سيرة عبد الله بن الزبعرى
ابن قَيْس بن عَدِيّ بن سَعْد بن سَهْم، وأمه عاتكة بنت عبد الله بن عُمَيْر بن أُهَيْب بن حُذَافَة بن جُمَح (١) وعبد الله بن الزبعرى هو الشاعر الذي كان يهجو أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ويحرض المشركين على المسلمين في شعره ويهاجى حسان بن ثابت وغيره من الشعراء المسلمين (٢)، ويسير مع قريش حيث سارت لحرب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وابن أخته مِقْيَس بن صبابة الليثى الّذى قُتل يوم فتح مكة مرتدًّا كافرًا (٣)، وأمه رَيْطَة بنت الزِّبَعْرَى.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمِيّ عن أبيه قال: لما دخل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مكة عام الفتح هرب عبد الله بن الزِّبَعْرَى وهُبَيْرَة بن أَبِى وَهْب (٤) المخزومى -وهبيرة يومئذ زوج أم هانئ بنت أبى طالب- حتى انتهيا جميعًا إلى نَجْرَان فلم يأمنا من الخوف حتى دخلا حصن نجران، فقيل لهما: ما وراءكما؟ فقالا: أما قريش فقد قُتِلَتْ، ودخل محمد مكة، ونحن نرى أن محمدًا سائرٌ إلى حصنكم هذا. فجعلت بلحراث بن كعب يُصْلِحُون مَا رَثَّ من حِصْنهِم وجمعوا فاشيتهم، فأرسل حسان بن ثابت الأنصاري أبياتًا يُريد بها عبدَ الله بن الزِّبعرى. قال محمد بن عمر: أنشدنيها عبد الرحمن بن أبي الزِّنَاد:
لَا تَعْدَمَنْ رَجُلًا أَحَلَّك بُغْضُه … نَجرانَ في عَيش أَحَذَّ لئيمِ بَلِيَتْ قَنَاتُكَ في الحروب (٥) فأُلْفِيَتْ … خَمَانَةً جَوْفَاءَ ذَاتَ وُصُومِ غضب الإلهُ عَلَى الزِّبَعْرَى وابنهِ … وعذابُ سوءٍ في الحياةِ مُقيمِ فلمَّا بلغ ابن الزِّبعرى شعر حَسّان بن ثابت هذا تهيأ للخروج، فقال له هُبَيرة بن أبي وهب: أين تريد يا بن (١) عم؟ قال: أردتُ محمدًا. قال: تُرِيد أن تَتَّبعه؟ قال: إِى والله! قال: يقول هبيرة: يا ليت أنى كنتُ رافقتُ غيرك! والله ما ظننت أنك تتبع محمدًا أبدًا! قال ابن الزِّبعرى: فهو ذاك، فعلى أي شئ نقيم مع بنى الحارث بن كعب وأترك ابن عمى وخير الناس وأبر الناس، ومع قومى ودارى أحب إلى.
فانحدر ابن الزبعرى حتى جاء رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو جالس في أصحابه، فلما نظر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: هذا ابن الزبعرى ومعه وجه فيه نور الإسلام. فلما وقف عليه قال: السلام عليك، أي رسول الله! شهدتُ أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، والحمدُ لله الذي هَدَانى للإسلام، فقد عاديتك وأَجْلَبت عليك، وركبتُ الفرس والبعير ومشيت على قَدَمَيّ في عداوتك، ثم هربت منك إلى نَجْرَانَ، وأنا أريد أن لا أَقربَ الإسلام أبدًا، ثم أرادنى الله منه بخير فألقاه في قلبى وحَبّبه إلَيّ، فذكرت ما كنتُ فيه من الضلالة واتباع ما لا ينفع ذا عَقْل، من حجر يُعْبَد ويُذْبَح له، لا يَدرى مَن عبده وَلَا مَن لَا يَعبده. فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الحمد لله الذي هداك للإسلام، أحمد الله أن الإسلام يَحُتُّ ما كان قبله.
قال: وأقام هُبَيْرة بن أَبِى وهب بنجران مشركًا حتى مات بها، وأسلمت امرأته أم هانئ بنت أبى طالب يوم الفتح (٢).
*
ومن بنى جُمَح بن عَمرو بن هُصَيْص بن كَعب:
(١) في الأصل: عمر بن وهب. وفي المطبوعة: عمرو بن وهب. والمثبت عن كتاب نسب قريش: ٤٠٢. فليس من ولد وهب من يدعى عمرا أو عمر، وإنما ذلك في ولد أهيب، ينظر أيضا في المرجع نفسه: ٣٩٧.
(٢) سيرة ابن هشام: ٢/ ٤١٨، والمغازي للواقدي: ٨٤٧. والأجد: المنقطع. وقد روى أيضا: أحذ، بالحاء والذال، وهو بمعناه. ينظر شرح السيرة للخشنى: ٣٧٣.
(٣) الراتق: الساد، تقول: رتقت الشيء، إذا سددته، والبور: الهالك. وفي الأصل: إذا يغرو.
(٤) في السيرة ٢/ ٤١٩: إذا أبارى.
(٥) في المطبوعة: ومن ماله مثله. ومثبور: هالك.
(٦) في السيرة:
آمن اللحم والعظام لربي … ثم قلبي الشهيد أنت النذير