سيرة أبو بردة
قُرَيظةُ والنَّضِيرُ.
[٢٨١٤] أبو بُرْدةَ الأنصارِيُّ (١)، روى عنه جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يُجْلَدُ أحدٌ فوقَ عَشَرَةِ أسواطٍ إِلا في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ تعالى"، حديثه هذا عند بكيرِ بن الأشَجِّ، عن سليمان بن يسارٍ (٢)، عن عبدِ الرحمنِ بن جابر، عن أبيه، عن أبي بُرْدةَ الأنصارِيِّ، عن النبيِّ ﷺ (٣). قال أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ (٤): لا أدري [هذا هو أبو بُرْدةَ] (٥) الظَّفَرِيُّ أو غيرُه، وقال غيره: هذا الحديث رواه جابرٌ عن أبي بُرْدةَ بن نِيَارٍ (٦).
[٢٨١٥] أبو بصيرٍ (٧)، اختُلِف في اسمه ونسبه؛ فقيل: عُبَيدُ بنُ أسيدِ بن جاريةَ، وذكر خليفة (٨)، عن أبي معشرٍ، قال: اسمه عتبةُ بنُ أَسِيدِ بن جاريةَ بن أَسِيدِ بن عبدِ اللَّهِ بن سَلَمَةَ بن عبدِ الله بن غِيَرةَ بن عوفِ بن قَسِيٍّ، وهو ثقيفُ (١) بنُ مُنَبِّهِ (٢) بن بكر بن هوازن، حليف لبني زُهْرةَ، وقال ابن إسحاق (٣): أبو بصير (٤) عتبةُ بنُ أَسِيدِ بن جارية.
قال ابن شهابٍ: هو رجلٌ مِن قريش (٥)، وقال ابن هشام (٦): هو ثَقفيٌّ، وأظنُّ (٧) ابن شهاب نسبه إلى حلفه في بني زُهْرةَ.
وله قصةٌ في المغازي عجيبةٌ ذكرها ابن إسحاق (٨) وغيره، وقد رَوَاها مَعْمَرٌ عن ابن شهاب، ذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (٩)، عن مَعْمَرٍ، عن ابن شهاب في قصة القضية عامَ الحُدَيبية، قال: ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجاءه (١٠) أبو بصير - رجلٌ مِن قريش - وهو مسلمٌ، فأَرسَلتْ قريش في طلبه رجلَيْنِ، فقالا لرسول الله ﷺ: العهد الذي جَعَلتَ لنا أن تَرُدَّ إلينا كلَّ مَن جاءَك مسلما، فدفعه النبيُّ ﷺ إلى الرَّجلَيْنِ، فخرجا حتَّى بلغا به ذا الحُلَيفةِ، فنزلوا يَأْكُلون من تمرٍ لهم،
فقال أبو بصير لأحدِ الرَّجلَيْنِ: والله إنّي لأَرَى سيفك هذا جيدًا يا فلان، فاسْتَلَّه الآخرُ، وقال: أجل واللهِ، إنَّه لَجَيْدٌ، لقد جَرَّبتُ به ثم جَرَّبتُ، فقال له أبو بصيرٍ: أَرني انظر إليه، فأمكنه منه، فضربه به حتَّى بَرَدَ وفَرَّ الآخرُ حتَّى أتى المدينةَ، فدخل المسجدَ يَعْدُو، فقال (١) النبيُّ ﷺ حينَ رَآه: "لقد رَأَى هذا ذُعْرًا"، فلما انتهى إلى النبي ﷺ، قال: قُتِل والله صاحبي، وإني لمقتولٌ، [فجاء أبو بصيرٍ] (٢): فقال يا رسولَ اللَّهِ، قد [والله] (٢) وَفَتْ ذِمَّتك، وقد رَدَدتَني إليهم، فَأَنْجَاني الله منهم، فقال النبي ﷺ: "وَيْلُ امِّه مِسْعَرُ حربٍ (٣) لو كان له (٤) أَحَدٌ"، فلما سمع ذلك علم أنَّه سَيَرُدُّه إليهم، فخرج حتَّى أَتَى سِيفَ البحرِ، قال: وانْفَلَتَ منهم أبو جَنْدَلِ بنُ سهيل (٥)، فلَحِقَ بأبي بصيرٍ، وجعَل لا يَخْرُجُ مِن قريش رجلٌ قد أسلم إلا لَحِقَ بأبي بصير حتى اجتَمَعَتْ منهم عصابة، قال: فوالله ما (٦) يسمعون بِعِيرٍ خَرَجَتْ لقريش إلا اعتَرَضوا لهم فقتلوهم، وأخَذوا أموالهم، فأَرْسَلَتْ قريش إلى النبي ﷺ تُناشِدُه الله والرَّحِمَ إلا أرسل إليهم، فمَن أتاك منهم فهو آمِنٌ.
وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر في أبي بصير بأتم ألفاظ وأكمل سياقة، قال: وكان أبو بصيرٍ يُصَلِّي لأصحابه (١)، وكان يُكثرُ [أن يقول] (٢):
اللَّهُ العَلِيُّ الأكبر مَن يَنصُرِ اللَّهَ فسوفَ يُنصَرُ (٣)
فلما قدم عليهم أبو جَنْدَلٍ كان هو يَؤُمُّهم، واجتمع إلى أبي جَنْدَلٍ حين سمعوا (٤) بقُدُومِه ناسٌ مِن بني غِفَارٍ وأَسلم وجُهَينةَ وطوائفُ مِن العرب، حتى بلغوا ثلاثمائة وهم مُسلِمون، فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصيرٍ لا تمرُّ (٥) بهم عِيرٌ لقريش إلا أخَذوها (٦) وقتلوا أصحابها، وذكر مُرُورَ أبي العاصي بن الربيع بهم وقصته.
قال: وكتب رسول الله ﷺ إلى أبي جندل وأبي بصيرٍ ليقدما عليه و (٧) من معهما من المسلمين أن يَلْحَقوا ببلادهم (٨) وأهليهم، فقدم كتاب رسول الله ﷺ على أبي جندل وأبو بصيرٍ يموتُ، فمات وكتاب