الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٩٢٦
الحديث رقم ٦٩٢٦ من كتاب «كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي ولم يصرح.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٦⦘
اللهِ ﷺ: أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ؟ قَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لَا إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ.»
٦٩٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الصِّدِّيقِ حُجَّةٌ لِمَا ذُكِرَ وَإِنَّمَا فِيهِ قِتَالُ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، وَالَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِأَصْلِ الْإِسْلَامِ وَمَنَعُوا الزَّكَاةَ بِالشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِيهِمْ بَعْدَ الْغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ هَلْ تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ كَالْكُفَّارِ أَوْ لَا كَالْبُغَاةِ؟ فَرَأَى أَبُو بَكْرٍ الْأَوَّلَ وَعَمِلَ بِهِ وَنَاظَرَهُ عُمَرُ فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَهَبَ إِلَى الثَّانِي وَوَافَقَهُ غَيْرُهُ فِي خِلَافَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ فِي حَقِّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ بِشُبْهَةٍ فَيُطَالَبُ بِالرُّجُوعِ فَإِنْ نَصَبَ الْقِتَالَ قُوتِلَ وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلَّا عُومِلَ مُعَامَلَةَ الْكَافِرِ حِينَئِذٍ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَصْبَغَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتَقَرَّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَعُدَّ مِنْ نُدْرَةِ الْمُخَالِفِ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ فِي أَمْرٍ لَا نَصَّ فِيهِ إِلَى شَيْءٍ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيهِ وَلَوِ اعْتَقَدَ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ خِلَافَهُ، فَإِنْ صَارَ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ الْمُعْتَقِدُ خِلَافَهُ حَاكِمًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَتَسُوغُ لَهُ مُخَالَفَةُ الَّذِي قَبْلَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَطَاعَ أَبَا بَكْرٍ فِيمَا رَأَى مِنْ حَقِّ مَانِعِي الزَّكَاةِ مَعَ اعْتِقَادِهِ خِلَافَهُ ثُمَّ عَمِلَ فِي خِلَافَتِهِ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَوَافَقَهُ أَهْلُ عَصْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهَذَا مِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ، فَيُشْتَرَطُ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ انْتِفَاءُ مَوَانِعِ الْإِنْكَارِ وَهَذَا مِنْهَا.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي الْحَدِيثِ أنَّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ الظَّاهِرَةُ وَلَوْ أَسَرَّ الْكُفْرَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَنِ اطُّلِعَ عَلَى مُعْتَقَدِهِ الْفَاسِدِ فَأَظْهَرَ الرُّجُوعَ هَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ أَوْ لَا؟ وَأَمَّا مَنْ جُهِلَ أَمْرُهُ فَلَا خِلَافَ فِي إِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ عَلَيْهِ.
٤ - بَاب إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ وَغَيْرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُصَرِّحْ، نَحْوَ قَوْلِهِ: السَّامُ عَلَيْكَ
٦٩٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَعَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ؟ قَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لَا، إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ.
٦٩٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ. قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ.
٦٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ سَامٌ عَلَيْكَ، فَقُلْ: عَلَيْكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ أَوْ غَيْرُهُ) أَيِ الْمُعَاهَدُ وَمَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ.
قَوْلُهُ: (بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ
وَتَنْقِيصُهُ، وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يُصَرِّحْ تَأْكِيدٌ فَإِنَّ التَّعْرِيضَ خِلَافُ التَّصْرِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾
قَوْلُهُ: (نَحْوَ قَوْلِهِ السَّامُ عَلَيْكُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: السَّامُ عَلَيْكَ بِالْإِفْرَادِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي لَفْظِ عَلَيْكَ بِالْإِفْرَادِ، وَتَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ مَعَ شَرْحِهَا فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالسَّبِّ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَطْلَقَ التَّعْرِيضَ عَلَى مَا يُخَالِفُ التَّصْرِيحَ وَلَمْ يَرِدِ التَّعْرِيضُ الْمُصْطَلَحُ وَهُوَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ لَفْظًا فِي حَقِيقَتِهِ يُلَوِّحُ بِهِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ يَقْصِدُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: حَدِيثُ الْبَابِ يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ الْجَرْحَ أَشَدُّ مِنَ السَّبِّ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ يَخْتَارُ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبُتَّ الْحُكْمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ قَتْلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ أَنْ لَا يَجِبَ قَتْلُهُ؛ حَيْثُ لَا مَصْلَحَةَ فِي تَرْكِهِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرِيحًا وَجَبَ قَتْلُهُ، وَنَقَلَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ مِمَّا هُوَ قَذْفٌ صَرِيحٌ كَفَرَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَلَوْ تَابَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّ حَدَّ قَذْفِهِ الْقَتْلُ وَحَدَّ الْقَذْفِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَخَالَفَهُ الْقَفَّالُ فَقَالَ: كَفَرَ بِالسَّبِّ فَيَسْقُطُ الْقَتْلُ بِالْإِسْلَامِ، وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: يَزُولُ الْقَتْلُ وَيَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ، وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ، فَإِنْ عَرَّضَ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ؛ فَأَمَّا أَهْلُ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ كَالْيَهُودِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ: يُقْتَلُ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَيُقْتَلُ بِغَيْرِ اسْتِتَابَةٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ اللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ مِثْلَهُ فِي حَقِّ الْيَهُودِيِّ وَنَحْوِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ فِي الْمُسْلِمِ: هِيَ رِدَّةٌ يُسْتَتَابُ مِنْهَا. وَعَنِ الْكُوفِيِّينَ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا عُزِّرَ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَهِيَ رِدَّةٌ.
وَحَكَى عِيَاضٌ خِلَافًا هَلْ كَانَ تَرْكُ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّصْرِيحِ أَوْ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ؟ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يَقْتُلِ الْيَهُودَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمُ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ وَلَا أَقَرُّوا بِهِ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِمْ بِعِلْمِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يُظْهِرُوهُ وَلَوَوْهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ تَرَكَ قَتْلَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُحْمَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى السَّبِّ بَلْ عَلَى الدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ الَّذِي لَابُدَّ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: وَعَلَيْكُمْ، أَيِ: الْمَوْتُ نَازِلٌ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ، فَلَا مَعْنَى لِلدُّعَاءِ بِهِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الِاسْتِئْذَانِ، وَكَذَا مَنْ قَالَ: السَّأَمُ بِالْهَمْزِ بِمَعْنَى السَّآمَةِ هُوَ دُعَاءٌ بِأَنْ يَمَلُّوا الدِّينَ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي السَّبِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ قَتْلِ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ فَتُرِكَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ هَلْ يَنْتَقِضُ بِذَلِكَ عَهْدُهُ؟ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ. وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِأَصْحَابِهِمْ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَوْ صَدَرَ مِنْ مُسْلِمٍ لَكَانَ رِدَّةً، وَأَمَّا صُدُورُهُ مِنَ الْيَهُودِ فَالَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ أَشَدُّ مِنْهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْتُلْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ دِمَاءَهُمْ لَمْ تُحْقَنْ إِلَّا بِالْعَهْدِ وَلَيْسَ فِي الْعَهْدِ أَنَّهُمْ يَسُبُّونَ النَّبِيَّ ﷺ فَمَنْ سَبَّهُ مِنْهُمْ تَعَدَّ الْعَهْدَ فَيَنْتَقِضُ فَيَصِيرُ كَافِرًا بِلَا عَهْدٍ فَيُهْدَرُ دَمُهُ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّ مَا يَعْتَقِدُونَهُ لَا يُؤَاخَذُونَ بِهِ لَكَانُوا لَوْ قَتَلُوا مُسْلِمًا لَمْ يُقْتَلُوا؛ لِأَنَّ مِنْ مُعْتَقَدِهِمْ حِلَّ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مُسْلِمًا قُتِلَ، فَإِنْ قِيلَ إِنَّمَا يُقْتَلُ بِالْمُسْلِمِ قِصَاصًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ وَلَوْ أَسْلَمَ وَلَوْ سَبَّ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُقْتَلْ.
قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ فَلَا يُهْدَرُ، وَأَمَّا السَّبُّ فَإِنَّ وُجُوبَ الْقَتْلِ بِهِ يَرْجِعُ إِلَى حَقِّ الدِّينِ فَيَهْدِمُهُ الْإِسْلَامُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ تَرْكَ قَتْلِ الْيَهُودِ إِنَّمَا كَانَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ أَوْ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُعْلِنُوا بِهِ أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا وَهُوَ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥ - بَاب
* ٦٩٢٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَحَذَفَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فَصَارَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ فِيهِ مِنْ جُمْلَةِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ أَهْلِ حَرْبٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى مِنْهُمْ فَلِذَلِكَ امْتَثَلَ أَمْرَ رَبِّهِ.
قُلْتُ: فَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ صَنِيعِ الْأَكْثَرِ مِنْ جَعْلِهِ فِي تَرْجَمَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لَكِنْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَعَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فَلَابُدَّ لَهُ مِنْ تَعَلُّقٍ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَشَارَ بِإِيرَادِهِ إِلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ بِأَنَّ تَرْكَ قَتْلِ الْيَهُودِ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُؤَاخِذِ الَّذِي ضَرَبَهُ حَتَّى جَرَحَهُ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ لِيَهْلِكَ بَلْ صَبَرَ عَلَى أَذَاهُ وَزَادَ فَدَعَا لَهُ فَلَأَنْ يَصْبِرَ عَلَى الْأَذَى بِالْقَوْلِ أَوْلَى، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَرْكُ الْقَتْلِ بِالتَّعْرِيضِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَحَفْصٌ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ، وَشَقِيقٌ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ. وَقَوْلُهُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا السَّنَدِ وَذَكَرْتُ فِيهِ - مِنْ طَرِيقٍ مُرْسَلَةٍ وَفِي سَنَدِهَا مَنْ لَمْ يُسَمَّ - مَنْ سَمَّى النَّبِيَّ الْمَذْكُورَ نُوحًا ﵇، ثُمَّ وَقَعَ لِي مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ بِسَنَدٍ لَهُ مَضْمُومًا إِلَى رِوَايَتِهِ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ نُوحٍ ﵇ مِنْ تَارِيخِ دِمَشْقَ مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: إِنْ كَانَ نُوحٌ لَيَضْرِبُهُ قَوْمُهُ حَتَّى يُغْمَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُفِيقَ فَيَقُولَ: اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
وَبِهِ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَيْضًا قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الْحَاكِي وَالْمَحْكِيُّ عَنْهُ، وَوَجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ بَيَانُ مَا وَقَعَ لَهُ ﷺ مِنَ الْجِرَاحَةِ فِي وَجْهِهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ أَوَّلًا: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ أَدْمَوْا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ، فَإِنَّهُ قَالَ أَيْضًا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَأَنَّ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ نَحْوَ ذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ لَمَّا ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ عِنْدَ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ جَبِينِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ بَيَانُ أَنَّهُ شُجَّ ﷺ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشَرْحُ مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ مَبْسُوطًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
٦ - بَاب قَتْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُلْحِدِينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ، وَقَالَ: إِنَّهُمْ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٩٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) الكسائيُّ نزيل بغداد ثمَّ مكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ) ولغير أبي ذرٍّ زيادة: «ابن مالك» (قَالَ: سَمِعْتُ) جدِّي (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: السَّامُ) بألف بعد المهملة من غير همزٍ، أي: الموتُ (عَلَيْكَ) بالإفراد اتفاقًا من رواة أنس (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (١): وَعَلَيْكَ) بالإفراد (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٢): أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ؟) ولأبي ذرٍّ: «ماذا يقول» (قَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا) بالتخفيف (نَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لَا) تقتلُوه (إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَقُولُوا) لهم: (وَعَلَيْكُمْ) أي: ما تستحقونَه من اللَّعن والعذابِ، قيل: وإنَّما لم يقتلْه؛ لأنَّه لم يحملْ ذلك على السَّبِّ بل على الدُّعاء بالموتِ الَّذي لا بدَّ منه، ومن ثمَّ قال في الرَّدِّ عليه: «وعليك» أي: الموت نازلٌ عليَّ وعليك، فلا معنى للدُّعاء به، وليس ذلك بصريحٍ في السَّبِّ.
والحديث أخرجه النَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
٦٩٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضم النون، الفضلُ بن دُكين (عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلم (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ) دون (٣) العشرة من الرِّجال، لا واحد له من لفظهِ (مِنَ اليَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عليكم» (فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ) والسَّامُّ الموت كما مرَّ، وألفُه منقلبَةٌ عن ياء، فإن كان عربيًّا فهو من سَامَ يَسُوم إذا
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الصِّدِّيقِ حُجَّةٌ لِمَا ذُكِرَ وَإِنَّمَا فِيهِ قِتَالُ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، وَالَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِأَصْلِ الْإِسْلَامِ وَمَنَعُوا الزَّكَاةَ بِالشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِيهِمْ بَعْدَ الْغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ هَلْ تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ كَالْكُفَّارِ أَوْ لَا كَالْبُغَاةِ؟ فَرَأَى أَبُو بَكْرٍ الْأَوَّلَ وَعَمِلَ بِهِ وَنَاظَرَهُ عُمَرُ فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَهَبَ إِلَى الثَّانِي وَوَافَقَهُ غَيْرُهُ فِي خِلَافَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ فِي حَقِّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ بِشُبْهَةٍ فَيُطَالَبُ بِالرُّجُوعِ فَإِنْ نَصَبَ الْقِتَالَ قُوتِلَ وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلَّا عُومِلَ مُعَامَلَةَ الْكَافِرِ حِينَئِذٍ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَصْبَغَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتَقَرَّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَعُدَّ مِنْ نُدْرَةِ الْمُخَالِفِ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ فِي أَمْرٍ لَا نَصَّ فِيهِ إِلَى شَيْءٍ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيهِ وَلَوِ اعْتَقَدَ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ خِلَافَهُ، فَإِنْ صَارَ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ الْمُعْتَقِدُ خِلَافَهُ حَاكِمًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَتَسُوغُ لَهُ مُخَالَفَةُ الَّذِي قَبْلَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَطَاعَ أَبَا بَكْرٍ فِيمَا رَأَى مِنْ حَقِّ مَانِعِي الزَّكَاةِ مَعَ اعْتِقَادِهِ خِلَافَهُ ثُمَّ عَمِلَ فِي خِلَافَتِهِ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَوَافَقَهُ أَهْلُ عَصْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهَذَا مِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ، فَيُشْتَرَطُ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ انْتِفَاءُ مَوَانِعِ الْإِنْكَارِ وَهَذَا مِنْهَا.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي الْحَدِيثِ أنَّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ الظَّاهِرَةُ وَلَوْ أَسَرَّ الْكُفْرَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَنِ اطُّلِعَ عَلَى مُعْتَقَدِهِ الْفَاسِدِ فَأَظْهَرَ الرُّجُوعَ هَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ أَوْ لَا؟ وَأَمَّا مَنْ جُهِلَ أَمْرُهُ فَلَا خِلَافَ فِي إِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ عَلَيْهِ.
٤ - بَاب إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ وَغَيْرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُصَرِّحْ، نَحْوَ قَوْلِهِ: السَّامُ عَلَيْكَ
٦٩٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَعَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ؟ قَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لَا، إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ.
٦٩٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ. قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ.
٦٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ سَامٌ عَلَيْكَ، فَقُلْ: عَلَيْكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ أَوْ غَيْرُهُ) أَيِ الْمُعَاهَدُ وَمَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ.
قَوْلُهُ: (بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ
وَتَنْقِيصُهُ، وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يُصَرِّحْ تَأْكِيدٌ فَإِنَّ التَّعْرِيضَ خِلَافُ التَّصْرِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾
قَوْلُهُ: (نَحْوَ قَوْلِهِ السَّامُ عَلَيْكُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: السَّامُ عَلَيْكَ بِالْإِفْرَادِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي لَفْظِ عَلَيْكَ بِالْإِفْرَادِ، وَتَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ مَعَ شَرْحِهَا فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالسَّبِّ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَطْلَقَ التَّعْرِيضَ عَلَى مَا يُخَالِفُ التَّصْرِيحَ وَلَمْ يَرِدِ التَّعْرِيضُ الْمُصْطَلَحُ وَهُوَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ لَفْظًا فِي حَقِيقَتِهِ يُلَوِّحُ بِهِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ يَقْصِدُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: حَدِيثُ الْبَابِ يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ الْجَرْحَ أَشَدُّ مِنَ السَّبِّ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ يَخْتَارُ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبُتَّ الْحُكْمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ قَتْلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ أَنْ لَا يَجِبَ قَتْلُهُ؛ حَيْثُ لَا مَصْلَحَةَ فِي تَرْكِهِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرِيحًا وَجَبَ قَتْلُهُ، وَنَقَلَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ مِمَّا هُوَ قَذْفٌ صَرِيحٌ كَفَرَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَلَوْ تَابَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّ حَدَّ قَذْفِهِ الْقَتْلُ وَحَدَّ الْقَذْفِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَخَالَفَهُ الْقَفَّالُ فَقَالَ: كَفَرَ بِالسَّبِّ فَيَسْقُطُ الْقَتْلُ بِالْإِسْلَامِ، وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: يَزُولُ الْقَتْلُ وَيَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ، وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ، فَإِنْ عَرَّضَ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ؛ فَأَمَّا أَهْلُ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ كَالْيَهُودِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ: يُقْتَلُ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَيُقْتَلُ بِغَيْرِ اسْتِتَابَةٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ اللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ مِثْلَهُ فِي حَقِّ الْيَهُودِيِّ وَنَحْوِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ فِي الْمُسْلِمِ: هِيَ رِدَّةٌ يُسْتَتَابُ مِنْهَا. وَعَنِ الْكُوفِيِّينَ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا عُزِّرَ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَهِيَ رِدَّةٌ.
وَحَكَى عِيَاضٌ خِلَافًا هَلْ كَانَ تَرْكُ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّصْرِيحِ أَوْ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ؟ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يَقْتُلِ الْيَهُودَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمُ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ وَلَا أَقَرُّوا بِهِ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِمْ بِعِلْمِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يُظْهِرُوهُ وَلَوَوْهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ تَرَكَ قَتْلَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُحْمَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى السَّبِّ بَلْ عَلَى الدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ الَّذِي لَابُدَّ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: وَعَلَيْكُمْ، أَيِ: الْمَوْتُ نَازِلٌ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ، فَلَا مَعْنَى لِلدُّعَاءِ بِهِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الِاسْتِئْذَانِ، وَكَذَا مَنْ قَالَ: السَّأَمُ بِالْهَمْزِ بِمَعْنَى السَّآمَةِ هُوَ دُعَاءٌ بِأَنْ يَمَلُّوا الدِّينَ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي السَّبِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ قَتْلِ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ فَتُرِكَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ هَلْ يَنْتَقِضُ بِذَلِكَ عَهْدُهُ؟ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ. وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِأَصْحَابِهِمْ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَوْ صَدَرَ مِنْ مُسْلِمٍ لَكَانَ رِدَّةً، وَأَمَّا صُدُورُهُ مِنَ الْيَهُودِ فَالَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ أَشَدُّ مِنْهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْتُلْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ دِمَاءَهُمْ لَمْ تُحْقَنْ إِلَّا بِالْعَهْدِ وَلَيْسَ فِي الْعَهْدِ أَنَّهُمْ يَسُبُّونَ النَّبِيَّ ﷺ فَمَنْ سَبَّهُ مِنْهُمْ تَعَدَّ الْعَهْدَ فَيَنْتَقِضُ فَيَصِيرُ كَافِرًا بِلَا عَهْدٍ فَيُهْدَرُ دَمُهُ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّ مَا يَعْتَقِدُونَهُ لَا يُؤَاخَذُونَ بِهِ لَكَانُوا لَوْ قَتَلُوا مُسْلِمًا لَمْ يُقْتَلُوا؛ لِأَنَّ مِنْ مُعْتَقَدِهِمْ حِلَّ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مُسْلِمًا قُتِلَ، فَإِنْ قِيلَ إِنَّمَا يُقْتَلُ بِالْمُسْلِمِ قِصَاصًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ وَلَوْ أَسْلَمَ وَلَوْ سَبَّ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُقْتَلْ.
قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ فَلَا يُهْدَرُ، وَأَمَّا السَّبُّ فَإِنَّ وُجُوبَ الْقَتْلِ بِهِ يَرْجِعُ إِلَى حَقِّ الدِّينِ فَيَهْدِمُهُ الْإِسْلَامُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ تَرْكَ قَتْلِ الْيَهُودِ إِنَّمَا كَانَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ أَوْ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُعْلِنُوا بِهِ أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا وَهُوَ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥ - بَاب
* ٦٩٢٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَحَذَفَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فَصَارَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ فِيهِ مِنْ جُمْلَةِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ أَهْلِ حَرْبٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى مِنْهُمْ فَلِذَلِكَ امْتَثَلَ أَمْرَ رَبِّهِ.
قُلْتُ: فَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ صَنِيعِ الْأَكْثَرِ مِنْ جَعْلِهِ فِي تَرْجَمَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لَكِنْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَعَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فَلَابُدَّ لَهُ مِنْ تَعَلُّقٍ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَشَارَ بِإِيرَادِهِ إِلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ بِأَنَّ تَرْكَ قَتْلِ الْيَهُودِ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُؤَاخِذِ الَّذِي ضَرَبَهُ حَتَّى جَرَحَهُ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ لِيَهْلِكَ بَلْ صَبَرَ عَلَى أَذَاهُ وَزَادَ فَدَعَا لَهُ فَلَأَنْ يَصْبِرَ عَلَى الْأَذَى بِالْقَوْلِ أَوْلَى، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَرْكُ الْقَتْلِ بِالتَّعْرِيضِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَحَفْصٌ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ، وَشَقِيقٌ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ. وَقَوْلُهُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا السَّنَدِ وَذَكَرْتُ فِيهِ - مِنْ طَرِيقٍ مُرْسَلَةٍ وَفِي سَنَدِهَا مَنْ لَمْ يُسَمَّ - مَنْ سَمَّى النَّبِيَّ الْمَذْكُورَ نُوحًا ﵇، ثُمَّ وَقَعَ لِي مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ بِسَنَدٍ لَهُ مَضْمُومًا إِلَى رِوَايَتِهِ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ نُوحٍ ﵇ مِنْ تَارِيخِ دِمَشْقَ مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: إِنْ كَانَ نُوحٌ لَيَضْرِبُهُ قَوْمُهُ حَتَّى يُغْمَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُفِيقَ فَيَقُولَ: اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
وَبِهِ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَيْضًا قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الْحَاكِي وَالْمَحْكِيُّ عَنْهُ، وَوَجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ بَيَانُ مَا وَقَعَ لَهُ ﷺ مِنَ الْجِرَاحَةِ فِي وَجْهِهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ أَوَّلًا: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ أَدْمَوْا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ، فَإِنَّهُ قَالَ أَيْضًا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَأَنَّ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ نَحْوَ ذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ لَمَّا ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ عِنْدَ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ جَبِينِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ بَيَانُ أَنَّهُ شُجَّ ﷺ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشَرْحُ مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ مَبْسُوطًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
٦ - بَاب قَتْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُلْحِدِينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ، وَقَالَ: إِنَّهُمْ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٩٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) الكسائيُّ نزيل بغداد ثمَّ مكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ) ولغير أبي ذرٍّ زيادة: «ابن مالك» (قَالَ: سَمِعْتُ) جدِّي (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: السَّامُ) بألف بعد المهملة من غير همزٍ، أي: الموتُ (عَلَيْكَ) بالإفراد اتفاقًا من رواة أنس (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (١): وَعَلَيْكَ) بالإفراد (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٢): أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ؟) ولأبي ذرٍّ: «ماذا يقول» (قَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا) بالتخفيف (نَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لَا) تقتلُوه (إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَقُولُوا) لهم: (وَعَلَيْكُمْ) أي: ما تستحقونَه من اللَّعن والعذابِ، قيل: وإنَّما لم يقتلْه؛ لأنَّه لم يحملْ ذلك على السَّبِّ بل على الدُّعاء بالموتِ الَّذي لا بدَّ منه، ومن ثمَّ قال في الرَّدِّ عليه: «وعليك» أي: الموت نازلٌ عليَّ وعليك، فلا معنى للدُّعاء به، وليس ذلك بصريحٍ في السَّبِّ.
والحديث أخرجه النَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
٦٩٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضم النون، الفضلُ بن دُكين (عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلم (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ) دون (٣) العشرة من الرِّجال، لا واحد له من لفظهِ (مِنَ اليَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عليكم» (فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ) والسَّامُّ الموت كما مرَّ، وألفُه منقلبَةٌ عن ياء، فإن كان عربيًّا فهو من سَامَ يَسُوم إذا