سيرة عبد الله بن سلام
١٠٠٧ - عبد الله بن سَلَام (٢)
ويكنى أبا يوسف، وكان اسمه الحصين، فلما أسلم سماه رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، عبدَ الله وهو رجلٌ من بني إسرائيل من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن - صلى الله عليه وسلم -. وهو حليفٌ للقَوَاقِلَة مِن بَني عَوْف بن الخَزْرج.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا نَجِيح أبو مَعْشَر، عن المَقْبُرِيّ، وأبي وَهب مولى أَبِي هُرَيْرة قالا: كان اسم عبد الله بن سَلَام الحصين فسماه رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، عبد الله.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري وهَوْذَة بن خَلِيفَة (٣)، وإسحاق بن يوسف الأزرق قالوا: حدّثنا عوف، عن زُرَارة بن أَوْفى، عن عبد الله بن سَلَام قال: لمَّا قدم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، المدينة انجفل الناسُ نحوهُ قالوا: قَدِمَ رسولُ الله قدِم رسول الله. قال: وجئت فلما رأيتُ وجهَهُ عرفتُ أنّ وجهَهُ ليس بِوَجْه كَذّاب، قال: فأول شيء قال قال: يا أيها الناس، أَفْشوا السَّلَام، وأَطْعِمُوا الطعام، وَصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا [بالليل] والناس نِيَام تدخلوا الجنة بسلام (٤).
قال: أخبرنا عبد الله بن عَمْرو أَبُو مَعْمَر المِنْقَرِيّ قالا: حدّثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: حدّثنا عبد العزيز بن صُهَيْب، عن أنس بن مالك قال: أقبل نبي الله، - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: جاء نَبِيُّ الله، فاستَشرَفُوا ينظرون، إِذْ سَمِع به عبد الله بن سَلَام وهو في نخلٍ لأهله يَخْتَرِفُ (١) لهم منه، فَعَجِلَ أن يضع التي يَخْتَرِفُ لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله، - صلى الله عليه وسلم -، ثم رجع إلى أهله، قال: فلما خلا نبي الله، - صلى الله عليه وسلم -، جاء عبد الله بن سَلَام فقال: أشهد أنك رسول الله حَقًّا، وأَنَّك جئت بِحَقٍّ، ولقد عَلِمَت اليهودُ أَنِّي سَيِّدُهم وابن سَيِّدهم وأَعْلَمُهم وابن أَعْلَمهم، فَادْعُهم، واسْأَلْهم عَنِّي قبل أن يعلموا أَنِّي قد أَسْلَمْتُ، فإنهم إِنْ يعلموا أَنِّي قد أَسْلَمْتُ قالوا فِيَّ ما ليس فِيَّ، فأرسل نبي الله، - صلى الله عليه وسلم -، إليهم فدخلوا عليه فقال لهم نبيّ الله، - صلى الله عليه وسلم -: يا معشر اليهود، وَيْلَكم! اتقوا الله، فوالذي لا إله إلا هو إنكم تعلمون أَنِّي رسول الله حقًّا وأَنّي جئتكم بِحَقٍّ أَسْلِمُوا. قالوا: ما نعلمه. قال: يا معشر اليهود، ويلكم! اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أَنِّي رسول الله حقًّا، وأَنِّي جئتكم بحق أَسْلِمُوا. قالوا: ما نعلمه. قال يا معشر اليهود، ويلكم! اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أَنِّي رسول الله حقًّا، وأَنِّي جئتكم بحق، أَسْلِمُوا. قالوا ما نعلمهُ. قال: فَأَيُّ رَجُلٍ فيكم عبد الله بن سَلَام؟ قالوا: ذاك سيدُنا وابنُ سيدنا، وأعلمُنا وابنُ أعلمنا. قال: أَفَرَأَيْتُم إِنْ أَسْلَم؟ قالوا حاشا لله، ما كان لِيُسْلِم. قالوا أرأيتم إن أسلم قالوا حاشا لله ما كان لِيُسْلِم. قال: أرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشا لله، ما كان يُسْلِم. فقال يابن سَلَام اخْرُجْ عليهم. فَخَرَج إليهم فقال: يا معشر اليهود ويلكم! اتقوا الله، والله الذي لا إله إلا هو إنكم تعلمون أَنه رسول الله حقًّا، وأَنه جاء بالحق فقالوا: كذبتَ فأخرجهم رسولُ الله، - صلى الله عليه وسلم - (٢).
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدّثنا حَمّاد بن سَلَمة، عن ثابت، وحُميد، عن أنس بن مالك قال: لما قدم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، المدينةَ أُخْبِرَ عبدُ الله بن سَلَام بقدومه وهو في نَخْلِه، فأتاه فقال: إني سَائِلُك عن أشياءَ لا يعلمها إلّا نبي، فإن أخبرتني بها آمنت بك وإن لم تعلَمهُنّ عرفت أنك لست بِنَبِيّ. قال: وما هُنّ؟ قال فسأله: عن الشَبَهِ، وعن أول شيء يأكله أهل الجنّة، وعن أول شيء يَحشر الناس. فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: أخبرني بهن جبريل آنفًا، قال: ذاك عدوُّ اليهود. قال: أمّا الشبه فإذا سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة أَذْهَبَ بِالشَّبَه. وإذا سبق ماءُ المرأةِ ماءَ الرجل ذهب بالشَّبَه (١). وأَمّا أول شيءٍ يأكله أهل الجنة فَزَائِدةُ كبد حُوت. وأما أول شيء يَحشر الناس فنارٌ تجِيئ مِن قِبلَ المشرق فتحشرهم إلى المغرب: فآمن قال: أشهد أنك رسول الله. قال عبد الله بن سَلَام: يا رسول الله إنّ اليهود قومٌ بُهْتٌ (٢). وإنهم إنْ سمعوا بإسلامي بَهَتُوني فَاخْبَأني عندك وابعث إليهم فَسَلْهم عَنِّي. فَخَبَأَه رسولُ الله، - صلى الله عليه وسلم -، وبعث إليهم، فجاءوا، فقال: أي رجل عبد لله بن سَلَام فيكم؟ فقالوا: هو خَيْرُنَا وابنُ خَيْرِنا (٣)، وَسيِّدنا وابنُ سَيِّدنا، وعالمنا وابن عالمنا، قال: أرأيتم إِنْ أَسْلَم، أتسلمون؟ فقالوا: أعاذهُ الله من ذلك. فقال: يا عبد الله بن سَلَام اخرج إليهم. فخرج إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله. قالوا: بل شرّنا وابن شرّنا، وجاهلنا وابن جاهلنا. فقال ابن سَلَام قد أخبرتك يا رسول الله أَنّ اليهود قومٌ بُهْتٌ (٤).
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدّثنا مبارك، قال: سمعت الحسن يحدث هذا الحديث عن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، فلمّا بَلَغَ قولَ عبد الله بن سَلَام، قال النبي، - صلى الله عليه وسلم -: الشهادةُ الأولى أحق.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون ومحمد بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن بكر السَّهْمِيّ قالوا: حدّثنا حُمَيد الطويل، عن أنس بن مالك: أَنّ عبد الله بن سَلَام أتى النبي، - صلى الله عليه وسلم -، لما قدم المدينة فقال: إني سائلك عن ثلاثة أشياء لا يعلمهنّ إلّا نبيٌّ. قال: سَلْ. قال: ما أوّل أَشْراط الساعة؟ وما أول طعام يأكل أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه والولد إلى أمّه؟
قال: أخبرني بهنّ جبريل آنفًا. قال: جبريل؟! قال: نعم. قال ذاك عدوُّ اليهود من الملائكة.
قال: أَمَّا أول أشراط الساعة فنارٌ تَخْرُجُ من المشرق، فَتَحْشُر الناسَ إلى المغرب. وأمّا أول ما يأكل أهلُ الجنة، فَزِيَادَة كَبِدِ الحوت، وأما ما ينزع الولد إلى أبيه وينزع الولد إلى أمّه، فإذا سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة نزع إلى أبيه. وإذا سبق ماءُ المرأة ماءَ الرجل نزع إلى أمه. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ثم قال: يا رسول الله إنّ اليهودَ - قال يزيد، والأَنصاري - قَوْمٌ بهتة. وقال عبد الله بن بكر: قومٌ بُهْتٌ. وإِنهم إنْ يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عنّي بَهتوني، فأخبَأني لهم ثم سَلْهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، أَيّ رجلٌ أنا فيهم.
فجاء نفرٌ من اليهود فسألهم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أَيُّ رجلٍ عبد الله فيكم فقالوا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: أرأيتم إن أسلم عَبدُ الله بن سَلَام؟ قالوا: مَعَاذَ الله من ذلك. ثم أعاد عليهم فقال: أرأيتم إن أسلم عبدُ الله بن سَلَام؟ قالوا: أَعَاذَه الله مِن ذلك. قال: فخرج عليهم عبدُ الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فقالوا: شَرُّنا وابنُ شَرّنا ونحو ذلك. قال يقول عبد الله: يا رسول الله هذا الذي كنتُ أخاف (١).
قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا جُوَيْبِر، عن الضَّحّاك في قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [سورة الأحقاف: ١٠] قال: جاء عبد الله بن سَلَام إلى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، إنّ اليهودَ أَعظمُ قومٍ عَضِيهَةً (٢) فَسَلْهم عنّي، وخذ عليهم ميثاقًا: إني [إن] اتبعتك وآمنت بكتابك أن يؤمنوا بك وبكتابك الذي أُنزل عليك، واخْبَأْني يا رسول الله قبل أن يدخلوا عليك، فأرسل إلى اليهود فقال: ما تعلمون عبدَ الله بن سَلَام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأعلمنا بكتاب الله سيدُنا وعالمُنا وأفضلنا. قال: أرأيتم إن شهد أني رسول الله وآمن بالكتاب الذي أنزل عَلَيَّ تؤمنون بي؟ قالوا: نعم. فدعاه فخرج عليهم عبد الله، فقال:
يا عبد الله بن سَلَام، أما تعلم أَنِّي رسول الله؟ تجدوني مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل، أخذ الله ميثاقكم أن تؤمنوا بي وأن يتبعني من أدركني منكم؟ قال: بلى، قالوا: ما نعلم أنك رسول الله، وكفروا به وهم يعلمون أَنه رسول الله، وأَن ما قال حقّ. فأنزل الله {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [سورة الأحقاف: ١٠] يَعني الكتاب والرسول {وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} يعني عبد الله بن سَلَام {فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة الأحقاف: ١٠] فَفِي ذلك نزلت هذه الآية (١).
قال: أخبرنا هَوْذَةُ بن خَلِيفة، قال: حدّثنا عوف، عن الحسن، قال: لما أراد عبد الله بن سَلَام الإسلامَ دخل على رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فأسلم قال: أشهد أنك رسول الله بالهدي ودين الحق، وأَنّ اليهودَ يجدونك عندهم في التوراة منعوتًا ثم قال له: أرسل إلى نفرٍ من اليهود إلى فلان وفلان سماهم له واخْبَأني في بيتك، فَسَلْهُم عنّي وعن والدي، فإنهم سيخبرونك، وإنّي سأخرج عليهم فأشهد أنك رسول الله أرسلك بالهدى ودين الحق لعلهم يُسْلِمُون فَفَعَل رسولُ الله، - صلى الله عليه وسلم -، ذلك فَخَبَأَه في بيته، وأرسل إلى النفر الذين أَمَرَهُ بهم فدعاهم، فقال لهم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، مَا عَبْدُ الله بن سَلَام فيكم وما كان والده؟ قالوا: سَيِّدُنا وابن سيدنا، وعَالِمُنا وابنُ عالمنا. قال: فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: أرأيتم إِنْ أَسْلَم تُسْلِمون؟ قالوا: إنه لَا يُسْلم. قال أرأيتم إن أسلم أَتُسْلِمون؟ قالوا: إنه لَا يُسْلِم. قال: فدعاه رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فخرج عليهم، فقال: أشهد أنك رسول الله أرسلك بالهدى ودين الحق. وإنهم ليعلمون منك مثل ما أعلم. فقالت اليهود لعبد الله: ما كُنا نخشاك يا عبد الله على هذا، قال: فخرجوا من عنده وأنزل الله تعالى ذلك: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (٢).
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عبد الجبار بن عمارة، عن عبد الله بن أَبِي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم قال: لما سمع عبد الله بن سَلَام ما نزل على رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، من القرآن، وعرفَ صفة رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - عنده، وعرف ما نزل عليه من القرآن. بما عنده من التوراة. وكان أعلم بني إسرائيل بالتوراة وَأَصْدَقَه عندهم فأسلم. فسأل رسولُ الله، - صلى الله عليه وسلم -، اليهودَ قبل أن يعلموا بإسلامه: كيف هُوَ فيكم؟ قالوا: يا أبا القاسم، ذَاك سيدُنا وخَيْرُنا وأَعْلَمُنا بالتوراة التي أنزل الله على موسى، وكَان اسمه الحُصَين فسماهُ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، عبد الله. وكان من عِلْيَةِ أصحاب رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، من أهل الدين، وكان صحيح الإسلام حتى مات.
قال: أخبرنا عُبَيد الله بن موسى، وأحمد بن عبد الله بن يونس، قالا: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، قوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [سورة الأحقاف: ١٠]. قال: عبد الله بن سَلَام.
قال: أخبرنا عُبَيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن جابر، عن مجاهدٍ وعطاءٍ وعِكْرِمَةَ: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ}، قالوا: عبد الله بن سَلَام. وقال الحسن بن مسلم: نزلت هذه بمكة، وعبد الله بن سَلَام بالمدينة.
قال أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: حدّثنا سفيان عن داود عن الحسن قال: نَزَلَت حم وعبد الله بن سَلَام بالمدينة مُسْلِم.
قال: أخبرنا عبد الله بن عمرو، وأَبُو مَعْمَر المِنْقَريّ قال: حدّثنا عبد الوارث بن سعيد، عن حُميد - يعني الأعرج - قال: كان مجاهد يقرأ: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [سورة الرعد: ٤٣] قال وكان يقول: هو عبد الله بن سَلَام.
قال: أخبرنا الفَضْل بن دُكَيْن، قال: حدّثنا سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهد: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}، قال: عبد الله بن سَلَام.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، وقَبِيصة بن عقبة قالا: حدّثنا سفيان، عن عَمْرو بن قيس، عن عَطِيَّة العَوْفِي في قوله: {أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [سورة الشعراء: ١٩٧]. قال: كانوا خمسةً: عبد الله بن سَلَام، وبِنْيامين، وثعلبةُ، وأسد، وأسيد.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، عن إبراهيم بن محمد، عن معاذ بن عبد الله التَّيْمِيّ، عن يوسف بن عبد الله بن سَلَام، عن أبيه، قال: أمرني رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، أن أقرأ القرآن ليلةً والتوراةَ ليلةً.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدّثنا حَمّاد بن سَلَمة، قال أخبرنا عاصم بن بَهْدَلَة، عن مُصْعَب بن سعد، عن أبيه سعد: أن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، أُتِي بقصعةٍ فأكل منها فَفَضْلَت فَضْلةٌ، فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: يجيء رجلٌ من هذا الفَجّ من أهل الجنة فيأكل هذه الفضلة. قال: وكنت تركتُ أَخِي عُمَيْرًا يتوضأ، فقلت: هو عمير. فجاء عبد الله بن سَلَام فأكلها (١).
قال: أخبرنا حَمّاد بن عَمْرو النَّصِيبِيّ، قال: حدّثنا زَيْد بن رُفَيع، عن معبد الجهني، عن يَزِيد بن عَمِيرة السَّكْسَكِيّ وكان تلميذًا لمعاذ بن جبل، فلما حضرت معاذًا لوفاةُ قعد يزيد عند رأسه يبكي فنظر إليه معاذٌ فقال: ما يبكيك؟! فقال له يزيدُ: أما والله ما أبكي لدنيا كنت أصيبها منك (٢)، ولكن أبكي لما فاتني من العلم، فقال له معاذٌ: إن العلم كما هو لم يذهب، فاطلب العلم بعدي عند أربعةٍ، سمّاهم فيهم عبد الله بن سَلَام الذي قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: هو عاشر عشرةٍ في الجنة (٣).
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، قال: حدّثنا عبد الله بن عَوْن، عن محمد بن سِيرِين، عن قيْس بن عُبَاد (٤) قال: كنت في مسجد المدينة قال: فجاء رجلٌ بوجههِ أَثَرٌ من خشوع، فقال القومُ: هذا رجلٌ من أهل الجنة، قال: فدخل المسجد فصلى ركعتين، فأوجز فيهما. فلمّا خرج اتبعتُه حتى دخل منزلَهُ، فدخلتُ معه، فحدثتهُ، فلما استأنس، قلت: إن القوم لَمَّا دَخَلْتَ قِبَلَ المسجد قالوا: كذا وكذا. قال: سبحان الله! ما ينبغي لأحدٍ أن يقولَ ما لا يعلم.
وسأُحَدِّثُكَ لِم: إِني رأيت رؤيا على عهد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فقصصتها عليه، رأيتُ كَأَنِّى في روضة خضراء، - قال ابن عون: فذكر من خضرتها وسعتها - وسطها عمود حديد، أسفلهُ في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عُروة، فقِيل لي: اصعد عليه فقلت: لا أستطيع، فجاءني مُنصف فرفع ثيابي من خلفي فقال: اصعدْ عليه قال: فصعدت حتى أخذت بالعروة الوثقى (١). فقال: استمسك بالعروةِ، قال: فاستيقظت وإنّها لفي يدي: قال: فلما أصبحتُ أتيت رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فقصصتها عليه فقال: أَمَّا الرَّوضةُ فَروضَةُ الإسلام، وأَمَّا العَمُود فعمُود الإسلام، وأَمّا العُرْوَةُ فهي العروة الوثقى، أنت على الإسلام حتى تموت. قال: وهو عبد الله بن سَلَام. قال إسحاق: وسُئل عبد الله بن عَون عن المُنصف؟ فقال: هو الوصيفُ (٢).
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدّثنا حَمَّاد بن سلمة، عن عاصم بن بَهْدَلة، عن المُسَيِّب بن رافع، عن خَرَشَةَ بن الحُرِّ، قال: قدمت المدينة فجلست إلى أَشْيِخَة في مسجد النبي، - صلى الله عليه وسلم -، فجاء شيخٌ يتوكَّأ عَلَى عَصًا له، فقال رجلٌ: هذا رجلٌ من أهل الجنة. فقام خلف ساريةٍ، فصلى ركعتين، فقمت إليه: فلمّا قضى صلاته قلت: زعم هؤلاء أَنَّك من أهل الجنة، فقال: الجنّةُ لله يُدْخِلُها مَنْ يشاء، وإني رأيتُ على عهدِ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، رؤيا: رأيتُ كَأَنّ رجلًا أتاني، فقال: انطلق فسلك بي في منهج عظيم. فبينما أنا أمشي إذ عرض لي طريقٌ عن شمالي، فأردتُ أن أَسْلُكَها، فقال: إنك لستَ من أهلها. ثم عَرضَتْ لي طريق عن يميني، فسلكتها، حتى انتهينا إلى جبلٍ زَلَقٍ، فأخذ بيدي، فرحل بي، فإذا أنا على ذروته، فلم أَتَقَارَّ، ولم أَتماسكْ، وإذا عمودٌ من حديدٍ، في أعلاه عُروةٌ من ذهب، فأخذ بيدي، فَزَجَلَ (٣) بي، حتى أخذتُ العروة، فقال لي:
استمسك بالعروة. فقصصتها على رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فقال: رأيت خيرًا: أمّا المنهج العظيم فالمحشر، وأما الطريق التي عرضت لك عن شمالك فطريق أهل النار، ولستَ من أهلِها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأمّا الجبل الزَّلِق فمنزل الشهداء، وأما العروة التي استمسكتَ بها فعروة الإسلام، فاستمسك بها حتى تموت. وأنا أرجو أن أكون من أهلها. وهو عبد الله بن سَلَام (١).
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدّثنا مهدي بن ميمون، قال: وأخبرنا وهب بن جرير، قال: حدّثنا أَبِي جميعًا قالا: حدّثنا محمد بن أبي يعقوب عَنْ بشر بن شَغَافٍ، عن عبد الله بن سَلَام: أنه شهد فتح نَهَاوَنْد (٢).
قال: أخبرنا عارم بن الفضل، قال: حدّثنا حمّاد بن زيد، عن أيوب وهشام عن محمد قال: نُبِّئْتُ أنّ عبد الله بن سَلَام قال: إن أدركني، وليس بي رَكُوبٌ فاحملوني، حتى تضعوني بين الصفين، يعني قُبَالَ (٣) الأعماق (٤).
قال: حدّثنا محمد بن مُصْعَب القَرْقَسَانِيّ، قال: حدّثنا الأَوْزَاعِيّ، عن يحيى بن أَبِي كَثِير: أَنّ عبد الله بن سَلَام صَكَّ غلامًا صَكَّةً، فجعل يبكي ويقول: اقتصّ مني فيقول الغلام: لا أقتص منك يا سيدي. قال عبد الله بن سَلَام كل ذنب يغفر الله إلا صَكَّةَ الوجه (٥).
قال: أخبرنا محمد بن مُصْعَب، قال: حدّثنا الأَوْزَاعي، عن يحيى بن أَبِي كَثِير قال: كان عبد الله بن سَلَام إذا دخل المسجد، سلَّم على النبي، - صلى الله عليه وسلم -، وقال: اللهمّ افتح لنا أبواب رَحْمَتِكَ. وإذا خَرَجَ، سلم على النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، وتَعَوَّذَ من الشيطان (٦).
قال: أخبرنا حَفْص بن غِياث النَّخَعِيّ، عن أشعث، عن أَبِي بُرْدَة بن أبي موسى قال: قدمت المدينة فأتيت عبد الله بن سَلَام، فإذا رجلٌ مُتخشعٌ فجلست إليه فقال: يابن أخي إنك جلست إلينا وقد حان قيامُنا فتأذَن؟
قال: أخبرنا الفَضْل بن دُكَين، قال: حدّثنا حَفْص بن غِيَاث، عن أشعث، عن أَبِي بردة، قال: أتيت المدينة فإذا عبد الله بن سَلَام جالس في حلقة متخشِّعًا عليه سيماء الخير، قال: يا أَخِي جئتَ ونحن نُريد القيام. قال: فأذنتُ له أو قال: أو قلتُ إِذَا شئتَ فقام فاتَّبعتُهُ حتى انتهيت إلى منزله. قال: مَنْ أنت؟ قلت أنا ابن أخيك، أنا أبو بُرْدَة بن أَبِي موسى قال: فرحّب بِي، وَسَأَلَني، وسقاني قدحًا من سويق فشربته. ثم قال: إنكم بأرض الريف، وإنكم تُسالفون الدهاقين، فَيُهدون لكم حُمْلان (١) القَتِّ والدَواخِل (٢)، فلا تقربوها فإنها نارٌ (٣).
قال قالوا: وتوفي عبد الله بن سَلَام بالمدينة سنة ثلاث وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان (٤).
(١) ينظر ترجمة سفيان بن عبد اللَّه: ٢/ ٤٠٥.
(٢) له ترجمة في الاستيعاب: ٩٢١.
(٣) كان الظاهر أن يقال: فلانا. خبرا لكان. وما ثبت في الحديث له وجه في العربية معروف، وهو أن يكون في كان ضمير الشأن.
(٤) الأحقاف: ١٠.
(٥) الرعد: ٤٣.
(٦) أي مستورا عنكم.