الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٥٤
الحديث رقم ٧١٥٤ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما ذكر أن النبي ﷺ لم يكن له بواب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالْقَتْلِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُونَ الْإِمَامِ الَّذِي فَوْقَهُ
٧١٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِمَّا لَا حَاجَةَ بِالنَّاسِ إِلَيْهَا، أَوْ كَانَتْ مِمَّا يُخْشَى مِنْهَا الْفِتْنَةُ. أَوْ سُوءُ التَّأْوِيلِ. وَنُقِلَ عَنِ الْمُهَلَّبِ الْفُتْيَا فِي الطَّرِيقِ وَعَلَى الدَّابَّةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ التَّوَاضُعِ، فَإِنْ كَانَتْ لِضَعِيفٍ فَهُوَ مَحْمُودٌ وَإِنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا أَوْ لِمَنْ يُخْشَى لِسَانُهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ.
قُلْتُ: وَالْمِثَالُ الثَّانِي لَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَسْئُولِ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ، فَيُجِيبُ لِيَأْمَنَ شَرَّهُ فَيَكُونُ هَذِهِ الْحَالَةَ مَحْمُودًا قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي الْقَضَاءِ سَائِرًا أَوْ مَاشِيًا. فَقَالَ أَشْهَبُ: لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنِ الْفَهْمِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَنْبَغِي. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ بِمَا كَانَ يَسِيرًا، وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ بِالنَّظَرِ وَنَحْوِهِ فَلَا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَهُوَ حَسَنٌ. وَقَوْلُ أَشْهَبَ أَشْبَهُ بِالدَّلِيلِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ فِي الطَّرِيقِ فِيمَا يَكُونُ غَامِضًا كَذَا أَطْلَقَ وَالْأَشْبَهُ التَّفْصِيلُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَا تَصِحُّ حُجَّةُ مَنْ مَنَعَ الْكَلَامَ فِي الْعِلْمِ فِي الطَّرِيقِ، وَأَمَّا الْحِكَايَةُ الَّتِي تُحْكَى عَنْ مَالِكٍ فِي تَعْزِيرِهِ الْحَاكِمَ الَّذِي سَأَلَهُ فِي الطَّرِيقِ، ثُمَّ حَدَّثَهُ، فَكَانَ يَقُولُ: وَدِدْتُ لَوْ زَادَنِي سِيَاطًا وَزَادَنِي تَحْدِيثًا، فَلَا يَصِحُّ. ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ حَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَالَةِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ غَيْرَهُ فِي مَظِنَّةِ أَنْ يَتَشَاغَلَ بِلَغْوِ الطُّرُقَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ تَرْجَمَةُ الْفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ لَهُمْ لِيَسْأَلُوهُ وَالْأَحَادِيثُ فِي سُؤَالِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ سَائِرٌ مَاشِيًا وَرَاكِبًا كَثِيرَةٌ.
١١ - بَاب مَا ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ
٧١٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عن أَنَس بْن مَالِكٍ يَقُولُ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهَا، وَهِيَ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي. فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ خِلْوٌ مِنْ مُصِيبَتِي. قَالَ: فَجَاوَزَهَا وَمَضَى، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ فَقَالَ: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: مَا عَرَفْتُهُ. قَالَ: إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَجَاءَتْ إِلَى بَابِهِ فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ. قوله (بَاب مَا ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ) ذكر فيه حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي جَاءَتْ تَعْتَذِرُ عَنْ قَوْلِهَا: إِلَيْكَ عَنِّي لَمَّا أَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَوَجَدَهَا تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ - بِالصَّبْرِ، فَفِي الْحَدِيثِ: فَجَاءَتْ إِلَى بَابِهِ فَلَمْ ت جِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا.
قَوْلُهُ: (إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا: إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُسَمَّ، وَأَنَّ الْمَقْبُورَ كَانَ وَلَدَهَا وَلَمْ يُسَمَّ أَيْضًا، وَأَنَّ الَّذِي ذَكَرَ لَهَا أَنَّ الَّذِي خَاطَبَهَا هُوَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ. وَوَقَعَ هُنَا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: هَلْ تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ، يَعْنِي صَاحِبَةَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَلَمْ أَعْرِفِ اسْمَ الْمَرْأَةِ الَّتِي مِنْ أَهْلِ أَنَسٍ أَيْضًا، وَقَوْلُهَا: إِلَيْكَ عَنِّي أَيْ كُفَّ نَفْسَكَ وَدَعْنِي، وَقَوْلُهَا فَإِنَّكَ خِلْوٌ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَيْ خَالٍ مِنْ هَمِّي. قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَوَّابٌ رَاتِبٌ، يَعْنِي: فَلَا يَرِدُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَانَ بَوَّابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمَّا جَلَسَ عَلَى الْقُفِّ، قَالَ: فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي شُغْلٍ مِنْ أَهْلِهِ وَلَا انْفِرَادٍ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ حِجَابَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَيَبْرُزُ لِطَالِبِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: دَلَّ حَدِيثُ عُمَرَ حِينَ اسْتَأْذَنَ لَهُ الْأَسْوَدُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قوله: «عند السُّدَّة»، قال المهلَّب: الفُتْيا في الطَّريق وعلى الدَّابة ونحو ذلك من التَّواضع، فإن كانت للضَّعيف فمحمودةٌ، وإن كانت لشخصٍ من أهل الدُّنيا أو ممَّن يُخشى (١) فمكروهةٌ، لكن إذا خشي من الثَّاني ضررًا وجب؛ ليأمن شرَّه.
والحديث سبق في «الأدب» في «باب علامات حبِّ الله» [خ¦٦١٧١].
(١١) (باب مَا ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ) راتبٌ؛ ليمنع النَّاس من الدُّخول عليه.
٧١٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «إسحاق بن منصورٍ» أي: ابن بَهْرام الكوسَج أبو يعقوب المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ البُنَانِيُّ) بضمِّ الموحَّدة وفتح النُّون (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، ولأبي ذرٍّ: «قال: سمعت أنس بن مالكٍ» (يَقُولُ لاِمْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ؟) لم يقف الحافظ على اسم المرأتين (قَالَتْ: نَعَمْ) أعرفها (قَالَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهَا وَهْيَ) أي: والحال أنَّها (تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ) لها: (اتَّقِي اللهَ) توطئةً لقوله: (وَاصْبِرِي) بكسر الموحَّدة، أي: لا تجزعي وخافي غضب (٢) الله واصبِري حتَّى تُثابي، فأجابت (فَقَالَتْ) له: (إِلَيْكَ) أي: تنحَّ وابعدْ (عَنِّي، فَإِنَّكَ خِلْوٌ) بكسر المعجمة وسكون اللَّام: خالٍ (مِنْ مُصِيبَتِي) وعند أبي يَعلى من حديث أبي هريرة أنَّها قالت: يا عبد الله؛ إنِّي
أنا الحرَّاء الثَّكلاء، ولو كنتَ مصابًا عذرتني (قَالَ) أنسٌ: (فَجَاوَزَهَا) ﷺ (وَمَضَى، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ) هو الفضل بن العبَّاس (فَقَالَ) لها: (مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ) له (١): (مَا عَرَفْتُهُ، قَالَ: إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ ﷺ) زاد مسلمٌ في روايةٍ له: فأخذها مثل الموت، أي: من شدَّة الكرب الذي أصابها لمَّا عرفت أنَّه رسول الله ﷺ (قَالَ) أنسٌ: (فَجَاءَتْ) أي: المرأة (إِلَى بَابِهِ) ﵊ (فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا) أي: راتبًا، تواضعًا منه ﷺ، فلا يعارِض هذا حديث أبي موسى أنَّه كان بوَّابًا له ﵊ لمَّا جلس على القفِّ [خ¦٣٦٧٤] وحديث عمر لمَّا استأذن له الأسود في قصَّة حلفه ألَّا يدخل على نسائه شهرًا [خ¦٨١٩١] لأنَّه ﷺ كان في خلوة نفسه يتَّخذ البوَّاب، واختُلِف في مشروعيَّة الحجاب للحاكم، فقال إمامنا الشَّافعيُّ: لا ينبغي اتِّخاذه له، وقال آخرون بالجواز، وقال آخرون: يُستحَبُّ؛ لترتيب الخصوم، ومنع المستطيل، ودفع الشِّرِّير، ويُكرَه دوام الاحتجاب، وقد يحرم؛ ففي «أبي داود» و «التِّرمذيِّ» بسندِ جيِّدٍ (٢) عن أبي مريم الأسديِّ مرفوعًا: «من ولَّاه الله تعالى من أمر النَّاس شيئًا، فاحتجب عن حاجتهم؛ احتجب الله عن حاجته يوم القيامة»، وقال في «شرح المشكاة»: فائدة قوله: «فلم تجد عنده بوَّابًا»: أنَّه لمَّا قيل لها: إنَّه لرسول الله ﷺ؛ استشعرت خوفًا وهَيبةً في نفسها، فتصوَّرت أنَّه مثل الملوك، له حاجبٌ وبوَّابٌ يمنع النَّاس من الوصول إليه، فوجدتِ الأمر بخلاف ما تصوَّرته (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَاللهِ مَا عَرَفْتُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) لها: (إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «عند أوَّل الصَّدمة» بالتَّعريف؛ والمعنى: إذا وقع الثَّبات أوَّل شيءٍ يهجم على القلب من مقتضيات الجزع؛ فهو الصَّبر الكامل الذي يترتَّب عليه الأجر، فالمرء لا يُؤجَر على المصيبة؛ لأنَّها ليست من صنعه، وإنَّما يُؤجَر على حسن تثبُّته (٣) وجميل صبره.
وسبق الحديث في «الجنائز» في «باب زيارة القبور» [خ¦١٢٨٣].
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِمَّا لَا حَاجَةَ بِالنَّاسِ إِلَيْهَا، أَوْ كَانَتْ مِمَّا يُخْشَى مِنْهَا الْفِتْنَةُ. أَوْ سُوءُ التَّأْوِيلِ. وَنُقِلَ عَنِ الْمُهَلَّبِ الْفُتْيَا فِي الطَّرِيقِ وَعَلَى الدَّابَّةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ التَّوَاضُعِ، فَإِنْ كَانَتْ لِضَعِيفٍ فَهُوَ مَحْمُودٌ وَإِنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا أَوْ لِمَنْ يُخْشَى لِسَانُهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ.
قُلْتُ: وَالْمِثَالُ الثَّانِي لَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَسْئُولِ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ، فَيُجِيبُ لِيَأْمَنَ شَرَّهُ فَيَكُونُ هَذِهِ الْحَالَةَ مَحْمُودًا قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي الْقَضَاءِ سَائِرًا أَوْ مَاشِيًا. فَقَالَ أَشْهَبُ: لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنِ الْفَهْمِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَنْبَغِي. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ بِمَا كَانَ يَسِيرًا، وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ بِالنَّظَرِ وَنَحْوِهِ فَلَا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَهُوَ حَسَنٌ. وَقَوْلُ أَشْهَبَ أَشْبَهُ بِالدَّلِيلِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ فِي الطَّرِيقِ فِيمَا يَكُونُ غَامِضًا كَذَا أَطْلَقَ وَالْأَشْبَهُ التَّفْصِيلُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَا تَصِحُّ حُجَّةُ مَنْ مَنَعَ الْكَلَامَ فِي الْعِلْمِ فِي الطَّرِيقِ، وَأَمَّا الْحِكَايَةُ الَّتِي تُحْكَى عَنْ مَالِكٍ فِي تَعْزِيرِهِ الْحَاكِمَ الَّذِي سَأَلَهُ فِي الطَّرِيقِ، ثُمَّ حَدَّثَهُ، فَكَانَ يَقُولُ: وَدِدْتُ لَوْ زَادَنِي سِيَاطًا وَزَادَنِي تَحْدِيثًا، فَلَا يَصِحُّ. ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ حَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَالَةِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ غَيْرَهُ فِي مَظِنَّةِ أَنْ يَتَشَاغَلَ بِلَغْوِ الطُّرُقَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ تَرْجَمَةُ الْفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ لَهُمْ لِيَسْأَلُوهُ وَالْأَحَادِيثُ فِي سُؤَالِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ سَائِرٌ مَاشِيًا وَرَاكِبًا كَثِيرَةٌ.
١١ - بَاب مَا ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ
٧١٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عن أَنَس بْن مَالِكٍ يَقُولُ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهَا، وَهِيَ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي. فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ خِلْوٌ مِنْ مُصِيبَتِي. قَالَ: فَجَاوَزَهَا وَمَضَى، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ فَقَالَ: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: مَا عَرَفْتُهُ. قَالَ: إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَجَاءَتْ إِلَى بَابِهِ فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ. قوله (بَاب مَا ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ) ذكر فيه حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي جَاءَتْ تَعْتَذِرُ عَنْ قَوْلِهَا: إِلَيْكَ عَنِّي لَمَّا أَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَوَجَدَهَا تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ - بِالصَّبْرِ، فَفِي الْحَدِيثِ: فَجَاءَتْ إِلَى بَابِهِ فَلَمْ ت جِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا.
قَوْلُهُ: (إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا: إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُسَمَّ، وَأَنَّ الْمَقْبُورَ كَانَ وَلَدَهَا وَلَمْ يُسَمَّ أَيْضًا، وَأَنَّ الَّذِي ذَكَرَ لَهَا أَنَّ الَّذِي خَاطَبَهَا هُوَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ. وَوَقَعَ هُنَا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: هَلْ تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ، يَعْنِي صَاحِبَةَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَلَمْ أَعْرِفِ اسْمَ الْمَرْأَةِ الَّتِي مِنْ أَهْلِ أَنَسٍ أَيْضًا، وَقَوْلُهَا: إِلَيْكَ عَنِّي أَيْ كُفَّ نَفْسَكَ وَدَعْنِي، وَقَوْلُهَا فَإِنَّكَ خِلْوٌ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَيْ خَالٍ مِنْ هَمِّي. قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَوَّابٌ رَاتِبٌ، يَعْنِي: فَلَا يَرِدُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَانَ بَوَّابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمَّا جَلَسَ عَلَى الْقُفِّ، قَالَ: فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي شُغْلٍ مِنْ أَهْلِهِ وَلَا انْفِرَادٍ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ حِجَابَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَيَبْرُزُ لِطَالِبِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: دَلَّ حَدِيثُ عُمَرَ حِينَ اسْتَأْذَنَ لَهُ الْأَسْوَدُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قوله: «عند السُّدَّة»، قال المهلَّب: الفُتْيا في الطَّريق وعلى الدَّابة ونحو ذلك من التَّواضع، فإن كانت للضَّعيف فمحمودةٌ، وإن كانت لشخصٍ من أهل الدُّنيا أو ممَّن يُخشى (١) فمكروهةٌ، لكن إذا خشي من الثَّاني ضررًا وجب؛ ليأمن شرَّه.
والحديث سبق في «الأدب» في «باب علامات حبِّ الله» [خ¦٦١٧١].
(١١) (باب مَا ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ) راتبٌ؛ ليمنع النَّاس من الدُّخول عليه.
٧١٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «إسحاق بن منصورٍ» أي: ابن بَهْرام الكوسَج أبو يعقوب المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ البُنَانِيُّ) بضمِّ الموحَّدة وفتح النُّون (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، ولأبي ذرٍّ: «قال: سمعت أنس بن مالكٍ» (يَقُولُ لاِمْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ؟) لم يقف الحافظ على اسم المرأتين (قَالَتْ: نَعَمْ) أعرفها (قَالَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهَا وَهْيَ) أي: والحال أنَّها (تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ) لها: (اتَّقِي اللهَ) توطئةً لقوله: (وَاصْبِرِي) بكسر الموحَّدة، أي: لا تجزعي وخافي غضب (٢) الله واصبِري حتَّى تُثابي، فأجابت (فَقَالَتْ) له: (إِلَيْكَ) أي: تنحَّ وابعدْ (عَنِّي، فَإِنَّكَ خِلْوٌ) بكسر المعجمة وسكون اللَّام: خالٍ (مِنْ مُصِيبَتِي) وعند أبي يَعلى من حديث أبي هريرة أنَّها قالت: يا عبد الله؛ إنِّي
أنا الحرَّاء الثَّكلاء، ولو كنتَ مصابًا عذرتني (قَالَ) أنسٌ: (فَجَاوَزَهَا) ﷺ (وَمَضَى، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ) هو الفضل بن العبَّاس (فَقَالَ) لها: (مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ) له (١): (مَا عَرَفْتُهُ، قَالَ: إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ ﷺ) زاد مسلمٌ في روايةٍ له: فأخذها مثل الموت، أي: من شدَّة الكرب الذي أصابها لمَّا عرفت أنَّه رسول الله ﷺ (قَالَ) أنسٌ: (فَجَاءَتْ) أي: المرأة (إِلَى بَابِهِ) ﵊ (فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا) أي: راتبًا، تواضعًا منه ﷺ، فلا يعارِض هذا حديث أبي موسى أنَّه كان بوَّابًا له ﵊ لمَّا جلس على القفِّ [خ¦٣٦٧٤] وحديث عمر لمَّا استأذن له الأسود في قصَّة حلفه ألَّا يدخل على نسائه شهرًا [خ¦٨١٩١] لأنَّه ﷺ كان في خلوة نفسه يتَّخذ البوَّاب، واختُلِف في مشروعيَّة الحجاب للحاكم، فقال إمامنا الشَّافعيُّ: لا ينبغي اتِّخاذه له، وقال آخرون بالجواز، وقال آخرون: يُستحَبُّ؛ لترتيب الخصوم، ومنع المستطيل، ودفع الشِّرِّير، ويُكرَه دوام الاحتجاب، وقد يحرم؛ ففي «أبي داود» و «التِّرمذيِّ» بسندِ جيِّدٍ (٢) عن أبي مريم الأسديِّ مرفوعًا: «من ولَّاه الله تعالى من أمر النَّاس شيئًا، فاحتجب عن حاجتهم؛ احتجب الله عن حاجته يوم القيامة»، وقال في «شرح المشكاة»: فائدة قوله: «فلم تجد عنده بوَّابًا»: أنَّه لمَّا قيل لها: إنَّه لرسول الله ﷺ؛ استشعرت خوفًا وهَيبةً في نفسها، فتصوَّرت أنَّه مثل الملوك، له حاجبٌ وبوَّابٌ يمنع النَّاس من الوصول إليه، فوجدتِ الأمر بخلاف ما تصوَّرته (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَاللهِ مَا عَرَفْتُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) لها: (إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «عند أوَّل الصَّدمة» بالتَّعريف؛ والمعنى: إذا وقع الثَّبات أوَّل شيءٍ يهجم على القلب من مقتضيات الجزع؛ فهو الصَّبر الكامل الذي يترتَّب عليه الأجر، فالمرء لا يُؤجَر على المصيبة؛ لأنَّها ليست من صنعه، وإنَّما يُؤجَر على حسن تثبُّته (٣) وجميل صبره.
وسبق الحديث في «الجنائز» في «باب زيارة القبور» [خ¦١٢٨٣].