«أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ.» إِنَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٩١

الحديث رقم ٧٣٩١ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب مقلب القلوب وقول الله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٣٩١ في صحيح البخاري

«أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ.»

إِنَّ لِلهِ مِائَةَ اسْمٍ إِلَّا وَاحِدًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿ذُو الْجَلالِ﴾ الْعَظَمَةِ ﴿الْبَرُّ﴾ اللَّطِيفُ

إسناد حديث البخاري رقم ٧٣٩١

٧٣٩١ - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٣٩١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالنِّسْبَةِ لِأَذْكَارِ الصَّلَاةِ وَدُعَائِهَا، فَيَقُولُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَقَبْلَ السَّلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَائِرُ فَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ.

١١ - بَاب مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾

٧٣٩١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾. قَالَ الرَّاغِبُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ تَغْيِيرُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالتَّقْلِيبُ التَّصَرُّفُ وَتَقْلِيبُ اللَّهِ الْقُلُوبَ وَالْبَصَائِرَ صَرْفُهَا مِنْ رَأْيٍ إِلَى رَأْيٍ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ مَا مَعْنَاهُ: كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ مُقَلِّبَ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْقَلْبَ قَلْبًا، لَكِنَّ مَظَانَّ اسْتِعْمَالِهِ تَنْشَأُ عَنْهُ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ إِعْرَاضَ الْقَلْبِ كَالْإِرَادَةِ وَغَيْرِهَا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ مِنَ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ وَمَرْجِعُهَا إِلَى الْقُدْرَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْوَاسِطِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ يُكْنَى أَبَا عُثْمَانَ، وَيُلَقَّبُ سَعْدَوَيْهِ وَكَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ وَابْنُ الْمُبَارَكِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَكَذَا الْآيَةُ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُمَا أَنَّ أَعْرَاضَ الْقُلُوبِ مِنْ إِرَادَةٍ وَغَيْرِهَا تَقَعُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ تَسْمِيَةَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا ثَبَتَ فِي الْخَبَرِ، وَلَوْ لَمْ يَتَوَاتَرْ، وَجَوَازُ اشْتِقَاقِ الِاسْمِ لَهُ تَعَالَى مِنَ الْفِعْلِ الثَّابِتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى مِنْ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ نُصَرِّفُهَا بِمَا شِئْنَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلِيُّ: مَعْنَاهُ نَطْبَعُ عَلَيْهَا فَلَا يُؤْمِنُونَ، وَالطَّبْعُ عِنْدَهُمُ التَّرْكُ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: نَتْرُكُهُمْ وَمَا اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَى التَّقْلِيبِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَمَدَّحَ بِالِانْفِرَادِ بِذَلِكَ، وَلَا مُشَارَكَةَ لَهُ فِيهِ، فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الطَّبْعِ بِالتَّرْكِ فَالطَّبْعُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ خَلْقُ الْكُفْرِ فِي قَلْبِ الْكَافِرِ وَاسْتِمْرَارُهُ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ اللَّهَ يَتَصَرَّفُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ بِمَا شَاءَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، وَلَا تَفُوتُهُ إِرَادَةٌ.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: فِي نِسْبَةِ تَقَلُّبِ الْقُلُوبِ إِلَى اللَّهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ يَتَوَلَّى قُلُوبَ عِبَادِهِ، وَلَا يَكِلُهَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَفِي دُعَائِهِ : يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، إِشَارَةٌ إِلَى شُمُولِ ذَلِكَ لِلْعِبَادِ حَتَّى الْأَنْبِيَاءِ، وَرَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُمْ يُسْتَثْنَوْنَ مِنْ ذَلِكَ، وَخَصَّ نَفْسَهُ بِالذِّكْرِ إِعْلَامًا بِأَنَّ نَفْسَهُ الزَّكِيَّةَ إِذَا كَانَتْ مُفْتَقِرَةً إِلَى أَنْ تَلْجَأَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَافْتِقَارُ غَيْرِهَا مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ أَحَقُّ بِذَلِكَ.

١٢ - بَاب إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ اسْمٍ إِلَّا وَاحِدة

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذُو الْجَلَالِ الْعَظَمَةِ الْبَرُّ اللَّطِيفُ

٧٣٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ. أَحْصَيْنَاهُ: حَفِظْنَاهُ.

قوله (بَابُ إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ اسْمٍ إِلَّا وَاحِدة) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ، وَبَيَانُ مَنْ رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا بِالتَّذْكِيرِ، وَمِائَةَ فِي الْحَدِيثِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعَدَلَ فِي التَّرْجَمَةِ مِنَ الْبَدَلِ إِلَى الْمُبْدَلِ، وَهُوَ فَصِيحٌ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وسبق الحديث في «باب ما جاء في التَّطوُّع مثنى مثنى» من «كتاب التَّهجد» [خ¦١١٦٢] وفي «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٢] والله الموفِّق وبه المستعان.

(١١) (بابُ مُقَلِّبِ القُلُوبِ، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولغير أبي ذرٍّ بإسقاط «الباب» فما بعده مرفوعٌ، وكذا قوله: وقولُ الله تعالى: (﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠]) فأمَّا «مقلِّبُ» فخبر مبتدأ محذوفٍ، أي: الله مقلِّب القلوب، وما بعده معطوفٌ عليه، والمعنى أنَّه تعالى مبدِّل الخواطر وناقض العزائم، فإنَّ قلوب العباد بيد قدرته يقلِّبها كيف يشاء، و «الأفئدة» جمع فؤادٍ وهو القلب (١)، وقال الرَّاغب: الفؤاد كالقلب، لكن يقال له: فؤاد؛ إذا اعتبر فيه معنى التَّفاؤد، أي: التوقُّد (٢)، يقال: فأدت اللَّحم: شويته، ومنه: لحمٌ فئيدٌ، أي: مشويٌّ، وظاهر هذا أنَّ الفؤاد غير القلب، ويقال فيه: فوادٌ، بالواو بدلًا عن الهمزة، وقُدِّم ذكر تقليب الأفئدة على الأبصار؛ لأنَّ موضع الدَّواعي والصَّوارف هو القلب، فإذا حصلت الدَّاعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى، وإذا حصلت الصَّوارف في القلب انصرف (٣) عنه، وهو وإن كان يبصره بحسب الظَّاهر إلَّا أنَّه لا يصير ذلك الإبصار سببًا للوقوف على الفوائد المطلوبة، فلمَّا كان المعدول هو القلب وأمَّا السَّمع والبصر فهما آلتان للقلب، كانا لا محالة تابعين للقلب؛ فلذا وقع الابتداء بذكر تقليب القلوب، ثمَّ أتبعه بذكر البصر.

٧٣٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: بالجمع (سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الملقَّب بسعدويه، الواسطيُّ نزيل بغداد (عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ) عبد الله (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) صاحب المغازي (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب أنَّه (قَالَ (٤): أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ

القُلُوبِ) أي: لا أفعل أو لا أقول وحقِّ مقلِّب القلوب، وفي نسبة مقلِّب القلوب إلى الله تعالى إشعارٌ بأنَّه يتولَّى قلوب عباده ولا يَكِلُها إلى أحدٍ من خلقه، وفي دعائه : «يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك» إشارةٌ إلى شمول ذلك للعباد حتَّى الأنبياء، ودفْعُ توهُّم من يتوهَّم أنَّهم يُستَثْنَون من ذلك، قاله (١) البيضاوي.

وفي الحديث أنَّ أعراض القلوب من إرادةٍ وغيرها تقع بخلق الله، وجواز تسمية الله بما ثبت في الحديث وإن لم يتواتر، وجواز اشتقاق الاسم له من الفعل الثَّابت، والحديث مرَّ في «القدر» [خ¦٦٦١٧].

(١٢) (بابٌ) بالتَّنوين يُذكَر فيه: (إِنَّ لِلَّهِ مِئَةَ اسْمٍ إِلَّا وَاحِدًا) ولفظ «الباب» ثابتٌ لأبي ذرٍّ، وفي روايته عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلَّا واحدةً» بلفظ التَّأنيث باعتبار معنى التسمية.

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) : (﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ [الرحمن: ٢٧]) أي: (العَظَمَةِ) وعند ابن كثيرٍ في «تفسيره»: وقال ابن عبَّاسٍ: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ذو العظمة والكبرياء. انتهى. فهو تعالى ذو الجلال الذي لا جلال ولا كمال إلَّا وهما له مطلقان، عمَّ جلاله جميع الأكوان، فلم تُطِق الأكوان رؤيته في الدُّنيا لهيبة الجلال، فإذا كان في اليوم الموعود فإنَّه تعالى يَبرز لعباده المؤمنين في الجمال والجلال والأنس فينظرون إليه، فتعود أنوار النَّظر عليهم، فتتجدَّد لهم قوَّةٌ يقدرون بها على النَّظر إليه، لا حَرَمنا (٢) اللهُ ذلك بمنِّه وفَضْله (٣)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «العظيم».

وقال ابن عبَّاسٍ أيضًا فيما وصله الطَّبريُّ: (﴿الْبَرُّ﴾ [الطور: ٢٨]) معناه (اللَّطِيفُ) وقال غيره: البرُّ: المحسن، فما من برٍّ وإحسان إلَّا وهو موليه، قال القشيريُّ: من كان الله تعالى بارًّا به عَصَم عن المخالفات نفسه (٤)، وأدام بفنون اللَّطائف أُنسَه، وطيَّب فؤاده، وحصَّل مراده،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالنِّسْبَةِ لِأَذْكَارِ الصَّلَاةِ وَدُعَائِهَا، فَيَقُولُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَقَبْلَ السَّلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَائِرُ فَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ.

١١ - بَاب مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾

٧٣٩١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾. قَالَ الرَّاغِبُ: تَقْلِيبُ الشَّيْءِ تَغْيِيرُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالتَّقْلِيبُ التَّصَرُّفُ وَتَقْلِيبُ اللَّهِ الْقُلُوبَ وَالْبَصَائِرَ صَرْفُهَا مِنْ رَأْيٍ إِلَى رَأْيٍ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ مَا مَعْنَاهُ: كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ مُقَلِّبَ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْقَلْبَ قَلْبًا، لَكِنَّ مَظَانَّ اسْتِعْمَالِهِ تَنْشَأُ عَنْهُ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ إِعْرَاضَ الْقَلْبِ كَالْإِرَادَةِ وَغَيْرِهَا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ مِنَ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ وَمَرْجِعُهَا إِلَى الْقُدْرَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْوَاسِطِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ يُكْنَى أَبَا عُثْمَانَ، وَيُلَقَّبُ سَعْدَوَيْهِ وَكَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ وَابْنُ الْمُبَارَكِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَكَذَا الْآيَةُ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُمَا أَنَّ أَعْرَاضَ الْقُلُوبِ مِنْ إِرَادَةٍ وَغَيْرِهَا تَقَعُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ تَسْمِيَةَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا ثَبَتَ فِي الْخَبَرِ، وَلَوْ لَمْ يَتَوَاتَرْ، وَجَوَازُ اشْتِقَاقِ الِاسْمِ لَهُ تَعَالَى مِنَ الْفِعْلِ الثَّابِتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى مِنْ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ نُصَرِّفُهَا بِمَا شِئْنَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلِيُّ: مَعْنَاهُ نَطْبَعُ عَلَيْهَا فَلَا يُؤْمِنُونَ، وَالطَّبْعُ عِنْدَهُمُ التَّرْكُ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: نَتْرُكُهُمْ وَمَا اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَى التَّقْلِيبِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَمَدَّحَ بِالِانْفِرَادِ بِذَلِكَ، وَلَا مُشَارَكَةَ لَهُ فِيهِ، فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الطَّبْعِ بِالتَّرْكِ فَالطَّبْعُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ خَلْقُ الْكُفْرِ فِي قَلْبِ الْكَافِرِ وَاسْتِمْرَارُهُ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ اللَّهَ يَتَصَرَّفُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ بِمَا شَاءَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، وَلَا تَفُوتُهُ إِرَادَةٌ.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: فِي نِسْبَةِ تَقَلُّبِ الْقُلُوبِ إِلَى اللَّهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ يَتَوَلَّى قُلُوبَ عِبَادِهِ، وَلَا يَكِلُهَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَفِي دُعَائِهِ : يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، إِشَارَةٌ إِلَى شُمُولِ ذَلِكَ لِلْعِبَادِ حَتَّى الْأَنْبِيَاءِ، وَرَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُمْ يُسْتَثْنَوْنَ مِنْ ذَلِكَ، وَخَصَّ نَفْسَهُ بِالذِّكْرِ إِعْلَامًا بِأَنَّ نَفْسَهُ الزَّكِيَّةَ إِذَا كَانَتْ مُفْتَقِرَةً إِلَى أَنْ تَلْجَأَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَافْتِقَارُ غَيْرِهَا مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ أَحَقُّ بِذَلِكَ.

١٢ - بَاب إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ اسْمٍ إِلَّا وَاحِدة

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذُو الْجَلَالِ الْعَظَمَةِ الْبَرُّ اللَّطِيفُ

٧٣٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ. أَحْصَيْنَاهُ: حَفِظْنَاهُ.

قوله (بَابُ إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ اسْمٍ إِلَّا وَاحِدة) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ، وَبَيَانُ مَنْ رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا بِالتَّذْكِيرِ، وَمِائَةَ فِي الْحَدِيثِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعَدَلَ فِي التَّرْجَمَةِ مِنَ الْبَدَلِ إِلَى الْمُبْدَلِ، وَهُوَ فَصِيحٌ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وسبق الحديث في «باب ما جاء في التَّطوُّع مثنى مثنى» من «كتاب التَّهجد» [خ¦١١٦٢] وفي «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٢] والله الموفِّق وبه المستعان.

(١١) (بابُ مُقَلِّبِ القُلُوبِ، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولغير أبي ذرٍّ بإسقاط «الباب» فما بعده مرفوعٌ، وكذا قوله: وقولُ الله تعالى: (﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠]) فأمَّا «مقلِّبُ» فخبر مبتدأ محذوفٍ، أي: الله مقلِّب القلوب، وما بعده معطوفٌ عليه، والمعنى أنَّه تعالى مبدِّل الخواطر وناقض العزائم، فإنَّ قلوب العباد بيد قدرته يقلِّبها كيف يشاء، و «الأفئدة» جمع فؤادٍ وهو القلب (١)، وقال الرَّاغب: الفؤاد كالقلب، لكن يقال له: فؤاد؛ إذا اعتبر فيه معنى التَّفاؤد، أي: التوقُّد (٢)، يقال: فأدت اللَّحم: شويته، ومنه: لحمٌ فئيدٌ، أي: مشويٌّ، وظاهر هذا أنَّ الفؤاد غير القلب، ويقال فيه: فوادٌ، بالواو بدلًا عن الهمزة، وقُدِّم ذكر تقليب الأفئدة على الأبصار؛ لأنَّ موضع الدَّواعي والصَّوارف هو القلب، فإذا حصلت الدَّاعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى، وإذا حصلت الصَّوارف في القلب انصرف (٣) عنه، وهو وإن كان يبصره بحسب الظَّاهر إلَّا أنَّه لا يصير ذلك الإبصار سببًا للوقوف على الفوائد المطلوبة، فلمَّا كان المعدول هو القلب وأمَّا السَّمع والبصر فهما آلتان للقلب، كانا لا محالة تابعين للقلب؛ فلذا وقع الابتداء بذكر تقليب القلوب، ثمَّ أتبعه بذكر البصر.

٧٣٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: بالجمع (سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الملقَّب بسعدويه، الواسطيُّ نزيل بغداد (عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ) عبد الله (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) صاحب المغازي (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب أنَّه (قَالَ (٤): أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ

القُلُوبِ) أي: لا أفعل أو لا أقول وحقِّ مقلِّب القلوب، وفي نسبة مقلِّب القلوب إلى الله تعالى إشعارٌ بأنَّه يتولَّى قلوب عباده ولا يَكِلُها إلى أحدٍ من خلقه، وفي دعائه : «يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك» إشارةٌ إلى شمول ذلك للعباد حتَّى الأنبياء، ودفْعُ توهُّم من يتوهَّم أنَّهم يُستَثْنَون من ذلك، قاله (١) البيضاوي.

وفي الحديث أنَّ أعراض القلوب من إرادةٍ وغيرها تقع بخلق الله، وجواز تسمية الله بما ثبت في الحديث وإن لم يتواتر، وجواز اشتقاق الاسم له من الفعل الثَّابت، والحديث مرَّ في «القدر» [خ¦٦٦١٧].

(١٢) (بابٌ) بالتَّنوين يُذكَر فيه: (إِنَّ لِلَّهِ مِئَةَ اسْمٍ إِلَّا وَاحِدًا) ولفظ «الباب» ثابتٌ لأبي ذرٍّ، وفي روايته عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلَّا واحدةً» بلفظ التَّأنيث باعتبار معنى التسمية.

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) : (﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ [الرحمن: ٢٧]) أي: (العَظَمَةِ) وعند ابن كثيرٍ في «تفسيره»: وقال ابن عبَّاسٍ: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ذو العظمة والكبرياء. انتهى. فهو تعالى ذو الجلال الذي لا جلال ولا كمال إلَّا وهما له مطلقان، عمَّ جلاله جميع الأكوان، فلم تُطِق الأكوان رؤيته في الدُّنيا لهيبة الجلال، فإذا كان في اليوم الموعود فإنَّه تعالى يَبرز لعباده المؤمنين في الجمال والجلال والأنس فينظرون إليه، فتعود أنوار النَّظر عليهم، فتتجدَّد لهم قوَّةٌ يقدرون بها على النَّظر إليه، لا حَرَمنا (٢) اللهُ ذلك بمنِّه وفَضْله (٣)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «العظيم».

وقال ابن عبَّاسٍ أيضًا فيما وصله الطَّبريُّ: (﴿الْبَرُّ﴾ [الطور: ٢٨]) معناه (اللَّطِيفُ) وقال غيره: البرُّ: المحسن، فما من برٍّ وإحسان إلَّا وهو موليه، قال القشيريُّ: من كان الله تعالى بارًّا به عَصَم عن المخالفات نفسه (٤)، وأدام بفنون اللَّطائف أُنسَه، وطيَّب فؤاده، وحصَّل مراده،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر