عثمان بن مظعون

آخر تحديث 11 أبريل 2026 - 01:05

📖 23 دقيقة قراءة

سيرة عثمان بن مظعون

ابن حبيب بن وَهْب بن حُذافة بن جُمَح ويكنى أبا السائب وأمّه سُخَيْلَة بنت العَنْبَس بن وَهْبان بن حذافة بن جمح، وكان لعثمان من الولد عبد الرحمن والسائب وأمّهما خولة بنت حكيم بن أُميّة بن حارثة بن الأوقص السُّلَميّة.

قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن صالح عن يزيد بن رومان قال: انْطلق عثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث بن المطّلب وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد وأبو عبيدة بن الجرّاح حتى أتوا رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فعرضَ عليهم الإسلامَ وأنبأهم بشرائعه فأسلموا جميعًا في ساعة واحدة وذلك قبل دخول رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، دار الأرقم، وقبل أن يدعو فيها.

قالوا: وهاجر عثمان بن مظعون إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعًا في رواية محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر.

قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسديّ قال: أخبرنا عمر بن سعيد عن عبد الرحمن بن سابط قال: زعموا أنّ عثمان بن مظعون حَرّمَ الخمر في الجاهليّة وقال في الجاهليّة: إني لا أشربُ شيئًا يُذْهِبُ عقلي ويُضحك بي من هو أدنى مني ويَحْمِلُني على أن أُنْكِحَ كريمتي من لا أريد. فنزلت هذه الآية في سورة المائدة في الخمر، فمرّ عليه رجل فقال: حُرِّمَت الخمر، وتلا عليه الآية فقال: تَبًّا لها قد كان بصرى فيها ثابتًا (١).

قال: أخبرنا محمد بن يزيد الواسطي ويَعْلى بن عبيد الطنافسي قالا: أخبرنا الإفريقي عن سعد بن مسعود وعُمارة بن غُراب اليَحْصَبِي أنّ عثمان بن مظعون أتى النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله إني لا أحبّ أنْ تَرى امرأتي، قال محمد بن يزيد: عُرْيَتي، وقال يعلى بن عبيد: عَوْرتي، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولِمَ؟ قال: أسْتَحيى من ذلك وأكرَهُه، قال: إنّ الله جعلها لك لباسًا وجعلك لها لباسًا وأهلي يَرَوْنَ عُرْيَتي، في حديث محمد بن يزيد، وفي حديث يعلى عَوْرَتي، وأنا أرى ذلك منهم، قال: أنت تفعل ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فمِنْ بَعْدِكَ. فلمّا أدبَرَ قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: إنّ ابن مظعون لحييّ سِتّير (٢).

قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أنّ عثمان بن مظعون أراد أن يختصي ويسيح في الأرض فقال له رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: ألَيْس لكَ فيَّ أُسْوَةٌ حسنة؟ فأنا آتي النساء وآكلُ اللحمَ وأصومُ وأُفْطِرُ، إنّ خِصاءَ أُمّتي الصيامُ وليس من أُمّتي مَنْ خَصى أو اخْتَصى (٣).

قال: أخبرنا سليمان بن داود الطيالسي قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن الزهريّ عن سعيد بن المسيّب عن سعد بن أبي وقّاص قال: لقد رَدّ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، على عثمان بن مظعون التبتّل ولو أذِنَ له في ذلك لاخْتَصى.

قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا إسرائيل قال: وأخبرنا الحسن بن موسى قال: أخبرنا زهير قال: أخبرنا أبو إسحاق عن أبي بُرْدة: دَخَلَت امرأةُ عثمان بن مظعون على نساء النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، فَرَأيْنَها سَيّئَةَ الهيئة فقلن لها: مالكِ؟ فما في قريش أغنى من بعلك! قالت: ما لنا منه شيءٌ، أمّا لَيْلَهُ فقائمٌ وأمّا نهارَه فصائم. فدخل النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرْنَ ذلك له، فلقيه فقال: يا عثمان بن مظعون أما لك بي أسْوَةٌ؟ فقال: يا بأبي وأُمّي، وما ذاك؟ قال: تَصومُ النهارَ وتقومُ الليلَ، قال: إني لأفعل، قال: لا تَفْعَلْ، إنّ لعينَيك عليك حَقًّا وإنّ لجَسَدِكَ حقًّا وإنّ لأهْلك حقًّا فصَلّ ونَمْ وصُمْ وأفْطِرْ. قال فأتَتْهُنّ بعد ذلك عَطِرَةً كأنَّها عَروس فقلنَ لها: مه؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس (١).

قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد قال: أخبرنا معاوية بن عَيّاش الجَرْمي عن أبي قلابة أنّ عثمان بن مظعون اتّخذ بيتًا فقعد يتعبّد فيه فبلغ ذلك النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، فأتاه فأخذ بعِضادتي باب البيت الذي هو فيه فقال: يا عثمان إنّ الله لم يَبْعَثْني بالرهْبانيّة، مرّتين أو ثلاثًا، وإنّ خيرَ الدينِ عند الله الحنيفيّة السّمحَةُ (٢).

قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني قال: حدّثني عبد الملك بن قُدامة عن أبيه وعن عمر بن حسين عن عائشة بنت قُدامة بن مظعون عن أبيها عن أخيه عثمان بن مظعون أنّه قال: يا رسول الله إني رجلٌ تَشُقّ عليّ هذه العُزْبَةُ في المغازي فتأذَنُ لي يا رسول الله في الخصاءِ فأخْتَصِيَ؟ قال: لا، ولكن عليك يابن مظعون بالصيّام فإنّه مَجْفَرٌ. قال إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس: والمُجْفِرُ الذي إذا أتى النساءَ فإذا قام انْقَطَعَ ذلك.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا يونس بن محمد الظفري عن أبيه قال: وحدّثني محمد بن قُدامة بن موسى عن أبيه عن عائشة بنت قُدامة قالا: نَزَلَ عثمان وقُدامة وعبد الله بنو مظعون والسائب بن عثمان بن مظعون ومعمر بن الحارث حين هاجروا من مكّة إلى المدينة على عبد الله بن سلمة العَجْلاني.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني مُجَمّع بن يعقوب عن أبيه قال: نزلوا على حزام بن وديعة. قال محمد بن عمر: وآلُ مظعون ممّن أوْعَبَ في الخروج إلى الهجرة رجالهم ونساؤهم ولم يبقَ منهم بمكّة أحد حتى غُلقت دورهم (٣).

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أمّ العلاءِ قالت: نزل رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، والمهاجرون معه المدينة في الهجرة فتشاحّت الأنصار فيهم أنْ يُنْزِلوهم في منازلهم حتى اقْتَرَعوا عليهم، فطار لنا عثمان بن مظعون على القُرْعة، تعني وقع في سهمنا.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: خَطّ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، لعثمان بن مظعون وإخوته موضع دارهم اليومَ بالمدينة (١).

قالوا: وآخى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بين عثمان بن مظعون وأبي الهيثم بن التّيّهان. وشَهِدَ عثمان بن مظعون بدرًا ومات في شعبان على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة.

قال: أخبرنا عمر بن سعد أبو داود الحَفَريّ ووكيع بن الجرّاح وأبو نُعيم ومحمد بن عبد الله الأسديّ عن سفيان بن الثوري عن عاصم بن عبيد الله عن القاسم بن محمد عن عائشة أنّ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، قَبّلَ عثمان بن مظعون وهو مَيّتٌ، قال فرأيتُ دموعَ النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، تَسيلُ على خدّ عثمان بن مظعون (٢).

قال: أخبرنا الفضل بن دُكين عن خالد بن إلياس عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص عن عبد الله بن عثمان بن الحارث بن الحكم أنّ عثمان بن مظعون مات فخرج رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فكَبّر عليه أربع تكبيرات.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة عن عاصم بن عبيد الله بن أبي رافع قال: كان رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، يَرتادُ لأصْحابه مَقْبَرةً يُدْفَنونَ فيها فكان قد جاء نواحي المدينة وأطرافها، قال ثمّ قال: أُمِرْتُ بهذا الموضع، يعني البقيع، وكان يُقال له بقيعُ الخَبْجَبَة، وكان أكثر نباته الغَرْقَدَ وبه نِجالٌ كثيرة، والنَّجْلُ النّزّ، وأثْلٌ وطَرْفاء، وبه بعوضٌ كالدّخان إذا أمسَوْا، فكان أوّلُ من قُبر هناك عثمانَ بن مظعون، فوضع رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، حجرًا عند رأسه وقال: هذا فَرَطُنا. فكان إذا مات الميّتُ بعده قيل: يا رسول الله أينَ نَدْفِنُه؟ فيقول رسول الله: عند فَرَطِنا عثمان بن مظعون.

قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن أسامة بن زيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم قال: رأيتُ قبر عثمان بن مظعون وعنده شيءٌ مرتفع، يعني كأنَّه عَلَمٌ.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهريّ عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أوّلُ من دُفن بالبقيع من المسلمين عثمان بن مظعون فأمَرَ به رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فدفن عند موضع الكِبَا اليومَ عند دار محمد بن الحنفيَّة. قال محمد بن عمر: والكِبَا الكُناسة.

قال: أخبرنا محمد بن عُمر ومعن بن عيسى قالا: أخبرنا مالك بن أنس عن أبي النضر قال: لمّا مُرّ بجنازة عثمان بن مظعون قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: ذهبتَ ولم تَلَبّسْ منها بشيءٍ، يعني الدنيا.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني معمر عن الزهريّ عن خارجة بن زيد عن أمّ العلاء امرأةٍ من نسائهم قال: وأخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان عن إبراهيم بن سعد قال: أخبرنا ابن شهاب عن خارجة بن زيد عن أمّ العلاءِ امرأة من نسائهم قد كانت بايعت رسولَ الله، - صلى الله عليه وسلم -، وذَكَرَتْ أنّ عثمان بن مظعون اشتكى عندهم: فَمَرَّضْنَاهُ حتى إذا توفّي جعلناه في أثوابه فأتانا رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فقلتُ اذْهَبْ (١) عَنكَ أبا السّائب شَهادتي عليك لقد أكْرَمَك الله، قالت: فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: وما يُدْريكِ أنَّ الله أكرمه؟ فقلت له: لا أدْري بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، فمَنْ؟ قال: أمّا هو فقد جاءَه اليقينُ، والله إني لأرجو له الخيرَ وإنّي لَرَسُولُ الله وما أدْري ما يُفْعَلُ بي. قالت: فمَنْ بأبي وأمّي؟ فوالله لا أُزَكّي بعده أحدًا أبدًا. قالت: فأحْزَنَني ذلك فنِمْتُ فأُريتُ لعثمان عينًا تَجْري، قالت: فأتيتُ النبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، فأخبرتُه فقال: ذلك عَمَلُه (٢).

قال: أخبرنا يزيد بن هارون وعفّان بن مسلم وسليمان بن حرب قالوا: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا عليّ بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عبّاس قال: لمَّا مات عثمان بن مظعون قالت امرأته: هَنِيئًا لك الجنّةُ عثمان بن مظعون! فنظر إليها رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، نَظَرَ غَضْبانَ فقال لها: وما يُدْريكِ؟ فقالت: يا رسول الله فارسُك وصاحبُك، فقال: واللهِ إنّي لَرَسُولُ الله فما أدْري ما يُفْعَلُ بي ولا به. فاشْتَدّ ذلك على أصحاب رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، أنْ يقول ذلك لمثل عثمان بن مظعون وهو من أفضلهم. فلمّا ماتت، قال يزيد: زينبُ بنت رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وقال عفّان: رُقيّةُ بنت رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وقال سليمان بن حرب: ابنَةٌ لرسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، قال رسول الله: الْحَقي بسَلَفِنا الخيْر عثمان بن مظعون. قال يزيد بن هارون في حديثه: فبَكَت النساءُ فجعل عمر بن الخطّاب يَضْرِبُهُنّ بسوطه، فأخذ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بيده وقال: مَهْلًا يا عمر، ثمّ قال: ابْكِينَ وإيّاكُنّ ونَعيقَ الشيطانِ. ثمّ قال: إنّه مَهْما كان من العَيْن والقَلْب فمِن اللهِ ومن الرّحْمَةِ وما كان من اليد واللسان فمِن الشيطان (١).

قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: توفّي عثمان بن مظعون فسمع رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، عجوزًا تقول وراء جنازته: هنيئًا لك أبا السائب الجنّة، فقال لها رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: وما يُدْرِيكِ؟ فقالت: يا رسول الله أبو السائب، قال: والله ما نعلم إلَّا خيرًا. ثمّ قال: بِحَسْبِكِ أن تقولي كان يُحِبّ اللهَ ورسولَه.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنّه بلغه أنّ عمر بن الخطّاب قال لمَّا توفّي عثمان بن مظعون وفاةً لم يُقتَلْ: هَبَطَ من نفسي هَبْطَةً فقلتُ انْظُروا إلى هذا الذي كان أشدّنا تَخَلّيًا من الدنيا ثمّ مات ولم يُقْتَل فلم يزل عثمان بتلك المنزلة من نفسي حتى توفّي رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، فقلت وَيْكَ إن خِيارَنا يَموتونَ، ثمّ توفّي أبو بكر فقلت ويك إنّ خيارنا يموتون، فرجع عثمان في نفسي إلى المنزلة التي كان بها قبل ذلك.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن قدامة بن موسى عن أبيه عن عائشة بنت سعد قالت: نَزَلَ في قبر عثمان بن مظعون والنبيّ، - صلى الله عليه وسلم -، قائم على شفير القبر، عبدُ الله بن مظعون وقُدامة بن مظعون والسائب بن عثمان بن مظعون ومعمر بن الحارث.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب قال: لما مات عثمان بن مظعون دُفن بالبقيع فأمر رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بشيء فوضع عند رأسه وقال: هذا علامةُ قَبره يُدْفَنُ إليه، يعني مَنْ مات من بعده.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني محمد بن قُدامة عن أبيه عن عائشة بنت قدامة قالت: كان عثمان بن مظعون وإخوته متقاربين في الشّبَه، كان عثمان شديد الأدمة ليس بالقصير ولا بالطويل، كبير اللحية عريضها، وكذلك صِفَةُ قُدامة بن مظعون إلّا أنّ قدامة كان طويلًا، وكانت كنيةُ عثمان أبا السائب.

عثمان بن مظعون حسب الإصابة في تمييز الصحابة

٥٤٦٩- عثمان بن مظعون:

بالظاء المعجمة، ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح الجمحيّ.

قال ابن إسحاق: أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا. وهاجر إلى الحبشة هو وابنه السائب الهجرة الأولى في جماعة، فلما بلغهم أنّ قريشا أسلمت رجعوا، فدخل عثمان في جوار الوليد بن المغيرة، ثم ذكر ردّه جواره ورضاه بما عليه النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم، وذكر قصته مع لبيد بن ربيعة حين أنشد:

الا كلّ شيء ما خلا اللَّه باطل............... ...

[الطويل] فقال عثمان بن مظعون: صدقت. فقال لبيد:

............. ... وكلّ نعيم لا محالة زائل «١»

[الطويل] فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقام سفيه منهم إلى عثمان فلطم عينه فاخضرّت.

وفي «الصّحيحين» ، عن سعد بن أبي وقاص، قال: ردّ النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم على عثمان بن مظعون التبتّل، ولو أذن له لاختصينا.

وروى ابن شاهين، والبيهقيّ في «الشّعب» ، من طريق قدامة بن إبراهيم الجمحيّ، عن


(١) للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٢٥٦، وجواهر الأدب ص ٣٨٢، وخزانة الأدب ٢/ ٢٥٥- ٢٥٧، والدرر ١/ ٧١، وديوان المعاني ١/ ١١٨، وسمط اللآلي ص ٢٥٣، وشرح الأشموني ١/ ١١، وشرح التصريح ١/ ٢٩، وشرح شذور الذهب ص ٣٣٩، وشرح شواهد المغني ١/ ١٥٠، ١٥٣، ١٥٤، ٣٩٢، وشرح المفصل ٢/ ٧٨، والعقد الفريد ٥/ ٢٧٣، ولسان العرب ٥/ ٣٥١ (رجز) ، والمقاصد النحوية ١/ ٥، ٧ ٢٩١، ومغني اللبيب ١/ ١٣٣، وهمع الهوامع ١/ ٣، وبلا نسبة في أسرار العربية ص ٢١١، وأوضح المسالك ٢/ ٢٨٩، والدرر ٣/ ١٦٦، ورصف المباني ص ٢٦٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٣١، وشرح عمدة الحافظ ص ٢٦٣، وشرح قطر الندى ص ٢٤٨، واللمع ١٥٤، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٦.

عمر بن حسين، عن عائشة بنت قدامة، عن أبيها، عن عمها، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إني رجل تشقّ علي [العزوبة] «١» في المغازي، فتأذن لي في الخصاء فأختصي؟ فقال: لا، ولكن عليك- ابن مظعون- بالصّوم» .

وروى البزّار «٢» ، من طريق قدامة بن موسى، عن أبيه عن جده قدامة بن مظعون حديثا، وقال: لا أعلم له غيره.

وفي «الصّحيحين» عن أم العلاء، قالت: لما مات عثمان بن مظعون قلت: شهادتي عليك أبا السائب، لقد أكرمك اللَّه.

توفي بعد شهوده بدرا في السنة الثانية من الهجرة، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين، وأول من دفن بالبقيع منهم.

وروى التّرمذيّ من طريق القاسم، عن عائشة، قالت: قبّل النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم عثمان بن مظعون وهو ميّت وهو يبكي، وعيناه تذرفان. ولما توفي «٣» إبراهيم ابن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم قال: «ألحق بسلفنا الصّالح عثمان بن مظعون» .

وقالت امرأة ترثيه:

يا عين جودي بدمع غير ممنون ... على رزيّة عثمان بن مظعون

عثمان بن مظعون حسب الاستيعاب في معرفة الأصحاب

أخْبَرَنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ (١)، قال: [حدَّثنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ] (٢)، قال: حدَّثنا إسماعيلُ (٣) بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ حُمَيدًا الطَّويلَ، قال: قيل لأنسِ بن مالكٍ: إِنَّ حُبَّ عليٍّ وعثمانَ لا يجتمِعان في قلبِ أحدٍ (٤)، فقال أنسٌ: كذبوا واللهِ، لقد اجتَمَع حُبُّهما (٤) في قُلُوبِنا (٥).

[٢٠٠٣] عثمانُ بنُ مظعونِ [بن حبيبِ] (٦) بن وهبِ بن حُذافةَ بن جُمَحَ بن عمرِو بن هُصَيصٍ القُرَشِيُّ الجُمَحِيُّ (٧)، يُكنى أبا السَّائبِ، أُمَّه سُخَيلَةُ بنتُ العَنْبَسِ بن أَهْبانَ بن حُذَافَةَ بن جُمَحَ، وهي أُمُّ السَّائِبِ وعبدِ اللهِ.

قال ابن إسحاقَ (١): أسلَم عثمانُ بنُ مظعونٍ بعد ثلاثةَ عَشَرَ رجلًا، وهاجَر الهجرتَيْنِ، وشهِد بدرًا، وقال ابن إسحاقَ وسالمٌ أبو النَّضْرِ: كان عثمانِ بنُ مظعونٍ أَوَّلَ رجلٍ ماتَ بالمدينةِ مِن المهاجِرِين بعدَ ما رجَع مِن بدرٍ (٢)، وقال غيرُهما: كان أَوَّلَ مَن تبِعه إبراهيمُ ابن النبيِّ (٣).

ورُوِي مِن وُجُوهٍ من حديثِ عائشةَ وغيرِها أنَّ رسولَ اللهِ قَبَّلَ عثمانَ بنَ مظعونٍ بعدَ ما مات (٤).

تُوفِّيَ سنةَ ثِنتَيْنِ مِنَ الهجرةِ، قيل: بعدَ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ شهرًا مِن مَقْدَمِ رسولِ اللهِ المدينةَ، وقيل: إنَّه ماتَ على رأسِ ثلاثينَ شهرًا مِن الهجرة بعدَ شُهُودِه بدرًا، فلمَّا غُسِلَ وكُفِّنَ قَبَّلَ رسولُ اللَّهِ بينَ عَيْنَيْهِ، فلمَّا دُفِن، قال: "نِعْمَ السَّلفُ [هو لنا] (٥) عثمانُ [بنُ مظعونٍ] (٦) " (٧).

ولمَّا تُوفِّي إبراهيمُ ابن النبيِّ قال رسولُ اللهِ : "الْحَقِّ بالسَّلَفِ الصَّالحِ عثمانَ بن مظعونٍ" (٨).

ورُوي عنه أنَّه قال ذلك حينَ تُوفِّيَتْ زينبُ ابنتُه، قال: "الْحَقِي بِسَلَفِنا (١) الخَيِّرِ عثمانَ بن مظعونٍ" (٢)، وأعلَم رسولُ اللهِ قبرَه بِحَجَرٍ، وكان يزورُه.

وقال سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ: رَدَّ رسولُ اللَّهِ على عثمانَ بن مظعونٍ التَّبَتُّلَ، ولو أَذِنَ له (٣) لاخْتَصَيْنَا (٤).

وكان عابِدًا مجتهدًا مِن فُضلاءِ الصَّحابةِ، وقد كان هو وعليُّ بنُ أبي طالبٍ وأبو ذَرٍّ هَمُّوا أَنْ يَخْتَصُوا ويَتَبتَّلُوا، فَنَهَاهم رسولُ اللهِ عن ذلك، ونَزَلَتْ فيهم: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية [المائدة: ٩٣] (٥).

ذكر الواقدِيُّ، عن ابن أبي سَبْرةَ، عن عاصم بن عُبيدِ (١) اللهِ، عن عُبَيدِ اللهِ بن أبي رافعٍ، قال: كان أَوَّلَ مَن دُفِنَ بِبَقِيعِ الغَرْقَدِ عثمانُ بنُ مَظْعُونٍ، فوضَع رسولُ اللهِ حَجَرًا عند رأسه، وقال: "هذا قبرُ فَرَطِنا" (٢).

وقد قيل: إنَّ عثمانَ بن مظعونٍ تُوفِّي بعدَ مَقْدَمِ النبيِّ بستةِ أشهرٍ، وهذا إنَّما يكونُ بعدَ مَقْدَمِه مِن غزوة بدرٍ؛ لأنَّه لم يُختلَفْ في أنَّه شهِدها.

وكان ممن حَرَّمَ الخمْرَ في الجاهليَّةِ: ذكر ابن المبارك، عن عمرَ (٣) بن سعيدِ بن أبي حُسَيْنٍ، عن عبدِ الرحمن بن سابطٍ (٤)، قال: كان عثمانُ بنُ مَظْعُونٍ أحدَ مَن حَرَّمَ الخمرَ في الجاهليَّةِ، وقال: لا أَشْرَبُ شَرَابًا يُذْهِبُ عَقْلِي ويُضْحِكُ بي (٥) مَن هو أدنَى مِنِّي، ويَحْمِلُني على [أَنْ أَنْكِحَ] (٦) كَرِيمَتِي، فَلَمَّا حُرِّمَتِ الخمرُ أُتِيَ وهو بالعَوالِي،

فقيل له: يا عثمانُ، قد حُرِّمتِ الخمرُ، فقال: تَبًّا لها؛ قد كان بَصَرِي فيها ثاقِبًا (١).

قال أبو عمرَ: في هذا نظرٌ؛ لأنَّ تحريم الخمر عندَ أكثرهم بعدَ أُحُدٍ.

قال مصعبٌ الزُّبَيْرِيُّ (٢): أَوَّلُ مَن دُفِن بالبَقِيعِ عثمانُ بنُ مظعونٍ أبو السَّائبِ.

رَوَتْ عائشةُ بنتُ قُدَامةَ بن مَظْعُونٍ، عن أبيها، عن أخيه عثمان بن مَظْعُونٍ، أَنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، إنَّه لَتَشُقُّ علينا العُزْبةُ في المغازي، أفَتَأْذَنُ لي يا رسولَ اللهِ في الخِصَاءِ فَأَخْتَصِيَ؟ فقال رسولُ اللهِ : "لا (٣)، ولكن عليك يا ابنَ مَظْعُونٍ بالصِّيَامِ [فَإِنَّه مُجْفِرٌ] (٤) ".

أخبَرنا أحمدُ بنُ محمدٍ، حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، عن عمرو بن الحارثِ، أنَّ أبا النَّضْرِ حدَّثه، عن زيادٍ، عن ابن عَبَّاسٍ، أن النبيَّ دخل على عثمانَ بن مَظْعُونٍ حينَ مات، فانْكَبَّ عليه، فرفَع رأسَه، فكأنَّهم رَأَوْا أثرَ البكاء في عيْنَيْه (١)، ثمَّ جَثَا (٢) عليه الثَّانِيَةَ، ثمَّ رفع رأسَه فرأَوْه يبكِي، ثمَّ جَثَا (٢) عليه الثَّالثة، ثمَّ رفَع رأسَه وله شَهِيقٌ، فعرَفوا أنَّه يَبْكِي، فبكَى القومُ، فقال النبيُّ : "مَهْ، إنَّما هذا مِن الشَّيْطَانِ"، ثمَّ قال: "أَسْتَغْفِرُ (٣) الله، أَذْهَبْ عليك (٤) أبا السَّائب، فقد خَرَجتَ منها ولم تَلَبَّسْ (٥) منها بشيءٍ" (٦).

وذكَر محمدُ بنُ إِسحاقَ السَّرَّاجُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرَّحيم أبو (٧) يحيى البَزَّازُ (٨)، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن عليِّ بن زيدٍ (٩)، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباسٍ قال: لمَّا ماتَ عثمانُ بنُ مَظْعُونٍ، قالت امرأتُه: هَنِيئًا لك الجنةُ عثمانَ بنَ مَظْعُونٍ! فنظَر إليها رسولُ اللهِ نظَر مُغْضَبٍ، وقال: "ما يُدْرِيك؟ "، قالَتْ: يا رسولَ اللهِ، فارِسُك (١) وصاحِبُك، فقال رسولُ الله : "إنِّي رسولُ اللهِ، وما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بي"، فأَشْفَقَ النَّاسُ على عثمانَ، فَلَمَّا ماتَتْ زينبُ ابنةُ النبيِّ قال رسولُ اللهِ : "الْحَقِي بِسَلَفِنا (٢) الخَيِّرِ عثمانَ بن مَظْعُونِ"، فبكى النِّساءُ، فجعَل عمرُ يُسْكِتُهُنَّ، فقال رسولُ اللهِ : "مَهْلًا [يا عمرُ] (٣) "، ثمَّ قال: "إِيَّاكُنَّ ونَعِيقَ الشَّيْطَانِ؛ ومهما (٤) كان مِن العَيْنِ فمِنَ اللهِ [تعالى ومِن] (٥) الرَّحمةِ، وما كان مِن اليدِ واللِّسَانِ فَمِن الشَّيْطَانِ" (٦).

اخْتلَفتِ الرِّوايةُ (٧) في المرأةِ التي قال لها رسولُ الله : "وما يُدْرِيكَ؟ " حينَ شَهِدتْ لعثمانَ بن مَظْعونٍ بالجَنَّةِ، وقالَتْ له (٨):

عثمان بن مظعون حسب معرفة الصحابة لأبي نعيم

عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبٍ بْنِ حُذَافَةَ بْنُ جُمَحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، يُكْنَى أَبَا السَّائِبِ، مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ فِي الْهِجْرَةِ الْأُولَى، وَأَمِيرُهُمْ، فَقَدِمَ مَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، فَهَاجَرَ فِيهَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَشَهِدَ بَدْرًا، كَانَ مِنْ رُهْبَانِ الْمُهَاجِرِينَ وَنُسَّاكِهِمْ، يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ، وَيَجْتَنِبُ الشَّهَوَاتِ، وَيَعْتَزِلُ النِّسَاءَ، خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَتَلَبَّسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّبَتُّلِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَنَهَاهُ عَنِ الرَّهْبَانِيَّةِ، أَجَارَهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ حِينَ رَجَعَ مِنَ الْحَبَشَةِ فَرَدَّ عَلَيْهِ جِوَارَهُ، وَاكْتَفَى بِجِوَارِ اللهِ، وَامْتُحِنَ فِي اللهِ فَفُقِئَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ، أَوَّلُ مَنْ دُفِنَ بِالْبَقِيعِ، تُوُفِّيَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَقَبَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدَّهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمَّاهُ: السَّلَفُ الصَّالِحُ رَوَى عَنْهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَخُوهُ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ ٤٩١٥ - حَدَّثَنَا فَارُوقٌ الْخَطَّابِيُّ، ثنا زِيَادُ بْنُ الْخَلِيلِ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، ثنا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: " اشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ⦗١٩٥٥⦘ عَلَى دِينِ اللهِ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ فَكَانَتْ فِتْنَةً شَدِيدَةً، وَزِلْزَالًا شَدِيدًا، فَمِنْهُمْ مَنْ عَصَمَهُ اللهُ، وَمِنْهُمْ مَنِ افْتُتِنَ، فَلَمَّا فُعِلَ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَخَلَ الشِّعْبَ مَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي الْخُرُوجِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا عَامَّتُهُمْ حِينَ قُهِرُوا وَتَخَوَّفُوا الْفِتْنَةَ، فَخَرَجُوا وَأَمِيرُهُمْ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَمَكَثَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ حَتَّى أُنْزِلَتْ سُورَةُ وَالنَّجْمِ، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ لَمَّا انْتَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذِكْرِ الْآلِهَةِ مِنْ سَجْعِهِ وَفِتْنَتِهِ فِي قَلْبِ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، وَتَبَاشَرُوا بِهَا، وَسَجَدُوا، وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ سَمِعُوا إِلْقَاءَ الشَّيْطَانِ فِي أَسْمَاعِ الْمُشْرِكِينَ، فَفَشَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ حَتَّى بَلَغَتْ أَرْضَ الْحَبَشَةِ. . وَمَرَّ بِهَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابُهُ وَبَلَغَهُمْ سُجُودُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَلَى التُّرَابِ عَلَى كَفَّيْهِ وَحُدِّثُوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَمِنُوا بِمَكَّةَ، فَأَقْبَلُوا سِرَاعًا، وَقَدْ نَسْخَ اللهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ، وَأَحْكَمَ اللهُ آيَاتِهِ، وَحَفِظَهُ اللهُ مِنَ الْفِرْيَةِ وَالْبَاطِلِ، فَانْقَلَبَ الْمُشْرِكُونَ بِضَلَالَتِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ إِلَّا بِجِوَارٍ، فَأَجَارَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ، فَلَمَّا رَأَى عُثْمَانُ الَّذِي لَقِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْبَلَاءِ، وَعُذِّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِالنَّارِ وَالسِّيَاطِ، وَعُثْمَانُ مُعَافًى لَا يَعْرِضُ لَهُ، اسْتَحَبَّ الْبَلَاءَ عَلَى الْعَافِيَةِ، فَقَالَ: أَمَّا مَنْ كَانَ فِي عَهْدِ اللهِ وَذِمَّتِهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ الَّتِي اخْتَارَ لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُبْتَلًى، وَمَنْ دَخَلَ فِيهِ فَهُوَ خَائِفٌ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي عَهْدِ الشَّيْطَانِ وَأَوْلِيَائِهِ مِنَ النَّاسِ فَهُوَ مُعَافًى، فَعَمَدَ إِلَى الْوَلِيدِ فَقَالَ: يَا عَمِّ، قَدْ أَجَرْتَنِي وَأَحْسَنْتَ إِلَيَّ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تُخْرِجَنِي إِلَى عَشِيرَتِكَ فَتَتَبَرَّأَ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: لَعَلَّ أَحَدًا آذَاكَ أَوْ شَتَمَكَ وَأَنْتَ فِي ذِمَّتِي؟ قَالَ: لَا وَاللهِ مَا اعْتَرَضَ لِي أَحَدٌ وَلَا آذَانِي فَلَمَّا أَبَى عُثْمَانُ، أَخْرَجَهُ الْوَلِيدُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَقُرَيْشٌ فِيهِ أَحْفَلُ مَا كَانُوا، وَلَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ يُنْشِدُهُمْ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَقَدْ غَلَبَنِي وَحَمَلَنِي أَنْ أَتَبَرَّأَ مِنْهُ وَمِنْ جِوَارِهِ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي مِنْهُ بَرِّيءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ، قَالَ: صَدَقَ أَنَا وَاللهِ أَكْرَهْتُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مِنِّي بَرِيءٌ، ثُمَّ جَلَسَا وَلَبِيدُ يُنْشِدُهُمْ فَقَالَ:

البحر الطويل

أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ،

فَقَالَ عُثْمَانُ: صَدَقْتَ، ثُمَّ أَتَمَّ⦗١٩٥٦⦘ الْبَيْتَ فَقَالَ:

وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ فَقَالَ عُثْمَانُ: كَذَبْتَ، فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ وَلَمْ يَدْرُوا مَا أَرَادَ بِكَلِمَتِهِ، ثُمَّ أَعَادَهَا لَبِيدٌ ثَانِيَةً، فَقَالَ عُثْمَانُ مِثْلَ كَلَّمْتِهِ الْأُولَى، فَإِذَا ذَكَرَ: مَا خَلَا اللهُ بَاطِلٌ صَدَّقَهُ، وَإِذَا ذَكَرَ أَنَّ كُلَّ نُعَيْمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلٌ كَذَّبَهُ، لِأَنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ، فَنَزَلَ عِنْدَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَطَمَ عَيْنَ عُثْمَانَ فَاخْضَرَّتْ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ وَأَصْحَابُهُ: كُنْتَ عَنِ الَّتِي لَقِيَتْ عَيْنُكَ غَنِيًّا، فَقَالَ عُثْمَانُ: بَلْ كُنْتُ لِلَّذِي لَقِيَتْ عَيْنِي مِنْكُمْ فَقِيرًا وَعَيْنِي إِلَى مِثْلِ مَا لَقِيَتْ صَاحِبَتُهَا فَقِيرَةٌ، وَلِي فَيْمَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكُمْ أُسْوَةٌ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: إِنْ شِئْتَ أَجَرْتُكَ ثَانِيَةً، فَقَالَ عُثْمَانُ: لَا إِرَبَ لِي فِي جِوَارِكَ"

عثمان بن مظعون حسب أسد الغابة في معرفة الصحابة

(ب د ع) عُثْمان بن مَظْعون بن حَبِيب بن وَهْب بن حُذَافة بن جُمَح بن عمرو بن هُصَيص ابن كعب بنُ لُؤيّ بن غالب القرشي الجُمَحي. يكنى أبا السائب، أمه سخيلة بنت العنبس ابن أهبان بن حُذَافة بن جُمَح، وهي أم السائب وعبد اللَّه ابني مظعون (١).

أسلم أول الإسلام، قال ابن إسحاق: أسلم عثمان بن مظعون بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر إلى الحبشة هو وابنه السائب الهجرة الأولى مع جماعة من المسلمين، فبلغهم وهم بالحبشة أن قريشاً قد أسلمت فعادوا.

أخبرنا أبو جعفر بن السمين بإسناده إلى يونس بن بكَير عن ابن إسحاق قال: فلما بلغ من بالحبشة سجُود أهل مكة مع رسول اللَّه أقبلوا ومن شاء اللَّه منهم، وهم يرون أنهم قد تابعوا النبي . فلما دنوا من مكة بلغهم الأمر فَثَقُل عليهم أن يرجعوا، وتخوفوا أن يدخلوا مكة بغير جوار، فمكثوا حتى دخل كل رجل منهم بجوار من بعض أهل مكة، وقدم عثمان ابن مظعون بجوار الوليد بن المغيرة (٢).

قال ابن إسحاق: فحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عمن حدثه قال: لما رأى عثمان ما يلقى رسول اللَّه وأصحابه من الأذى، وهو يغدو ويروح بأمان الوليد بن المغيرة، قال عثمان: واللَّه إن عدوّى وَرَواحي آمناً بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل بيتي (٣) يلقون البلاء والأذى في اللَّه ما لا يصيبني - لنقص شديد في نفسي.

فمضى إلى الوليد بن المغيرة فقال: يا أبا عبد شمس، وَفَت ذِمَّتك، قد كنت في جِوارك، وقد أحببت أن أخرج منه إلى رسول اللَّه ، فلي به وأصحابه أُسوةٌ، فقال الوليد: فلعلك - يا ابن أخي - أُوذيت أو انتهِكْتَ؟ قال: لا، ولكن أرضى بجوار اللَّه، ولا أُريد أن أستجير بغيره! قال: فانطلقْ إلى المسجد، فاردُدْ علي جواري علانيةً كما أجرتُك علانية! فقال: انطلق،

فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان بن مظعون قد جاء ليرد عليّ جواري. فقال عثمان: صدق، وقد وجدته وفياً كريم الجِوَار، وقد أحببت أن لا أستجير بغير اللَّه ﷿، وقد رددت عليه جواره. ثم انصرف عثمان بن مظعون، ولبيدُ بن ربيعة بن جعفر بن كلاب القيمي في مجلس قريش، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد وهو ينشدهم:

ألَا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلَا اللَّه باطِلُ (١)

فقال عثمان: صدقت. قال لبيد:

وكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحَالَةَ زائل فقال عثمان: كذبت، فالتفت القوم إليه فقالوا للبيد: أعِدْ علينا. فأعاد لبيد، وأعاد له عثمان بتكذيبه مرة وبتصديقه مرة، وإنما يعني عثمان إذا قال: «كذبت»، يعني نَعِيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: واللَّه - يا معشر قريش - ما كانت مجالسكم هكذا! فقام سفيه منهم إلى عثمان بن مظعون فلطم عينه، فاخْضَرَّت، فقال له من حوله: واللَّه يا عثمان لقد كنتَ في ذِمَّة منيعة وكانت عينك غنية عما لقيت! فقال عثمان: جوار اللَّه آمن وأعَزُّ وعيني الصحيحة فقيرة إلى ما لقيت أُختها ولي برسول اللَّه وبمن آمن معه أُسوة. فقال الوليد: هل لك في جواري؟ فقال عثمان: لا أرَبَ لي في جوار أحد إلا في جوار اللَّه (٢).

ثم هاجر عثمان إلى المدينة، وشهد بدراً. وكان من أشد الناس اجتهاداً في العبادة، يصوم النهار ويقوم الليل، ويجتنب الشهوات، ويعتزل النساء، واستأذن رسول اللَّه في التبتل والاختصاءِ (٣)، فنهاه عن ذلك. وهو ممن حرم الخمر على نفسه، وقال: لا أشرب شراباً يُذْهِب عقلي، ويُضْحك بي من هو أدنى مني.

وهو أول رجل مات بالمدينة من المهاجرين، مات سنة اثنتين من الهجرة، قيل: توفى بعد اثنتين وعشرين شهراً بعد شهوده بدراً، وهو أول من دفن بالبقيع أخبرنا إبراهيم بن محمد بن مهران وغيره قالوا بإسنادهم إلى محمد بن عيسى قال: حدثنا محمد بن بَشَّار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد اللَّه،

عن القاسم بن محمد، عن عائشة: أن النبي قَبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي، وعيناه تهراقان (١).

ولما توفي إبراهيم بن رسول اللَّه قال رسول اللَّه : «الحق بالسلف الصالح عثمان ابن مظعون». وروى أن النبي قال ذاك لابنته زينب .

وأعلم النبي على قبره بحجر، وكان يزوره.

وروى ابن عباس أن النبي دخل على عثمان بن مظعون حين مات، فانكب عليه ورفع رأسه، ثم حنى الثانية، ثم حنى الثالثة، ثم رفع رأسه وله شهيق وقال: اذهب عنك أبا السائب.

خرجتَ منها ولم تلبس منها بشيءٍ (٢)

وروى يوسف بن مِهْران عن ابن عباس قال: لما مات عثمان بن مظعون قالت امرأته: هنيئاً لك الجنة! فنظر رسول اللَّه نظر المُغْضَب، وقال: وما يدريك؟ فقالت: يا رسول اللَّه، فارسك وصاحبك! فقال رسول اللَّه : إني رسول اللَّه، وما أدري ما يفعل بي! واختلف الناس في المرأة التي قال لها رسول اللَّه هذا، فقيل: كانت أُم السائب زوجته.

وقيل: أم العلاء الأنصارية، وكان نزل عليها. وقيل: كانت أُم خارجة بن (٣) زيد، وقالت امرأته ترثيه:

يا عينُ جُودِي بدَمْعٍ غيرِ مَمْنُونِ … على رَزِيَّةِ عثمان بن مَظْعُونِ عَلَى امرئٍ باتَ في رِضْوانِ خَالِقِه … طُوبَى لَه مِنْ فقيدِ الشَّخْصِ مدفُونِ طاب البقيع له سُكْنَى وغَرْقَدُه … وأَشْرَقَتْ أرضُه من بعد تعيين (٤)

وأوْرث القلبَ حُزْناً لا انقطاعَ له … حتى الممات، فما ترقى له شونى وقالت أُم العلاءِ: رأيت لعثمان بن مظعون عيناً تجري، فجئت رسول اللَّه فأخبرته، فقال: ذاك عمله.

أخرجه الثلاثة (ابن منده، أبو نعيم، ابن عبد البر).

أسئلة شائعة - عثمان بن مظعون

من هو عثمان بن مظعون رضي الله عنه؟

هو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي، يكنى أبا السائب، أسلم قديمًا قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، وشهد بدرًا.

بم وصفه النبي ﷺ؟

قال فيه النبي ﷺ: إن ابن مظعون لحيي ستير، وقد رد عليه التبتل والاختصاء وقال له: إن في أسوة حسنة، فأنا آتي النساء وآكل اللحم وأصوم وأفطر.

متى توفي عثمان بن مظعون رضي الله عنه؟

توفي في شعبان على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة، وهو أول من دُفن بالبقيع من المسلمين، وقبّله النبي ﷺ وهو ميت ودموعه ﷺ تسيل على خده، وقال: ذهب أبو السائب ولم يتلبس من الدنيا بشيء.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 30 محرّم
هلال جديد اليوم 1.8 / 29.5
الإضاءة 4%
البدر بعد 13 يوم
لا إله إلا الله