الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٢٣
الحديث رقم ٦٨٢٣ من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: هَلْ يَقُولُ الْإِمَامُ لِلْمُقِرِّ لَعَلَّكَ لَمَسْتَ أَوْ غَمَزْتَ
٦٨٢٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ
⦗١٦٧⦘
حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ إِلَخْ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بِهِ، وَرُوِّينَاهُ مَوْصُولًا أَيْضًا فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ وَالْمُسْتَخْرَجِ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ) لِلَّيْثٍ فِيهِ سَنَدٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ كِلَاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَدْ مَضَى فِي الصِّيَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَوْصُولًا، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ) أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أَيِ ابْنِ الْعَوَّامِ (عَنْ عَبَّادٍ) وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فِي رَمَضَانَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ احْتَرَقْتُ) كَرَّرَهَا ابْنُ وَهْبٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَ مِمَّ ذَاكَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: فَسَأَلَهُ عَنْ شَأْنِهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ مَا عِنْدِي شَيْءٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا لِي شَيْءٌ وَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَجَلَسَ فَأَتَاهُ إِنْسَانٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: قَالَ اجْلِسْ فَجَلَسَ فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ رَجُلٌ.
قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ طَعَامٌ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ رَاوِي الْحَدِيثِ (مَا أَدْرِي مَا هُوَ) مَقُولُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: قَالَ بِغَيْرِ فَاءٍ وَلَمْ يَقَعْ هَذَا فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ، وَوَقَعَ فِيهَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: عِرْقَانِ فِيهِمَا طَعَامٌ وَقَالَ: قَالَ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: عِرْقٌ، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ يَعْنِي الثَّقَفِيَّ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَعِرْقَانِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ.
قَوْلُهُ: (أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ: آنِفًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَحْوَجَ مِنِّي)؟ هُوَ اسْتِفْهَامٌ حُذِفَتْ أَدَاتُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: أَغْيَرَنَا أَيْ أَعَلَى غَيْرِنَا.
قَوْلُهُ: (مَا لِأَهْلِي طَعَامٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: إِنَّا الْجِيَاعُ مَا لَنَا شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ فَكُلُوا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: قَالَ فَكُلُوهُ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي الصِّيَامِ.
٢٧ - بَاب إِذَا أَقَرَّ بِالْحَدِّ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ؟
٦٨٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ ع نْهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ، قَالَ: وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ، قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أَوْ قَالَ: حَدَّكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا أَقَرَّ بِالْحَدِّ وَلَمْ يُبَيِّنْ) أَيْ لَمْ يُفَسِّرْهُ (هَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ) تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ التَّنْبِيهُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْكَبِيرِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ، هُوَ بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ، وَعَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ هُوَ الْكُلَابِيُّ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ أَخْرَجَ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي الْأَدَبِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ طَعَنَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْزَنْجِيُّ فِي صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ مَعَ كَوْنِ الشَّيْخَيْنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَقَالَ: هُوَ مُنْكَرٌ وَهْمٌ،
وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ مَعَ أَنَّ هَمَّامًا كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لَا يَرْضَاهُ وَيَقُولُ: أَبَانُ الْعَطَّارُ أَمْثَلُ مِنْهُ.
قُلْتُ: لَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الْوَهْمِ، وَأَمَّا إِطْلَاقُهُ كَوْنَهُ مُنْكَرًا فَعَلَى طَرِيقَتِهِ فِي تَسْمِيَتِهِ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّاوِي مُنْكَرًا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُتَابِعٌ، لَكِنْ يُجَابُ بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لِهَمَّامٍ وَلَا لِعَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ فِيهِ مُتَابِعٌ فَشَاهِدُهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَقِبَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَلَكِنَّ مَنْ وَحَّدَ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَالَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَسَّرَهُ بِهِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِاخْتِلَافِ الْقِصَّتَيْنِ، وَعَلَى التَّعَدُّدِ جَرَى الْبُخَارِيُّ فِي هَاتَيْنِ التَّرْجَمَتَيْنِ فَحَمَلَ الْأُولَى عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِذَنْبٍ دُونَ الْحَدِّ لِلتَّصْرِيحِ بِقَوْلِهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا وَحَمَلَ الثَّانِيَةَ عَلَى مَا يُوجِبُ الْحَدَّ لأنه ظَاهِرُ قَوْلِ الرَّجُلِ، وَأَمَّا مَنْ وَحَّدَ بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ فَقَالَ لَعَلَّهُ ظَنَّ مَا لَيْسَ بِحَدٍّ حَدًّا، أَوِ اسْتَعْظَمَ الَّذِي فَعَلَهُ فَظَنَّ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ، وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ شَاهِدٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ شَدَّادٍ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ وَائِلَةَ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ) أَيْ لَمْ يَسْتَفْسِرْهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَسَكَتَ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ.
قَوْلُهُ: (وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: وَأُقِيمَتْ.
قَوْلُهُ: (أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا) فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَلَيْسَ حَيْثُ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: ثُمَّ شَهِدْتَ مَعَنَا الصَّلَاةَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَوْلُهُ: (ذَنْبُكَ أَوْ قَالَ حَدُّكَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ بِسَنَدِهِ فِيهِ: قَدْ غَفَرَ لَكَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِالشَّكِّ وَلَفْظُهُ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ أَوْ قَالَ حَدَّكَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، فَظَاهِرُ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَيْهِ إِذَا تَابَ، وَحَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ اطَّلَعَ بِالْوَحْيِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ لِكَوْنِهَا وَاقِعَةَ عَيْنٍ، وَإِلَّا لَكَانَ يَسْتَفْسِرُهُ عَنِ الْحَدِّ وَيُقِيمُهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّهُ لَا يَكْشِفُ عَنِ الْحُدُودِ بَلْ يَدْفَعُ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَهَذَا الرَّجُلُ لَمْ يُفْصِحْ بِأَمْرٍ يَلْزَمُهُ بِهِ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ فَلَعَلَّهُ أَصَابَ صَغِيرَةً ظَنَّهَا كَبِيرَةً تُوجِبُ الْحَدَّ فَلَمْ يَكْشِفْهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مُوجِبَ الْحَدِّ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَفْسِرْهُ إِمَّا لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَدْخُلُ فِي التَّجْسِيسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِمَّا إِيثَارًا لِلسَّتْرِ، وَرَأَى أَنَّ فِي تَعَرُّضِهِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ نَدَمًا وَرُجُوعًا، وَقَدِ اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ تَلْقِينَ مَنْ أَقَرَّ بِمُوجِبِ الْحَدِّ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ إِمَّا بِالتَّعْرِيضِ وَإِمَّا بِأَوْضَحَ مِنْهُ لِيَدْرَأَ عَنْهُ الْحَدَّ.
وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ الذَّنْبَ الَّذِي فَعَلَهُ كَانَ مِنَ الصَّغَائِرِ بِدَلِيلِ أَنَّ فِي بَقِيَّةِ الْخَبَرِ أَنَّهُ كَفَّرَتْهُ الصَّلَاةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الَّذِي تُكَفِّرُهُ الصَّلَاةُ مِنَ الذُّنُوبِ الصَّغَائِرُ لَا الْكَبَائِرُ، وَهَذَا هُوَ الْأَكْثَرُ الْأَغْلَبُ، وَقَدْ تُكَفِّرُ الصَّلَاةُ بَعْضَ الْكَبَائِرِ كَمَنْ كَثُرَ تَطَوُّعُهُ مَثَلًا بِحَيْثُ صَلَحَ لِأَنْ يُكَفِّرَ عَدَدًا كَثِيرًا مِنَ الصَّغَائِرِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنَ الصَّغَائِرِ شَيْءٌ أَصْلًا أَوْ شَيْءٌ يَسِيرٌ وَعَلَيْهِ كَبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ مَثَلًا، فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ عَنْهُ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا.
قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْبَرْزَنْجِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ بِسَنَدٍ حَدِيثُ الْبَابِ بِلَفْظِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ الْحَدَّ الْحَدِيثَ، فَحَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ ظَنَّ مَا لَيْسَ زِنًا زِنًا؛ فَلِذَلِكَ كَفَّرَتْ ذَنْبَهُ الصَّلَاةُ، وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ إِذَا جَاءَ تَائِبًا سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي عَبَّرَ بِالزِّنَا مِنْ قَوْلِهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَرَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي ظَنَّهُ، وَالْأَصْلُ مَا فِي الصَّحِيحِ فَهُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمَذْكُورِ لِإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَّرَ عَنْهُ حَدَّهُ بِصَلَاتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِطَرِيقِ الْوَحْيِ فَلَا يَسْتَمِرُّ الْحُكْمُ فِي غَيْرِهِ إِلَّا فِي مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ وَقَدِ انْقَطَعَ عِلْمُ ذَلِكَ بِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَدْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا أَقَرَّ) شخصٌ (بِالحَدِّ) عند الإمام (وَلَمْ يُبَيِّنْ) كأن قال: إنْ أصبتُ ما يُوجب الحدَّ فأقمه عليَّ (هَلْ لِلإِمَامِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ) أم لا؟
٦٨٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابنُ عبد الكبير بنِ شعيب بنِ الحَبْحَاب -بالحاءين المهملتين والموحدتين- البصريُّ العطَّار من أفراد المؤلِّف، ليس له في البخاريِّ غير هذا الحديث، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بفتح العين وسكون الميم (الكِلَابِيُّ) بكسر الكاف وبالموحدة (١)، الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) العوذيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ) عمِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ) هو: أبو اليسر ابن عَمرو، واسمه: كعب قاله في «المقدّمة» (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ) فعلًا يوجبُ (حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ) أنس: (وَلَمْ يَسْأَلْهُ) النَّبيُّ ﷺ (عَنْهُ) أي: لم يستفسرْه؛ لأنَّه قد يدخلُ في التَّجسُّس المنهيِّ عنه أو إيثارًا للسَّتر (قَالَ) أنسٌ: (وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى) الرَّجل (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللهِ) أي: ما حكمَ به تعالى في كتابه من الحدِّ (قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أَوْ قَالَ: حَدَّكَ) أي: ما يوجب حدَّك، والشَّكُّ من الرَّاوي، ويحتملُ أن يكون ﷺ اطَّلع بالوحي على أنَّ اللهَ قد غفرَ له؛ لكونها واقعةَ عينٍ، وإلَّا لكان يستفسرُه عن الحدِّ ويقيمه عليه، قاله الخطَّابيُّ، وجزم النَّوويُّ وجماعة أنَّ الذَّنب
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ إِلَخْ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بِهِ، وَرُوِّينَاهُ مَوْصُولًا أَيْضًا فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ وَالْمُسْتَخْرَجِ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ) لِلَّيْثٍ فِيهِ سَنَدٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ كِلَاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَدْ مَضَى فِي الصِّيَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَوْصُولًا، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ) أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أَيِ ابْنِ الْعَوَّامِ (عَنْ عَبَّادٍ) وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فِي رَمَضَانَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ احْتَرَقْتُ) كَرَّرَهَا ابْنُ وَهْبٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَ مِمَّ ذَاكَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: فَسَأَلَهُ عَنْ شَأْنِهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ مَا عِنْدِي شَيْءٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا لِي شَيْءٌ وَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَجَلَسَ فَأَتَاهُ إِنْسَانٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: قَالَ اجْلِسْ فَجَلَسَ فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ رَجُلٌ.
قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ طَعَامٌ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ رَاوِي الْحَدِيثِ (مَا أَدْرِي مَا هُوَ) مَقُولُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: قَالَ بِغَيْرِ فَاءٍ وَلَمْ يَقَعْ هَذَا فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ، وَوَقَعَ فِيهَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: عِرْقَانِ فِيهِمَا طَعَامٌ وَقَالَ: قَالَ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: عِرْقٌ، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ يَعْنِي الثَّقَفِيَّ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَعِرْقَانِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ.
قَوْلُهُ: (أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ: آنِفًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَحْوَجَ مِنِّي)؟ هُوَ اسْتِفْهَامٌ حُذِفَتْ أَدَاتُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: أَغْيَرَنَا أَيْ أَعَلَى غَيْرِنَا.
قَوْلُهُ: (مَا لِأَهْلِي طَعَامٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: إِنَّا الْجِيَاعُ مَا لَنَا شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ فَكُلُوا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: قَالَ فَكُلُوهُ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي الصِّيَامِ.
٢٧ - بَاب إِذَا أَقَرَّ بِالْحَدِّ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ؟
٦٨٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ ع نْهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ، قَالَ: وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ، قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أَوْ قَالَ: حَدَّكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا أَقَرَّ بِالْحَدِّ وَلَمْ يُبَيِّنْ) أَيْ لَمْ يُفَسِّرْهُ (هَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ) تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ التَّنْبِيهُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْكَبِيرِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ، هُوَ بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ، وَعَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ هُوَ الْكُلَابِيُّ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ أَخْرَجَ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي الْأَدَبِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ طَعَنَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْزَنْجِيُّ فِي صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ مَعَ كَوْنِ الشَّيْخَيْنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَقَالَ: هُوَ مُنْكَرٌ وَهْمٌ،
وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ مَعَ أَنَّ هَمَّامًا كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لَا يَرْضَاهُ وَيَقُولُ: أَبَانُ الْعَطَّارُ أَمْثَلُ مِنْهُ.
قُلْتُ: لَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الْوَهْمِ، وَأَمَّا إِطْلَاقُهُ كَوْنَهُ مُنْكَرًا فَعَلَى طَرِيقَتِهِ فِي تَسْمِيَتِهِ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّاوِي مُنْكَرًا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُتَابِعٌ، لَكِنْ يُجَابُ بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لِهَمَّامٍ وَلَا لِعَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ فِيهِ مُتَابِعٌ فَشَاهِدُهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَقِبَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَلَكِنَّ مَنْ وَحَّدَ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَالَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَسَّرَهُ بِهِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِاخْتِلَافِ الْقِصَّتَيْنِ، وَعَلَى التَّعَدُّدِ جَرَى الْبُخَارِيُّ فِي هَاتَيْنِ التَّرْجَمَتَيْنِ فَحَمَلَ الْأُولَى عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِذَنْبٍ دُونَ الْحَدِّ لِلتَّصْرِيحِ بِقَوْلِهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا وَحَمَلَ الثَّانِيَةَ عَلَى مَا يُوجِبُ الْحَدَّ لأنه ظَاهِرُ قَوْلِ الرَّجُلِ، وَأَمَّا مَنْ وَحَّدَ بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ فَقَالَ لَعَلَّهُ ظَنَّ مَا لَيْسَ بِحَدٍّ حَدًّا، أَوِ اسْتَعْظَمَ الَّذِي فَعَلَهُ فَظَنَّ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ، وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ شَاهِدٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ شَدَّادٍ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ وَائِلَةَ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ) أَيْ لَمْ يَسْتَفْسِرْهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَسَكَتَ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ.
قَوْلُهُ: (وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: وَأُقِيمَتْ.
قَوْلُهُ: (أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا) فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَلَيْسَ حَيْثُ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: ثُمَّ شَهِدْتَ مَعَنَا الصَّلَاةَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَوْلُهُ: (ذَنْبُكَ أَوْ قَالَ حَدُّكَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ بِسَنَدِهِ فِيهِ: قَدْ غَفَرَ لَكَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِالشَّكِّ وَلَفْظُهُ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ أَوْ قَالَ حَدَّكَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، فَظَاهِرُ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَيْهِ إِذَا تَابَ، وَحَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ اطَّلَعَ بِالْوَحْيِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ لِكَوْنِهَا وَاقِعَةَ عَيْنٍ، وَإِلَّا لَكَانَ يَسْتَفْسِرُهُ عَنِ الْحَدِّ وَيُقِيمُهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّهُ لَا يَكْشِفُ عَنِ الْحُدُودِ بَلْ يَدْفَعُ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَهَذَا الرَّجُلُ لَمْ يُفْصِحْ بِأَمْرٍ يَلْزَمُهُ بِهِ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ فَلَعَلَّهُ أَصَابَ صَغِيرَةً ظَنَّهَا كَبِيرَةً تُوجِبُ الْحَدَّ فَلَمْ يَكْشِفْهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مُوجِبَ الْحَدِّ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَفْسِرْهُ إِمَّا لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَدْخُلُ فِي التَّجْسِيسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِمَّا إِيثَارًا لِلسَّتْرِ، وَرَأَى أَنَّ فِي تَعَرُّضِهِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ نَدَمًا وَرُجُوعًا، وَقَدِ اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ تَلْقِينَ مَنْ أَقَرَّ بِمُوجِبِ الْحَدِّ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ إِمَّا بِالتَّعْرِيضِ وَإِمَّا بِأَوْضَحَ مِنْهُ لِيَدْرَأَ عَنْهُ الْحَدَّ.
وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ الذَّنْبَ الَّذِي فَعَلَهُ كَانَ مِنَ الصَّغَائِرِ بِدَلِيلِ أَنَّ فِي بَقِيَّةِ الْخَبَرِ أَنَّهُ كَفَّرَتْهُ الصَّلَاةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الَّذِي تُكَفِّرُهُ الصَّلَاةُ مِنَ الذُّنُوبِ الصَّغَائِرُ لَا الْكَبَائِرُ، وَهَذَا هُوَ الْأَكْثَرُ الْأَغْلَبُ، وَقَدْ تُكَفِّرُ الصَّلَاةُ بَعْضَ الْكَبَائِرِ كَمَنْ كَثُرَ تَطَوُّعُهُ مَثَلًا بِحَيْثُ صَلَحَ لِأَنْ يُكَفِّرَ عَدَدًا كَثِيرًا مِنَ الصَّغَائِرِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنَ الصَّغَائِرِ شَيْءٌ أَصْلًا أَوْ شَيْءٌ يَسِيرٌ وَعَلَيْهِ كَبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ مَثَلًا، فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ عَنْهُ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا.
قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْبَرْزَنْجِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ بِسَنَدٍ حَدِيثُ الْبَابِ بِلَفْظِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ الْحَدَّ الْحَدِيثَ، فَحَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ ظَنَّ مَا لَيْسَ زِنًا زِنًا؛ فَلِذَلِكَ كَفَّرَتْ ذَنْبَهُ الصَّلَاةُ، وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ إِذَا جَاءَ تَائِبًا سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي عَبَّرَ بِالزِّنَا مِنْ قَوْلِهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَرَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي ظَنَّهُ، وَالْأَصْلُ مَا فِي الصَّحِيحِ فَهُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمَذْكُورِ لِإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَّرَ عَنْهُ حَدَّهُ بِصَلَاتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِطَرِيقِ الْوَحْيِ فَلَا يَسْتَمِرُّ الْحُكْمُ فِي غَيْرِهِ إِلَّا فِي مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ وَقَدِ انْقَطَعَ عِلْمُ ذَلِكَ بِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَدْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا أَقَرَّ) شخصٌ (بِالحَدِّ) عند الإمام (وَلَمْ يُبَيِّنْ) كأن قال: إنْ أصبتُ ما يُوجب الحدَّ فأقمه عليَّ (هَلْ لِلإِمَامِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ) أم لا؟
٦٨٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابنُ عبد الكبير بنِ شعيب بنِ الحَبْحَاب -بالحاءين المهملتين والموحدتين- البصريُّ العطَّار من أفراد المؤلِّف، ليس له في البخاريِّ غير هذا الحديث، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بفتح العين وسكون الميم (الكِلَابِيُّ) بكسر الكاف وبالموحدة (١)، الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) العوذيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ) عمِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ) هو: أبو اليسر ابن عَمرو، واسمه: كعب قاله في «المقدّمة» (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ) فعلًا يوجبُ (حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ) أنس: (وَلَمْ يَسْأَلْهُ) النَّبيُّ ﷺ (عَنْهُ) أي: لم يستفسرْه؛ لأنَّه قد يدخلُ في التَّجسُّس المنهيِّ عنه أو إيثارًا للسَّتر (قَالَ) أنسٌ: (وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى) الرَّجل (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللهِ) أي: ما حكمَ به تعالى في كتابه من الحدِّ (قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أَوْ قَالَ: حَدَّكَ) أي: ما يوجب حدَّك، والشَّكُّ من الرَّاوي، ويحتملُ أن يكون ﷺ اطَّلع بالوحي على أنَّ اللهَ قد غفرَ له؛ لكونها واقعةَ عينٍ، وإلَّا لكان يستفسرُه عن الحدِّ ويقيمه عليه، قاله الخطَّابيُّ، وجزم النَّوويُّ وجماعة أنَّ الذَّنب