سيرة عبد الله بن سعد بن أبي سرح
(ب د ع) عَبْدُ اللَّه بن سَعْد بن أبي سَرْح بن الحارث بنِ حُبَيْب بنِ جَذِيمة بن مالِكٍ بن ابن حِسْل بن عامر بن لؤي القرشي العامري، قريش الظَّواهر، وليس من قريش البطاح، يكنى أبا يحيى، وهو أخو عثمان بن عفان من الرضاعة أرضعت أُمُّهُ عثمان.
أسلم قبل الفتح، وهاجر إلى رسول اللَّه ﷺ.
وكان يكتب الوحي لرسول اللَّه ﷺ ثم ارتدّ مشركاً، وصار إلى قريش بمكة، فقال لهم: إني كنت أصرف محمداً حيثُ أُريد، كان يُمْلِي عليَّ: «عزيز حكيم» فأقول: «أو عليم حكيم»؟ فيقول: «نعم، كُلُّ صواب».
فلما كان يومُ الفتح أمر رسولُ اللَّه ﷺ بقتله وقَتْل عبد اللَّه بن خَطَل ومِقْيس بن صُبَابة ولو وُجدوا تحت أستار الكعبة. ففر عبد اللَّه بن سعد إلى عثمان بن عفان، فغيّبه عثمان حتى أتى به إلى رسول اللَّه ﷺ بعد ما اطمأنّ أهلُ مكة، فاستأمنه له، فصمت رسول اللَّه ﷺ طويلاً، ثم قال: «نعم. فلما انصرف عثمان قال رسول اللَّه ﷺ لمن حوله: ما صَمَتُّ إلا ليقوم إليه بعضُكم فيضرب عنقه. فقال رجل من الأنصار: فهلاَّ أومأت إليّ يا رسول اللَّه؟ فقال: إن النبي لا ينبغي أن يكون له خائنة الأعين» (٢).
وأسلم ذلك اليومَ فحسُن إسلامه، ولم يظهر منه بعد ذلك ما يُنكَر عليه. وهو أحد العقلاء الكرماءِ من قريش، ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين، ففتح اللَّه على يديه إفريقية (١)، وكان فتحاً عظيماً بلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف مثقال، وسهم الراجل ألف مثقال. وشهد معه هذا الفتح عبد اللَّه بن عُمَر، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد اللَّه بن عَمْرو بن العاص. وكان فارس بني عامر بن لُؤَيّ، وكان علي ميمنة عمرو بن العاص لما افتتح مصر، وفي حروبه هناك كلها، فلما استعمله عثمان على مصر وعزل عنها عَمْراً، جعل عَمْروٌ يَطْعُن على عثمان ويُؤَلِّب عليه، ويسعى في إفساد أمره.
وغزا عبد اللَّه بن سعد بعد إفريقية الأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين. وهو [الذي] هادنهم الهدنة الباقية إلى اليوم، وغزا غزوة الصَّوَارِي في البحر إلى الروم (٢).
ولما اختلف الناسُ على عثمان رضي الله عنه، سار عبد اللَّه من مِصْر يريد عثمان، واستخلف على مصر السائب بن هشام بن عَمْرو العامري، فظهر عليه محمد بن أبي حُذَيفة بن عتبة بن ربيعة ابن أُمَية الأموي، فأزال عنها السائب، وتَأَمَّر على مصر، فرجع عبد اللَّه بن سعد فمنعه محمد بن أبي حذيفة من دخول الفسطاط، فمضى إلى عسقلان فأقام حتى قتل عثمان، وقيل: بل أقام بالرَّمْلة حتى مات، فارًّا من الفتنة. وقد ذكرنا هذه الحروب والحوادث مستقصاة في «الكامل» في التاريخ.
ودعا عبد اللَّه بن سعد فقال: «اللَّهمّ اجعلْ خاتمة عملي الصلاة». فصلى الصبح فقرأ في الركعة الأُولى بأُم القرآن والعاديات، وفي الثانية بأُم القرآن وسورة، وسلم عن يمينه، ثمَّ ذهب يسلم عن يساره فتُوفِّي، ولم يبايع لعلي ولا لمعاوية. وقيل: بل شهد صِفِّين مع معاوية.
وقيل: لم يشهدها. وهو الصحيح.
وتوفي بعسقلان (٣): سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة سبع وثلاثين. وقيل: بقي إلى آخر أيام معاوية، فتوفي سنة تسع وخمسين. والأول أصح.
أخرجه الثلاثة (ابن منده، أبو نعيم، ابن عبد البر).
قلت: قد وَهِم ابن منده وأبو نعيم في نسبه، فإنهما قَدَّما «حُبَيْباً» على «الحارث»، وليس بشيءٍ، ثم قالا: «جذيمة بن نصر بن مالك». وإنما جَذِيمة هو ابن مالك. ثم قالا:
«القرشي من بني مَعِيص». وهذا وهم ثان، فإن حِسْلاً أخوه مَعِيص بن عامر، وليس بأب له، ولا ابن (١)، والصَّوَاب تقديم «الحارث» على «حبيب». قال الزبير بن بَكَّار - وإليه انتهت المعرفة بأنساب قريش - قال: «وولد عامر بن لُؤَيّ بن غالب: حِسْل (٢) بن عامر، ومعيص بن عامر، فولد حسل بن عامر: مالكَ بن حِسْل، فولد مالكُ بن حسل: نصرا وجذيمة ابن مالك بن حِسْل»، ثم ذكر ولد نصر بن مالك، ثم قال: «وولد جذيمة، وهو شحام بن مالك ابن حِسْل بن عامر بن لُؤَي - حُبَيباً وهو ابن شحام، فولد حُبَيْبُ بن جذيمة: الحارثَ، فولد الحارثُ بنُ حُبَيْب: ربيعة، وأبا سَرْح، وولد أبو السَّرْح بنُ الحارث بن حبيب بن جَذِيمة ابن مالِكٍ بن حِسْل: سعداً، فولد: سعدٌ عبدَ اللَّه بن سعد - وكان أخا عثمان من الرضاعة».
هذا معنى ما قاله الزبير، ومثله قال ابن الكلبي.
حُبَيْب: بضم الحاء المهملة، وتخفيف الياءِ تحتها نقطتان، قاله الكلبي وابن ماكولا وغيرهما. وقال الكلبي: إنما ثقله «حسَّان» للحاجة. وقال ابن حبيب: هو حُبَيِّب، بتشديد الياء.