سيرة عبد الرحمن بن حسان
(د ع) عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ حَسان بن ثَابِت. تَقَدم نَسَبُه عند ذكر أبيه، وهو أنصاري خزرجي. أدرك النبي ﷺ، يكنى أبا محمد، وقيل: أبو سعيد:
وهو شاعر، وأمه سيرِين القبطية، أخت مارية القبطية، وهبها النبي ﷺ لأبيه حسان، فولدت له عبد الرحمن، فقيل: إنه ابن خالة إبراهيم بن النبي ﷺ.
وقيل: إنه من التابعين، قال محمد بن سعد: هو من الطبقة الثانية من تابعي أهْل المدينة (٤).
روى محمد بن إسحاق، عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسَّان، عن أبيه قال: مر حسان برسول اللَّه ﷺ ومعه الحارث المرّي (٥)، فلما عرفه حَسَّان قال (٦):
يا حارِ من يَغْدُرْ بِذِمَّة جَارِه … منكم فإن مُحَمّداً لا يَغْدُرُ وأَمانةُ المُرِّي حيث لَقِيتَه … مثلُ الزَّجاجَةِ صَدْعُها لا يُجْبَرُ إن تَغْدُرُوا فالغَدْرُ من عاداتِكم … والغدر ينبت في أصول السّخبر (٧)
أنبأنا أبو محمد بن أبي القاسم الحافظ، أخبرني أبي، أنبأنا غيث بن علي، أخبرنا الشريف أبو الحسن علي بن محمد بن عبيد اللَّه الهاشمي، وأبو العباس بن قُبَيس (١) قالا: أخبرنا أبو محمد ابن أبي نصر، أخبرنا عمي أبو علي محمد بن القاسم، حدثنا علي بن بكر، عن أحمد بن الخليل، عن عمر بن عبيدة قال: حدثني هارون بن عبد اللَّه الزهري. قال: حدثني ابن أبي زُريق قال:
شبب عبد الرحمن بن حَسّان بَرْملَة بنت مُعَاوِية، فقال:
رَمْل، هَلْ تَذْكرِين يوم غزال (٢) … إذ قَطَعْنَا مَسِيرنا بالتَّمَنِّي إذ تقولين: عَمْرَك اللَّه هل شَيءُ … وإنْ جَلّ سَوف يُسْلِيكَ عَني أُمْ هَل أطْمَعْت مِنكُم يَا ابْنَ حَسَّانَ … كَما قَدْ أراك أطْمَعْتَ مِنِّي فبلغ شعرهُ يزيد، فغضِب، ودخل على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، ألم تر إلى هذا العلْجِ من أهل يثرب كيف يتَهَكَّمُ بأعراضِنا، ويُشَبِّبُ بنسائنا؟! فقال: من هو؟ قال: عبد الرحمن ابن حسان. وأنشد ما قال. فقال: يا يزيد، ليس العُقوبة من أحد أقبحَ منها من ذوي القدرة، فأمْهل حتى يقدم وفدُ الأنصار، ثم أَذكِرْني به. فلما قدموا أَذكَرَه به، فلما دخلوا عليه قال:
يا عبد الرحمن، ألم يبلغني أنك تُشَبِّبُ برَمْلَة بنت أمير المؤمنين؟ قال: بلى، يا أمير المؤمنين، ولو علمت أن أحَداً أشرف منها لشعري لشببت بها. قال: فأين أنت عن أختها هند؟ قال: وإن لها لأختاً يقال لها: هند؟ قال: نعم. وإنما أراد معاوية أن يُشَبِّب بهما جميعاً فيكذِّبَ نفسه، فلم يرد يزيد ما كان من ذلك، فأرسل إلى كعب بن جُعَيْل فقال: اهْج الأنصار. فقال:
أفْرَق من أمير المؤمنين! ولكني أدلك على الشاعر الكافر الماهر. قال: من هو؟ قال: الأخطل.
فدعاه فقال: اهْجُ الأنصار فقال: أفْرَق من أمير المؤمنين! قال: لا تخف، أنَا لَك بهذا، فهجاهم فقال (٣):
وإذا نَسَبتَ ابن الفُرَيْعَة (٤) خلْتَه … كالجَحْش بين حمَارَةِ وحمارِ لعن الإله مِنَ اليهود عِصابَة … بالجِزع بين صليصل وصرار (٥)
خَلُّوا المكارمَ لستمُ من أهْلِهَا … وخذوا مَسَاحيَكُمْ بني النجار ذهبتُ قُرَيْشٌ بالمكارم والعُلَى … واللُّؤمُ تحت عَمَائِم الأنصارِ فبلغ الشعرُ النعمانَ بن بشير، فدخل على معاوية فحسر عن رأسه عمامتَه، وقال: يا أمير المؤمنين، أترى لُؤماً؟ قال: بل أرى كَرَماً وخَيْراً، وما ذاك؟ قال: زعم الأخْطَلُ أن اللُّؤم تحت عمائمنا! قال: وفعل؟ قال: نعم. قال: فلك لِسَانُه، وكتب أن يؤتى به، فلَمَّا أُتِيَ به قال للرسول: أدْخِلْنِي على يزيدَ، فأدخله عليه، فقال: هذا الذي كنت أخاف، قال:
فلا تَخَفْ شيئاً. ودخل على معاوية فقال: عَلَامَ أرْسَلْتَ إلى هذا الرجل الذي يمدحنا ويرمي من وراءَ جمرتنا (١)؟ قال: هجا الأنصار! قال: ومن يعلم ذلك؟ قال: النعمان بن بَشِير. قال:
لا يُقْبَلُ قوله، وهو يدَّعي لنفسه، ولكن تَدْعُوه بالبينة، فإن أثْبَتَ بينة أخَذْتَ لَه. فدعاه بها، فلم يأتِ بشيءٍ فخلّاه.
وتوفى عبد الرحمن سنة أربع ومائة، قاله خليفة.
أخرجه ابن منده وأبو نُعَيْم.