سيرة أبو لبابة رفاعة
(ب ع س) أَبو لُبَابَةَ رِفاعَةُ بنُ عبد المنذر. قاله ابن إسحاق، وأحمد بن حَنبل، وابن مَعِين. وقيل: اسمه بشير، قاله موسى بن عقبة، وابن هشام، وخليفة. وقد تقدّم عند «رفاعة» (٣) اسمه.
وكان نقيباً، شهد العقبة، وسار مع النبي ﷺ إلى بدر، فردَّه إلى المدينة، فاستخلفه عليها، وضرب له بسهمه وأجره أخبرنا أبو جعفر بإسناد عن يونس، عن ابن إسحاق، فيمن بايع تحت العقبة من الأوس:
«رفاعة بن عبد المنذر بن زَنْبَر (١) بن زيد بن أمية بن [زيد بن] (٢) مالك بن عوف بن عمرو ابن عوف بن مالك بن الأوس أبو لبابة (٣)».
وشهد مع رسول اللَّه ﷺ بدراً، واستخلفه رسول اللَّه ﷺ. وبالإسناد عن ابن إسحاق قال: «وضرب رسول اللَّه ﷺ لرجال من المهاجرين والأنصار، ممن غاب عن بدر، بسهمه وأجره، منهم جماعة (٤) - قال: وضرب رسول اللَّه ﷺ لأبي لبابة بن عبد المنذر بسهمه وأجره، وكان رسول اللَّه ﷺ استخلفه على المدينة، ردّه إليها من الطريق. ولهذا عدّه الجماعة ممن شهد بدراً، حيث ردّه رسول اللَّه ﷺ، فضرب له بسهمه وأجره، فهو كمن شهدها.
واستخلفه أيضاً رسول اللَّه ﷺ على المدينة حين خرج إلى غزوة السَّويق (٥). وشهد أُحداً وما بعدها من المشاهد، وكانت معه راية بني «عمرو بن عوف» في غزوة الفتح، وربط نفسه إلى سَارِية من المسجد بسلسلة، فكانت تحلّه ابنته لحاجة الإنسان وللصلاة، فبقي كذلك بضع عَشَرةَ ليلة، وقيل: سبعة أيام، أو ثمانية أيام. وكان سبب ذلك أن بني قَرَيْظة لما حَصَرهم رسول اللَّه ﷺ وكانوا حلفاء الأوس - فاستشاروه في أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأشار إليهم أنه الذبح، قال: فما برِحتْ قدماي حتى عرفت أني خُنتُ اللَّه ورسوله، فجاء وربط نفسه.
وقيل: إنما ربط نفسه لأنه تخلف عن غزوه تبوك، فربط نفسه بسارية، فقال: واللَّه لا أَحُلُّ نفسي ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى يتوب اللَّه عَلَيَّ، فمكث سبعة أيام لا يذوق شيئاً حتى خَرَّ مغشياً عليه، ثم تاب اللَّه ﷿ عليه. فقيل له: قد تاب اللَّه عليك. فقال: واللَّه لا أحل نفسي حتى يكون رسول اللَّه ﷺ يحلَّني. فجاء النبي ﷺ فحلّه بيده،
وقال أبو لبابة:
يا رسول اللَّه، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى اللَّه تعالى وإلى رسوله ﷺ. قال: يجزئك يا أبا لبابة الثلث.
ورُوِي عن ابن عباس من وجُوهٍ في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ (٦). نزلت في أبي لُبَابة ونفر معه، سبعة أو ثمانية أو تسعة، تخلفوا عن غزوة تبوك، ثم ندموا فتابوا وربطوا أنفسهم بالسّواري، وكان عملهم الصالح توبتهم، والسيئ تخلفهم عن الغزو مع النبي ﷺ (١).
أخبرنا الحسن بن محمد بن هبة اللَّه الشافعي الدمشقي، أخبرنا أبو العشائر محمد بن الخليل ابن فارس، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي بن أبي العلاء، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن ابن عثمان بن القاسم المعروف بابن أبي نصر، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أبي ثابت، حدّثنا أبو عبد اللَّه محمد بن حَمّاد الطَّهراني، أخبرنا سهل بن عبد الرحمن أبو الهيثم الرازي، عن عبد اللَّه ابن عبد اللَّه المدني - وهو أبو أُويس - عن عبد الرحمن بن حَرْمَلَة، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي لُبَابة بن عبد المنذر الأنصاري قال: استسقى رسول اللَّه ﷺ يوم الجمعة، فقال: اللَّهمّ اسقنا. فقال أبو لبابة: يا رسول اللَّه، إن التمر في المَرْبَد (٢) وما في السماء سحاب نراه! قال رسول اللَّه ﷺ اللَّهمّ، اسقنا ثلاثاً، وقال في الثالثة: حتى يقوم أبو لبابة عرْياناً يَسُدّ ثعلب مِرْبَدِه (٣) بإزاره. قال: فاستهلت السماءُ وأمطرت مطراً شديداً قال: فأطافت الأنصار بأبي لبابة: يا أبا لبابة، إن السماء لن تقلع حتى تقوم عُرْياناً فتسد ثعلب مربدك بإزارك، كَمَا قال رَسُول اللَّه ﷺ. قال: فقام أبو لبابة عرياناً، فسد ثعلب مَرْبَده بإزاره، فأقلعت السماءُ.
وتوفى أبو لبابة في خلافة عَلِيّ.
أخرجه أبو نُعَيم، وأبو عمر، وأبو موسى.