سيرة أبو خراش الهذلي
شُرَكاءُ في ثلاثة (١)؛ في الماء، والكلأ، والنار (٢).
[٢٨٧٧] أبو خِرَاشٍ الهُذَلِيُّ الشاعرُ (٣)، اسمُه خُوَيلدُ بنُ مُرَّةَ الفَرْديُّ (٤) -[وفَرْدٌ] (٥) ابن عمرو بن معاوية بن تميم بن سعد بن هذيلٍ - مات في زمن عمرَ بن الخَطَّابِ مِن نهشِ حَيَّةٍ، وله في ذلك خبرٌ عجيبٌ (٦)، وكان ممَّن يَعْدُو على قَدَمَيهِ فيسبِقُ الخيل، وقد حَدَّثَ عنه عمران بن عبد الرحمن بن فضالة بن عُبَيدٍ، وكان في الجاهلية من فُتَّاكِ العرب، ثم أسلم فحَسُنَ إسلامه، وهو القائل (٧):
رفوني (٨) وقالوا يا خويلد لا تُرَعْ فقلتُ … وأنكَرتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ وكان جميلُ بنُ مَعْمَرٍ الجُمَحِيُّ قد قتل أخاه زُهَيرًا - المعروف بالعجوة - يومَ فتح مكةَ مُسلِمًا، وقيل: بل كان زُهَيْرٌ ابنَ عَمِّه، وذكر ابن هشام (١)، قال: حدثني أبو عُبَيدةَ، قال: أُسِر زُهَيْرُ بنُ (٢) العجوة الهُذَلِيُّ يومَ حُنَيْنٍ وكُتفَ، فَرَآه جميل بنُ مَعْمَرٍ (٣)، فقال: أنتَ الماشي لنا بالمعايب؟ فَضَرَبَ عُنُقَه، فقال أبو خِرَاشٍ يَرْثِيه؛ وكان ابن عمه (٤).
كذا قال أبو عُبَيدةَ، والأَوَّلُ قول محمد بن يزيد، قال (٥): وكان يومئذٍ جميلٌ كافرًا ثم أسلم بعد، وكان أتاه من ورائه، وهو مُوثَقٌ فضَرَبه، وقد قيل: إنَّه قتله يومَ حُنَين مَأسُورًا، وجميل يومئذٍ مسلم، ففي ذلك يقول أبو خراش الهذلي (٦):
فَجَّعَ (٧) أَضْيَافِي جَمِيلُ بنُ مَعْمَرٍ … بِذِي فَجَرٍ (٨) تَأْوِي إليه الأَرَامِلُ طويلُ نِجَادِ السَّيف ليس بِجَيْدَرٍ (١) … إذا اهْتَزَّ وَاسْتَرْخَتْ عليه الحَمَائِلُ (٢)
إلى بيته (٣) يَأْوِي الغَريبُ إذا شَتا … ومُهْتَلِكٌ بَالِي الدَّرِيسَيْنِ (٤) عَائِلُ تَكَادُ يَدَاهِ تُسْلِمَانِ رِدَاءَه … مِن الجُودِ لَمَّا اسْتَقْبَلَتْه الشَّمائِلُ (٥)
فَأُقِسِمُ لو لاقيته غير مُوثَقٍ … لآبَكَ بالجَزْعِ الضِّبَاعُ النَّوَاهِلُ (٦)
وإنك لو واجهته ولَقِيتَه … فَنَازَلْتَه أو كنتَ ممن يُنازِلُ لَكُنتَ جَمِيلُ (٧) أسوأ النَّاسِ صِرْعَةً (٨) … ولكنَّ أقرانَ الظُّهُورِ مَقاتِلُ فليس كعهدِ الدَّارِ يا أم مالكٍ … ولكن أحاطت بالرِّقابِ السَّلاسِلُ وعادَ الفَتَى كالكَهْلِ ليس بِقَائِلٍ … سيوى الحَقِّ شَيئًا فَاسْتَراحَ العَوَاذِلُ قوله:
… أحاطَتْ بالرّقابِ السَّلاسِلُ يقولُ (٩): جاء الإسلامُ فمَنَع مِن طلبِ الأوتار (١٠) إلا بحقِّها، وقد قيل: إنَّ هذا الشِّعْرَ في أخيه عروة بن مُرَّةَ يَرْثِيه به.
وقال محمد بن يزيدَ (١): وممَّا يُسْتَحسَنُ لأبي خِرَاشٍ الهُذَليِّ، وهو أحد حكماء العرب، قوله يذكر أخاه عروة:
تقولُ أُراه بعد عروةَ لاهِيًا … وذلك رُزْءٌ ما عَلِمْتُ جَلِيلُ فلا تَحْسَبِي أَنِّي تَناسَيتُ عهدَه … ولكنَّ صَبْرِي (٢) يا أُمَامَ (٣) جَمِيلُ زاد (٤) أبو الحسن الأخفش في هذه الأبيات بعد البيتين المذكورين (٥):
ألم تَعْلَمِي أن قد تَفَرَّقَ قبلنا … خليلا صفاءٍ مالكٌ وعقيل أبَى الصبرُ أني لا يزالُ يَهِيجُنِي … مبيتٌ لنا فيما مضى ومَقِيلُ وأنِّي إذا ما الصُّبحُ آنَسْتُ ضَوْءه … يُعاوِدُني قِطْعٌ عليَّ ثَقِيلُ قال أبو الحسن: مالكٌ وعَقِيلٌ اللَّذانِ ذكرهما ندمانا (٦) جَذِيمةَ الأبرشِ، ولهما قصةٌ وخبرٌ فيه طُولٌ، وهما اللَّذَانِ يَعْنِيهما مُتَمِّمُ بنُ نُوَيرةَ في [مَرْثِيتِه أخاه مالكًا] (٧) حيثُ يقولُ (٨):
وكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً … من الدَّهرِ حتى قيل لن يَتَصَدَّعَا ولأبى خِرَاشٍ الهُذَليِّ أيضًا في المَرَائِي أَشعَارٌ حِسَانٌ، فمِن شعره (١):
حمدتُ إِلهِي بعدَ عُروةَ إِذْ نَجَا … خِراشٌ وبعضُ الشَّرِّ أهونُ مِن بعضِ [على أنَّها تَدْمَى الكُلُومُ] (٢) وإِنَّما … نُوكَّلُ بالأدنى وإِنْ جَلَّ ما يَمْضِي فوالله لا أنسَى قَتِيلًا رُزِئْتُه … بجانبِ قُوسَى (٣) ما مَشَيتُ على الأَرضِ ولم أَدْرِ مَن ألقى عليه (٤) رِداءَه … على (٥) أنَّه قد سُلَّ عن ماجدٍ مَحْضِ قال أبو عمر: لم يَبْقَ عربيٌّ بعد حُنينٍ والطَّائف إلَّا أسلم، منهم مَن قَدِمَ على النبيِّ ﷺ، ومنهم من لم يَقْدَم عليه وقنَع بما أَتَاه به وافِدُ قومه من الدِّين عن النبيِّ ﷺ.
وقال خالد بنُ صفوان: ما قالت العرب بيتًا [في مَثَلٍ] (٦) أجودَ مِن قول أبي خراشٍ:
[بلى إنه تعفو] (١) الكُلُومُ وإِنَّما … نُوَكَّلُ (٢) بالأدنى وإِن جَلَّ ما يَمْضِي [أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسفَ، قال: حدثنا يحيى بنُ مالكٍ] (٣)، قال: حدثنا أ [بو الحسن] (٤) محمدُ بنُ محمدِ بن مُقْلَةَ البغدادي بمصر، قال: حدثنا أبو بكر (٥) محمد بن الحسن بن دُرَيْدٍ، قال: حدثنا عبد الرحمن (٦) ابن أخي الأصمعي، عن عمه، قال: أسلم أبو خراشٍ فحَسُنَ إسلامه، ثم أَتَاه نفرٌ مِن أهل اليمن قدِموا حُجَّاجًا، والماءُ منهم غيرُ بعيدٍ، فقال: يا بني عمي، ما أمسى عندنا ماءٌ، ولكن هذه بُرْمَةٌ وشاةٌ فَرِدُوا الماء، وكُلوا شاتكم، ثم دعوا بُرْمَتَنا وقربتنا على الماء حتّى نأخذها، فقالوا: لا والله، ما نحنُ بسائرين في ليلتنا هذه، وما نحنُ بِبارِحِينَ حيثُ أَمْسَينا، فلما رأى ذلك أبو خراش أخذ قِرْبتَه (٧) وسعى نحو الماءِ تحتَ الليلِ حتَّى استقى، ثم أقبل صادرًا، فنَهَشَتْه حَيَّةٌ قبل أن يَصِلَ إليهم، فأقبل مسرعًا حتَّى أَعْطَاهُمُ الماء، وقال: اطْبُخوا شاتكم، وكُلوا، ولم يُعْلِمُهم ما أصابه، فَبَاتُوا على شاتِهم يأكلون حتَّى أصبحوا، وأصبح أبو خراشٍ [في الموتِ] (١)، فلم يَبْرَحوا حتَّى دفنوه، وقال وهو يموتُ في شعرٍ له:
لقد أهْلَكْتِ حَيَّةَ بطنِ وَادٍ … على الإخوانِ سَاقًا ذاتَ فَضْلِ فَما تَرَكَتْ عَدُوًّا بينَ بُصْرَى … إلى صنعاءَ يَطْلُبُه بِذَحْلِ (٢)
فبلغ خبره عمرَ بنَ الخَطَّابِ، فغضب غضبا شديدا، وقال: لولا أن تكونَ سُبَّةً (٣)، لأَمَرتُ ألَّا يُضافَ يمان أبدا، ولكتبتُ بذلك إلى الآفاقِ، ثم كتب إلى عامله باليمن أنْ يأخذَ النَّفَرَ الذين نزَلوا بأبي (٤) خِرَاشٍ، [فيُغْرِمَهم ديته ويُؤدِّبَهم] (٥) بعد ذلك بعقوبةٍ يَمَسُّهم بها جزاءً لفعلهم (٦).