الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٥٥
الحديث رقم ٧١٥٥ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٧١٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ ،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
- يَعْنِي فِي قِصَّةِ حَلِفِهِ ﷺ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ - أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي وَقْتِ خَلْوَتِهِ بِنَفْسِهِ يَتَّخِذُ بَوَّابًا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاسْتَأْذَنَ عُمَرُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى قَوْلِهِ: يَا رَبَاحُ اسْتَأْذِنْ لِي.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ اسْتِئْذَانِ عُمَرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ وَجَدَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ابْنَتِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ ذَلِكَ بِاسْتِئْذَانِهِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَذِنَ لَهُ اطْمَأَنَّ وَتَبَسَّطَ فِي الْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ مُلَخّصًا لِمَا تَقَدَّمَ: مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ رَاتِبٌ، أَوْ فِي حُجْرَتِهِ الَّتِي كَانَتْ مَسْكَنًا لَهُ، أَوْ لَمْ يَكُنِ الْبَوَّابُ بِتَعْيِينِهِ بَلْ بَاشَرَا ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمَا، يَعْنِي أَبَا مُوسَى، وَرَبَاحًا.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ كَافٍ، وَفِي الثَّانِي نَظَرٌ لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى فِي الْحُجْرَةِ مَعَ كَوْنِهَا مَظِنَّةَ الْخَلْوَةِ فَانْتِفَاؤُهُ فِي غَيْرِهَا أَوْلَى، وَإِنْ أَرَادَ إِثْبَاتَ الْبَوَّابِ فِي الْحُجْرَةِ دُونَ غَيْرِهَا كَانَ بِخِلَافِ حَدِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِنَّمَا جَاءَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي مَنْزِلِ سَكَنِهِ فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا، وَفِي الثَّالِثِ أَيْضًا نَظَرٌ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَكِنَّ تَقْرِيرَهُ لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ يُفِيدُ مَشْرُوعِيَّتَهُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَيَّدَ بِالْحَاجَةِ وَهُوَ الْأَوْلَى، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْحِجَابِ لِلْحُكَّامِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ لَا يَتَّخِذَ حَاجِبًا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِهِ، وَحُمِلَ الْأَوَّلُ عَلَى زَمَنِ سُكُونِ النَّاسِ وَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْخَيْرِ وَطَوَاعِيَتِهِمْ لِلْحَاكِمِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ حِينَئِذٍ لِيُرَتِّبَ الْخُصُومَ وَيَمْنَعَ الْمُسْتَطِيلَ وَيَدْفَعَ الشِّرِّيرَ، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ: الَّذِي أَحْدَثَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ مِنْ شِدَّةِ الْحُجَّابِ وَإِدْخَالِ بَطَائِقِ الْخُصُومِ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ انْتَهَى. فَأَمَّا اتِّخَاذُ الْحَاجِبِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي قِصَّةِ عُمَرَ فِي مُنَازَعَةِ الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَاجِبٌ يُقَالُ لَهُ: يَرْفَا، وَمَضَى ذَلِكَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ وَاضِحًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ جَوَازَهُ بِغَيْرِ وَقْتِ جُلُوسِهِ لِلنَّاسِ لِفَصْلِ الْأَحْكَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ عَمَّمَ الْجَوَازَ كَمَا مَضَى.
وَأَمَّا الْبَطَائِقُ فَقَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنْ كَانَ مُرَادُهُ الْبَطَائِقَ الَّتِي فِيهَا الْإِخْبَارُ بِمَا جَرَى فَصَحِيحٌ، يَعْنِي أَنَّهُ حَادِثٌ، قَالَ: وَأَمَّا الْبَطَائِقُ الَّتِي تُكْتَبُ لِلسَّبَقِ لِيَبْدَأَ بِالنَّظَرِ فِي خُصُومَةِ مَنْ سَبَقَ فَهُوَ مِنَ الْعَدْلِ فِي الْحُكْمِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَظِيفَةُ الْبَوَّابِ أَوِ الْحَاجِبِ أَنْ يُطَالِعَ الْحَاكِمَ بِحَالِ مَنْ حَضَرَ، وَلَا سِيَّمَا مِنَ الْأَعْيَانِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَجِيءَ مُخَاصِمًا وَالْحَاكِمُ يَظُنُّ أَنَّهُ جَاءَ زَائِرًا فَيُعْطِيَهُ حَقَّهُ مِنَ الْإِكْرَامِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِمَنْ يَجِيءُ مُخَاصِمًا وَإِيصَالُ الْخَبَرِ لِلْحَاكِمِ بِذَلِكَ إِمَّا بِالْمُشَافَهَةِ وَإِمَّا بِالْمُكَاتَبَةِ وَيُكْرَهُ دَوَامُ الِاحْتِجَابِ، وَقَدْ يَحْرُمُ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الْأَسَدِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا، فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمِ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْ حَاجَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ كَانَ حَاكِمًا بَيْنَ النَّاسِ فَاحْتَجَبَ عَنْهُمْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَأْخِيرِ إِيصَالِ الْحُقُوقِ أَوْ تَضْيِيعِهَا. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْأَسْبَقِ فَالْأَسْبَقِ وَالْمُسَافِرِ عَلَى الْمُقِيمِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الرُّفْقَةِ، وَأَنَّ مَنِ اتَّخَذَ بَوَّابًا أَوْ حَاجِبًا أَنْ يَتَّخِذَهُ ثِقَةً عَفِيفًا أَمِينًا عَارِفًا حَسَنَ الْأَخْلَاقِ عَارِفًا بِمَقَادِيرِ النَّاسِ.
١٢ - بَاب الْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالْقَتْلِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُونَ الْإِمَامِ الَّذِي فَوْقَهُ
٧١٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنصاري قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطة مِنْ الْأَمِيرِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٢) (باب) ذكرِ (الحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالقَتْلِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ) القتل (دُونَ الإِمَامِ الَّذِي فَوْقَهُ) أي: الذي ولَّاه، من غير احتياجٍ إلى استئذانه في خصوص ذلك، «وباب» مضافٌ لتاليه في الفرع، وقال العينيُّ: ليس مضافًا، وإنَّ قوله: «الحاكم» رفعٌ بالابتداء، وقوله: «يحكم بالقتل» خبره، وقال في «الكواكب» وتبعه البِرماويُّ: قوله: «دون» هو إمَّا بمعنى: عند، وإمَّا بمعنى: غير، لكنَّ الحديث الثَّاني (١) يدلُّ على أنَّه (٢) بمعنى غير ليس إلَّا، والأوَّل يحتملهما.
٧١٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ خَالِدٍ) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارسٍ (الذُّهْلِيُّ) بضمِّ المعجمة (٣) وسكون الهاء وكسر اللَّام، وسقط «الذُّهْلِيُّ» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ مُحَمَّدٌ) بتقديم النِّسبة على الاسم، وهي رواية أبي زيدٍ المروزيِّ كما في «الفتح»، وللأكثر: «حدَّثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاريُّ» قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (أَبِي) (٤) عبد الله بن المثنَّى بن عبد الله بن أنسٍ (عَنْ) عمِّ أبيه (ثُمَامَةَ) بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الميم الأولى والثَّانية بينهما ألفٌ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁: (أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ) قال في «الفتح»: وزاد في رواية المروزيِّ: «ابن (٥) عبادة» أي: الأنصاريَّ الخزرجيَّ، لا قيس بن سعد ابن معاذٍ، ولأبي ذرٍّ: «عن أنس بن مالكٍ قال: إنَّ قيس بن سعدٍ» (كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ (٦) مِنَ الأَمِيرِ) بضمِّ المعجمة وفتح الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ، وزاد الإسماعيليُّ عن الحسن بن سفيان عن محمَّد بن مرزوقٍ عن الأنصاريِّ ممَّا أدرجه الأنصاريُّ من كلامه؛
كما بيَّنه التِّرمذيُّ: «لما ينفِّذه من أموره»، والشُّرطة: أعوان الأمير الذين يتصرَّفون في الجند بأمره، والمراد بصاحب الشُّرطة: كبيرهم، فقيل: سُمُّوا بذلك؛ لأنَّهم رُذالة (١) الجند، أو لأنَّهم الأشدَّاء الأقوياء من الجند، قال الأزهريُّ (٢): شرطة كلِّ شيءٍ: خِياره، ومنه: الشُّرطة؛ لأنَّهم نُخْبة الجند، وقيل: هم أوَّل طائفةٍ تتقدَّم الجيش وتشهد الوقعة، وقيل: مأخوذٌ من الشَّريط؛ وهو الحبل المُبرَم؛ لما فيهم من الشِّدَّة، وفي الحديث تشبيه ما مضى بما حدث بعده؛ لأنَّ صاحب الشُّرطة لم يكن موجودًا في العهد النَّبويِّ عند أحدٍ من العمَّال، وإنَّما حدث في دولة بني أميَّة، فأراد أنسٌ تقريب حال قيس بن سعدٍ عند السَّامعين، فشبَّهه بما يعهدونه، وفائدة تكرار لفظ «الكون» في قوله: «كان يكون» بيانُ الدَّوام والاستمرار؛ كما قاله في «الكواكب»، وقوله في «الفتح»: «إنَّه وقع في التِّرمذيِّ وغيره من طرقٍ عن الأنصاريِّ بلفظ (٣): كان قيس بن سعدٍ من النَّبيِّ ﷺ، قال: فظهر أنَّ ذلك كان (٤) من تصرُّف الرُّواة»، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ رواية التِّرمذيِّ وغيره لا تستلزم نفي رواية: «كان يكون»، فإنَّ كلًّا لا يروي إلَّا ما ضبطه، فعدم النِّسبة إلى تصرُّف الرُّواة أَولى من كونهم تصرَّفوا (٥) في ذلك من أنفسهم، ومفهوم التَّكرار وزيادة الإسماعيليِّ: أنَّ ذلك كان لقيسٍ على سبيل الوظيفة الرَّاتبة، لكن يُعكِّر عليه ما ذكره الإسماعيليُّ بلفظ: قال الأنصاريُّ: ولا أعلمه إلَّا عن أنسٍ: أنَّه لمَّا قدم النَّبيُّ ﷺ كان قيس بن سعدٍ في مقدِّمته بمنزلة صاحب الشُّرطة من الأمير، فكلَّم سعدٌ النَّبيَّ ﷺ في قيسٍ أن يصرفه من الموضع الذي وضعه فيه؛ مخافة أن يقدم على شيءٍ، فصرفه عن ذلك، ثمَّ أخرجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر عن الأنصاريِّ بدون تلك الزِّيادة التي في آخره، قال: ولم يشكَّ في كونه عن أنسٍ، فكأنَّ الأنصاريَّ كان يتردَّد في وصلها، قال الحافظ ابن حجرٍ: وعلى تقدير ثبوت هذه الزِّيادة؛ فلم يقع ذلك لقيس بن سعدٍ إلَّا في تلك المرَّة ولم يستمرَّ مع ذلك فيها.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
- يَعْنِي فِي قِصَّةِ حَلِفِهِ ﷺ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ - أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي وَقْتِ خَلْوَتِهِ بِنَفْسِهِ يَتَّخِذُ بَوَّابًا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاسْتَأْذَنَ عُمَرُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى قَوْلِهِ: يَا رَبَاحُ اسْتَأْذِنْ لِي.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ اسْتِئْذَانِ عُمَرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ وَجَدَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ابْنَتِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ ذَلِكَ بِاسْتِئْذَانِهِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَذِنَ لَهُ اطْمَأَنَّ وَتَبَسَّطَ فِي الْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ مُلَخّصًا لِمَا تَقَدَّمَ: مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ رَاتِبٌ، أَوْ فِي حُجْرَتِهِ الَّتِي كَانَتْ مَسْكَنًا لَهُ، أَوْ لَمْ يَكُنِ الْبَوَّابُ بِتَعْيِينِهِ بَلْ بَاشَرَا ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمَا، يَعْنِي أَبَا مُوسَى، وَرَبَاحًا.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ كَافٍ، وَفِي الثَّانِي نَظَرٌ لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى فِي الْحُجْرَةِ مَعَ كَوْنِهَا مَظِنَّةَ الْخَلْوَةِ فَانْتِفَاؤُهُ فِي غَيْرِهَا أَوْلَى، وَإِنْ أَرَادَ إِثْبَاتَ الْبَوَّابِ فِي الْحُجْرَةِ دُونَ غَيْرِهَا كَانَ بِخِلَافِ حَدِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِنَّمَا جَاءَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي مَنْزِلِ سَكَنِهِ فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا، وَفِي الثَّالِثِ أَيْضًا نَظَرٌ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَكِنَّ تَقْرِيرَهُ لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ يُفِيدُ مَشْرُوعِيَّتَهُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَيَّدَ بِالْحَاجَةِ وَهُوَ الْأَوْلَى، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْحِجَابِ لِلْحُكَّامِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ لَا يَتَّخِذَ حَاجِبًا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِهِ، وَحُمِلَ الْأَوَّلُ عَلَى زَمَنِ سُكُونِ النَّاسِ وَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْخَيْرِ وَطَوَاعِيَتِهِمْ لِلْحَاكِمِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ حِينَئِذٍ لِيُرَتِّبَ الْخُصُومَ وَيَمْنَعَ الْمُسْتَطِيلَ وَيَدْفَعَ الشِّرِّيرَ، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ: الَّذِي أَحْدَثَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ مِنْ شِدَّةِ الْحُجَّابِ وَإِدْخَالِ بَطَائِقِ الْخُصُومِ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ انْتَهَى. فَأَمَّا اتِّخَاذُ الْحَاجِبِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي قِصَّةِ عُمَرَ فِي مُنَازَعَةِ الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَاجِبٌ يُقَالُ لَهُ: يَرْفَا، وَمَضَى ذَلِكَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ وَاضِحًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ جَوَازَهُ بِغَيْرِ وَقْتِ جُلُوسِهِ لِلنَّاسِ لِفَصْلِ الْأَحْكَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ عَمَّمَ الْجَوَازَ كَمَا مَضَى.
وَأَمَّا الْبَطَائِقُ فَقَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنْ كَانَ مُرَادُهُ الْبَطَائِقَ الَّتِي فِيهَا الْإِخْبَارُ بِمَا جَرَى فَصَحِيحٌ، يَعْنِي أَنَّهُ حَادِثٌ، قَالَ: وَأَمَّا الْبَطَائِقُ الَّتِي تُكْتَبُ لِلسَّبَقِ لِيَبْدَأَ بِالنَّظَرِ فِي خُصُومَةِ مَنْ سَبَقَ فَهُوَ مِنَ الْعَدْلِ فِي الْحُكْمِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَظِيفَةُ الْبَوَّابِ أَوِ الْحَاجِبِ أَنْ يُطَالِعَ الْحَاكِمَ بِحَالِ مَنْ حَضَرَ، وَلَا سِيَّمَا مِنَ الْأَعْيَانِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَجِيءَ مُخَاصِمًا وَالْحَاكِمُ يَظُنُّ أَنَّهُ جَاءَ زَائِرًا فَيُعْطِيَهُ حَقَّهُ مِنَ الْإِكْرَامِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِمَنْ يَجِيءُ مُخَاصِمًا وَإِيصَالُ الْخَبَرِ لِلْحَاكِمِ بِذَلِكَ إِمَّا بِالْمُشَافَهَةِ وَإِمَّا بِالْمُكَاتَبَةِ وَيُكْرَهُ دَوَامُ الِاحْتِجَابِ، وَقَدْ يَحْرُمُ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الْأَسَدِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا، فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمِ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْ حَاجَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ كَانَ حَاكِمًا بَيْنَ النَّاسِ فَاحْتَجَبَ عَنْهُمْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَأْخِيرِ إِيصَالِ الْحُقُوقِ أَوْ تَضْيِيعِهَا. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْأَسْبَقِ فَالْأَسْبَقِ وَالْمُسَافِرِ عَلَى الْمُقِيمِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الرُّفْقَةِ، وَأَنَّ مَنِ اتَّخَذَ بَوَّابًا أَوْ حَاجِبًا أَنْ يَتَّخِذَهُ ثِقَةً عَفِيفًا أَمِينًا عَارِفًا حَسَنَ الْأَخْلَاقِ عَارِفًا بِمَقَادِيرِ النَّاسِ.
١٢ - بَاب الْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالْقَتْلِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُونَ الْإِمَامِ الَّذِي فَوْقَهُ
٧١٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنصاري قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطة مِنْ الْأَمِيرِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٢) (باب) ذكرِ (الحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالقَتْلِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ) القتل (دُونَ الإِمَامِ الَّذِي فَوْقَهُ) أي: الذي ولَّاه، من غير احتياجٍ إلى استئذانه في خصوص ذلك، «وباب» مضافٌ لتاليه في الفرع، وقال العينيُّ: ليس مضافًا، وإنَّ قوله: «الحاكم» رفعٌ بالابتداء، وقوله: «يحكم بالقتل» خبره، وقال في «الكواكب» وتبعه البِرماويُّ: قوله: «دون» هو إمَّا بمعنى: عند، وإمَّا بمعنى: غير، لكنَّ الحديث الثَّاني (١) يدلُّ على أنَّه (٢) بمعنى غير ليس إلَّا، والأوَّل يحتملهما.
٧١٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ خَالِدٍ) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارسٍ (الذُّهْلِيُّ) بضمِّ المعجمة (٣) وسكون الهاء وكسر اللَّام، وسقط «الذُّهْلِيُّ» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ مُحَمَّدٌ) بتقديم النِّسبة على الاسم، وهي رواية أبي زيدٍ المروزيِّ كما في «الفتح»، وللأكثر: «حدَّثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاريُّ» قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (أَبِي) (٤) عبد الله بن المثنَّى بن عبد الله بن أنسٍ (عَنْ) عمِّ أبيه (ثُمَامَةَ) بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الميم الأولى والثَّانية بينهما ألفٌ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁: (أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ) قال في «الفتح»: وزاد في رواية المروزيِّ: «ابن (٥) عبادة» أي: الأنصاريَّ الخزرجيَّ، لا قيس بن سعد ابن معاذٍ، ولأبي ذرٍّ: «عن أنس بن مالكٍ قال: إنَّ قيس بن سعدٍ» (كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ (٦) مِنَ الأَمِيرِ) بضمِّ المعجمة وفتح الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ، وزاد الإسماعيليُّ عن الحسن بن سفيان عن محمَّد بن مرزوقٍ عن الأنصاريِّ ممَّا أدرجه الأنصاريُّ من كلامه؛
كما بيَّنه التِّرمذيُّ: «لما ينفِّذه من أموره»، والشُّرطة: أعوان الأمير الذين يتصرَّفون في الجند بأمره، والمراد بصاحب الشُّرطة: كبيرهم، فقيل: سُمُّوا بذلك؛ لأنَّهم رُذالة (١) الجند، أو لأنَّهم الأشدَّاء الأقوياء من الجند، قال الأزهريُّ (٢): شرطة كلِّ شيءٍ: خِياره، ومنه: الشُّرطة؛ لأنَّهم نُخْبة الجند، وقيل: هم أوَّل طائفةٍ تتقدَّم الجيش وتشهد الوقعة، وقيل: مأخوذٌ من الشَّريط؛ وهو الحبل المُبرَم؛ لما فيهم من الشِّدَّة، وفي الحديث تشبيه ما مضى بما حدث بعده؛ لأنَّ صاحب الشُّرطة لم يكن موجودًا في العهد النَّبويِّ عند أحدٍ من العمَّال، وإنَّما حدث في دولة بني أميَّة، فأراد أنسٌ تقريب حال قيس بن سعدٍ عند السَّامعين، فشبَّهه بما يعهدونه، وفائدة تكرار لفظ «الكون» في قوله: «كان يكون» بيانُ الدَّوام والاستمرار؛ كما قاله في «الكواكب»، وقوله في «الفتح»: «إنَّه وقع في التِّرمذيِّ وغيره من طرقٍ عن الأنصاريِّ بلفظ (٣): كان قيس بن سعدٍ من النَّبيِّ ﷺ، قال: فظهر أنَّ ذلك كان (٤) من تصرُّف الرُّواة»، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ رواية التِّرمذيِّ وغيره لا تستلزم نفي رواية: «كان يكون»، فإنَّ كلًّا لا يروي إلَّا ما ضبطه، فعدم النِّسبة إلى تصرُّف الرُّواة أَولى من كونهم تصرَّفوا (٥) في ذلك من أنفسهم، ومفهوم التَّكرار وزيادة الإسماعيليِّ: أنَّ ذلك كان لقيسٍ على سبيل الوظيفة الرَّاتبة، لكن يُعكِّر عليه ما ذكره الإسماعيليُّ بلفظ: قال الأنصاريُّ: ولا أعلمه إلَّا عن أنسٍ: أنَّه لمَّا قدم النَّبيُّ ﷺ كان قيس بن سعدٍ في مقدِّمته بمنزلة صاحب الشُّرطة من الأمير، فكلَّم سعدٌ النَّبيَّ ﷺ في قيسٍ أن يصرفه من الموضع الذي وضعه فيه؛ مخافة أن يقدم على شيءٍ، فصرفه عن ذلك، ثمَّ أخرجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر عن الأنصاريِّ بدون تلك الزِّيادة التي في آخره، قال: ولم يشكَّ في كونه عن أنسٍ، فكأنَّ الأنصاريَّ كان يتردَّد في وصلها، قال الحافظ ابن حجرٍ: وعلى تقدير ثبوت هذه الزِّيادة؛ فلم يقع ذلك لقيس بن سعدٍ إلَّا في تلك المرَّة ولم يستمرَّ مع ذلك فيها.