سيرة أبو محذورة
واسمه أَوْس بن مِعْيَر بن لَوْذَانَ بن رَبِيعة بن سَعْد بن جُمَح (١)، وأمه من خزاعة وكان له أخ من أمه وأبيه يقال له أُنَيس قتل يوم بدر كافرًا (٢) وسمعتُ من ينسب أبا محذورة فيقول: اسمه سَمرة (٣) بن عُمَير بن لَوْذان بن وهب بن سعد بن جُمَح (٤)، وكان له أخ من أبيه اسمه أوس. فَوَلَدَ أبو مَحْذُورَةَ: عبدَ الملك لأم ولد، وحُدَيْرًا وأمه يَمَانِية.
قال: أخبرنا رَوْح بن عُبادة قال: حدّثنا ابن جُرَيْج قال: أخبرني عثمان بن السائب عن أم عبد الملك بن أَبِى مَحْذُورَة عن أَبِى مَحْذورَة قال: لما رجع النبي، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من حُنين، خرجتُ عاشر عشرة من مكة نطلبهم، فسمعتهم يؤذنون للصلاة، فقمنا نؤذن نستهزئ، فقال النبي، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لقد سمعتُ في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت. فأرسل إلينا، فَأَذَّنَّا رجلًا رجلًا، فكنت آخرهم. فقال حين أذنت: تعال، فأجلسنى بين يديه، فمسح على ناصيتى، وبَارَكَ عَلَيَّ ثلاث مرات، ثم قال: اذهب فَأَذِّنْ عند البيت الحرام. قلتُ: كيف يا رسول الله؟
فَعَلَّمَنى الأولى كما تُؤَذِّنون بها: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، -في الأولى من الصبح-، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله (١).
قال: وعلمنى الإقامة مرتين الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله (٢).
قال رَوْح: قال ابن جريج: أخبرني عثمان هذا الخبر كله عن أم عبد الملك بن أبي محذورة أنها سمعتْ ذلك مِنْ أَبِى مَحْذُورَة.
قال: أخبرنا رَوْح بن عُبادة قال: حدّثنا ابن جُرَيْج، قال: أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة أن عبد الله بن مُحَيْرِيز أخبره -وكان يتيمًا في حجر أَبِى مَحْذُورَةَ بن مِعْيَر حين جهزه إلى الشام- قال: قلتُ لأبى محذورة أي عم، إنى خارج إلى الشام، وأَخْشَى أن أُسْأَلَ عن تأذينك. فَأَخْبَرَنى أن أبا محذورة قال له: نعم، خرجت في نفر فكنا ببعض طريق حُنين، مَقْفَل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من حُنين، فلقينا رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ببعض الطريق فأذن مؤذن رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بالصلاة عند رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فسمعنا صوت المؤذن ونحن مُتَنَكِّبُون فصرخنا نحكِيه ونستهزئ به، فسمع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الصوت، فأرسل إلينا، إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أيكم الذي سمعتُ صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إِلَيَّ، وصدقوا، فأرسل كلهم وَحَبَسَنِى، فقال: قم فأذن بالصلاة. فقمت وما شئ أكره إليّ من رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولا مما يأمرنى به، فقمت بين يدى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فألقى عليّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، التأذين هو نفسه.
فقال: قل الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. ثم قال: ارجع فامْدُد من صوتك، ثم قل: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
ثم دعانى حين قضيتُ التأذين، فأعطانى صُرّة فيها شئ من فضة، ثم وضع يده على ناصية أَبِى مَحْذُورَةَ، ثم أَمَرَّها على وجههِ، ثم من بين يديه، ثم على كَبِدِه، ثم بلغت يد رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى سَوْءَة أَبى محذورة، ثم قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: بارَك الله فيك وبارَك عليك. فقلت: يا رسول الله، مُرْنى بالتأذين بمكة. فقال: قد أمرتك به. وذهب كل شئ كان لرسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من كراهية، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقدمت على عتاب بن أَسِيد عامل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بمكة فأذّنت معه بالصلاة، عن أمر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وأخبرنى ذلك مَنْ أدركت من أهلى عمن أدرك أبا محذورة على نحو ما أخبرني عبد الله بن مُحَيْرِيز.
قال: أخبرنا سعيد بن عامر وعفان بن مسلم قالا: حدّثنا همام بن يحيى قال: حدّثنا عامر الأحول أن مكحولًا حدّثه أن ابن مُحَيْرِيز حدّثه أن أبَا مَحْذُورَة حدّثه أن رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أمر نحوًا من عشرين رجلًا فأذنوا، فأعجبه صوت أَبِي مَحْذُورَة، فعلّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله.
قال سعيد بن عامر في حديثه: والإقامة مَثْنى مَثْنى. وقال عفّان في حديثه: والإقامة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
قال: أخبرنا المُعَلَّى بن أسد، قال: حدّثنا الحارث بن عبيد، قال: حدّثني محمد بن عبد الملك بن أَبِى مَحْذُورَة عن أبيه عن جده، قال: قال أبو محذورة: يا رسول الله، علمنى سُنَّةَ الأذان، فمسح ناصيته، قال: تقول الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، -ترفع بها صوتك- ثم تقول أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، -تخفض بها صوتك-، ثم ترفع صوتك بالشهادة، بعد حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، إن كانت صلاة الفجر تقول: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
قال: أخبرنا يحيى بن محمد الجَارِى قال: حدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن أَبِى مُلَيْكَةَ عن ابن أَبِى مَحْذُورَةَ عن أبيه عن جده: أن النبي، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أمره أن يؤذن، فكان يشهد أن لا إله إلا الله ستًّا، وأن محمدًا رسول الله خمسًا.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدّثنا حَمّاد بن سَلَمة قال: أخبرنا ثابت بن أبي أيوب الأزْدِى قال: سمعتُ أبا محذورة يؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله مرارًا.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدّثنا شعبة عن عبد الرحمن بن عابس قال: سمعتُ أبا مَحْذُورَةَ يؤذن، فكان آخر أذانهِ الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الأسدى قال: حدّثنا يونس بن أبي إسحاق عن مُحَارِب بن دثار عن الأسود قال: كان آخر أذان أَبِى مَحْذُورَة لا إله إلا الله، والله أكبر.
قال: أخبرنا عبد الله بن الزبير الحُمَيْدِيّ قال: حدّثنا أبو إسماعيل إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أَبِى مَحْذُورَةَ قال: أخبرني جدى قال: قال أبو محذورة: مسح النبي، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، على ناصيتى حتى بلغ صدرى، وقال: اللهم بارك فيه. قال إبراهيم: فأخبرنى جدى قال: ما حَلَقَ أبو محذورة ناصيته حتى مات. وقال: لا أحلق شيئًا مَسَّه رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا محمد بن عيسى العَبْدِيّ قال: حدّثني محمد بن المُنْكَدِر عن جابر بن عبد الله أن رجلًا قال: يا نبى الله أي الخلق أول دخولًا الجنة. قال: الأنبياء. قال: يا نبى الله ثم مَنْ؟ قال: الشهداء. قال: ثم مَنْ يا نبى الله؟ قال: ثم مؤذن الكعبة. قال: ثم مَنْ يا نبى الله؟ قال: مؤذن بيت المقدس. قال: ثم مَنْ يا رسول [الله]. قال: ثم مؤذن مسجدى هذا. قال: ثم مَنْ؟ قال: سائر المؤذنين على قدر أعمالهم.
قال: أخبرنا عبد الله بن بكر السَّهْمِيّ قال: حدّثنا حاتم بن أَبِى صَغِيرَةَ عن ابن أَبِى مُلَيْكَة: أن رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أعطى أبا محذورة الأذان، فقدم عمر قدمة مكة فنزل دار الدومة، فأذن أبو محذورة، ثم أتاه يسلّم عليه، فقال عمر: يا أبا محذورة، ما أندى صوتك، أما تخشى أن تنشق مُرَيْطَاؤُك (١) من شدة صوتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قَدِمْتَ، فأحببتُ أن أُسمعك صوتى. فقال: يا أبا محذورة، إنك بأرض شديدة الحر، فأبرد عن الصلاة، ثم أبرد عنها، ثم أبرد عنها، ثم أذن، ثم أقم، تجدنى عندك (٢).
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدى قال: حدّثنا سفيان عن ابن جُرَيْج عن ابن أَبي مُلَيْكَة: أن عمر قال لأبي مَحْذورَة: إنك بأرض حارة، فأبرد، ثم أبرد، ثم أبرد، ثم صل ركعتين، وقد بلغتك.
قال: أخبرنا عبد الله بن الزبير الحُمَيْدِيّ قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد العزيز قال: حدّثني جدى عن أبيه: أن عمر قال له: يا أبا مَحْذُورَة، إنك بأرض حارة، ومسجدٍ ضَاحِى، فأبرد ثم أبرد، ثم أذّن واركع ركعتين، وأقم الصلاة، آتِكَ لا تأتنى.
قال: أخبرنا عبد الله بن الزبير الحُمَيْدِى قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد العزيز قال: حدّثني جدى عن أَبى مَحْذُورَة: أن عمر قال له حين سمع نداه: أما تَخْشَى على مُرَيْطَائِك؟ قال: إنى تَجَشَّمْتُ لأمير المؤمنين.
قال جدى: وكان أبُو مَحْذُورَةَ جهير الصوت، قال إبراهيم: مُرَيْطَاه أُنثَويه.
قال: أخبرنا يحيى بن حماد ويعقوب بن إسحاق الحَضْرَمِيّ قالا: حدّثنا أَبُو عَوَانَة عن إسماعيل بن سالم عن أبي سعيد الأزديّ قال: رأيت أبا محذورة يطوف بالبيت وسمعته يقول: قال يحيى: يا عِبَادَ (١) الله، وقال يعقوب: يا حُجَّاج بيت الله، كبِّروا وهلِّلوا. فكان الناس إذا سمعوا صوت أَبِى مَحْذُورَة كبَّروا وهلَّلوا (٢).
قال محمد بن عمر: فكان أبو مَحْذُورَة مؤذن رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في المسجد الحرام بمكة، إلى أن توفى سنة تسع وخمسين في آخر خلافة معاوية بن أبى سفيان، فبقي الأذان في ولده وولد ولده في المسجد الحرام إلى اليوم.