سيرة أبو بكر الصديق
واسمه عبد الله بن أبي قُحافة، واسمه عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة، وأمّه أمّ الخير واسمُها سَلْمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة، وكان لأبى بكر من الولد عبدُ الله وأسْماء ذات النّطاقين وأمّهما قُتيلة بنت عبد العُزّى بن عبد أسعد بن نضر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤيّ، وعبد الرّحمن وعائشة وأمّهما أمّ رومان بنت عامر بن عُويمر بن عبد شمس بن عتّاب بن أذينة بن سُبيع بن دُهمان بن الحارث بن غَنْم بن مالك بن كنانة، ويقال بل هي أمّ رومان بنت عامر بن عُميرة بن ذُهْل بن دُهْمان بن الحارث بن غَنْم بن مالك بن كنانة، ومحمّد بن أبي بكر وأمّه أسماء بنت عُميس بن مَعْد (١) بن تيم بن الحارث بن كعب بن مالك بن قُحافة بن عامر بن مالك بن نَسْر بن وَهْب الله بن شَهْران بن عِفْرِس بن حَلِف (٢) بن أفْتَل، وهو خَثْعَم، وأمّ كلثوم بنت أبى بكر وأمّها حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير من بنى الحارث بن الخزرج وكانت بها نَسْأً فلمّا توفى أبو بكر وَلدت بعده.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا إسحاق بن يحيَى بن طلحة عن معاوية بن إسحاق بن طلحة عن أبيه عن عائشة أنها سُئلت: لِمَ سُمّى أبو بكر عتيقًا؟ فقالت: نَظَرَ إليه رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: هذا عتيق الله من النّار.
قال: وأما محمّد بن إسحاق فقال: أبو قُحافة كان اسمه عتيقًا، ولم يذكر ذلك غيره.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا المعافى بن عمْران قال: أخبرنا مغيرة بن زياد قال: أرسلتُ إلى ابن أبي مُليكة أسأله عن أبي بكر الصّدّيق ما كان اسمه قال: فأتيته فسألته فقال: كان اسمه عبد الله بن عثمان وإنما كان عتيق كذا وكذا يعني لقبًا (١).
قال: أُخبرتُ عن عبد الرزّاق بن همّام عن معمر عن ابن سيرين قال: اسم أبى بكر عتيق بن عثمان.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: أخبرنا صالح بن موسى الطّلحى قال: حدّثني معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أمّ المؤمنين قالت: إنّى لفى بيت رسول الله وأصحابه في الفِناء وبينى وبينهم السّتْرُ إذ أقبل أبو بكر فقال رسول الله: مَنْ سَرَّه أن ينظر إلى عتيقٍ من النّار فلينظر إلى هذا، قالت: وإنّ اسمه الذي سمّاه به أهلهُ لعبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو لكن غلب عليه عتيق.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو معشر قال: أخبرنا أبو وَهْب مولى أبى هُريرة أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال ليلةَ أُسْرِىَ به: قلتُ لجبريل إنّ قومى لا يُصَدّقوننى، فقال له جبريل: يُصَدّقك أبو بكر وهو الصّدّيق.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا قُرّة بن خالد قال: أخبرنا محمّد بن سيرين عن عُقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أبو بكر سمّيتموه الصّدّيق وأصَبْتُم اسمه.
قال: أخبرنا قَبيصة بن عُقبة قال: أخبرنا سُفيان عن أبي الجحّاف عن مُسلم البطين قال:
أَنَّى (١) نُعَاتِبُ لا أبا لك عُصْبَةً … عَلَقوا الفِرى وبَرَوْا من الصّدّيقِ وبَرَوْا سفاهًا من وزير نبيّهم … تَبًّا لمنْ يَبْرا مِنَ الفاروقِ إنى على رَغْمِ العُداةِ لَقَائلٌ … دانا بِدِينِ الصّادقِ المصدوقِ أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا عبد الواحد بن زياد قال: أخبرنا الحسن بن عُبيد الله قال: أخبرنا إبراهيم النخعيّ قال: كان أبو بكر يسمّى الأوّاه لرأفته ورحمته.
قال: أخبرنا سعيد بن محمّد الثقفى عن كثير النّوّاء عن أبي سَرِيحة: سمعتُ عليًّا، عليه السلام، يقول على المنبر ألا إنّ أبا بكر أَوَّاهٌ مُنيب القلب، ألا إنّ عُمَرَ ناصحَ الله فَنَصَحَه.
ذكر إسلام أبى بكر
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمد عن إبراهيم بن محمّد بن طلحة قال: وحدّثنى منصور بن سلمة بن دينار عن محمّد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر عن أبيه قال: وحدّثنى عبد الملك بن سليمان عن أبي النضر عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن قال: وحدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرَة عن صالح بن محمّد عن زائدة عن أبي عبد الله الدّوْسيّ عن أبي أرْوَى الدّوْسيّ قالوا: أوّل من أسلم أبو بكر الصّدّيق.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا شعبة عن عمرو بن مُرّة عن إبراهيم قال: أوّل من صلّى أبو بكر الصّدّيق.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم عن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة عن أبيه عن أسماء بنت أبى بكر قالت: أسلم أبى أوّل المسلمين ولا والله ما عقلت أبي إلا وهو يَدينُ الدّينَ.
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني معمر ومحمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة قالت: ما عَقَلْتُ أبَوَيّ إلا وهما يدينان الدين وما مرّ علينا يومٌ قطّ إلا ورسول الله يأتينا فيه بُكرة وعشيّة.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا أبو عَوانة (١) عن مغيرة عن عامر قال: قال رجل لبلال: من سَبَقَ؟ قال: محمّد، قال: من صلّى؟ قال: أبو بكر، قال: قال الرجل إنّما أعني في الخيل، قال بلال: وأنا إنّما أعنى في الخير.
قال: أخبرنا أبو أسامة حمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبى قال: أسلم أبو بكر يوم أسلم وله أربعون ألف درهم.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أُسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان أبو بكر معروفًا بالتجارة، لقد بُعث النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وعنده أربعون ألف درهم فكان يُعتق منها ويُقوّى المسلمين حتَّى قَدِمَ المدينة بخمسة آلاف درهم ثمّ كان يفعل فيها ما كان يفعل بمكّة.
ذكر الغار والهجرة إلى المدينة
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال لأبى بكر الصّدّيق: قد أُمِرْتُ بالخروج، يعني الهجرة، فقال أبو بكر: الصّحْبَةَ يا رسول الله، قال: لك الصحبة. قال: فخرجا حتَّى أتيا ثورًا فاختبيا فيه فكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بخبر أهل مكّة باللّيل ثمّ يصبح بين أظهرهم كأنّه بات بها، وكان عامر بن فُهيرة يرعى غنمًا لأبى بكر فكان يريحها عليهما فيشربان من اللبن، وكانت أسماء تجعل لهما طعامًا فتبعث به إليهما فجعلت طعامًا في سُفْرَةٍ فلم تجد شيئًا تربطها به فقطعت نطاقها فربطتها به فسُمّيَت ذات النّطاقَين. قال ثمّ قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنى قد أُمِرْتُ بالهجرة (٢). وكان لأبى بكر بعير، واشترى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بعيرًا آخر فركب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بعيرًا وركب أبو بكر بعيرًا وركب آخر فيما يعلم حمّادٌ عامرُ ابن فُهيرة بعيرًا، فكان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَثْقُلُ على البعير فيتحَوّل رسول الله على بعير أبى بكر، ويتحوّل أبو بكر إلى بعير عامر بن فُهيرة، ويتحوّل عامر بن فُهيرة إلى بعير رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فيُثْقَلُ بعير أبى بكر حين يَرْكَبُه رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: فاستقبلتهما هَدِيّةٌ من الشأم من طلحة بن عُبيد الله إلى أبى بكر فيها ثياب بياض من ثياب الشأمِ فلبساها فدخلا المدينة في ثياب بياض (١).
قال: أخبرنا أبو أسامة قال: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أنّ عبد الله بن أبي بكر كان الذي يختلف بالطعام إلى النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأبى بكر وهما في الغار.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني معمر عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة قالت: كان خروج أبى بكر للهجرة إلى المدينة مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ومعهما عامر بن فُهيرة ومعهما دليل يُقال له عبد الله بن أُرَيقِطْ الدّيليّ وهو يومئذ على الكفر ولكنهما أمِناه.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا همّام بن يحيَى قال: أخبرنا ثابت عن أنس أنّ أبا بكر حدّثه قال: قلتُ للنّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ونحن في الغار لو أنّ أحدهم ينظر إلى قدميه لأبْصَرَنا تحت قدميه، قال فقال: يا أبا بكر ما ظنّك باثنَينِ الله ثالثهما؟
قال: أخبرنا شَبابة بن سَوّار قال: أخبرنا أبو العطوف الجَزَريّ عن الزّهريّ قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لحسان بن ثابت: هل قلتَ في أبى بكر شيئًا؟ فقال: نعم، فقال: قل وأنا أسمع، فقال:
وثانىَ اثْنَينِ في الغارِ المُنيف وقَدْ … طافَ العَدُوّ بهِ إذْ صَعِدَ الجَبَلا وكان حِبُّ (٢) رسولِ اللهِ قد عَلموا … من البرِيّةِ لم يَعْدِلْ بهِ رَجُلا قال: فضحك رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حتى بَدَتْ نَواجذُه ثمّ قال: صدقتَ يا حسّان هو كما قلت.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن عطيّة بن عبد الله بن أُنيس عن أبيه قال: لمّا هاجر أبو بكر من مكّة إلى المدينة نزل على حَبيب بن يَساف.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني موسى بن عُبيدة عن أيّوب بن خالد قال: نزل أبو بكر على خارجة بن زيد بن أبي زُهير.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر عن موسى بن يعقوب قال: حدّثني محمّد بن جعفر بن الزّبير قال: نزل أبو بكر على خارجة بن زيد بن أبي زُهير وتزوّج ابنته ولم يزل في بنى الحارث بن الخزرج بالسّنْح حتى توفى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه قال: آخى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بين أبى بكر وعمر.
قال: أخبرنا محمّد بن إسماعيل بن أبي فُديك قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عن أبيه أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لما آخي بين أصحابه آخى بين أبى بكر وعمر.
قال: أخبرنا محمّد بن عُبيد قال: حدّثني وائل بن داود عن رجل من أهل البصرة قال: آخى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بين أبى بكر وعمر فرآهما يومًا مُقبِلَين فقال: إنّ هذين لَسَيّدَا كُهول أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين كُهولهم وشبابهم إلا النبيّين والمُرسَلين.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا مالك بن مِغْول عن الشعبيّ قال: آخى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بين أبى بكر وعمر فأقبلا، أحدهما آخذٌ بيد صاحبه، فقال: مَنْ سَرّه أن ينظر إلى سَيّدَىْ كُهول أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين إلّا النبيّين والمرسَلين فلينظر إلى هذين المُقبلين.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: لمّا أقطع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الدّور بالمدينة جعل لأبى بكر موضع داره عند المسجد وهي الدّار التي صارت لآل مَعْمَر.
قالوا: وشهد أبو بكر بدرًا وأُحُدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ودفع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، رايتَه العظمى يوم تبوك إلى أبى بكر وكانت سوداء وأطعمه رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بخيبر مائة وَسْق، وكان فيمن ثَبَتَ مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يومَ أُحُدٍ حين ولّى النّاس.
قال: وأخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني حمزة بن عبد الواحد عن عكرمة ابن عمّار عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: بعث رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أبا بكر إلى نَجْد وأمّره علينا فبيّتنَا ناسًا من هوازن فقتلتُ بيدى سبعةً أهْل أبيات، وكان شعارنا أمتْ أمتْ.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثني مِسْعر عن أبي عون عن أبي صالح عن عليّ قال: قيل لعليّ ولأبى بكر يوم بدر: مع أحَدِكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل مَلَكٌ عظيمٌ يَشْهَدُ القتال، أو قال يَشْهَدُ الصّفّ.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير عن الأعمش عن عمرو بن مرّة عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال النّبيّ إنى أبْرَأ إلى كلّ خليل من خلّته غير أنّ الله قد اتّخذ صاحبكم خليلًا، يعني نفسه، ولو كنتُ متّخِذًا خليلًا لاتخذتُ أبا بكر خليلًا.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا شُعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: لو كنت متّخذًا خليلًا من أمتي لاتّخذتُ أبا بكر.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقيّ قال: حدّثنا عُبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أُنيسة عن عمرو بن مُرّة عن عبد الله بن الحارث قال: حدّثنا جندب أنّه سمع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول: لو كنتُ متّخذًا خليلًا من أمّتى لاتّخذتُ أبا بكر خليلًا.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا وُهيب قال: أخبرنا خالد عن أبى قلابة عن أنس بن مالك عن النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: أرْحَمُ أمَّتي بأمّتي أبو بكر.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن الجريريّ عن عبد الله بن شقيق عن عمرو بن العاص قال: قلتُ يا رسول الله أيّ النّاس أحبّ إليك؟ قال: عائشة، قلت: إنّما أعنى من الرّجال، قال: أبوها.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن هشام عن محمّد قال: كان أغْيَرَ هذه الأمّة بعد نبيّها أبو بكر.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا السّرِيّ بن يحيَى عن الحسن قال: قال أبو بكر يا رسول الله ما أزال أرانى أطَأ في عَذِرات النّاس، قال: لتكوننّ من النّاس بسبيل، قال: ورأيتُ في صدرى كالرّقْمَتَيْنِ، قال: سَنَتَين، قال: ورأيتُ عَلَيّ حُلّةً حِبَرَةً، قال: وَلَدٌ تُحْبَرُ به.
قال: أخبرنا حجّاج بن محمّد عن ابن جُريج قال: أخبرنا عطاءٌ أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لم يحجّ عام الفتح وأنّه أمّر أبا بكر الصّدّيق على الحجّ.
قال: أخبرنا خالد بن مَخْلَد قال: أخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: استعمل النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أبا بكر على الحجّ في أوّل حجّة كانت في الإسلام، ثمّ حجّ رسول الله في السنة المُقبلة، فلمّا قُبض النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، واستُخلف أبو بكر استعمل عمر بن الخطّاب على الحجّ ثمّ حجّ أبو بكر من قابلٍ، فلمّا قُبض أبو بكر واستُخلف عمر استعمل عبد الرّحمن بن عوف على الحجّ، ثم لم يزل عمر يحجّ سنيه كلّها حتى قُبض فاستُخلف عثمان فاستعمل عبدَ الرّحمن بن عوف على الحجّ.
قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا أبو بكر بن عيّاش عن مُبَشّر السعديّ عن ابن شهاب قال: رأى النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، رؤيا فقصّها على أبي بكر فقال: يا أبا بكر رأيتُ كأنّى استبقتُ أنا وأنت درجة فسَبَقْتُك بمِرْقاتين ونصف، قال: خيرٌ يا رسول الله، يُبْقِيكَ الله حتى ترى ما يَسُرّك ويُقِرّ عَيْنَك، قال: فأعاد عليه مثل ذلك ثلاث مرّات وأعاد عليه مثل ذلك، قال: فقال له في الثالثة: يا أبا بكر رأيتُ كأنّى استبقتُ أنا وأنت درجة فسبقتُك بمرقاتين ونصف، قال: يا رسول الله يَقْبِضُكَ الله إلى رحمته ومغفرته وأعيش بعدك سنتين ونصفًا.
قال: أخبرنا الفضل بن عَنْبَسَة الخزّاز الواسطيّ وعارم بن الفضل قالا: أخبرنا حمّاد بن زيد قال: أخبرنا سعيد بن أبي صدقة عن محمّد بن سيرين قال: لم يكن أحدٌ بعد النّبيّ أهْيَبَ لما لا يَعْلَمُ (١) من أبى بكر، ولم يكن أحدٌ بعد أبى بكر أهْيبَ لما لا يُعلَمُ من عُمَرَ، وإنّ أبا بكر نزلت به قضيّة لم نَجدْ لها في كتاب الله أصْلًا ولا في السنة أثرًا فقال أجْتَهِدُ رَأيي فإنْ يَكُنْ صَوابًا فمِنَ الله وإنْ يكُنْ خَطَأً فمنّى وَأستغْفِرُ الله.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن جُبير بن مُطعم عن أبيه أنّ امرأة أتت النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، تَسْألُه شيئًا فقال لها: ارجعى إليّ، فقالت: فإن رجعتُ فلم أجدْك يا رسول الله؟ تُعَرّض بالموت، فقال لها رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فإن رجعتِ ولم تجدينى فالْقَيْ أبا بكر (١).
قال: أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسيّ وعبد العزيز بن عبد الله قالا: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن محمّد بن جُبير بن مُطعم عن أبيه أنّ امرأة أتت النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فى شئ فقال لها رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ارجعى إليّ، قالت: يا رسول الله فإن لم أرَك، وتعنى الموت، فإلى مَنْ؟ قال: إلى أبي بكر.
ذكر الصلاة التي أَمَر بها رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أبا بكر عند وفاة أبو بكر الصديق
قال: أخبرنا حُسين بن عليّ الجُعفى عن زائدة عن عبد الملك بن عُمير عن أبي بُرْدَة عن أبي موسى قال: مَرِضَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فاشْتَدّ وجعه فقال: مُرُوا أبا بكر فَلْيُصَلّ بالنّاس، فقالت عائشة: يا رسول الله إنّ أبا بكر رجل رقيق وإنّه إذا قام مقامك لم يكد يُسمع النّاس، قال: مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس فإنّكنّ صواحب يوسف.
قال: أخبرنا حُسين بن عليّ الجُعفى عن زائدة عن عاصم عن زرّ عن عبد الله قال: لما قُبض رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قالت الأنصار: مِنّا أميرٌ ومنكم أميرٌ، قال فأتاهم عمر فقال: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أنّ رسول الله أمر أبا بكر أن يصلّي بالنّاس؟ قالوا: بَلَى، قال: فأيّكم تطيبُ نفسه أنْ يتقدّم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدّم أبا بكر.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير قال: أخبرنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: لما ثَقُلَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، جاء بِلال يُؤذِنُه بالصلاة فقال: مرُوا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، قالت: فقلت يا رسول الله إنّ أبا بكر رجل أَسيفٌ وإنّه متى يقم مقامك لا يُسمع النّاس فلو أمَرْتَ عُمَرَ، قال: مروا أبا بكر يصلّى بالنّاس، فقلت لحفصَة: قولى له إنّ أبا بكر رجل أسيفٌ وإنّه متى ما يقم مقامك لا يُسمع النّاس فلو أمرت عمر، قال فقالت له حفصة، فقال: إنّكُنّ لأنْتُنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، فقالت حفصة لعائشة: ما كنتُ لأصيبَ منكِ خيرًا، قالت فأمروا أبا بكر يصلّى بالنّاس، فلمّا دخل أبو بكر في الصّلاة وَجَدَ رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من نفسه خِفّةً فقام يُهادَى (١) بين رَجُلَين ورِجْلاه تَخُطّان في الأرض حتَّى دخل المسجد، فلمّا سمع أبو بكر حسّه ذهب يتأخّر فأوْمَأ إليه رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قُمْ كما أنْتَ، قالت فجاء رسول الله حتى جلس عن يسار أبى بكر فكان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يصلّى بالنّاس جالسًا وأبو بكر قائمًا يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله والنّاس يقتدون بصلاة أبى بكر.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: مُرُوا أبا بكر فليُصلّ بالنّاس، فقالت عائشة: يا رسول الله إنّ أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع النّاس من البكاء فَأمُرْ عمر فليصلّ بالنّاس، قال: مروا أبا بكرٍ فليُصَلّ بالنّاس، فقالت عائشة: فقلتُ لحفصة قُولى له إنّ أبا بكرٍ إذا قام مقامك لم يسمع النّاس من البكاء فأمُرْ عمر فليصَلّ بالنّاس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنّكُنّ لأنْتنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا أبو إسرائيل عن الفُضيل بن عمرو الفُقيميّ قال: صلّى أبو بكر بالنّاس ثلاثًا في حياة النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: ادْعي لي أباكِ وأخاكِ حتَّى أكتب لأبى بكر كتابًا فإنّى أخاف أنْ يَقُولَ قائِلٌ وَيَتَمَنّى وَيَأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن أبي بكر القرشى عن ابن أبي مُليكة عن عائشة قالت: لما ثَقُل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، دعا عبد الرّحمن بن أبي بكر فقال: ائْتنى بكتفٍ حتى أكتب لأبى بكر كتابًا لا يُخْتَلَفُ عليه، فذهب عبد الرّحمن ليقوم فقال: اجلس، أبَى الله والمؤمنون أن يُخْتَلَفَ على أبي بكر.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وسليمان أبو داود الطيالسيّ قالا: أخبرنا محمّد بن أبان الجُعفى عن عبد العزيز بن رُفيع عن عبد الله بن أبي مُليكة قال أبو داود عن عائشة، وقال عفّان عن عبد الله بن أبي مُليكة، قال: قال النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لعائشة لما مرض ادْعوا لي عبدَ الرّحمن بن أبي بكر أكْتُبْ لأبي بكر كتابًا لا يختَلفُ عليه أحدٌ من بعدى، وقال عفّان لا يختلف فيه المسلمون، ثمّ قال: دَعيه، معَاذَ الله أنْ يختلف المؤمنون في أبى بكر (١).
قال: أخبرنا جعفر بن عون قال: أخبرنا أبو عُميس عُتبة بن عبد الله عن ابن أبي مُليكة قال: سمعتُ عائشة وسُئلتْ: يا أمّ المؤمنين من كان رسول الله مستخلفًا لو استخلف؟ قالت: أبا بكر، ثمّ قيل لها: من بعد أبى بكر؟ قالت: عمر، ثمّ قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبا عُبيدة بن الجرّاح، قال ثمّ انتهت إلى ذا.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا أبو معشر عن محمّد بن قيس قال: اشتكى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثلاثة عشر يومًا فكان إذا وجد خِفّةً صلّى وإذا ثَقُلَ صلّى أبو بكر.
ذكر بيعة أبى بكر (١)
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوّام عن إبراهيم التيميّ قال: لمّا قُبض رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أتى عمرُ أبا عُبيدة بن الجرّاح فقال: ابْسُط يدك فَلأبايعك فإنّك أمين هذه الأمّة على لسانِ رسول الله، فقال أبو عُبيدة لعمر: ما رأيتُ لك فَهّةً (٢) قَبْلَها منذ أسلمتَ، أتبايعنى وفيكم الصّدّيقُ وثانى اثنين؟ (٣).
قال: أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ ومحمّد بن عبد الله الأنصاريّ قالا: حدثنا أبو عون عن محمّد قال: لما توفى النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أتوا أبا عُبيدة فقال: أتأتونى وفيكم ثالث ثلاثة؟ قال أبو عون: قلتُ لمحمّد ما ثالثَ ثلاثة؟ قال: ألم تر إلى تلك الآية {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [سورة التوبة: ٤٠].
قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الزهريّ عن أبيه عن صالح بن كَيْسان عن ابن شهاب عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن عبد الله بن عبّاس: سمعتُ عمر بن الخطّاب، وذكر بيعةَ أبى بكر فقال: ولَيْسَ فيكم مَنْ تُقْطَعُ إليه الأعْناقُ مثلُ أبى بكر.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدثنا شعبة عن الجُرَيْرى [عن أبي نَضْرة] (٤) قال: لمّا أبْطَأ النّاسُ عن أبي بكر قال: من أحقّ بهذا الأمر منى؟ ألَسْتُ أوّلَ من صَلّى؟ ألَسْتُ ألستُ؟ قال فذكر خصالًا فعلها مع النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قال: حدثنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حمّاد بن زيد عن يحيَى بن سعيد عن القاسم بن محمّد أنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لمّا توفّى اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عُبادة فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عُبيدة بن الجرّاح، قال: فقام حُباب بن المُنْذر وكان بدرِيًّا فقال: مِنّا أميرٌ ومنكم أميرٌ فإنّا واللهِ ما نَنْفَسُ هذا الأمرَ عليكم أيّها الرهط ولكنّا نخاف أن يلِيَها، أو قال يَلِيَهُ، أقْوَامٌ قتلنا آباءهم وإخْوَتَهم، قال: فقال له عمر: إذا كان ذلك فمُتْ إن اسْتَطَعْتَ، فتكلّمَ أبو بكر فقال: نحن الأمراءُ وأنتم الوزراء وهذا الأمرُ بيننا وبينكم نصفين كَقَدّ الأُبْلُمَة، يعني الخوصة، فبايَعَ النّاس بَشيرُ بن سعد أبو النعمان، قال: فلمّا اجتمعَ النّاس على أبى بكر قَسَمَ بين النّاس قَسْمًا فَبَعَثَ إلى عَجُوزٍ من بنى عَديّ بن النّجّار بقِسْمِها مع زيد بن ثابت فقالت: ما هذا؟ قال: قِسْمٌ قَسَمَه أبو بكر للنساء، فقالت: أتُراشُونى عن دينى؟ فقالوا: لا، فقالت: أتخافون أن أدَعَ ما أنا عليه؟ فقالوا: لا، قالت: فوالله لا آخُذُ منه شيئًا أبدًا. فرجع زيد إلى أبي بكر فأخبره بما قالت فقال أبو بكر: ونحن لا نأخُذُ ممّا أعطيناها شيئًا أبدًا.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا هشام بن عروة، قال عُبيد الله أظُنّه عن أبيه، قال: لمّا وَلىَ أبو بكر خَطَبَ النّاسَ فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعدُ أيّها النّاس قد وَليتُ أمْرَكم ولستُ بخيْرِكم وَلكن نَزَلَ القُرآنُ وسنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، السّنَنَ فعَلّمنا فعَلِمْنا، اعْلَموا أنّ أكْيسَ الكيس التّقوى وأنّ أحْمَقَ الحُمْق الفُجور، وأنّ أقواكم عندي الضّعيف حتَّى آخُذَ له بحقّه وأنّ أضعفكم عندي القويّ حتى آخذَ منه الحقّ، أيّها النّاس إنّما أنا مُتّبعٌ ولستُ بمُبْتَدِعٍ، فإنْ أحْسَنْتُ فأعينونى وإنْ زُغْتُ فقَوّمونى.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين وشُعيب بن حَرْب قالا: حدثنا مالك بن مِغْوَل عن طَلْحَة بن مصرِّف قال: سألتُ عبد الله بن أبي أوْفى أوْصى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قال: لا، قلتُ: فكيف كَتَبَ على النّاس الوصيّة وأُمروا بها؟ قال: أوصى بكتاب الله، قال: وقال هُزَيْلٌ (١): أكان أبو بكر يَتَأمّرُ على وصيّ رسول الله؟ لَوَدّ أبو بكر أنّه وَجَدَ من رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عَقْدًا فَخَزَم أنْفه بخزامَةٍ.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن أبي بكر الهُذلى عن الحسن قال: قال عليّ لمّا قُبض النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، نظرنا في أمرنا فوجدنا النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قد قدّمَ أبا بكر في الصلاة فَرَضينا لدنيانا مَنْ رضىَ رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لديننا فقدّمنا أبا بكر.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأرقم بن شُرَحْبيل عن ابن عبّاس أن النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لمّا جاء إلى أبى بكر وهو يصلّى بالنّاس في مرضه أخَذَ من حيثُ كان بَلَغَ أبو بكر من القراءة.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن نافع بن عمر عن ابن أبي مُليكة قال: قال رجل لأبى بكر: يا خليفة الله، فقال: لستُ بخليفة الله ولكنّى خليفةُ رسول الله، أنا راضٍ بذلك.
قال: أخبرنا عبد الله بن الزّبير الحُميديّ المكّيّ قال: أخبرنا سفيان بن عُيينة قال: أخبرنا الوليد بن كَثير عن ابن صَيّاد عن سعيد بن المسيّب قال: لمّا قُبض رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ارْتَجّتْ مكّةُ فقال أبو قُحافة: ما هذا؟ قالوا: قُبض رسول الله، قال: فمن وَلىَ النّاسَ بعده؟ قالوا: ابنك، قال: أرَضِيَتْ بذلك بنو عبد شمس وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم، قال: فإنّه لا مانع لما أعطى الله ولا مُعْطى لما مَنَعَ الله، قال: ثمّ ارْتَجّتْ مكّة برَجّةٍ هي دون الأولى فقال أبو قُحافة: ما هذا؟ قالوا: ابنك مات، فقال أبو قُحافة: هذا خبرٌ جَليلٌ.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا هشام الدّسْتَوائي قال: أخبرنا عطاء بن السائب قال: لما استُخلف أبو بكر أصبح غاديًا إلى السوق وعلى رَقَبَتَهِ أثْوابٌ يَتّجِرُ بها فلَقِيَهُ عمرُ بن الخطّاب وأبو عُبيدة بن الجرّاح فقالا له: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق، قالا: تَصْنَعُ ماذا وقَدْ وليتَ أمرَ المسلمينَ؟ قال: فمِنْ أين أُطْعِمُ عِيالى؟ قالا له: انْطَلِقْ حتَّى نَفْرِضَ لكَ شَيئًا، فانطلق معهما ففرضوا له كلّ يوم شَطْرَ شاة وما كسوه في الرأس والبَطْن، فقال عمر: إليّ القضاء، وقال أبو عُبيدة: وإليّ الفَيْءُ، قال عمر: فلقد كان يأتى عَليّ الشّهْرُ ما يَخْتَصِمُ إليّ فيه اثْنَان (١).
قال: أخبرنا روح بن عبادة ومحمّد بن عبد الله الأنصاريّ قالا: أخبرنا ابن عون عن عُمير بن إسحاق أنّ رجلًا رأى على عُنق أبى بكر الصّدّيق عباءةً فقال: ما هذا؟ هاتِها أكْفِيكَها، فقال: إليك عنّى لا تَغُرّنى أنتَ وابنُ الخطّاب من عيالى.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا سليمان بن المغيرة عن حُميد بن هلال قال: لمّا وَلىَ أبو بكر قال أصحاب رسول الله: افْرضوا لخليفة رسول الله ما يُغْنيه، قالوا: نَعَمْ، بُرْداه إذا أخْلَقَهُما وَضَعَهما وأخذ مثلَهما وظهره إذا سافر ونَفَقَتُه على أهله كما كان يُنْفِقُ قبل أن يُستخلف، قال أبو بكر: رَضيت.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب عن حُميد بن هلال أنّ أبا بكر لما استُخلف راح إلى السوق يَحْمل أبْرادًا له وقال: لا تَغُرّونى من عيالى.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقّيّ قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمرو عن معمر عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة قالت: لما ولىَ أبو بكر قال: قد عَلِمَ قومى أنّ حِرْفَتى لم تكن لتعجِزَ عن مَئُونَةِ أهْلى وقد شُغِلْتُ بأمْرِ المُسلمين وسأحْتَرِف للمسلمين في مالهم وسيأكُلُ آلُ أبى بكر من هذا المال.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا أبو بكر بن عيّاش عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لما استُخلف أبو بكر جعلوا له ألفين فقال: زيدونى فإنّ لي عيالًا وقد شغَلْتُمونى عن التجارة، قال فزادوه خمسمائة، قال: إمّا أن تكون ألفين فزادوه خمسمائة أو كانت ألفين وخمسمائة فزادوه خمسمائة.
ذكر بيعة أبى بكر
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة عن مروان بن أبي سعيد بن المعلّى قال: سمعتُ سعيد بن المسيّب قال: وأخبرنا موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الرّحمن بن صبيحة التيميّ عن أبيه قال: وأخبرنا عبد الرّحمن بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: وأخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة قال: وأخبرنا أبو قدامة عثمان بن محمّد عن أبى وَجْزَةَ عن أبيه قال: وغير هؤلاء أيضًا قد حدّثني ببعضه فدخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: بويع أبو بكر الصّدّيق يومَ قُبضَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مُهاجَرِ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وكان منزله بالسُّنْح عند زوجته حَبيبةَ بنت خارجة بن زيد بن أبى زهير من بنى الحارث بن الخزرج، وكان قد حجّر عليه حُجْرة من شَعْر فما زاد على ذلك حتَّى تحوّل إلى منزله بالمدينة فأقام هناك بالسّنْح بعدما بويع له ستّة أشهر يغدو على رجليه إلى المدينة وربّما ركب على فرس له وعليه إزارٌ ورداءٌ مُمَشَّقٌ فيوافى المدينة فيصلّى الصلوات بالنّاس فإذا صلّى العشاء رجع إلى أهله بالسّنح، فكان إذا حَضَرَ صلّى بالنّاس وإذا لم يَحْضُرْ صلّى عمر بن الخطّاب.
وكان يقيم يوم الجمعة في صدر النّهار بالسّنْح يصْبُغُ رأسَه ولحيته ثم يروح لقَدَر الجمعة فيُجَمّع بالنّاس، وكان رجلًا تاجرًا فكان يغدو كلّ يوم السوق فيبيع ويبتاع، وكانت له قطعة غنم تروح عليه وربما خرج هو نفسه فيها ورُبّما كُفيَها فرُعِيَتْ له.
وكان يَحْلُبُ للحيّ أغنامهم، فلمّا بويع له بالخلافة قالت جارية من الحيّ: الآن لا تُحلبُ لنا منائحُ (١) دارِنا، فسمِعَها أبو بكر فقال: بلى لعمرى لأحْلُبَنّها لكم وإنّى لأرجو أن لا يغيّرنى ما دخلتُ فيه عن خُلُقٍ كنتُ عليه (٢)، فكان يحلُبُ لهم فربّما قال للجارية من الحيّ: يا جارية أتُحبّين أنْ أُرْغِىَ لكِ أو أصَرّحَ؟ فربّما قالت: أرْغِ، وربّما قالت: صَرّحْ، فأيّ ذلك قالت فَعَلَ، فمكث كذلك بالسّنح ستّة أشهر ثمّ نزل إلى المدينة فأقام بها ونظر في أمره فقال: لا والله ما يُصْلحُ أمرَ النّاس التجارة وما يصْلُحُ لهم إلّا التفَرّغُ والنظر في شأنهم وما بدٌّ لعيالى ممّا يُصْلحهم، فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين ما يُصْلِحُهُ ويُصْلحُ عياله يومًا بيومٍ ويَحُجّ ويعتمر.
وكان الذي فرضوا له كلّ سنة ستّة آلاف درهم، فلمّا حضرته الوفاةُ قال: رُدّوا ما عندنا من مال المسلمين فإنّى لا أُصيب من هذا المال شيئًا، وإنّ أرْضى التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبتُ من أموالهم. فدُفع ذلك إلى عمر ولَقوحٌ وعَبْدٌ صَيْقَلٌ وقطيفةٌ ما يساوى خمسة دراهم فقال عمر: لقد أتْعَبَ مَنْ بعده.
قالوا: واستعمل أبو بكر على الحج سنةَ إحدى عشرة عمر بن الخطّاب، ثمّ اعتمر أبو بكر في رجب سنة اثنتى عشرة فدخل مكّة ضَحْوَةً فأتى منزله وأبو قُحافة جالس على باب داره معه فتيان أحداث يحدّثهم إلى أن قيل له هذا ابنك، فنهض قائمًا وعَجِلَ أبو بكر أن يُنيخ راحلته فنزل عنها وهي قائمة فجعل يقول: يا أبتِ لا تقم، ثمّ لاقاه فالتزمه وقبّل بين عينيْ أبى قحافة وجعل الشيخ يبكى فرحًا بقدومه، وجاءَ إلى مَكّة عَتّاب بن أَسِيد (١) وسُهيل بن عمرو وعِكْرمة بن أبي جَهل والحارث بن هشام فسلّموا عليه: سلامٌ عليك يا خليفة رسول الله، وصافحوه جميعًا فجعل أبو بكر يبكى حين يذكرون رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثمّ سلّموا على أبى قُحافة فقال أبو قحافة: يا عتيقُ هؤلاء الملأ فأحسِنْ صُحْبَتهم، فقال أبو بكر: يا أبتِ لا حول ولا قوة إلّا بالله! طُوّقتُ عظيمًا من الأمر لا قوّة لي به ولا يَدَانِ (٢) إلّا بالله. ثمّ دخل فاغتسل وخرج وتبعه أصحابه فنحاهم ثمّ قال: امْشوا على رِسْلكم. ولقيه النّاس يتمشّون في وجهه ويُعزّونَه بنبيّ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو يبكي حتَّى انتهى إلى البيت فاضطبَع بردائه ثمّ استلم الرّكن ثمّ طاف سبعًا وركع ركعتين، ثمّ انصرف إلى منزله، فلمّا كان الظهر خرج فطاف أيضًا بالبيت، ثمّ جلس قريبًا من دار الندوة فقال: هل من أحدٍ يتشكّى من ظلامة أو يطلب حقًّا؟ فما أتاه أحد وأثْنى النّاس على واليهم خيرًا، ثمّ صلّى العصر وجلس فودّعه النّاس، ثمّ خرج راجعًا إلى المدينة، فلمّا كان وقت الحج سنة اثنتى عشرة حجّ أبو بكر بالنّاس تلك السنة وأفْرَدَ الحجّ واستُخلف على المدينة عثمان بن عفّان.
ذكر صفة أبى بكر
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: دخلتُ مع أبى على أبى بكر وكان رجلًا نحيفًا خفيف اللحم أبيض.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا شُعيب بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصّدّيق عن أبيه عن عائشة أنها نظرت إلى رجل من العرب مارًّا وهي في هَوْدَجها فقالت: ما رأيْتُ رجلًا أشبه بأبى بكر من هذا، فقلنا: صِفى لنا أبا بكر، فقالت: رجلٌ أبيض، نحيف، خفيف العارضين، أجْنَأ (١) لا يَسْتَمْسِكُ إزارُه (٢) يَسْتَرْخى عن حَقْويْه، معروقُ الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عارى الأشاجع، هذه صفته (٣).
قال محمّد بن عمر: فذكرت ذلك لموسى بن عمران بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر فقال: سمعت عاصم بن عُبيد الله بن عاصم يذكر هذه الصفة بعينها.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا سفيان بن حسين عن الزهريّ عن عروة عن عائشة أنّ أبا بكر كان يخضب بالحنّاء والكتم.
قال: أخبرنا جعفر بن عون قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن زياد عن عُمارة عن عمّه قال: مررتُ بأبى بكر وهو خليفة يومئذٍ ولحيته حمراء قانيةٌ.
قال: أخبرنا جعفر بن عون ومحمّد بن عبد الله الأسديّ قالا: أخبرنا مسعر عن أبي عون عن شيخ من بنى أسد قال: رأيتُ أبا بكر في غزوة ذات السلاسل كأنّ لحيتَه لُهاب العَرْفَج، شيخًا خفيفًا أبيض، على ناقة له أدماءَ.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير عن الأعمش عن ثابت عن أبي جعفر الأنصاريّ قال: رأيتُ أبا بكر الصّدّيق ورأسه ولحيته كأنّهما جَمْرُ الغَضا. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا يحيَى بن سعيد عن محمّد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن أنّ عبد الرّحمن بن الأسود بن عبد يَغوث، وكان جليسًا لهم. كان أبيض الرأس واللحية فغدا عليهم ذاتَ يوم وقد حمّرها فقال له القوم: هذا أحْسَنُ، فقال: إنّ أمّي عائشة أرسلتْ إليّ البارحة جاريتها نُخيلة فأقسمتْ عليّ لأصْبُغَنّ وأخْبرَتْنى أنّ أبا بكر كان يَصْبُغُ.
قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدّثني سليمان بن بلال عن محمّد بن أبي عتيق وموسى بن عُقبة عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزّبير أنّ عائشة قالت صَبَغَ أبو بكر بالحنّاء والكتَم.
قال: أخبرنا عبد الله بن مَسْلَمَة بن قَعْنَب الحارثى قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمّد عن عَمرو بن أبي عمرو عن القاسم بن محمّد قال: سمعتُ عائشة وذُكرَ عندها رجلٌ يخضب بالحنّاء فقالت إنْ يَخْضِبْ فقد خَضَبَ أبو بكر قبله بالحنّاء.
قال القاسم: لو علمتُ أَنَّ رسول الله خَضَبَ لَبَدَأتُ برسول الله فذكرتُه.
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاري قال: أخبرنا حُميد قال: سُئل أنس بن مالك أخضب رسول الله؟ فقال: لم يَشِنْه (١) الشّيْبُ ولكِنْ خضب أبو بكر بالحنّاء وخضب عمرُ بالحنّاء.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حُميد الطويل عن أنس بن مالك قال: خضب أبو بكر بالحنّاء والكتَم.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير قال: أخبرنا عاصم الأحول عن ابن سيرين قال: سألتُ أنس بن مالك بأيّ شئٍ كان يختضب أبو بكر؟ قال: بالحنّاء والكَتَم، قال: قلتُ فعمرُ؟ قال: بالحنّاء، قال: قلت فالنّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قال: لم يُدْركْ ذاك.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا همّام بن يحيى عن قتادة عن أنس وأخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال: وأخبرنا عبد الله بن نُمير قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمر عن حُميد الطويل عن أنس بن مالك قال: خضب أبو بكر بالحنّاء والكَتَم.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنّ أبا بكر كان يَصْبُغُ بالحنّاء والكَتَم.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن سِماك عن رجلٍ من بنى خَيْثَمٍ قال: رأيتُ أبا بكرٍ قد خَضَبَ رأسه ولحيته بالحنّاء.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا إسرائيل عن معاوية بن إسحاق قال: سألتُ القاسم بن محمّد أكان أبو بكر يخضب؟ قال: نعم قد كان يُغَيّرُ.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن عمّار الدُّهْنى قال: جلستُ إلى أشياخ من الأنصار بمكّة فسألهم عُبيد بن أبي الجَعْد أكان عمر يخضب بالحنّاء والكتم؟ فقالوا: أخبرنا فلان أنّ أبا بكر كان يخضب بالحنّاء والكتم.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا ابن عُيينة عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة أن أبا بكر كان يخضب بالحنّاء والكتم.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسيّ قال: أخبرنا أبو عَوانة عن حصين عن المغيرة بن شُبيل البجلي عن قيس بن أبي حازم أنّ أبا بكر كان يخرج إليهم وكأنّ لحيته ضرامُ عَرْفج من شدّة الحمرة من الحنّاء والكتم.
قال: أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قَطَن قال: أخبرنا شعبة عن قتادة عن أنس قال: وأخبرنا سعيد بن منصور عن حمّاد بن زيد عن ثابت عن أنس أنّ أبا بكر كان يخضب بالحنّاء والكتم.
قال: وأخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قَطَن قال: أخبرنا شعبة عن زياد بن عِلاقة عن رجل أظنّه قال من قومه أنّ أبا بكر خضَبَ بالحنّاء والكتم.
قال: أخبرنا سليمان بن عبد الرّحمن الدمشقيّ قال: أخبرنا محمّد بن حِمْيَر قال: أخبرنا إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ أنّ عقبة بن وَسّاج حدّثه عن أنسٍ خادم النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: قدم رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، المدينة وليس في أصحابه أشْمَطُ غير أبى بكر فغَلّفَها بالحنّاء والكتم.
قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: أخبرنا ابن جُرَيج عن عثمان بن أبي سليمان عن نافع بن جُبير بن مُطعم قال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، غيّروا ولا تَشبّهوا باليهود، قال: فصبَغَ أبو بكر بالحنّاء والكتم، وصبغ عمر فاشتَدّ صبْغُه، وصفّر عثمان بن عفّان، قال: فقيل لنافع بن جُبير: فالنّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قال: كان يَمَسّ السّدْرَ، قال ابن جُريج وقال عطاء الخراسانيّ إنّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: منْ أجْمَلِ ما تَجَمَّلُونَ (١) به الحنّاء والكتم.
قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان النهدى قال: أخبرنا إسرائيل عن عاصم بن سليمان قال: سأل ابن سيرين أنس بن مالك هل كان أحد من أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يخضب؟ قال: أبو بكر، قال: حَسْبى (٢).
ذكر وصيّة أَبى بكر
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح وعبد الله بن نُمير قالا: أخبرنا الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت: لمّا مرض أبو بكر مَرَضَه الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالى منذ دخلتُ الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة من بعدى فإنّي قد كنتُ أستحلّه، قال: وقال عبد الله بن نُمير أستصلحه جَهْدى، وكنتُ أصيبُ من الوَدَك نحوًا ممّا كنتُ أصيب في التجارة، قالت عائشة: فلمّا مات نظرنا فإذا عَبْدٌ نوبيّ كان يحمل صبيانه وإذا ناضح كان يَسنى عليه، قال عبد الله بن نُمير: ناضح كان يسقى بُسْتانًا له، قالت فبعثنا بهما إلى عمر، قالت فأخبرنى جدّى أنّ عمر بكَى وقال: رحمة الله على أبى بكر لقد أتْعَبَ مَنْ بَعْدَه تَعَبًا شديدًا.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير ومحمّد بن عُبيد عن عُبيد الله بن عمر عن عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنّ أبا بكر حين حضره الموت قال: إنّى لا أعلم عند أبى بكر من هذا المال شيئًا غير هذه اللقحة وغيرَ هذا الغلام الصّيْقَل كان يعمل سيوف المسلمين ويَخْدُمنا فإذا مِتُّ فادْفَعِيه إلى عمر، فلمّا دفعته إلى عمر قال: رحمَ الله أبا بكر لقد أتعَبَ مَنْ بَعْدَه (١).
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابيّ قال: أخبرنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: أطَفْنا بغرفة أبى بكر الصّدّيق في مَرْضَتِه التي قُبض فيها، قال: فقلنا كيف أصبح أو كيف أمسى خليفة رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قال: فاطّلع علينا اطّلاعَةً (٢) فقال: ألَسْتُمْ تَرْضَوْنَ بما أصْنَعُ! قلنا: بلى قدْ رضينا، قال: وكانت عائشة هي تُمَرّضُه، قال فقال: أما إنى قد كنت حريصًا على أن أُوَفّرَ للمسلمين فَيْئَهم مع أنى قد أصبتُ من اللحم واللبن فانظروا إذا رجعتم منّى فانظروا ما كان عندنا فأبْلِغوه عُمَرَ، قال: فذاك حيث عرفوا أنّه استخلفَ عمر، قال: وما كان عنده دينارٌ ولا درهم، ما كان إلا خادم ولقحة ومِحْلَب، فلمّا رأى ذلك عمر يُحْمَلُ إليه قال: يرحم الله أبا بكر لقد أتْعَبَ مَنْ بَعدَه.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا ابن عون عن محمّد قال: توفّى أبو بكر الصّدّيق وعليه ستّة آلاف كان أخذها من بيت المال، فلمّا حضرته الوفاة قال: إنّ عمرَ لم يَدَعْنى حتَّى أصبتُ من بيت المال ستة آلاف درهم وإن حائطى الذي بمكان كذا وكذا فيها، فلمّا توفّى ذُكر ذلك لعمر فقال: يرحم الله أبا بكر لقد أحَبّ أن لا يَدَعَ لأحَدٍ بعده مقالًا وأنا والى الأمر من بعده وقد رددتُها عليكم.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت عن سُمَيّه عن عائشة أنّ أبا بكر قال لها: يا عائشة ما عندي من مال إلّا لِقْحة وقَدَحٌ فإذا أنا مِتّ فاذهبوا بهما إلى عمر، فلمّا مات ذهبوا بهما إلى عمر فقال: يرحم الله أبا بكر لقد أتْعَبَ مَنْ بَعْدَه.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ وقَبيصة بن عُقبة عن سفيان عن السّرِيّ عن عبد خير عن عليّ قال: يرحم الله أبا بكر هو أوّل من جمع اللّوْحَين (٣).
قال: أخبرنا خالد بن مَخْلَد قال: حدّثني أُسامة بن زيْد بن أسلم عن أبيه عن نِيار الأسلمى عن عائشة قالت: قسم أبي أوّل عامٍ الفَئَ فأعطى الحُرّ عشرة وأعطى المملوك عشرة والمرأة عشرة وأمَتها عشرة، ثمّ قسم في العام الثاني فأعطاهم عشرين عشرين.
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: أخبرنا أبو عامر الخزّاز صالح بن رُسْتَم قال: حدّثني أبو عِمْران الجَوْنى عن أسير قال: قال سَلْمان دخلتُ على أبى بكر الصّدّيق في مرضه فقلت: يا خليفة رسول الله اعْهَدْ إليّ عَهْدًا فإنّى لا أراك تَعْهَدُ إليّ بعد يومى هذا، قال: أجل يا سلمان إنّها ستكون فتوحٌ فلا أعْرِفَنّ ما كان من حظّك منها ما جعلتَ في بطنك أو ألقيته على ظهرك، واعلم أنّه من صلّى الصلوات الخمس فإنه يُصْبحُ فى ذِمّةِ الله ويُمسى في ذمّة الله، فلا تَقْتُلَنّ أحدًا من أهل ذمّة الله فيَطلُبك الله بذمَّته فيُكِبّك الله على وجهك في النّار.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح وكثير بن هشام عن جعفر بن بُرقان عن خالد بن أبي عَزّة أنّ أبا بكر أوصى بخُمس ماله، أو قال آخُذُ من مالى ما أخذَ الله من فَئِ المسلمين.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا همّام بن يحيَى عن قتادة قال: قال أبو بكر لي من مالى ما رَضى ربّى من الغنيمة، فأوْصى بالخُمس.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن إسحاق بن سُويد أنّ أبا بكر أوصى بالخمس.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا سفيان بن عُيينة (١) عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة قالت: لما حضر أبا بكر الوفاة جلس فتشهّد ثمّ قال: أمّا بعدُ يا بُنيّة فإنّ أحَبّ النّاسِ غِنًى إليّ بعدى أنْتِ وإنّ أعَزّ النّاسِ عليّ فَقرًا بعدى أنْتِ وإنّى كنتُ نَحَلْتُكِ جدادَ عشرين وسقًا من مالى فوَدِدْتُ والله أنّكِ حُزْته وأخذته فإنّما هو مال الوارث وهما أخَواكِ وأخْتاكِ، قالت: قلتُ هذا أخَوَاىَ فمَنْ أُخْتاىَ؟ قال: ذات بَطْنِ ابْنةِ خارجةَ فإنّى أظُنّها جاريةً.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا القاسم بن الفضل قال: أخبرنا أبو الكِباش الكندى عن محمّد بن الأشعث أنّ أبا بكر الصّدّيق لمّا أنْ ثقُل قال لعائشة: إنّه ليس أحدٌ من أهلى أحَبّ إليّ منك وقد كنتُ أقْطَعْتُكِ أرْضًا بالبحرَين ولا أراك رَزَأتِ منها شيئًا، قالت له: أجَلْ، قال: فإذَا أنا مِتّ فابْعَثى بهذه الجارية، وكانت تُرْضعُ ابْنَه، وهاتَين اللِّقْحَتَين وحالبهما إلى عُمَرَ، وكان يسقى لَبَنَهما جُلساءَه، ولم يكن في يده من المال شَئٌ. فلمّا مات أبو بكر بعثت عائشة بالغلام واللقحتين والجارية إلى عمر فقال عمر: يرحم الله أبا بكر لقد أتْعَبَ من بعده. فقَبل اللقحتين والغلام وردّ الجارية عليهم.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا همّام عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّ أبا بكر لمّا حضرته الوفاةُ دعاها فقال: إنّه ليس في أهْلى بعدى أحدٌ أحَبّ إليّ غِنًى منكِ ولا أعزّ عليّ فَقرًا منك وإنّى كنتُ نحلتُك من أرضٍ بالعالية جدادَ، يعني صِرامَ (١)، عشرين وسقًا فلو كنتِ جَدَدته تمرًا عامًا واحدًا انْحازَ لكِ وإنّما هو مال الوارث وإنّما هما أخَوَاكِ وأُخْتاك، فقلت: إنّما هي أسماء، فقال: وذات بطنِ ابنةِ خارجة قد أُلقىَ في رُوعى أنّها جارية فاسْتَوصى بها خيرًا. فَوَلَدَتْ أمّ كلثوم.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أفْلح بن حُميد عن أبيه قال: كان المال الذي نَحَلَ عائشة بالعالية من أموال بنى النضير بئر حجر كان النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أعطاه ذلك المال فأصلحه بعد ذلك أبو بكر وغرس فيه وَدِيًّا.
قال: أخبرنا أبو سهل نَصْر بن باب عن داود بن أبي هِنْد عن عامر أنّ أبا بكر الصّدّيق لمّا احتُضرَ قال لعائشة: أي بنيّة قد علمت أنّكِ كنتِ أحبّ النّاس إليّ وأعَزّهُ (٢) وأنى كنتُ نَحَلْتُكِ أرْضى التي تعلمين بمكان كذا وكذا وأنا أُحِبّ أن تَرُدّيها عَلَيّ فيكون ذلك قسمة بين ولدى على كتاب الله فألْقى ربّى حين ألْقاه ولم أُفضّلْ بعضَ ولدى على بعض.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح وأبو أسامة قالا: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما ترك أبو بكر دينارًا ولا درهمًا ضَرَبَ الله سِكّتَه.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح وعبد الله بن نُمير ويَعْلى بن عُبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله البَهيّ مولى الزُّبير عن عائشة قالت: لمّا حُضِرَ أبو بكر قلتُ كلمةً من قول حاتم:
لَعمرُكَ ما يُغنى الثراءُ عن الفَتى … إذا حشرَجتْ يوْمًا وضاقَ بها الصدرُ فقال: لا تقولى هكذا يا بُنيّة ولكن قولى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [سورة ق: ١٩]، انْظُروا مُلاءَتَيّ هاتَيْنِ فإذا مِتّ فاغسِلوهما وكفّنونى فيهما فإنّ الحيّ أحْوج إلى الجديد من الميّت.
قالَ: أخبرنا يَعْلى ومحمّد ابنا عُبيد قالا: أخبرنا موسى الجُهَنى عن أبي بكر بن حفص بن عمر قال: جاءت عائشة إلى أبى بكر وهو يعالج ما يُعالجُ الميّتُ ونفَسُه في صدره فتمثّلتْ هذا البيت:
لعمرُك ما يُغْنى الثراءُ عن الفَتى … إذا حشرَجتْ يومًا وضاق بها الصدرُ فنظر إليها كالغضبان ثمّ قال: ليس كذاك يا أمّ المؤمنين ولكن {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [سورة ق: ١٩]، إني قد كنتُ نَحَلْتُكِ حائطًا وإنّ في نفسى منه شيئًا فرُدّيه إلى الميراث، قالت: نعم فرددتُه، فقال: أما إنّا منذ وَلِينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارًا ولا درهمًا ولكنّا قد أكلنا من جَريشِ طعامهم في بطوننا ولبسنا من خَشِنِ ثيابهم على ظهورنا وليس عندنا من فيءِ المسلمين قليلٌ ولا كثيرٌ إلّا هذا العبدَ الحبَشيّ وهذا البعير الناضح وجَرْدَ هذه القطيفة فإذا مِتّ فابْعثي بهنّ إلى عمر وابْرَئى منهنّ. ففعلتُ (١).
فلمّا جاء الرسول عمرَ بكى حتَّى جعلت دموعه تسيل في الأرض ويقول: رحم الله أبا بكر لقد أتْعَبَ من بعده، رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، يا غلام ارفعهنّ. فقال عبد الرّحمن بن عوف: سبحان الله تَسْلُبُ عيالَ أبي بكر عبدًا حبَشيًّا وبعيرًا ناضحًا (١) وجَرْدَ قطيفةٍ (٢) ثَمَنَ خمسة الدراهم؟ قال: فما تأمُرُ؟ قال: تَرُدّهنّ على عياله، فقال: لا والذى بعث محمّدًا بالحقّ، أو كما حلف، لا يكون هذا في ولايتى أبدًا ولا خرج أبو بكر منهنّ عند الموت وأرُدّهُنّ أنا على عياله، الموتُ أقربُ من ذلك.
قال: أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أُسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت لمّا مرض أبو بكر:
مَنْ لا يَزَالُ دَمْعُه مُقَنَّعًا (٣) … فإنه في مرة مدفوقُ (٤)
فقال أبو بكر: ليس كذاك أي بُنيّه ولكن {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} (٢) [سورة ق: ١٩].
قالَ: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا هارون بن أبي إبراهيم قال: أخبرنا عبد الله بن عُبيد أنّ أبا بكر أتته عائشة وهو يجود بنفسه فقالت: يا أبتاه هذا كما قال حاتم:
إذا حَشْرَجَتْ يوْمًا وضاقَ بها الصّدْرُ (٥)
فقال: يا بُنيّة قول الله أصْدق، {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ}، إذا أنا مِتّ فاغْسلى أخْلاقى (٦) فاجْعليها أكْفانى، فقالت: يا أبتاه قد رزق الله وأحسن، نُكَفّنُك في جديد، قال: إنّ الحَيّ هو أحْوَجُ يَصُونُ نفسه وَيَضَعُهَا (١) من الميّت، إنّما يصير إلى الصديد وإلى البِلى.
قال: وأخبرنا روْح بن عُبادة قال: أخبرنا هشام بن حسّان عن بكر بن عبد الله المُزَني قال: بلغنى أنّ أبا بكر الصّدّيق لمّا مرض فثقل قعدت عائشة عند رأسه فقالت:
وكُلُّ ذِى إبِلٍ موروثُها … وكلّ ذى سَلَبٍ مَسْلُوبُ (٢)
فقال: ليس كما قلت يا بنتاه ولكن كما قال الله، {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [سورة ق: ١٩].
قال: أخبرنا عفّان قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن القاسم بن محمّد عن عائشة أنّها تمثّلت بهذا البيت وأبو بكر يقضى:
وَأبيضَ يُستَسقى الغمامُ بوَجهه … رَبيعُ اليتامى عصْمةٌ لِلأرامِلِ فقال أبو بكر: ذاك رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قال: أخبرنا عَفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن سُمَيّة أنّ عائشة قالت:
من لا يزالُ دمْعُه مُقَنَّعًا … لابدّ يوما أنه يُهْرَاقُ فقال أبو بكر: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ}.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت قال: كان أبو بكر يتمثّل بهذا البيت:
لا تَزالُ تَنْعى حَبيبًا حتَّى تكونَه … وَقَدْ يرْجُو الفَتَى الرّجَا يموتُ دونَه (٣)
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا مالك بن مِغول عن أبي السَّفَر (٤)
قال: مرض أبو بكر فقالوا ألا ندعو الطّبيب؟ فقال: قد رآنى فقال إنى فَعّالٌ لما أريد.
قال: أخبرنا رَوْح بن عبادة قال: أخبرنا هشام بن أبي عبد الله عن قتادة قال: بلغنى أنّ أبا بكر قال: وَدِدْت أنى خضرة تَأكُلُنى الدّواب.
قال: أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسى قال: حدّثني اللّيث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب أنّ أبا بكر والحارث بن كَلَدَة كانا يأكلان خزيرة أُهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبى بكر: ارْفَعْ يدك يا خليفة رسول الله، والله إنّ فيها لَسَمّ سَنَةٍ وأنا وأنت نموت في يوم واحد. قال فرفع يده فلم يَزَالا عَليلين حتَّى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة (١).
قال: أخبرنا محمّد بن حُميد العبدى عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال أبو بكر: لأنْ أُوصى بالخُمْس أحَبّ إليّ من أن أوصى بالربع، ولأن أوصى بالرّبع أحبّ إليّ من أن أوصى بالثلث، ومَنْ أوْصى بالثلث فلم يَتركْ شيئًا.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرَة عن عبد المجيد بن سُهيل عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن قال: وأخبرنا بَرَدان بن أبي النضر عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ قال: وأخبرنا عمرو بن عبد الله بن عَنْبَسَة عن أبي النضر عن عبد الله البَهيّ، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، أنّ أبا بكر الصّدّيق لمّا استُعِزّ (٢) به دعا عبد الرّحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر بن الخطّاب، فقال عبد الرّحمن: ما تَسْألنى عن أمر إلا وأنت أعلم به منّى، فقال أبو بكر: وإنْ، فقال عبد الرّحمن: هو والله أفْضَلُ من رأيك فيه، ثمّ دعا عثمان بن عفّان فقال: أخْبِرني عن عمر، فقال: أنت أخبرُنا به، فقال: على ذلك يا أبا عبد الله، فقال عثمان: اللهُمّ عِلْمى به أنّ سريرته خير من علانيته وأنّه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله، والله لو تَرَكْتُه (٣) ما عَدَوْتُك.
وشاوَرَ معهما سعيد بن زيد أبا الأعور وأُسَيْدَ بن الحُضَير وغيرهما من المهاجرين والأنصار فقال أُسَيْدٌ: اللهمّ أعْلَمُه الخِيَرَةَ (١) بعدك يَرْضى للرّضى ويَسْخَطُ للسّخْطِ، الذي يُسِرّ خيرٌ من الّذى يُعلنُ، ولم يَلِ هذا الأمر أحَدٌ أقوى عليه منه. وسَمعَ بعضُ أصحاب النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بدخول عبد الرّحمن وعثمان على أبى بكر وخَلْوَتِهِما به فدخلوا على أبى بكر فقال له قائلٌ منهم: ما أنت قائلٌ لربّك إذا سألك عن استخلافك عُمَرَ علينا (٢) وقد تَرى غِلْظَتَه؟ فقال أبو بكر: أجْلِسونى، أبالله تُخَوفوني؟ خابَ مَنْ تَزَوّدَ من أمركم بظُلم، أقولُ اللهمّ استخلفتُ عليهم خير أهلك، أبْلِغ ما قلت لك مَنْ وَرَاءَك (٣).
ثمّ اضطجع ودعا عثمان بن عفّان فقال: اكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا ما عَهِدَ أبو بكر بن أبي قُحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وعند أوّل عهده بالآخرة داخلًا فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويَصْدُقُ الكاذب، إنى استخلفتُ عليكم بعدى عمر بن الخطّاب فاسمَعوا له وأطيعوا، وإنى لم آلُ الله ورسولَه ودينَه ونفسى وإيّاكم إلّا خيرًا (٤)، فإنْ عَدَل فذلك ظَنّى به وعلمى فيه، وإنْ بدّل فلكلّ امرئ ما اكتَسَبَ من الإثم، والخير أردتُ ولا أعلم الغَيْبَ، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [سورة الشعراء: ٢٢٧]، والسّلامُ عليكم ورحمةُ الله. ثمّ أمر بالكتاب فختمه (٥).
ثمّ قال بعضهم لمّا أمْلى أبو بكر صدرَ هذا الكتاب: بَقىَ ذكرُ عُمَرَ فذُهِبَ (١) به قبل أنْ يُسَمّىَ أحَدًا. فكتب عثمان: إنى قد استخلفتُ عليكم عمرَ بن الخطّاب، ثم أفاق أبو بكر فقال: اقْرَأ عَلَيّ ما كَتَبْتَ، فقَرَأ عليه ذِكْرَ عُمَرَ فكَبّرَ أبو بكر وقال: أراك خِفْتَ إنْ أقْبَلَتْ نفسى في غَشْيَتى تلك يَخْتَلِف النّاسُ فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيرًا، والله إنْ كنتَ لها لأهْلًا (٢).
ثمّ أمره فخرج بالكتاب مختومًا ومعه عمر بن الخطّاب وأُسَيْد بن سعيد القُرَظيّ فقال عثمان للنّاس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، وقال بعضهم: قد عَلِمْنَا به، قال ابن سعد: عليّ القائل وهو عمر، فأقَرّوا بذلك جميعًا ورَضوا به وبايعوا ثمّ دعا أبو بكر عمر خاليًا فأوصاه بما أوصاه به، ثمّ خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه مَدًّا فقال: اللهمّ إنى لم أُرِدْ بذلِك إلّا صلاحَهم وخِفْتُ عليهم الفتنةَ فعملتُ فيهم بما أنت أعْلَمُ به واجتهدتُ لهم رَأيى فوَلّيْتُ عليهم خَيْرَهم وأقواهم عليهم وأحرَصهم على ما أرشدهم وقد حَضَرَنى من أمرِكَ ما حضر فاخْلُفنى فيهم فَهُمْ عبادُك ونَوَاصيهم بيدك أصْلِحْ لهم وإليهم واجْعَلْه من خُلفائك الراشدين يَتّبِعْ هُدى نبيّ الرّحْمَةِ وهُدى الصالحين بعده وأصْلِحْ له رَعِيّتَه.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لمّا ثقل أبو بكر قال: أيّ يوم هذا؟ قالت: قلنا يوم الاثنين، قال: فأيّ يومٍ قُبضَ رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قالت: قلنا قُبض يومَ الاثنين، قال: فإنى أرجو ما بيني وبَينَ الليل. قالت وكان عليه ثوب فيه رَدْعٌ من مِشْقٍ فقال: إذا أنا مِتّ فاغسلوا ثوبى هذا وضمّوا إليه ثوبَين جديدين وكفّنونى في ثلاثة أثواب، فقلنا: ألا نَجْعَلُها جُدُدًا كلّها؟ قال فقال: لا، إنّما هو للمُهْلَةِ، الحَيّ أحَقّ بالجديد من الميّت. قالت فمات ليلة الثلاثاء، رحمه الله.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة أنّ أبا بكر قال لها: في أيّ يوم مات رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قالت: في يوم الاثنين، قال: ما شاء الله، إنى لأرجو فيما بيني وبين الليل، قال: ففيمَ كَفّنْتُمُوه؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سَحُوليّة يَمانِيَة ليس فيها قميص ولا عِمامَة، فقال أبو بكر: انْظُرى ثَوْبى هذا فيه رَدْعُ زَعْفَرَان أو مِشْقٍ فاغسليه واجعلى معه ثوبين آخَرَين، فقالت عائشة: يا أبتِ هو خَلَقٌ، فقال: إنّ الحىّ أحقّ بالجديد وإنّما هو للمُهْلة. وكان عبد الله بن أبي بكر أعْطاهم حُلّةً حِبَرَةً فأُدْرِجَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فيها ثمّ استخرجوه منها فكُفّن في ثلاثة أثواب بيض، فأخذ عبد الله الحُلّة فقال: لأكَفّنَنّ نفسى في شئٍ مَسّ النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثمّ قال بعد ذلك: والله لا أكَفّنُ في شئٍ مَنَعَهُ الله نبيّه أنْ يُكَفّنَ فيه، ومات أبو بكر ليلة الثلاثاء ودفن ليلًا، وماتت عائشة ليلًا فدفنها عبد الله بن الزُّبير ليلًا.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أُسامة بن زيد اللّيثيّ عن محمّد بن حمزة بن عمرو عن أبيه قال: وأخبرنا عمر بن عمران بن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصّدّيق عن عمر بن حُسين مولى آل مظعون عن طلحة بن عبد الله ابن عبد الرّحمن بن أبي بكر قال: وأخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة قالوا: كان أوّلُ بَدْءِ مرض أبى بكر أنّه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا، فحُمّ خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بن الخطّاب يصلّى بالنّاس، ويَدْخُلُ النّاس عليه يعودونه وهو يثقل كل يومٍ وهو نازل يومئذ في داره التي قطع له النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وجاهَ دار عثمان بن عفّان اليوم، وكان عثمان ألْزَمَهُم له في مرضه، وتوفى أبو بكر، رحمه الله، مساء ليلة الثلاثاء لثمانى ليالٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من مُهاجَر النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليالٍ، وكان أبو معشر يقول سنتين وأربعة أشهر إلّا أربع ليالٍ، وتوفى، رحمه الله، وهو ابن ثلاثٍ وستّين سنة، مُجْمَعٌ على ذلك في الروايات كلّها، استوفى سِنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. وكان أبو بكر وُلد بعد الفيل بثلاث سنين (١).
(١) في المطبوعة والمصورة: «عن علي بن أبي العالية». والمثبت عن الإصابة، قال الحافظ ٤/ ٢٦: «عن علي- كأنه ابن زيد بن جدعان- عن أبي العالية».
(٢) في الإصابة ٤/ ٢٦: «ورواه شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي مصبح».
(٣) انظر الترجمة ٣٠٦٤: ٣/ ٣٠٩ - ٣٣٥.
(٤) في المطبوعة والمصورة: «عامر بن عمر بن كعب». والمثبت عن ترجمته، وكتاب نسب قريش: ٣٧٥.