سيرة أبو جندل بن سهيل
(ب د ع) أَبو جَنْدَل بن سُهَيل بن عَمْرو العَامِريّ. تقدّم نسبه في ترجمة أبيه (٢)، وهو من بني عامر بن لؤي.
قال الزبير: اسم أبي جندل بن سهيل: العاصي. أسلم بمكة فسجنه أبوه وقيَّده، فلما كان يوم الحديبية هرب أبو جندل إلى النبي ﷺ.
أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس، عن محمد بن إسحاق، حدثني الزهري، عن عروة ابن الزبير، عن مَرْوَانَ بن الحكم والمسوَّر بن مَخْرَمة في صلح الحديبية قال: فإن الصحيفة - يعني صحيفة الصلح - لتكتب، إذ طلع أبو جندل بن سهيل يرسف في الحديد، وكان أبوه حبسه، فأفلت. فلما رآه أبوه سهيل قام إليه فضرب وجهه، وأخذ بتَلْبِيبه (٣) يَتُلُّه، وقال: يا محمد، قد لَجَّتِ (٤) القضية بيني وبينك قبل أن يأْتيك هذا! قال: صدقت.
فصاح أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أُرَدّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟! وقد كانوا خرجوا مع رسول اللَّه ﷺ لا يشكون في الفتح، فلما صنع أبو جندل ما صنع، وقد كان دَخَلَ - لما رَأَوا رسول اللَّه ﷺ حمل على نفسه في الصلح وَرَجْعَتِهِ - أَمرٌ عظيم، فلما صنع أبو جندل ما صنع، زاد الناسَ شرّاً على ما بهم، فقال رسول اللَّه لأبي جندل: أَبا جندل، اصْبرْ واحتسب، فإنه اللَّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً. وإنا صالحنا القوم، وإنا لا نغدُر. فقام عمر بن الخطاب يمشي إلى جنب أبي جندل وأبوه بَتلّه، وهو يقول:
أبا جندل، اصبر فإنما هُمُ المشركون، وإنما دم أحدهم دَمُ كلب. وجعل عمر يُدنى منه قائم السيف، فقال عمر: رجوت أن يأخذه فيضرب به أباه، فضنّ بأبيه (١).
وقد ذكرنا في ترجمة أبي بَصِير حال أبي جندل، فإن أبا جندل لما أخذه أبوه هرب ثانية من أبيه، ولحق بأبي بصير.
قال أبو عمر: وقد غلطت طائفة ألفت في الصحابة في أبي جندل، أَنَّ اسمه عبد اللَّه، وأنه الذي أتى مع أبيه سهيل إلى بدر، فانحاز من المشركين إلى المسلمين، وشهد بدراً مع رسول اللَّه ﷺ وهذا غلط فاحش، وعبد اللَّه ليس بأبي جندل، ولكنه أخوه، واستشهد عبد اللَّه باليمامة مع خالد في خلافة أبي بكر الصدّيق، وأبو جندل لم يشهد بدراً ولا شيئاً من المشاهد قبل الفتح، لأن أباه كان قد منعه، كما ذكرناه، قال موسى بن عقبة: لم يزل أبو جندل ابن سهيل وأبوه مجاهدين بالشام حتى ماتا، يعني في خلافة عمر.
وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريح قال: أُخبرت أنّ أبا عبيدة بالشام وجد أبا جندل ابن سهيل، وضِرار بن الخطاب، وأبا الأزور، وهم من أصحاب النبي ﷺ قد شربوا الخمر، فقال أبو جندل: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ (٢) … الآيات كلها، فكتب أبو عبيدة إلى عمر: إن أبا جندل خَصَمني بهذه الآية. فكتب إليه عمر: الذي زَيَّن لأبي جندل الخطيئة زَيَّن له الخصومة، فاحدُدْهم. فقال أبو الأزور: أتحدوننا؟ قال أبو عبيدة: نعم. قال أبو الأزور:
فدعونا نلقى العدوّ غداً، فإن قتلنا فذاك، وإن رجعنا إليكم فحدّونا. فلقي أبو الأزور، وضرار، وأبو جندل العدوّ فاستشهدَ أبو الأزور، وحُدَّ الآخران (١).
أخرجه الثلاثة (ابن منده، أبو نعيم، ابن عبد البر).