سيرة أبو معبد الخزاعي
كنتُ أَشْرَبُها إذْ يُقامُ عليَّ الحدُّ وأَطَّهَّرُ منها، فأَمَّا إِذْ بَهْرَجتَنِي (١)، فواللهِ لا أشربُها أبدًا (٢).
[٢٩٦٦] أبو مالكٍ (٣) الدَّمَشْقِيُّ (٤)، قيل: إنَّ له صحبةً، حديثُه عندَ معاويةَ بن صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بن دينارٍ البَهْرَانِيِّ الحِمْصِيِّ، عن أبي مالكٍ النَّخَعِيِّ، عن النَّبِيِّ ﷺ في المُسْخِطِ لأَبَوَيْهِ، والمرأةِ تُصَلِّي بغيرِ خمارٍ، والذي يَؤُمُّ قومًا وهم له كارِهون، لا تُقْبَلُ لواحدٍ منهم صلاةٌ (٥)، والصَّحِيحُ أنَّ حديثَه مرسلٌ، ولا صُحبةَ له.
[٢٩٦٧] أبو مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ، زوجُ أمِّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّةِ (٦)، له روايةٌ عن النَّبِيِّ ﷺ، ويقولون: إنَّ حديثَه إنَّما سمِعه مِن أُمِّ مَعْبَدٍ فِي قِصَّتِها حينَ مَرَّ رسولُ اللهِ ﷺ بخيمتِها ونزَل عليها، وعرَض لها معه في شاتِها ما هو مذكورٌ في ذلك الحديثِ.
تُوفِّيَ أبو مَعْبَدٍ قبلَ موتِ النَّبِيِّ ﷺ، وكان يَسْكُنُ قُدَيدًا، قاله البخاريُّ وغيرُه (١).
وقد رُوي حديثُ أمِّ مَعْبَدٍ (٢) بتمامِه وكمالِه عن أمِّ مَعْبَدٍ، وعن أبي مَعْبَدٍ زوجِها (٣)، وعن حُبَيشِ (٤) بن خالدٍ أخيها (٥)، كلُّهم يَرْوِيه بمعنًى واحدٍ، وفيه ألفاظٌ مختلفةٌ قليلةٌ بمعنًى مُتقارِبٍ (٦).
أخبرنا أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ عبدِ الملِك، قال: أخبرَنا أبو سعيدٍ أحمدُ بنُ محمدِ بن زيادٍ، هو ابن الأعرابيِّ، قال: أخبرَنا الحسنُ بنُ محمدِ الزَّعفرانيُّ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ محمدٍ، هو ابن أبانِ بن مسلمٍ البصريُّ السُّكريُّ، سكَن بغدادَ، قال: حدَّثنا عَبدُ المَلِك بنُ وهبٍ المَذْحِجِيُّ، عَن الحُرِّ بن الضَّيَّاحِ (٧) النَّخَعِيِّ، عَن أَبِي مَعِبَدٍ الخُزَاعِيِّ؛
أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ هَاجَرَ مِن مَكَّةَ إِلَى المَدينَةِ هِوَ وأَبو بَكرٍ [وعامِرُ بنُ فُهَيرَةَ مَولَى أَبي بَكرٍ] (١) ودَليلُهُم عَبدُ اللهِ بن أُرَيقِطٍ اللَّيثيُّ، فَمَرُّوا بِخَيمَتَي أُمِّ مَعبَدٍ الخُزاعيَّةِ، وَكانَتِ امْرَأَةً بَرْزَةً جَلْدَةً (٢) تَحتَبي (٣) وتَجلِسُ بفِناء الخَيمَةِ، ثُمَّ تَسقي وتُطعِمُ، فَسَأَلُوها تَمرًا أَو لَحمًا لِيشْتَروه، فَلَم يُصيبوا عِندَها شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وإذا القومُ مُرمِلونَ مُسنِتونَ (٤)، فَنَظَرَ رَسولُ الله ﷺ إِلَى شاةٍ في كَسْرِ خَيْمَتِها، فَقالَ: "ما هَذِهِ الشَّاةُ يا أُمّ مَعِبَدٍ (١)؟ " قالَت: شاةٌ خَلَّفَهَا الجَهْدُ عَن الغَنَمِ، قَالَ: "فهَل فيها مِن لَبَنٍ؟ " قالَت: هيَ أَجهَدُ مِن ذَلِكَ، قَالَ: "أَتَأْذَنِينَ لِي أَن أَحلُبَها؟ " قالَت: نَعَم، بِأَبي أَنتَ وأُمّي إِن رَأَيتَ بِها حَلبًا فاحْلُبْها (٥)، فَدَعا رَسولُ الله ﷺ بِالشّاةِ، فَمَسَحَ ضَرْعَها، وذَكَرَ اسمَ اللهِ، وقالَ: "اللهمَّ بارِكْ لَها في شاتِها"، فَتَفاجَّت (٦) ودَرَّتْ واجْتَرَّتْ، فَدَعَا بِإِناءٍ لَها يُربِضُ الرَّهْطَ (١)، فَحَلَبَ فيه ثَجًّا حَتى غلَبه الثُّمالُ (٢)، وسَقاها فَشَرِبَت حَتى رَوِيَت، وسَقَى أَصحابَه فشرِبوا حَتى رَوُوا، وشَرِبَ آخِرَهُم، [وقالَ: "ساقي القَومِ آخِرُهُم] (٣) "، فَشَرِبوا جَمِيعًا عَلَلًا بَعدَ نَهْلٍ (٤) حَتى أَراضُوا، ثُمَّ حَلَبَ فيه ثانيًا عَودًا عَلَى بَدْءٍ وغادَرَهُ عِندَها، ثُمَّ ارتَحُلوا عَنها، فَقَلَّ ما لَبَثَت أن جاءَ زَوجُها أَبو مَعْبَدٍ يَسوقُ أَعنُزًا حُيّلًا عِجافًا تساوَكُ (٥) هَزلَى، مُخُّهُنَّ قَليلٌ، لَا نِقْيَ بِهِنَّ (٦)، فَلَمّا رَأَى اللَّبَنَ عَجِبْ، وقالَ: مِن أَينَ لَكُم هَذا والشَّاءُ عَازِبٌ ولا حَلُوبَةَ في البَيتِ؟ قالَت: لا واللهِ إِلَّا أَنَّهُ مَرَّ بِنا رَجُلٌ مُبارَكٌ؛ مِن حَديثِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، قال: والله إِنِّي لأراهُ صاحِبَ قُرَيشٍ الَّذِي تَطلُبُه، صِفيه لي يا أُمّ مَعبَدٍ، قالَت: رَأَيْتُ رَجُلًا ظَاهِرَ الوَضاءَةِ، مُتَبَلِّجَ الوَجهِ (٧)، حَسَنَ الخَلْقِ، لَم يُعِبْهُ نُحْلَةٌ (٨)، ولَم يُزرِ بِه صُقْلَةٌ (٩)،
وسيمٌ جَسيمٌ قَسيمٌ، في عَينَيهِ دَعَجٌ (١)، وفي أَشفارِه وَطَفٌ (٢)، وفي صَوتِه صَحَلٌ (٣)، أَحوَرُ أَكحَلُ أَزَجُّ أَقرَنُ، رجِلٌ (٤) شَديدُ سَوَادِ الشَّعرِ، في عُنُقِه سَطَعٌ (٥)، وفي لِحيَتِه كَثاثَةٌ (٦)، إِذا صَمَتَ فَعَلَيه الوَقارُ، وإذا تَكَلَّمَ سَما وعَلاهُ البَهاءُ، كَأَنَّ مَنطِقَه خَرَزاتُ نَظْمٍ يَنْحَدرِنَ، حُلوُ المَنطِقِ، فَصْلٌ لا نَزْرٌ ولا هَذرٌ، أَجهَرُ النّاسِ وأَجمَلُه مِن بَعيدٍ، وأَحلاهُ وأَحسَنُه مِن قَريبٍ، رَبْعَةٌ (٧)، لا تَشنَؤُه مِن طُولٍ، ولا تَقتَحِمُه عَينٌ مِن قِصَرٍ (٨)، غُصْنٌ بَينَ غُصْنَينِ، فَهوَ أَنضَرُ (٩) الثَّلَاثَةِ مَنظَرًا، وأَحسَنُهُم قَدْرًا، لَهُ رُفَقاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِنْ قالَ اسْتَمَعُوا لِقَولِه، وإِنْ أَمَرَ تنازَعوا إِلَى أَمرِه، مَحفودٌ (١٠) مَحشودٌ، لا عابِسٌ (١١)
ولَا مُفَنِّدٌ (١)، قالَ: هَذا واللهِ صاحِبُ قُرَيشٍ الَّذِي ذُكِرَ لَنا مِن أَمرِه ما ذُكِرَ، لَو كُنتُ وافَقتُه لا لتَمَستُ أَن أَصحَبَه، ولأَفعَلَنَّ إن وجَدتُ إِلَى ذَلِكَ سَبيلًا، وأَصْبَحَ صَوتٌ بِمَكَّةَ عاليًا يَسْمَعُونَهُ ولا يَرُونَ مَن يَقولُ، وهوَ يَقولُ:
جَزَى اللهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرٌ جَزَائِهِ … رَفيقَينِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أمِّ مَعَبَدِ هُما نَزَلَا بِالبِرِّ وارتَحَلا بِه … فقد فاز مَن أَمْسَى رَفيقَ مُحَمدِ فَيالَ قُصَيٍّ ما زَوَى الله عَنكُمُ .. بِه مِن فِعالٍ لا تُجازَى (٢) وسؤْدَدِ سلُوا أُختَكُم عَن شاتِها وإِنائِها … فَإِنَّكُمُ إِن تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ دَعاها بِشاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبَتْ … لَهُ بِصَريحٍ ضَرَّةُ الشَّاةِ مُزْبِدِ فغادَرَهُ رَهْنًا لَدَيها بحالِبٍ … يَدرُّ بِها في مَصدَرٍ ثُمَّ مَورِدِ فأجابه حسّان بنُ ثابِتٍ (٣):
لقد خاب قومٌ زال عَنهُم نَبَيُّهُم … وقُدِّس مَن يَسري إليهم (٤) ويَغتَدي تَرَحَّلَ عن قوم فزالَت عُقولُهُم … وحَلَّ على قَوم بنورٍ مُجَدَّدٍ وهل يَستَوِي ضُلَّالُ قَومٍ تَسكَّعوا (٥) … عَمًى وَهُداةٌ يَقْتَدُونَ بِمُهْتَدِ؟
نَبيٌّ يَرَى ما لا يَرَى النَّاسُ حَولَه … ويَتلو كتابَ اللهِ فِي كُلِّ مَشْهَدِ
(١) أي: ألا تعلق تميمة؟
(٢) في المطبوعة: «ميرويه». والصواب عن المصورة وتحفة الأحوذي.
(٣) تحفة الأحوذي، أبواب الطب، باب «ما جاء» في كراهية التعليق»، الحديث ٢١٥٢: ٦/ ٢٣٩.
(٤) انظر الترجمة ١٩٠٦: ٢/ ٣١٣، والترجمة ٣٢٨١: ٣/ ٤٣٤.
(٥) في كتاب نسب قريش ٣٤٥: «أم الحارث بن شعبة [كذا] بن عبد اللَّه بن أبي قيس … ».