وَقَالَ ابْن التِّين: ورويناه هُنَا أجنابالجيم والهمزة وَفِي رِوَايَة فرأيته يجاني عَلَيْهَا من بَاب المفاعلة ويروى بِالْحَاء الْمُهْملَة أحنى عَلَيْهَا أَي اكب عَلَيْهَا وَقَالَ الْخطابِيّ الَّذِي جَاءَ فِي كتاب السّنَن أجنا، يَعْنِي بِالْجِيم، وَالْمَحْفُوظ إِنَّمَا هُوَ أحنى، بِالْحَاء يُقَال: حنا يحنو حنوا، وأحنى يحني أَي: يعْطف ويشفق، قيل: فَهِيَ سبع رِوَايَات كلهَا رَاجِعَة إِلَى الْوِقَايَة.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الحكم بَينهم إِذا ترافعوا إِلَيْنَا أواجب ذَلِك علينا أم نَحن فِيهِ مخيرون؟ فَقَالَ جمَاعَة من فُقَهَاء الْحجاز وَالْعراق: إِن الإِمَام أَو الْحَاكِم مُخَيّر إِن شَاءَ حكم بَينهم إِذا تحاكموا بِحكم الْإِسْلَام، وَإِن شَاءَ أعرض عَنْهُم. وَقَالُوا: إِن قَوْله تَعَالَى: {فَإِن جاؤك} محكمَة لم ينسخها شَيْء، وَمِمَّنْ قَالَ بذلك: مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه، وَهُوَ قَول عَطاء وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي قَوْله: {فَإِن جاؤك} قَالَ: نزلت فِي بني قُرَيْظَة وَهِي محكمَة. وَقَالَ عَامر وَالنَّخَعِيّ: إِن شَاءَ حكم وَإِن شَاءَ لم يحكم، وَعَن ابْن الْقَاسِم: إِذا تحاكم أهل الذِّمَّة إِلَى حَاكم الْمُسلمين وَرَضي الخصمان بِهِ جَمِيعًا فَلَا يحكم بَينهمَا إلَاّ بِرِضا من أساقفتهما، فَإِن كره ذَلِك أساقفتهم فَلَا يحكم بَينهم، وَكَذَلِكَ إِن رَضِي الأساقفة وَلم يرض الخصمان أَو أَحدهمَا لم يحكم بَينهم. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: مَضَت السّنة أَن يرد أهل الذِّمَّة فِي حُقُوقهم ومعاملاتهم ومواريثهم إِلَى أهل دينهم، إِلَّا أَن يَأْتُوا راغبين فِي حكمنَا فَيحكم بَينهم بِكِتَاب الله عز وَجل، وَقَالَ آخَرُونَ: وَاجِب على الْحَاكِم أَن يحكم بَينهم إِذا تحاكموا إِلَيْهِ بِحكم الله تَعَالَى، وَزَعَمُوا أَن قَوْله تَعَالَى: {وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله تَعَالَى} نَاسخ للتَّخْيِير فِي الحكم بَينهم فِي الْآيَة الَّتِي قبل هَذِه، وَرُوِيَ ذَلِك
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَالتَّقْصِيرُ فِي تَرْكِ ذِكْرِ الْعُمْرَةِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَأَمَّا قِصَّةُ مَاعِزٍ فَجَاءَتْ مِنْ طُرُقٍ مُتَنَوِّعَةٍ بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ يُذْكَرْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ جَلَدَ، وَكَذَلِكَ الْغَامِدِيَّةُ وَالْجُهَنِيَّةُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ فِي مَاعِزٍ اذْهَبُوا فَارْجُمُوهُ، وَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَلْدَ، فَدَلَّ تَرْكُ ذِكْرِهِ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ وَدَلَّ عَدَمُ وُقُوعِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ.
وَمِنَ الْمَذَاهِبِ الْمُسْتَغْرَبَةِ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ حَزْمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، زَادَ ابْنُ حَزْمٍ: وَأَبِي ذَرٍّ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ خَاصٌّ بِالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ، وَأَمَّا الشَّابُّ فَيُجْلَدُ إِنْ لَمْ يُحْصَنْ وَيُرْجَمْ إِنْ أُحْصِنَ فَقَطْ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ فِي بَابِ رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا، وَقَالَ عِيَاضٌ: شَذَّتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَقَالَتِ: الْجَمْعُ عَلَى الشَّيْخِ الثَّيِّبِ دُونَ الشَّابِّ وَلَا أَصْلَ لَهُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ، كَذَا قَالَهُ وَنَفَى أَصْلَهُ، وَوَصْفَهُ بِالْبُطْلَانِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ طَرِيقَهُ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي بَابِ الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ دَلِيلَهُ فَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ بِلَفْظِ الشَّيْخِ فَفَهِمَ هَؤُلَاءِ مِنْ تَخْصِيصِ الشَّيْخِ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّابَّ أَعْذَرُ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ، فَهُوَ مَعْنًى مُنَاسِبٌ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالْبُطْلَانِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَاعْتَلَّ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ مَعَ حُكْمِهَا كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّةِ فَلَا يَنْفَكَّانِ، وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّ الْعَالَمِيَّةَ لَا تُنَافِي قِيَامَ الْعِلْمِ بِالذَّاتِ، سَلَّمْنَا، لَكِنَّ التِّلَاوَةَ أَمَارَةُ الْحُكْمِ فَيَدُلُّ وُجُودُهَا عَلَى ثُبُوتِهِ وَلَا دَلَالَةَ مِنْ مُجَرَّدِهَا عَلَى وُجُوبِ الدَّوَامِ فَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْأَمَارَةِ فِي طَرَفِ الدَّوَامِ انْتِفَاءُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، فَإِذَا نُسِخَتِ التِّلَاوَةُ وَلَمْ يَنْتَفِ الْمَدْلُولُ، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَهُوَ ابْنُ شَاهِينَ الْوَاسِطِيُّ، وَخَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ سُلَيْمَانُ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ سُورَةِ النُّورِ أَمْ بَعْدُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَمْ بَعْدَهَا وَفَائِدَةُ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ الرَّجْمَ إِنْ كَانَ وَقَعَ قَبْلَهَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُدَّعَى نَسْخُهُ بِالتَّنْصِيصِ فِيهَا عَلَى أَنَّ حَدَّ الزَّانِي الْجَلْدُ، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ بَعْدَهَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نَسْخِ الْجَلْدِ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَمْنُوعَ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ إِذَا جَاءَتْ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ الْمَشْهُورَةُ فَلَا وَأَيْضًا فَلَا نَسْخَ وَإِنَّمَا هُوَ مُخَصَّصٌ بِغَيْرِ الْمُحْصَنِ.
قَوْلُهُ: (لَا أَدْرِي) يَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّجْمَ وَقَعَ بَعْدَ سُورَةِ النُّورِ لِأَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَالرَّجْمُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ حَضَرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ سَنَةَ سَبْعٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا جَاءَ مَعَ أُمِّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعٍ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: أَخْبَرَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَخْبَرَنِي.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) أَيْ مِنْ بَنِي أَسْلَمَ الْقَبِيلَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَاسْمُ هَذَا الرَّجُلِ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ كَمَا سَيَأْتِي مُسَمًّى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ.
٢٢ - بَاب لَا يُرْجَمُ الْمَجْنُونُ وَالْمَجْنُونَةُ، وَقَالَ عَلِيٌّ، لِعُمَرَ ﵁: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ؟
٦٨١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الثَّواب؛ لقولهِ ﷺ للمرأة لما سألته: ألهذا حجٌّ؟ قال: «نعم ولك أجر (١)».
٦٨١٥ - ٦٨١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بن حَزْن، الإمام أبي محمد المخزوميِّ، أحد الأعلام، وسيِّد التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ) هو ماعز ابن مالك (رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ) حالٌ من «رسول الله ﷺ»، والجملة التَّالية معطوفةٌ على «أتى» (فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ) ﵊ (حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) بدالين أولاهما مشددة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «حتَّى ردَّ» بإسقاط الدَّال الثَّانية (فَلَمَّا شَهِدَ) أقرَّ (عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) ولأبي ذرٍّ: «أربع مرَّات» وجواب «لمَّا» قوله: (دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ) له: (أَبِكَ جُنُونٌ؟) بهمزة الاستفهام، و «جنون» مبتدأ، والجارّ متعلق بالخبر، والمسوِّغ للابتداء بالنَّكرة تقدُّم الخبر في الظَّرف وهمزة الاستفهام (قَالَ: لَا) ليس بي جنونٌ (قَالَ) ﷺ: (فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟) تزوَّجت (قَالَ: نَعَمْ) أحصنتُ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اذْهَبُوا بِهِ) الباء للتعدية أو الحال، أي: اذهبُوا مصاحبين له (فَارْجُمُوهُ) وقد تمسَّك بهذا (٢) الحنفيَّة والحنابلة في اشتراطِ الإقرار أربع مرَّات وأنَّه لا يكتفى بما دونها قياسًا على الشُّهود.
وأُجيب عن المالكيَّة والشَّافعيَّة في عدمِ اشتراطِ ذلك بما في حديثِ العسيفِ من قولهِ ﷺ: «واغْدُ يا أُنَيس إلى امرأةِ هذَا، فإن اعترفَتْ فارجُمْهَا» ولم يقلْ: فإنْ اعترفتْ أربع
مرَّاتٍ، وبحديث رجمِ الغامِديَّة -بالغين المعجمة والميم المكسورة بعدها دال مهملة- إذ لم ينقل أنَّه تكرَّر إقرارها، وأمَّا التِّكرار هنا فإنَّما (١) كان للاستثباتِ والتَّحقيق والاحتياط في درء الحدِّ بالشُّبهة (٢) كقولهِ: «أبكَ جنون؟» فإنَّه من التَّثبُّت؛ ليتحقَّق حاله أيضًا، فإنَّ الإنسان غالبًا لا يصرُّ على إقرارِ ما يقتضي هلاكه من غير سؤالٍ مع أنَّ له طريقًا إلى سقوط الإثم بالتَّوبة، وفي حديث أبي سعيدٍ عند مسلم: ثمَّ سأل قومه، فقالوا: ما (٣) نعلمُ به بأسًا إلَّا أنَّه أصابَ شيئًا يرى أنَّه (٤) لا يخرجه منه إلَّا أن يقامَ فيه الحدُّ، وهذا مبالغةٌ في تحقيق حاله، وفي صيانةِ دم المسلم، فيُبنى الأمرُ عليه لا على مجرَّد إقرارهِ بعدمِ الجنون، فإنَّه لو كان مجنونًا لم يُفِدْ قوله إنَّه ليس به جنون؛ لأنَّ إقرار المجنونِ غيرُ معتبرٍ، فهذه هي الحكمة في سؤاله عنه قومه. وقال القرطبيُّ: إنَّ ذلك قالَه لما ظهرَ عليه من الحال الَّذي يشبهُ حال المجنون، وذلك أنَّه دخل منتفشَ الشَّعر ليس عليه رداءٌ يقول: زنيت فطهِّرني كما في «صحيح مسلم» من حديث جابرِ بن سَمُرة، واسمُ المرأة الَّتي زنى بها فاطمةُ فتاةُ هَزَّال، وقيل: مُنِيرة، وفي «طبقات ابن سعد»: مُهَيرة.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ -بالسَّند السَّابق-: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ سَمِعَ جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللهِ) قال في «الفتح»: صرَّح يونس ومَعمر في روايتهما بأنَّه أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، فكأنَّ الحديث كان عند أبي سلمة عن أبي هريرة، كما عند سعيد بن المسيَّب، وعنده زيادة عليه عن جابرٍ (قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى) مكان صلاةِ العيد والجنائز، وخبرُ «كان» في المجرورِ، و «مَن» بمعنى «الَّذي»، وصلتُها جملة «رجمَه» (٥)، والمعنى: في جماعةِ مَن رجمَه، وأعاد الضَّمير على لفظ «من»، ولو أعاده على معناها لقال: فيمن رجموه، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: فرجمنَاه بالمصلَّى، فكنتُ فيمَن رجمَه، أو يقدَّر: فكنت فيمن
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
كَمَا فِي حَدِيث مَاعِز فَإِن اعْترف فِي مجْلِس وَاحِد ألف مرّة فَهُوَ اعْتِرَاف وَاحِد وَقَالَ ابْن أبي ليلى وَأحمد وَإِسْحَاق وَالثَّوْري وَالْحسن بن حييّ وَالْحكم بن عتيبة يجب باعترافه أَربع مَرَّات فِي مجْلِس وَاحِد وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يَكْفِي مرّة وَاحِدَة وَحَدِيث الْبَاب حجَّة عَلَيْهِمَا قَوْله " وَكَانَ قد أحصن " أَي وَكَانَ تزوج فَهُوَ مُحصن وَيجوز أحصن بِصِيغَة الْمَعْلُوم والمجهول -
٢٢ - (بابٌ لَا يُرْجَمُ المَجْنُونُ والمَجْنُونَةُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لَا يرْجم الرجل الْمَجْنُون وَلَا الْمَرْأَة الْمَجْنُونَة وَهَذَا إِذا وَقع الزِّنَا فِي حَالَة الْجُنُون، وَهَذَا إِجْمَاع، وَأما إِذا وَقع فِي حَالَة الصِّحَّة ثمَّ طَرَأَ الْجُنُون هَل يُؤَخر إِلَى وَقت الْإِفَاقَة؟ قَالَ الْجُمْهُور: لَا لِأَنَّهُ يُرَاد بِهِ التّلف بِخِلَاف الْجلد فَإِنَّهُ يقْصد بِهِ الإيلام فيؤخر حَتَّى يفِيق.
وَقَالَ عَلِيٌّ لِعُمَرَ: أما علِمْتَ أنَّ القَلَمَ رُفِعَ عنِ المَجْنُونِ حتَّى يُفِيقَ وعنِ الصَّبِيِّ حتَّى يُدْرِكَ وعنِ النَّائِمِ حتَّى يَسْتَيْقظَ؟ .
أَي: قَالَ عَليّ بن أبي طَالب لعمر بن الْخطاب، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ النَّسَائِيّ مَرْفُوعا فَقَالَ: أَنبأَنَا أَحْمد بن السَّرْح فِي حَدِيثه عَن ابْن وهب أَخْبرنِي جرير بن حَازِم عَن سُلَيْمَان بن مهْرَان عَن أبي ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: مر عَليّ بن أبي طَالب بمجنونة بني فلَان قد زنت، فَأمر عمر برجمها فَردهَا عَليّ وَقَالَ لعمر: أما تذكر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة: عَن الْمَجْنُون المغلوب على عقله، وَعَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ، وَعَن الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم قَالَ: صدقت، فخلاعنها.
٥١٨٦ - حدّثنا يَحْيَاى بنُ بُكَيْرٍ حدّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ أبي سلَمَةَ وسَعِيدِ بنِ المسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: أتَى رجُلٌ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ فِي المَسْجدِ فَناداهُ فَقَالَ: يَا رسولَ الله! إنِّي زَنَيْتُ، فأعْرَضَ عَنْهُ حتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ دعاهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (أبكَ جُنُونٌ) . قَالَ: لَا. قَالَ: (فَهَلْ أحْصَنْتَ؟) قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إذهَبُوا بِهِ فارْجُمُوهُ) . قَالَ ابنُ شِهابٍ: فَأَخْبرنِي مَنْ سَمِعَ جابرَ بنَ عَبْدِ الله قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْناهُ بالمُصَلَّى، فَلَمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجارَةُ هَربَ فأدْرَكْناهُ بالحَرَّةِ فَرَجَمْناهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أبك جُنُون؟) لِأَن الْمَفْهُوم مِنْهُ أَنه إِذا كَانَ مَجْنُونا لَا يرْجم.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة قَرِيبا وبعيداً.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن عبد الْملك بن شُعَيْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّجْم عَن مُحَمَّد بن عبد الله.
قَوْله: (أَتَى رجل) وَفِي رِوَايَة شُعَيْب بن اللَّيْث رجل من الْمُسلمين، وَفِي رِوَايَة ابْن مُسَافر: رجل من النَّاس، وَفِي رِوَايَة يُونُس وَمعمر: أَن رجلا من أسلم، وَفِي رِوَايَة جَابر بن سَمُرَة عِنْد مُسلم: رَأَيْت مَاعِز بن مَالك الْأَسْلَمِيّ حِين جِيءَ بِهِ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... الحَدِيث، وَفِيه: رجل قصير أعضل لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاء، وَفِي لفظ: ذُو عضلات، وَهُوَ جمع عضلة، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ مَا اجْتمع من اللَّحْم فِي أَعلَى بَاطِن السَّاق، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: كل عصبَة مَعهَا لحم فَهِيَ عضلة. قَوْله: (حَتَّى ردد عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني حَتَّى رد بدال وَاحِدَة. قَوْله: (أَربع مَرَّات) هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: أَربع شَهَادَات. قَوْله: (أبك جُنُون؟) وَفِي رِوَايَة شُعَيْب عَن عَاصِم فِي الطَّلَاق: وَهل بك جُنُون؟ وَقَالَ عِيَاض: فَائِدَة سُؤَاله: أبك جُنُون؟ استقراء لحاله واستبعاد أَن يلح عَاقل بالاعتراف بِمَا يَقْتَضِي إهلاكه، أَو لَعَلَّه يرجع عَن قَوْله. قَوْله: (فَهَل أحصنت؟) أَي: تزوجت.
قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) أَي: قَالَ مُحَمَّد بن
مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ رَاوِي الحَدِيث، وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور.
قَوْله: (فَأخْبرنَا) بِفَتْح الرَّاء. قَوْله: (من سمع) فَاعل أخبرنَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: من سمع قيل يشبه أَن يكون ذَلِك هُوَ أَبُو سَلمَة لما صرح باسمه فِي الرِّوَايَات الْأُخَر. قَوْله: (بالمصلى) أَي: مصلى الْجَنَائِز وَهُوَ بَقِيع الْغَرْقَد. قَوْله: (فَلَمَّا أذلقته) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وبالقاف أَي: فَلَمَّا أقلقته وأصابته بحرها. قَوْله: (بِالْحرَّةِ) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَهِي أَرض ذَات حِجَارَة سود. وَالْمَدينَة بَين حرتين.
٣٢ - (بابٌ لِلْعاهِرِ الحَجَرُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ للعاهر أَي: للزاني الْحجر أَي: الخيبة والحرمان، وَقيل: الرَّجْم.
٧١٨٦ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ حَدثنَا اللَّيثُ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا، قالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدٌ وابنُ زَمْعَةَ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (هُوَ لَكَ يَا عبْدُ بنُ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِراشِ، واحتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ) زَادَ لَنا قُتَيْبَةَ عنِ اللَّيْثِ: ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك. وَقد أخرجه مُخْتَصرا، وَمضى بِتَمَامِهِ فِي كتاب الْفَرَائِض فِي: بَاب الْوَلَد للْفراش حرَّة كَانَت أَو أمة، أخرجه عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص، وَابْن زَمعَة: هُوَ عبد بن زَمعَة، وَسَوْدَة: هِيَ بنت زَمعَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (زَاد لنا) يَعْنِي: قَالَ البُخَارِيّ زَاد لنا قُتَيْبَة بن سعيد أحد مشايخه عَن اللَّيْث بن سعد بعد قَوْله: قَوْله: (الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وزادنا.
٤٢ - (بابُ الرَّجْمِ فِي البَلاطِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الرَّجْم فِي البلاط، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بالبلاط وَالْبَاء فِيهِ ظرفية أَيْضا، وَهُوَ بِكَسْر الْبَاء وَفتحهَا وَقد اسْتعْمل فِي مَعَاني كَثِيرَة على مَا نذكرهُ الْآن، لَكِن المُرَاد بِهِ هَهُنَا مَوضِع مَعْرُوف عِنْد: بَاب الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، وَكَانَ مفروشاً بالبلاط يدل عَلَيْهِ كَلَام ابْن عمر فِي آخر حَدِيث الْبَاب: وَزعم بعض النَّاس أَن المُرَاد بالبلاط الْحجر الَّذِي يرْجم بِهِ، وَهُوَ مَا يفرش بِهِ الدّور حَتَّى اسْتشْكل ابْن بطال هَذِه التَّرْجَمَة فَقَالَ: البلاط وَغَيره سَوَاء، وَهُوَ بعيد، لِأَن المُرَاد بالبلاط مثل مَا ذَكرْنَاهُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: البلاط مَوضِع بِالْمَدِينَةِ بَين الْمَسْجِد النَّبَوِيّ والسوق، وَقيل: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ عدم اشْتِرَاط الْحفر للمرجوم لِأَن البلاط لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْحفر، وَهَذَا أَيْضا احْتِمَال بعيد، وَقد ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَمر فحفرت لماعز بن مَالك حفيرة فرجم فِيهَا، وَقَالَ ياقوت الْحَمَوِيّ فِي (الْمُشْتَرك) : البلاط بِفَتْح أَوله وبكسره قَرْيَة بغوطة دمشق، وبلاط عَوْسَجَة حصن من أَعمال شنتبرية بالأندلس، والبلاط أَيْضا مَدِينَة خربَتْ كَانَت قَصَبَة كورة الحوار من نواحي حلب، والبلاط مَوضِع بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ كَانَ مَجْلِسا للأسرى أَيَّام سيف الدولة بن حمدَان، ذكره أَبُو فراس فِي شعره، وَقَالَ أَيْضا البلاط مَوضِع بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مَوضِع مبلط بِالْحِجَارَةِ بَين مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، والسوق.
٩١٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُثْمانَ حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَد عنْ سلَيْمانَ حدّثني عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: أُتِيَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَهُودِيٍّ ويَهُودِيَّةٍ قَدْ أحْدَثا جَمِيعاً، فَقَالَ لَهُمْ: (مَا تَجِدُونَ فِي كِتابِكُمْ) قالُوا: إنَّ أحْبارَنا أحْدَثُوا تَحْمِيمَ الوَجْهِ والتَّجْبِيَةَ. قَالَ عَبْدُ الله بنُ سَلامٍ: ادْعُهُمْ يَا رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالتَّوْرَاةِ، فأُتِيَ بِها فَوَضع أحَدُهُمْ يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ وجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَها وَمَا بَعْدَها، فَقَالَ لهُ ابنُ سَلامٍ: إرْفَعْ يَدَكَ، فَإِذا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ، فأمَرَ بِهِما
رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرُجِما:
قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَرُجِما عِنْدَ البَلاطِ، فَرَأيْتُ اليَهُودِيَّ أجْنَأ عَلَيْها.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث وَمُحَمّد بن عُثْمَان شيخ البُخَارِيّ زَاد فِيهِ أَبُو ذَر بن كَرَامَة الْعجلِيّ الْكُوفِي وَهُوَ من أَفْرَاده، وخَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا الْقَطوَانِي الْكُوفِي، وَهُوَ أَيْضا أحد مَشَايِخ البخارى روى عَنهُ فِي مَوَاضِع بِلَا وَاسِطَة، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب مولى عبد الله بن أبي عَتيق.
والْحَدِيث رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة نَافِع أَن عبد الله بن عمر أخبرهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أُتِي بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّة قد زَنَيَا، فَانْطَلق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى جَاءَ يهود فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة على من زنى؟ قَالُوا: نسود وُجُوههمَا وَنُحَمِّمهُمَا وَنُخَالِف بَين وُجُوههمَا وَيُطَاف بهما، قَالَ: فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ إِن كُنْتُم صَادِقين، فجاؤوا بهَا فقرؤوها حَتَّى إِذا مروا بِآيَة الرَّجْم وضع الْفَتى الَّذِي يقْرَأ يَده على آيَة الرَّجْم وَقَرَأَ مَا بَين يَديهَا وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عبد الله بن سَلام، وَهُوَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَليرْفَعْ يَده، فَرَفعهَا فَإِذا تحتهَا آيَة الرَّجْم، فَأمر بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرجمهما. قَالَ عبد الله بن عمر: كنت فِيمَن رجمهما فَلَقَد رَأَيْته يَقِيهَا من الْحِجَارَة بِنَفسِهِ، وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة زيد بن أسلم عَن ابْن عمر: أَتَى نفر من الْيَهُود فدعو رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى الأسقف، فَأَتَاهُم فِي بَيت الْمدَارِس فَقَالُوا: إِن رجلا منا زنى بِامْرَأَة، فاحكم بَينهمَا، وَوَضَعُوا لَهُ وسَادَة فَجَلَسَ عَلَيْهَا فَقَالَ: ائْتُونِي بِالتَّوْرَاةِ، فَأتي بهَا فَنزع الوسادة من تَحْتَهُ وَوضع التَّوْرَاة عَلَيْهَا، وَقَالَ: آمَنت بك وبمن أنزلك. ثمَّ قَالَ: ائْتُونِي بأعلمكم، فَأتي بفتى شَاب، ثمَّ ذكر قصَّة الرَّجْم ... الحَدِيث.
قَوْله: (أُتِي) على صِيغَة الْمَجْهُول من الْإِتْيَان. قَوْله: (بِيَهُودِيٍّ) وَيَهُودِيَّة قَالَ الزّجاج: كَانَا من أهل خَيْبَر وَعَن ابْن الطلاع ذكر البُخَارِيّ أَنهم أهل ذمَّة. قَوْله: (أحدثا) أَي: زَنَيَا من أحدث إِذا زنى، وَيُقَال مَعْنَاهُ: فعلا فعلا فَاحِشا، وَأُرِيد بِهِ الزِّنَا. قَوْله: (إِن أحبارنا) أَي: علماءنا وَهُوَ جمع حبر وَهُوَ الْعَالم الَّذِي يزين الْكَلَام. قَوْله: (أَحْدَثُوا) أَي: ابتكروا، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ من الإحداث وَهُوَ الإبداء وَهُوَ الْإِظْهَار أَي: أظهرُوا تحميم الْوَجْه وَهُوَ تسجيمه بِالْجِيم أَي: تسويده بالفحم والحمم بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم المخففة، قَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ جمع حمة وَهِي الفحمة. قَوْله: (وَالتَّجْبِيَة) بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة من بَاب تخرجه وَهُوَ الإركاب معكوساً. وَقيل: أَن يحمل الزانيان على حمَار مُخَالفا بَين وُجُوههمَا. قَوْله: (فَأتى بهَا) أَي: بِالتَّوْرَاةِ قَوْله: (فَقَالَ لَهُ ابْن سَلام) هُوَ عبد الله بن سَلام. قَوْله: (أجنأ عَلَيْهَا) ، بِالْجِيم يُقَال: أجنا عَلَيْهِ يجنىء إجناء إِذا أكب عَلَيْهِ يَقِيه شَيْئا، وَقَالَ ابْن التِّين: ورويناه هُنَا أجنابالجيم والهمزة وَفِي رِوَايَة فرأيته يجاني عَلَيْهَا من بَاب المفاعلة ويروى بِالْحَاء الْمُهْملَة أحنى عَلَيْهَا أَي اكب عَلَيْهَا وَقَالَ الْخطابِيّ الَّذِي جَاءَ فِي كتاب السّنَن أجنا، يَعْنِي بِالْجِيم، وَالْمَحْفُوظ إِنَّمَا هُوَ أحنى، بِالْحَاء يُقَال: حنا يحنو حنوا، وأحنى يحني أَي: يعْطف ويشفق، قيل: فَهِيَ سبع رِوَايَات كلهَا رَاجِعَة إِلَى الْوِقَايَة.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الحكم بَينهم إِذا ترافعوا إِلَيْنَا أواجب ذَلِك علينا أم نَحن فِيهِ مخيرون؟ فَقَالَ جمَاعَة من فُقَهَاء الْحجاز وَالْعراق: إِن الإِمَام أَو الْحَاكِم مُخَيّر إِن شَاءَ حكم بَينهم إِذا تحاكموا بِحكم الْإِسْلَام، وَإِن شَاءَ أعرض عَنْهُم. وَقَالُوا: إِن قَوْله تَعَالَى: {فَإِن جاؤك} محكمَة لم ينسخها شَيْء، وَمِمَّنْ قَالَ بذلك: مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه، وَهُوَ قَول عَطاء وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي قَوْله: {فَإِن جاؤك} قَالَ: نزلت فِي بني قُرَيْظَة وَهِي محكمَة. وَقَالَ عَامر وَالنَّخَعِيّ: إِن شَاءَ حكم وَإِن شَاءَ لم يحكم، وَعَن ابْن الْقَاسِم: إِذا تحاكم أهل الذِّمَّة إِلَى حَاكم الْمُسلمين وَرَضي الخصمان بِهِ جَمِيعًا فَلَا يحكم بَينهمَا إلَاّ بِرِضا من أساقفتهما، فَإِن كره ذَلِك أساقفتهم فَلَا يحكم بَينهم، وَكَذَلِكَ إِن رَضِي الأساقفة وَلم يرض الخصمان أَو أَحدهمَا لم يحكم بَينهم. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: مَضَت السّنة أَن يرد أهل الذِّمَّة فِي حُقُوقهم ومعاملاتهم ومواريثهم إِلَى أهل دينهم، إِلَّا أَن يَأْتُوا راغبين فِي حكمنَا فَيحكم بَينهم بِكِتَاب الله عز وَجل، وَقَالَ آخَرُونَ: وَاجِب على الْحَاكِم أَن يحكم بَينهم إِذا تحاكموا إِلَيْهِ بِحكم الله تَعَالَى، وَزَعَمُوا أَن قَوْله تَعَالَى: {وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله تَعَالَى} نَاسخ للتَّخْيِير فِي الحكم بَينهم فِي الْآيَة الَّتِي قبل هَذِه، وَرُوِيَ ذَلِك